انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الإسراء

تفسير الطبريالآيات 19–28

تفسير سورة الإسراء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الإسراء

الخلاصة من تفسير الطبري · 5 مقاطع · 1:19:01

  1. 1 الآيات 1–22في هذه الصفحة 17:55
  2. 2 الآيات 23–49في هذه الصفحة 16:55

التفسير الصوتي لسورة الإسراء كاملًا (5 مقاطع)

وَمَنْ أَرَادَ ٱلْـَٔاخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُو۟لَٰٓئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ۝١٩

يقول تعالـى ذكره: من أراد الآخرة وإياها طلب، ولها عمل عملها، الذي هو طاعة الله وما يرضيه عنه. وأضاف السعي إلـى الهاء والألف، وهي كناية عن الآخرة، فقال: وسعى للآخرة سعى الآخرة، ومعناه: وعمل لها عملها لـمعرفة السامعين بـمعنى ذلك، وأن معناه: وسعى لها سعيه لها وهو مؤمن، يقول: هو مؤمن مصدّق بثواب الله، وعظيـم جزائه علـى سعيه لها، غير مكذّب به تكذيب من أراد العاجلة، يقول الله جلّ ثناؤه: {فَأوُلئِكَ} يعنـي: فمن فعل ذلك {كانَ سَعْيُهُمْ} يعنـي عملهم بطاعة الله {مَشْكُوراً} وشكر الله إياهم علـى سعيهم ذلك حسن جزائه لهم علـى أعمالهم الصالـحة، وتـجاوزه لهم عن سيئها برحمته. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَمَنْ أرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً} شكر الله لهم حسناتهم، وتـجاوز عن سيئاتهم.

كُلًّا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ۝٢٠

يقول تعالـى ذكره: يـمدّ ربك يا مـحمد كلا الفريقـين من مريدي العاجلة، ومريدي الآخرة، الساعي لها سعيها وهو مؤمن فـي هذه الدنـيا من عطائه، فـيرزقهما جميعاً من رزقه إلـى بلوغهما الأمد، واستـيفـائهما الأجل ما كتب لهما، ثم تـختلف بهما الأحوال بعد الـمـمات، وتفترق بهما بعد الورود الـمصادر، ففريق مريدي العاجلة إلـى جهنـم مصدَرهم، وفريق مريدي الآخرة إلـى الـجنة مآبهم {وَما كانَ عَطاء رَبِّكَ مَـحْظُوراً} يقول: وما كان عطاء ربك الذي يؤتـيه من يشاء من خـلقه فـي الدنـيا مـمنوعاً عمن بسطه علـيه لا يقدر أحد من خـلقه منعه من ذلك، وقد آتاه الله إياه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {كُلاّ نُـمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَـحْظُوراً}: أي منقوصاً، وإن الله عزّ وجلّ قسم الدنـيا بـين البرّ والفـاجر، والآخرة خصوصاً عند ربك للـمتقـين.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَـحْظُوراً} قال: منقوصاً.

حدثنا مـحمد بن عبد الله الـمخرمي، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سهل بن أبـي الصلت السراج، قال: سمعت الـحسن يقول {كُلاّ نُـمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ} قال: كلا نعطى من الدنـيا البرّ والفـاجر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس

{ مَنْ كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِـيها ما نَشاءُ }... الآية { وَمَنْ أرَادَ الآخِرَةَ }... ثم قال {كُلاّ نُـمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ} قال ابن عبـاس: فـيرزق من أراد الدنـيا، ويرزق من أراد الآخرة. قال ابن جريج {وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَـحْظُوراً} قال: مـمنوعاً.

حدثنا بشر، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {كُلاّ نُـمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ} أهل الدنـيا وأهل الآخرة {مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَـحْظُوراً} قال: مـمنوعاً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {كُلاّ نُـمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ} أهل الدنـيا وأهل الآخرة {مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَـحْظُوراً} من برّ ولا فـاجر، قال: والـمـحظور: الـمـمنوع، وقرأ

{ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلـى بَعْضٍ والآخِرَةُ أكْبرُ دَرَجَاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلاً }}.

ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلْـَٔاخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ۝٢١

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: انظر يا مـحمد بعين قلبك إلـى هذين الفريقـين اللذين هم أحدهما الدار العاجلة، وإياها يطلب، ولها يعمل والآخر الذي يريد الدار الآخرة، ولها يسعى موقناً بثواب الله علـى سعيه، كيف فضَّلنا أحد الفريقـين علـى الآخر، بأن بصرّنا هذا رشده، وهديناه للسبـيـل التـي هي أقوم، ويسرناه للذي هو أهدى وأرشد، وخذلنا هذا الآخر، فأضللناه عن طريق الـحقّ، وأغشينا بصره عن سبـيـل الرشد {وَللآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ} يقول: وفريق مريد الآخرة أكبر فـي الدار الآخرة درجات بعضهم علـى بعض لتفـاوت منازلهم بأعمالهم فـي الـجنة وأكبر تفضيلاً بتفضيـل الله بعضهم علـى بعض من هؤلاء الفريق الآخرين فـي الدنـيا فـيـما بسطنا لهم فـيها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلـى بَعضٍ}: أي فـي الدنـيا وَللآخِرَةُ {أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْصِيلاً} وإن للـمؤمنـين فـي الـجنة منازل، وإن لهم فضائل بأعمالهم. وذكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم قال:

إنَّ بـينَ أعْلَـى أهْلِ الـجَنَّةِ وأسْفَلِهِمْ دَرَجَةً كالنَّـجْمِ يُرَى فِـي مَشارِقِ الأرْضِ ومَغَارِبها».

