انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الإسراء

تفسير الطبريالآيات 98–110

تفسير سورة الإسراء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الإسراء

الخلاصة من تفسير الطبري · 5 مقاطع · 1:19:01

  1. 1 الآيات 70–98في هذه الصفحة 18:49
  2. 2 الآيات 99–111في هذه الصفحة 9:27

التفسير الصوتي لسورة الإسراء كاملًا (5 مقاطع)

ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمًا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ۝٩٨

يقول تعالـى ذكره: هذا الذي وصفنا من فعلنا يوم القـيامة بهؤلاء الـمشركين، ما ذكرت أن نفعل بهم من حشرهم علـى وجوههم عمياً وبكماً وصماً، وإصلائنا إياهم النار علـى ما بـيَّنا من حالتهم فـيها ثوابَهم بكفرهم فـي الدنـيا بآياتنا، يعنـي بأدلته وحججه، وهم رسله الذين دعوهم إلـى عبـادته، وإفرادهم إياه بـالألوهة دون الأوثان والأصنام، وبقولهم إذا أُمروا بـالإيـمان بـالـميعاد، وبثواب الله وعقابه فـي الآخرة {أئِذَا كُنَّا عِظاماً} بـالـية {وَرُفـاتاً} قد صرنا ترابـاً {أئِنَّا لَـمَبْعُوثُونَ خَـلْقاً جَدِيداً} يقولون: نُبعث بعد ذلك خـلقاً جديداً كما ابتدأناه أوّل مرّة فـي الدنـيا استنكاراً منهم لذلك، واستعظاماً وتعجبـاً من أن يكون ذلك.

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَّا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى ٱلظَّٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورًا ۝٩٩

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: أو لـم ينظر هؤلاء القائلون من الـمشركين

{ أئِذَا كُنَّا عِظاماً وَرُفـاتاً أئِنَّا لَـمَبْعُوثُونَ خَـلْقاً جَدِيداً }بعيون قلوبهم، فـيعلـمون أن الله الذي خـلق السموات والأرض، فـابتدعها من غير شيء، وأقامها بقُدرته، قادر بتلك القُدرة علـى أن يخـلق مثلهم أشكالهم، وأمثالهم من الـخـلق بعد فنائهم، وقبل ذلك، وأن من قدر علـى ذلك فلا يـمتنع علـيه إعادتهم خـلقاً جديداً، بعد أن يصيروا عظاماً ورُفـاتاً. وقوله {وَجَعَلَ لَهُمْ أجَلاً لا رَيْبَ فِـيهِ} يقول تعالـى ذكره: وجعل الله لهؤلاء الـمشركين أجلاً لهلاكهم، ووقتاً لعذابهم لا ريب فـيه. يقول: لا شك فـيه أنه آتـيهم ذلك الأجل. {فَأَبَى الظَّالِـمُونَ إلاَّ كُفُوراً} يقول: فأبى الكافرون إلا جحوداً بحقـيقة وعيده الذي أوعدهم وتكذيبـاً به.

قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّىٓ إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلْإِنفَاقِ وَكَانَ ٱلْإِنسَٰنُ قَتُورًا ۝١٠٠

يقول تعالـى ذكره لنبـيه: قل يا مـحمد لهؤلاء الـمشركين: لو أنتـم أيها الناس تـملكون خزائن أملاك ربـي من الأموال، وعنى بـالرحمة فـي هذا الـموضع: الـمال {إذًا لأَمْسَكْتُـمْ خَشْيَةَ الإنْفـاقِ} يقول: إذن لبَخِـلْتُـمْ بِهِ، فَلـم تـجودوا بها علـى غيركم، خشية من الإنفـاق والإقتار، كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {إذًا لأَمْسَكْتُـمْ خَشْيَةَ الإنْفـاقِ} قال: الفقر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {خَشْيَةَ الإنْفـاقِ} أي خشية الفـاقة.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

وقوله: {وكانَ الإنْسانُ قَتُوراً} يقول: وكان الإنسان بخيلاً مـمسكاً، كما:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وكاَن الإنْسانُ قَتُوراً} يقول: بخيلاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس، فـي قوله: {وكانَ الإنْسانُ قَتُوراً} قال: بخيلاً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وكانَ الإنْسانُ قَتُوراً} قال: بخيلاً مـمكسا.

وفـي القتور فـي كلام العرب لغات أربع، يقال: قَتَر فلان يَقْتُرُ ويَقْتِر، وقتَّر يُقَتِّر، وأقتر يُقْتِر، ما قال أبو دُواد:

لا أعُدُّ الإقْتارَ عُدْماً وَلَكِنْفَقْدُ مَنْ قد رُزِيْتُهُ الإعْدَامُ

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَٰتٍۭ بَيِّنَٰتٍ فَسْـَٔلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُۥ فِرْعَوْنُ إِنِّى لَأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسْحُورًا ۝١٠١

يقول تعالـى ذكره: ولقد آتـينا موسى بن عمران تسع آيات بـيِّنات تُبـين لـمن رآها أنها حجج لـموسى شاهدة علـى صدقه وحقـيقة نبوّته.

وقد اختلف أهل التأويـل فـيهنّ وما هنّ. فقال بعضهم فـي ذلك ما:

حدثنـي به مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلَقَدْ آتَـيْنا مُوسَى تِسْعَ آياتٍ بَـيِّناتٍ} قال: التسع الآيات البـينات: يده، وعصاه، ولسانه، والبحر، والطوفـان، والـجراد، والقمل، والضفـادع، والدم آيات مفصلات.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَلَقَدْ آتَـيْنا مُوسَى تِسْعَ آياتٍ بَـيِّناتٍ} إلقاء العصا مرّتـين عند فرعون، ونزع يده، والعقدة التـي كانت بلسانه