لَّا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا ۝٢٢

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: لا تـجعل يا مـحمد مع الله شريكاً فـي ألوهته وعبـادته، ولكن أخـلص له العبـادة، وأفرد له الألوهة، فإنه لا إله غيره، فإنك إن تـجعل معه إلهاً غيره، وتعبد معه سواه، تقعد مذموما يقول: تصير ملوماً علـى ما ضيعت من شكر الله علـى ما أنعم به علـيك من نعمه، وتصيـيرك الشكر لغير من أولاك الـمعروف، وفـي إشراكك فـي الـحمد من لـم يشركه فـي النعمة علـيك غيره، مخذولاً قد أسلـمك ربك لـمن بغاك سوءاً، وإذا أسلـمك ربك الذي هو ناصر أولـيائه لـم يكن لك من دونه ولـيّ ينصرك ويدفع عنك. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {لا تَـجْعَلْ مَعَ اللّهِ إلَها آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً} يقول: مذموما فـي نعمة الله. وهذا الكلام وإن كان خرج علـى وجه الـخطاب النبـيّ لله صلى الله عليه وسلم، فهو معنـيّ به جميع من لزمه التكلـيف من عبـاد الله جلّ وعزّ.

وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ۝٢٣

يعني بذلك تعالـى ذكره حكم ربك يا مـحمد بأمره إياكم ألا تعبدوا إلا الله، فإنه لا ينبغي أن يعبد غيره.

وقد اختلفت ألفـاظ أهل التأويـل فـي تأويـل قوله {وَقَضَى رَبُّكَ} وإن كان معنى جميعهم فـي ذلك واحداً. ذكر ما قالوا فـي ذلك:

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس {وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاه} يقول: أمر.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الـحكم بن بشير، قال: ثنا زكريا بن سلام، قال: جاء رجل إلـى الـحسن، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثاً، فقال: إنك عصيتَ ربك، وبـانت منك امرأتك، فقال الرجل: قضى الله ذلك علـيّ، قال الـحسن، وكان فصيحاً: ما قضى الله: أي ما أمر الله، وقرأ هذه الآية {وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ} فقال الناس: تكلـم الـحسن فـي القدر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ}: أي أمر ربك فـي ألا تعبدوا إلا إياه، فهذا قضاء الله العاجل، وكان يُقال فـي بعض الـحكمة: من أرضى والديه: أرض خالقه، ومن أسخط والديه، فقد أسخط ربه.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدوا إلاَّ إيَّاهُ} قال: أمر ألا تعبدوا إلا إياه، وفـي حرف ابن مسعود: «وَصَّى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ».

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن عيسى، قال: ثنا نصير بن أبـي الأشعث، قال: ثنـي ابن حبـيب بن أبـي ثابت، عن أبـيه، قال: أعطانـي ابن عبـاس مصحفـاً، فقال: هذا علـى قراءة أبـيّ بن كعب، قال أبو كريب: قال يحيى: رأيت الـمصحف عند نصير فـيه: «وَوَصَّى رَبُّكَ» يعنـي: وقضى ربك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد {وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ} قال: وأوصى ربك.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ} قال: أمر ألا تعبدوا إلا إياه.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيـم، عن أبـي إسحاق الكوفـي، عن الضحاك بن مزاحم، أنه قرأها: «وَوَصَّى رَبُّكَ» وقال: إنهم ألصقوا الواو بـالصاد فصارت قافـا.

وقوله: {وَبـالوَالِدَيْنِ إحْساناً} يقول: وأمركم بـالوالدين إحساناً أن تـحسنوا إلـيهما وتبرّوهما. ومعنى الكلام: وأمركم أن تـحسنوا إلـى الوالدين فلـما حذفت «أن» تعلق القضاء بـالإحسان، كما يقال فـي الكلام: آمرك به خيراً، وأوصيك به خيراً، بـمعنى: آمرك أن تفعل به خيراً، ثم تـحذف «أن» فـيتعلق الأمر والوصية بـالـخير، كما قال الشاعر:

عَجِبْتُ مِنْ دَهْماءَ إذْ تَشْكُوناومِنْ أبـي دَهْماءَ إذْ يُوصِينا خَيْراً بها كأننا جافُونا

فاعمل يوصينا فـي الخير.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله {إمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما} فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة، وبعض قرّاء الكوفـيـين: {إمَّا يَبْلُغَنَّ} علـى التوحيد علـى توجيه ذلك إلـى أحدهما لأن أحدهما واحد، فوحدوا {يَبْلُغَنَّ } لتوحيده، وجعلوا قوله {أوْ كِلاهُما} معطوفـاً علـى الأحد. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين: «إما يَبْلُغانّ» علـى التثنـية وكسر النون وتشديدها، وقالوا: قد ذكر الوالدان قبل، وقوله: «يَبْلُغانّ» خبر عنهما بعد ما قدّم أسماءهما. قالوا: والفعل إذا جاء بعد الاسم كان الكلام أن يكون فـيه دلـيـل علـى أنه خبر عن اثنـين أو جماعة. قالوا: والدلـيـل علـى أنه خبر عن اثنـين فـي الفعل الـمستقبل الألف والنون. قالوا: وقوله {أحَدُهُما أوْ كِلاهُما} كلام مستأنف، كما قـيـل:

{ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثم تَاب اللّهُ عَلَـيْهِمْ، ثم عَمُوا وَصَمُّوا كَثِـيرٌ منهُمْ }وكقوله { وأسَرُّوا النَّـجْوَى } ثم ابتدأ فقال { الَّذِينَ ظَلَـمُوا }

وأولـى القراءتـين بـالصواب عندي فـي ذلك، قراءة من قرأه {إما يَبْلُغَنَّ} علـى التوحيد علـى أنه خبر عن أحدهما، لأن الـخبر عن الأمر بـالإحسان فـي الوالدين، قد تناهى عند قوله {وَبـالوَالِدَيْنِ إحْساناً} ثم ابتدأ قوله {إمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما}.

وقوله: {فَلا تَقُلْ لَهُما أُفَ} يقول: فلا تؤفف من شيء تراه من أحدهما أو منهما مـما يتأذّى به الناس، ولكن اصبر علـى ذلك منهما، واحتسب فـي الأجر صبرك علـيه منهما، كما صبراً علـيك فـي صغرك. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مـحمد بن مـحبب، قال: ثنا سفـيان، عن لـيث، عن مـجاهد، فـي قوله: {فَلا تَقُلْ لَهُما أُفّ وَلا تَنْهَرْهُما} قال: إن بلغا عندك من الكبر ما يبولان ويخرآن، فلا تقل لهما أفّ تقذّرهما.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: إما يَبْلُغانِّ عِندك الكبر فلا تَقُل لهما أف حين ترى الأذى، وتـميط عنهما الـخلاء والبول، كما كانا يـميطانه عنك صغيرا، ولا تؤذهما.

وقد اختلف أهل الـمعرفة بكلام العرب فـي معنى «أفّ»، فقال بعضهم: معناه: كلّ ما غلظ من الكلام وقبُح. وقال آخرون: الأفّ: وسخ الأظفـار والتف كلّ ما رفعت بـيدك من الأرض من شيء حقـير. وللعرب فـي «أُفّ» لغات ستّ رفعها بـالتنوين وغير التنوين وخفضها كذلك ونصبها فمن خفض ذلك بـالتنوين، وهي قراءة عامة أهل الـمدينة. شبهها بـالأصوات التـي لا معنى لها، كقولهم فـي حكاية الصوت غاق غاق، فخفضوا القاف ونوّنوها، وكان حكمها السكون، فإنه لا شيء يعربها من أجل مـجيئها بعد حرف ساكن وهو الألف، فكرهوا أن يجمعوا بـين ساكنـين، فحرّكوا إلـى أقرب الـحركات من السكون، وذلك الكسر، لأن الـمـجزوم إذا حرّك، فإنـما يحرّك إلـى الكسر. وأما الذين خفضوا بغير تنوين، وهي قراءة عامة قرّاء الكوفـيـين والبصريـين، فإنهم قالوا: إنـما يدخـلون التنوين فـيـما جاء من الأصوات ناقصا، كالذي يأتـي علـى حرفـين مثل: مَه وصَه وبَخ، فـيتـمـم بـالتنوين لنقصانه عن أبنـيه الأسماء. قالوا: وأفّ تامّ لا حاجة بنا إلـى تتـمته بغيره، لأنه قد جاء علـى ثلاثة أحرف. قالوا: وإنـما كسرنا الفـاء الثانـية لئلا نـجمع بـين ساكنـين. وأما من ضمّ ونوّن، فإنه قال: هو اسم كسائر الأسماء التـي تُعرب ولـيس بصوت، وعدل به عن الأصوات. وأما من ضمّ ذلك بغير تنوين، فإنه قال: لـيس هو بـاسم متـمكن فـيُعرب بإعراب الأسماء الـمتـمكنة، وقالوا: نضمه كما نضمّ قوله

{ لِلّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ }، وكما نضمّ الاسم فـي النداء الـمفرد، فنقول: يا زيد. ومن نصبه بغير تنوين، وهو قراءة بعض الـمكيـين وأهل الشام فإنه شبهه بقولهم: مدّ يا هذا وردّ. ومن نصب بـالتنوين، فإنه أعمل الفعل فـيه، وجعله اسماً صحيحاً، فـيقول: ما قلت له: أفـاً ولا تفـاً. وكان بعض نـحويـي البصرة يقول: قُرِئت: أفّ، وأفـا لغة جعلوها مثل نعتها. وقرأ بعضهم «أُفّ»، وذلك أن بعض العرب يقول: «أفّ لك» علـى الـحكاية: أي لا تقل لهما هذا القول. قال: والرفع قبـيح، لأنه لـم يجيء بعده بلام، والذين قالوا: «أُفّ» فكسروا كثـير، وهو أجود. وكسر بعضهم ونوّن. وقال بعضهم: «أُفّـي»، كأنه أضاف هذا القول إلـى نفسه، فقال: أُفّـي هذا لكما، والـمكسور من هذا منوّن وغير منوّن علـى أنه اسم غير متـمكن، نـحو أمس وما أشبهه، والـمفتوح بغير تنوين كذلك. وقال بعض أهل العربـية: كل هذه الـحركات الستّ تدخـل فـي «أفّ» حكاية تشبه بـالاسم مرّة وبـالصوت أخرى. قال: وأكثر ما تُكسر الأصوات بـالتنوين إذا كانت علـى حرفـين مثل صه ومه وبخ. وإذا كانت علـى ثلاثة أحرف شبهت بـالأدوات «أفَّ» مثل: لـيت ومَدَّ، وأُفِّ مثل مُدِّ يُشبه بـالأدوات. وإذا قال أَفَّ مثل صَهَّ. وقالوا سمعت مِضِّ يا هذا ومِضُّ. وحُكي عن الكسائي أنه قال: سمعت «ما علـمك أهلك إلا مِضِّ ومِضُّ»، وهذا كأفِّ وأفُّ. ومن قال: «أُفًّـا» جعله مثل سُحْقا وبُعدا.

والذي هو أولـى بـالصحة عندي فـي قراءة ذلك، قراءة من قرأه: «فلا تَقُلْ لَهُما أُفِّ» بكسر الفـاء بغير تنوين لعلَّتـين إحداهما: أنها أشهر اللغات فـيها وأفصحها عند العرب والثانـية: أن حظّ كلّ ما لـم يكن له معرَب من الكلام السكون فلـما كان ذلك كذلك. وكانت الفـاء فـي أفّ حظها الوقوف، ثم لـم يكن إلـى ذلك سبـيـل لاجتـماع الساكنـين فـيه، وكان حكم الساكن إذا حُرّك أن يحرّك إلـى الكسر حرّكت إلـى الكسر، كما قـيـل: مُدِّ وشُدِّ ورُدِّ البـاب.

وقوله: {وَلا تَنْهَرْهُما} يقول جلّ ثناؤه: ولا تزجُرهما. كما:

حدثنا مـحمد بن إسماعيـل الأحمَسي، قال: ثنا مـحمد بن عبـيد، قال: ثنا واصل الرَّقاشَيّ، عن عطاء ابن أبـي رَبـاح، فـي قوله: {وَلا تَقُلْ لَهُما أُفَ وَلا تَنْهَرْهُما} قال: لا تنفض يدك علـى والديك. يقال منه: نَهرَه يَنهره نَهْراً، وانتهره ينتهره انتهاراً.

وأما قوله: {وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيـماً} فإنه يقول جلّ ثناؤه: وقل لهما قولاً جميلاً حسناً. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج {وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيـماً} قال: أحسن ما تـجد من القول.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا الـمتعمر بن سلـيـمان، عن عبد الله بن الـمختار، عن هشام بن عروة، عن أبـيه، عن عمر بن الـخطاب {قَوْلاً كَرِيـماً} قالا: لا تـمتنع من شيء يريدانه.

قال أبو جعفر: وهذا الـحديث خطأ، أعنـي حديث هشام بن عُروة، إنـما هو عن هشام بن عروة، عن أبـيه، لـيس فـيه عمر، حدّث عن ابن عُلـية وغيره، عن عبد الله بن الـمختار.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيـماً}: أي قولاً لـيِّناً سهلاً.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنـي حَرْملة بن عمران، عن أبـي الهَدَّاج التُّـجِيبـي، قال: قلت لسعيد بن الـمسيب: كلّ ما ذكر الله عزّ وجلّ فـي القرآن من برّ الوالدين، فقد عرفته، إلاَّ قوله {وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيـماً} ما هذا القول الكريـم؟ فقال ابن الـمسيب: قول العبد الـمذنب للسيد الفظّ..

وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا ۝٢٤

يقول تعالـى ذكره: وكن لهما ذلـيلاً رحمة منك بهما تطيعهما فـيـما أمراك به مـما لـم يكن لله معصية، ولا تـخـلفهما فـيـما أحبَّـا. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن هشام بن عروة، عن أبـيه، فـي قوله {وَاخْفِضْ لَهُما جنَاحَ الذُّلّ مِنَ الرَّحْمَةِ} قال: لا تـمتنع من شيء يُحبـانه.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا الأشجعي، قال: سمعت هشام بن عروة، عن أبـيه، فـي قوله {وَاخْفِض لَهُما جنَاحَ الذُّلّ مِنَ الرَّحْمَةِ} قال: هو أن تلـين لهما حتـى لا تـمتنع من شيء أحبَّـاه.

حدثنـي مـحمد بن عبد الله بن عبد الـحكم، قال: ثنا أيوب بن سويد، قال: ثنا الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبـيه، فـي قوله {وَاخْفِضْ لَهُما جنَاحَ الذُّلّ مِنَ الرَّحْمَةِ} قال: لا تـمتنع من شيء أحبـاه.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن عبد الله بن الـمختار، عن هشام بن عروة، عن أبـيه، فـي قوله {وَاخْفِضْ لَهُما جنَاحَ الذُّلّ مِنَ الرَّحْمَةِ} قال: هو أن لا تـمتنع من شيء يريدانه.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا الـمقرىء أبو عبد الرحمن، عن حرملة بن عمران، عن أبـي الهداج، قال: قلت لسعيد بن الـمسيب: ما قوله {وَاخْفِضْ لَهُما جنَاحَ الذُّلّ مِنَ الرَّحْمَةِ} قال: ألـم تر إلـى قول العبد الـمذنب للسيد الفظّ الغلـيظ.

والذُّلّ بضم الذال والذّلَّة مصدران من الذلـيـل، وذلك أن يتذلل، ولـيس بذلـيـل فـي الـخـلقة من قول القائل: قد ذَلَلت لك أذلّ ذلة وذلاً، وذلك نظير القلّ والقلة، إذا أسقطت الهاء ضمت الذال من الذُّلّ، والقاف من القُلّ، وإذا أثبتت الهاء كُسِرت الذال من الذِّلة، والقاف من القِلَّة، لـما قال الأعشى:

وَمَا كُنْتُ قُلاًّ قبلَ ذلكَ أزْيَبَـا

يريد: القلة. وأما الذِّل بكسر الذال وإسقاط الهاء فإنه مصدر من الذَّلول من قولهم: دابة ذَلول: بـينة الذلّ، وذلك إذا كانت لينة غير صعبة. ومنه قول الله جلّ ثناؤه: { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولاً } يُجمع ذُلُلاً، كما قال جلّ ثناؤه: { فـاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكَ ذُلُلاً }. وكان مـجاهد يتأوّل ذلك أنه لا يتوعَّر علـيها مكان سلكته.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الـحجاز والعراق والشام {وَاخْفِضْ لَهُما جنَاحَ الذُّلّ} بضمّ الذال علـى أنه مصدر من الذلـيـل. وقرأ ذلك سعيد بن جبـير وعاصم الـجَحْدَرِيّ: «جنَاحَ الذِّلّ» بكسر الذال.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا بهز بن أسد، قال: ثنا أبو عَوانة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـير أنه قرأ: «وَاخْفِضْ لَهُما جُناحَ الذِّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ قال: كن لهما ذلـيلاً، ولا تكن لهما ذلولاً.

حدثنا نصر بن علـيّ، قال: أخبرنـي عمر بن شقـيق، قال: سمعت عاصماً الـجحدري يقرأ: «وَاخْفِضْ لَهُما جنَاجَ الذِّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ» قال: كن لهما ذلـيلاً، ولا تكن لهما ذَلولاً.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عمر بن شقـيق، عن عاصم، مثله.

قال أبو جعفر: وعلـى هذا التأويـل الذي تأوّله عاصم كان ينبغي أن تكون قراءته بضم الذال لا بكسرها.

حدثنا نصر وابن بشار وحُدثت عن الفراء، قال: ثنـي هشيـم، عن أبـي بشر جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبـير، أنه قرأ: «وَاخفِضْ لَهُما جنَاحَ الذِّلِّ». قال الفرّاء: وخبرنـي الـحكـم بن ظهير، عن عاصم بن أبـي النَّـجود، أنه قرأها الذِّلّ أيضاً، فسألت أبـا بكر فقال: الذِّلّ قرأها عاصم.

وأما قوله: {وَقُلْ رَبّ ارْحمْهُما كمَا رَبَّـيَانِـي صَغِيراً} فإنه يقول: ادع الله لوالديك بـالرحمة، وقل ربّ ارحمهما، وتعطف علـيهما بـمغفرتك ورحمتك، كما تعطَّفـا علـيّ فـي صغري، فرحمانـي وربـيانـي صغيراً، حتـى استقللت بنفسي، واستغنـيت عنهما. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَاخْفِضْ لَهُما جنَاحَ الذُّلّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبّ ارْحَمْهُما كمَا رَبَّـيانِـي صَغِيراً} هكذا عُلِّـمتـم، وبهذا أمرتـم، خذوا تعلـيـم الله وأدبه.

ذُكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم وهو مادّ يديه رافع صوته يقول:

مَنْ أدْرَكَ وَالِدَيهِ أوْ أحَدَهُما ثُمَّ دَخَـلَ النَّارَ بَعْدَ ذلكَ فَأبْعَدَهُ اللّهُ وأسْحَقَهُ. ولكن كانوا يرون أنه من بَرّ والديه، وكان فـيه أدنى تُقـي، فإن ذلك مُبْلِغه جسيـم الـخير. وقال جماعة من أهل العلـم: إن قول الله جلّ ثناؤه: {وَقُل رَبّ ارحَمْهُما كمَا رَبَّـيانِـي صَغِيراً} منسوخ بقوله: { ما كانَ للنَّبِـيّ والَّذِينَ آمَنُوا أن يَسْتَغْفِرُوا للْـمُشْرِكِينَ وَلَو كانُوا أُولـي قُربَى من بَعْدِ ما تَبَـيَّنَ لَهُم أنَّهُم أصْحابُ الـجَحِيـمِ }. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن عليّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَقُل رَبّ ارحَمْهُما كمَا رَبَّـيانِـي صَغِيراً} ثم أنزل الله عزّ وجلّ بعد هذا:

{ ما كانَ للنَّبِـيّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أن يَسْتَغْفِرُوا للْـمُشْرِكِينَ وَلَو كانُوا أُولـي قُربَى }

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الـحسين، عن يزيد، عن عكرمة، قال فـي سورة بنـي إسرائيـل {إمَّا يَبْلُغانّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أو كِلاهُما}... إلـى قوله {وَقُل رَبّ ارْحَمْهُما كمَا رَبَّـيانِـي صَغِيراً} فنسختها الآية التـي فـي براءة

{ ما كانَ للنَّبِـيّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا للْـمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولـي قُرْبَى }... الآية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عبـاس {وَقُلْ رَبّ ارْحَمْهُما}... الآية، قال: نسختها الآية التـي فـي براءة

{ ما كانَ للنَّبِـيّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا للْـمُشْرِكينَ }... الآية.

وقد تـحتـمل هذه الآية أن تكون وإن كان ظاهرها عامًّا فـي كلّ الآبـاء بغير معنى النسخ، بأن يكون تأويـلها علـى الـخصوص، فـيكون معنى الكلام: وقل ربّ ارحمهما إذا كانا مؤمنـين، كما رَبـيانـي صغيراً، فتكون مراداً بها الـخصوص علـى ما قلنا غير منسوخ منها شيء. وعَنَى بقول ربـيانـي: نَـمَّيَانـي.

رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُوا۟ صَٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلْأَوَّٰبِينَ غَفُورًا ۝٢٥

يقول تعالـى ذكره {رَبُّكُمْ} أيها الناس {أعْلَـمُ} منكم {بِـمَا فِـي نُفُوسِكُمْ} من تعظيـمكم أمر آبـائكم وأمهاتكم وتكرمتهم، والبرّ بهم، وما فـيها من اعتقاد الاستـخفـاف بحقوقهم، والعقوق لهم، وغير ذلك من ضمائر صدوركم، لا يخفـى علـيه شيء من ذلك، وهو مـجازيكم علـى حَسَن ذلك وسيِّئه، فـاحذروا أن تُضمروا لهم سوءاً، وتعقِدوا لهم عقوقاً. وقوله {إنْ تَكُونُوا صَالِـحِينَ} يقول: إن أنتـم أصلـحتـم نـياتكم فـيهم، وأطعتـم الله فـيـما أمركم به من البرّ بهم، والقـيام بحقوقهم علـيكم، بعد هفوة كانت منكم، أو زلة فـي واجب لهم علـيكم مع القـيام بـما ألزمكم فـي غير ذلك من فرائضه، فإنه كان للأوّابـين بعد الزَّلة، والتائبـين بعد الهَفْوة غفورا لهم. وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبـي وعمي عن حبـيب بن أبـي ثابت، عن سعيد بن جبـير {رَبُّكُمْ أعْلَـمُ بِـمَا فِـي نُفُوسِكُمْ} قال: البـادرة تكون من الرجل إلـى أبويه لا يريد بذلك إلا الـخير، فقال: {ربُّكُمْ أعْلَـمُ بِـمَا فِـي نُفُوسِكُمْ}.

حدثنا أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنـي أبـي، عن حبـيب بن أبـي ثابت، عن سعيد بن جبـير، بـمثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الـحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو، عن حبـيب بن أبـي ثابت، فـي قوله {فإنَّهُ كانَ للأَوَّابِـينَ غَفُوراً} قال: هو الرجل تكون منه البـادرة إلـى أبويه وفـي نـيته وقلبه أنه لا يؤاخَذ به.

واختلف أهل التأويـل، فـي تأويـل قوله: {فإنَّهُ كانَ للأَوَّابِـينَ غَفُوراً} فقال بعضهم: هم الـمسبِّحون. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي سلـيـمان بن عبد الـجبـار، قال: ثنا مـحمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة وحدثنـي ابن سنان القزاز، قال: ثنا الـحسين بن الـحسن الأشقر، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس {فإنَّهُ كانَ للأوَّابِـينَ غَفُوراً} قال: الـمسبحين.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا أبو خيثمة زهير، قال: ثنا أبو إسحاق، عن أبـي ميسرة، عن عمرو بن شرحبـيـل، قال: الأوّاب: الـمسبح.

وقال آخرون: هم الـمطيعون الـمـحسنون. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {فإنَّهُ كانَ للأَوَّابِـينَ غَفُوراً} يقول: للـمطيعين الـمـحسنـين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {فإنَّهُ كانَ للأَوَّابِـينَ غَفُوراً} قال: هم الـمطيعون، وأهل الصلاة.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {فإنه كانَ للأَوَّابِـينَ غَفُوراً} قال: للـمطيعين الـمصلـين.

وقال آخرون: بل هم الذين يصلون بـين الـمغرب والعشاء. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، عن أبـي صخر حميد بن زياد، عن ابن الـمنكدر يرفعه {فإنَّهُ كان للأَوَّابِـينَ غَفُوراً} قال: الصلاة بـين الـمغرب والعشاء.

وقال آخرون: هم الذين يصلُّون الضُّحَى. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عمرو بن علـيّ، قال: ثنا ربـاح أبو سلـيـمان الرقاء، قال: سمعت عوناً العُقـيـلـيّ يقول فـي هذه الآية {فإنَّهُ كانَ للأَوَّابِـينَ غَفُوراً} قال: الذين يصلون صلاة الضحى.

وقال آخرون: بل هو الراجع من ذنبه، التائب منه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن الولـيد القرشيّ، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن الـمسيب أنه قال فـي هذه الآية {فإنَّهُ كانَ للأَوَّابِـينَ غَفُوراً} قال: الذي يصيب الذنب ثم يتوب ثم يصيب الذنب ثم يتوب.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا سلـيـمان بن داود، عن شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن الـمسيب، قال: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب فـي هذا الآية {فإنَّهُ كانَ للأَوَّابِـينَ غَفُوراً}.

حدثنا مـجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن الـمسيب يُسْأَل عن هذه الآية {فإنَّهُ كانَ للأَوَّابِـينَ غَفُوراً} قال: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنـي جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن الـمسيب، بنـحوه.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن سعيد بن الـمسيب، بنـحوه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنـي مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن الـمسيب {فإنَّهُ كانَ للأَوَّابِـينَ غَفُوراً} قال: هو العبد يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي اللـيث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن الـمسيب يقول: فذكر مثله.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا الثَّوريّ ومعمر، عن يحيى بن سعيد، عن ابن الـمسيب، قال: الأوّاب: الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـير فـي هذه الآية {فإنَّهُ كانَ للأَوَّابِـينَ غَفُوراً} قال: الراجعين إلـى الـخير.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الصمد وأبو داود وهشام، عن شعبة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـير، بنـحوه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، جميعاً عن منصور، عن مـجاهد، عن عبـيد بن عمير {فإنَّهُ كان للأوَّابِـين غَفُوراً} قال: الذي يذكر ذنوبه فـي الـخلاء، فـيستغفر الله منها.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن منصور، عن مـجاهد، قال: الأوّاب: الذي يذكر ذنوبه فـي الـخلاء فـيستغفر الله منها.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن مـجاهد، عن عبـيد بن عمير، أنه قال فـي هذه الآية {إنَّهُ كان للأوَّابِـينَ غَفُوراً} قال: الذي يذكر ذنبه ثم يتوب.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله جلّ ثناؤه {للأوَّابِـين غَفُوراً} قال: الأوّابون: الراجعون التائبون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

قال ابن جريج، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن الـمسيب: الرجل يذنب ثم يتوب ثلاثا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مـجاهد، عن عبـيد بن عمير، قوله {فإنَّه كان للأوَّابِـين غَفُوراً} قال: الذي يتذكر ذنوبه، فـيستغفر الله لها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي ابن شريح، عن عقبة بن مسلـم، عن عطاء بن يسار، أنه قال فـي قوله {فإنَّهُ كان للأوَّابِـين غَفُوراً} يذنب العبد ثم يتوب، فـيتوب الله علـيه ثم يذنب فـيتوب، فـيتوب الله علـيه ثم يذنب الثالثة، فإن تاب، تاب الله علـيه توبة لا تُـمْـحَى.

وقد رُوي عن عبـيد بن عمير، غير القول الذي ذكرنا عن مـجاهد، وهو ما:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مـحمد بن مسلـم، عن عمرو بن دينار، عن عبـيد بن عمير، فـي قوله {فإنَّهُ كان للأوَّابِـين غَفُوراً} قال: كنا نَعُدّ الأوّاب: الـحفـيظ، أن يقول: اللهمّ اغفر لـي ما أصبت فـي مـجلسي هذا.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: الأوّاب: هو التائب من الذنب، الراجع من معصية الله إلـى طاعته، ومـما يكرهه إلـى ما يرضاه، لأن الأوّاب إنـما هو فعَّال، من قول القائل: آب فلان من كذا إما من سفره إلـى منزله، أو من حال إلـى حال، كما قال عبَـيد بن الأبرص:

وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُوغائِبُ الـمَوْتِ لا يَئُوبُ

فهو يئوب أوبـاً، وهو رجل آئب من سفره، وأوّاب من ذنوبه.

وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ۝٢٦ إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوٓا۟ إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِ وَكَانَ ٱلشَّيْطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورًا ۝٢٧

اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيّ بقوله {وآتِ ذَا القُرْبى} فقال بعضهم: عَنى به: قرابة الـميت من قِبل أبـيه وأمه، أمر الله جلّ ثناؤه عبـاده بصلتها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عمرانُ بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا حبـيب الـمعلـم، قال: سأل رجل الـحسن، قال: أُعْطِي قرابتـي زكاة مالـي، فقال: إن لهم فـي ذلك لـحقا سوى الزكاة، ثم تلا هذه الآية {وآت ذا القُرْبى حَقَّهُ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله {وآتِ ذَا القُرْبى حَقَّهُ} قال: صلته التـي تريد أن تصله بها ما كنت تريد أن تفعله إلـيه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {وآتِ ذَا القُرْبى حَقَّهُ وَالـمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِـيـلِ} قال: هو أن تصل ذا القربة والـمسكين وتـحسُن إلـى ابن السبـيـل.

وقال آخرون: بل عنى به قرابه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا إسماعيـل بن أبـان، قال: ثنا الصبـاح بن يحيى الـمَزنـيّ، عن السُّديّ، عن أبـي الديـلـم، قال: قال علـيّ بن الـحسين علـيهما السلام لرجل من أهل الشام: أقرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: أفما قرأت فـي بنـي إسرائيـل {وآتِ ذَا القُرْبى حَقَّهُ} قال: وإنكم للقْرابة التـي أمر الله جلّ ثناؤه أن يُؤتـي حقه؟ قال: نعم.

وأولـى التأويـلـين عندي بـالصواب، تأويـل من تأوّل ذلك أنها بـمعنى وصية الله عبـاده بصلة قرابـات أنفسهم وأرحامهم من قِبَل آبـائهم وأمهاتهم، وذلك أن الله عزّ وجلّ عَقَّب ذلك عقـيب حَضّه عبـاده علـى بر الآبـاء والأمَّهات، فـالواجب أن يكون ذلك حَضًّا علـى صلة أنسابهم دون أنساب غيرهم التـي لـم يجر لها ذكر. وإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: وأعط يا مـحمد ذا قرابتك حقه من صلتك إياه، وبرّك به، والعطف علـيه. وخرج ذلك مَخْرج الـخطاب لنبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، والـمراد بحكمه جميع من لزمته فرائض الله، يدلّ علـى ذلك ابتداؤه الوصية بقوله جلّ ثناؤه:

{ وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ وَبـالوَالِدَيْنِ إحْساناً إمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما } فوجَّه الـخطاب بقوله { وَقَضَى رَبُّكَ }إلـى نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال { ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ } فرجع بـالـخطاب به إلـى الـجميع، ثم صرف الـخطاب بقوله { إمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ }إلـى إفراده به. والـمعنـيّ بكل ذلك جميع من لزمته فرائض الله عزّ وجلّ، أفرد بـالـخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، أو عمّ به هو وجميع أمته.

وقوله: {والـمِسْكِينَ} وهو الذلَّة من أهل الـحاجة. وقد دللنا فـيـما مضى علـى معنى الـمسكين بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. وقوله {وَابْنَ السَّبِـيـلِ} يعنـي: الـمسافر الـمنقطع به، يقول تعالـى: وصِل قرابتك، فأعطه حقه من صلتك إياه، والـمسكين ذا الـحاجة، والـمـجتاز بك الـمنقطع به، فأعنه، وقوّه علـى قطع سفره. وقد قـيـل: إنـما عنى بـالأمر بإتـيان ابن السبـيـل حقه أن يضاف ثلاثة أيام.

والقول الأوّل عندي أولـى بـالصواب، لأن الله تعالـى لـم يخصُصْ من حقوقه شيئاً دون شيء فـي كتابه، ولا علـى لسان رسوله، فذلك عامّ فـي كلّ حقّ له أن يُعطاه من ضيافة أو حمولة أو مَعُونة علـى سفره.

وقوله {وَلا تُبَذّرْ تَبْذِيراً} يقول: ولا تفرّق يا مـحمد ما أعطاك الله من مال فـي معصيته تفريقا. وأصل التبذير: التفريق فـي السّرَف ومنه قول الشاعر:

أُناسٌ أجارُونا فَكانَ جِوَارُهُمْأعاصِيرَ مِنْ فِسْقِ العِرَاقِ الـمُبَذَّرِ

وبنحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عبـيد الـمـحاربـي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبـي إسحاق، عن أبـي العبـيدين، قال: قال عبد الله فـي قوله {وَلا تُبَذّرْ تَبْذِيراً} قال: التبذير فـي غير الـحقّ، وهو الإسراف.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن سلـمة، عن مسلـم البطين، عن أبـي العبـيدين، قال: سُئل عبد الله عن الـمبذّر فقال: الإنفـاق فـي غير حقّ.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الـحكم، قال: سمعت يحيى بن الـجزار يحدّث عن أبـي العبُـيدين، ضرير البصر، أنه سأل عبد الله بن مسعود عن هذه الآية {ولا تُبَذّرْ تَبْذِيراً } قال: إنفـاق الـمال فـي غير حقه.

حدثنـي زكريا بن يحيى بن أبـي زائدة، قال: ثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن الـحكم، عن يحيى بن الـجزار، عن أبـي العُبـيدين، عن عبد الله، مثله.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: أخبرنا شعبة، عن الـحكم بن عتـيبة، عن يحيى بن الـجزار أن أبـا العبـيدين، كان ضرير البصر، سأل ابن مسعود فقال: ما التبذير؟ فقال: إنفـاق الـمال فـي غير حقه.

حدثنا خلاد بن أسلـم، قال: أخبرنا النضر بن شميـل، قال: أخبرنا الـمسعودي، قال: أخبرنا سلـمة بن كُهيـل، عن أبـي العُبـيدين، وكانت به زَمانة، وكان عبد الله يعرف له ذلك، فقال: يا أبـا عبد الرحمن، ما التبذير؟ فذكر مثله.

حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، قال: ثنا أبو الـحوأَب، عن عمار بن زُريق، عن أبـي إسحاق، عن حارثة بن مُضرِب، عن أبـي العُبـيدين، عن عبد الله بن مسعود، قال: كنا أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم نتـحدّث أن التبذير: النفقة فـي غير حقه.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا يحيى بن كثـير العنبري، قال: ثنا شعبة، قال: كنت أمشي مع أبـي إسحاق فـي طريق الكوفة، فأتـى علـى دار تُبنى بجصّ وآجر، فقال: هذا التبذير فـي قول عبد الله: إنفـاق الـمال فـي غير حق.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {وَلا تُبَذّرْ تَبْذِيراً} قال: الـمبذّر: الـمنفق فـي غير حقه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا عبـاد، عن حصين، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: الـمبذّر: الـمنفق فـي غير حقه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الـخراسانـي، عن ابن عبـاس، قال: لا تنفق فـي البـاطل، فإن الـمبذّر: هو الـمسرف فـي غير حقّ.

قال ابن جريج وقال مـجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله فـي الـحقّ ما كان تبذيراً، ولو أنفق مدًّا فـي بـاطل كان تبذيراً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {وَلا تُبَذّرْ تَبْذِيرا} قال: التبذير: النفقة فـي معصية الله، وفـي غير الـحقّ وفـي الفساد.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله {وآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ وَالـمِسْكينَ وَابْنَ السَّبِـيـلِ} قال: بدأ بـالوالدين قبل هذا، فلـما فرغ من الوالدين وحقهما، ذكر هؤلاء وقال {لا تُبَذّرْ تَبْذِيراً}: لا تعطِ فـي معاصي الله.

وأما قوله {إنَّ الـمُبَذّرِينَ كانُوا إخْوَانَ الشَّياطِينِ} فإنه يعنـي: إنّ الـمفرّقـين أموالهم فـي معاصي الله الـمنفقـيها فـي غير طاعته أولـياء الشياطين وكذلك تقول العرب لكلّ ملازم سنة قوم وتابع أثرهم: هو أخوهم {وكانَ الشَّيُطانُ لِرَبِّهِ كَفُورا} يقول: وكان الشيطان لنعمة ربه التـي أنعمها علـيه جحوداً لا يشكره علـيه، ولكنه يكفرها بترك طاعة الله، وركوبه معصيته، فكذلك إخوانه من بنـي آدم الـمبذّرون أموالهم فـي معاصي الله، لا يشكرون الله علـى نعمه علـيهم، ولكنهم يخالفون أمره ويعصُونه، ويستنون فـيـما أنعم الله علـيهم به من الأموال التـي خوّلهموها وجل عزّ سنته من ترك الشكر علـيها، وتلقِّـيها بـالكُفران. كالذي:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {إنَّ الـمُبَذّرِينَ}: إن الـمنفقـين فـي معاصي الله {كانُوا إخْوَانَ الشَّياطينِ وكانَ الشَّيْطانُ لرَبِّهِ كَفُوراً}.

وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا ۝٢٨

يقول تعالـى ذكره: وإن تعرض يا مـحمد عن هؤلاء الذين أمرتك أن تؤتـيهم حقوقهم إذا وجدت إلـيها السبـيـل بوجهك عند مسألتهم إياك، ما لا تـجد إلـيه سبـيلاً، حياء منهم ورحمة لهم {ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ} يقول: انتظار رزق تنتظره من عند ربك، وترجو تـيسير الله إياه لك، فلا تؤيسهم، ولكن قل لهم قولاً ميسوراً. يقول: ولكن عدهم وعدا جميلاً، بأن تقول: سيرزق الله فأعطيكم، وما أشبه ذلك من القول اللـين غير الغلـيظ، كما قال جلّ ثناؤه

{ وأمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ }. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، عن سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم {وإمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها} قال: انتظار الرزق {فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً} قال: لـينا تَعِدُهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الـخُراسانـي، عن ابن عبـاس {ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ} قال: رزق

{ أهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَـحْنُ قَسَمْنا بَـيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ }

حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا عمارة، عن عكرمة، فـي قوله {وَإمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها} قال: انتظار رزق من الله يأتـيك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله {وَإمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها} قال: إن سألوك فلـم يجدوا عندك ما تعطيهم ابتغاء رحمة، قال: رزق تنتظره ترجوه {فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً} قال: عِدْهم عِدَةً حسنة: إذا كان ذلك، إذا جاءنا ذلك فعلنا، أعطيناكم، فهو القول الـميسور.

قال ابن جريج، قال مـجاهد: إن سألوك فلـم يكن عندك ما تعطيهم، فأعرضت عنهم ابتغاء رحمة، قال: رزق تنتظره {فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً ميْسُوراً}.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله عزّ وجلّ {ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ} قال: انتظار رزق الله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن أبـي الضُّحَى، عن عبـيدة فـي قوله {ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها} قال: ابتغاء الرزق.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد {وإمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها} قال: أي رزق تنتظره {فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً} أي معروفـاً.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً} قال: عدهم خيراً. وقال الـحسن: قل لهم قولاً لـيناً وسهلاً.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله {وَإمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُم} يقول: لا نـجد شيئاً تعطيهم {ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ} يقول: انتظار الرزق من ربك، نزلت فـيـمن كان يسأل النبـيّ صلى الله عليه وسلم من الـمساكين.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنـي حرمي بن عمارة، قال: ثنا شعبة، قال: ثنـي عمارة، عن عكرمة فـي قول الله {فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً} قال: الرفق.

وكان ابن زيد يقول فـي ذلك ما:

حدثنـي به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وإمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُم} عن هؤلاء الذين أوصيناك بهم {ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجوها} إذا خشيت إن أعطيتهم، أن يتقوّوا بها علـى معاصي الله عزّ وجلّ، ويستعينوا بها علـيها، فرأيت أن تـمنعهم خيرا، فإذا سألوك {فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً} قولاً جميلاً: رزقك الله، بـارك الله فـيك.

وهذا القول الذي ذكرناه عن ابن زيد مع خلافه أقوال أهل التأويـل فـي تأويـل هذه الآية، بعيد الـمعنى، مـما يدلّ علـيه ظاهرها، وذلك أن الله تعالـى قال لنبـيه صلى الله عليه وسلم {وَإمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها} فأمره أن يقول إذا كان إعراضه عن القوم الذين ذكرهم انتظار رحمة منه يرجوها من ربه {قَوْلاً مَيْسُوراً} وذلك الإعراض ابتغاء الرحمة، لن يخـلو من أحد أمرين: إما أن يكون إعراضاً منه ابتغاء رحمة من الله يرجوها لنفسه، فـيكون معنى الكلام كما قلناه، وقاله أهل التأويـل الذين ذكرنا قولهم، وخلاف قوله أو يكون إعراضا منه ابتغاء رحمة من الله يرجوها للسائلـين الذين أُمِر نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم بزعمه أن يـمنعهم ما سألوه خشية علـيهم من أن ينفقوه فـي معاصي الله، فمعلوم أن سخط الله علـى من كان غير مأمون منه صَرْف ما أُعْطي من نفقة لـيتقوّى بها علـى طاعة الله فـي معاصيه، أخوف من رجاء رحمته له، وذلك أن رحمة الله إنـما ترجى لأهل طاعته، لا لأهل معاصيه، إلا أن يكون أراد توجيه ذلك إلـى أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم أمر بـمنعهم ما سألوه، لـينـيبوا من معاصي الله، ويتوبوا بـمنعه إياهم ما سألوه، فـيكون ذلك وجهاً يحتـمله تأويـل الآية، وإن كان لقول أهل التأويـل مخالفـاً.

الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026 23 جمادى الأولى 1448 هـ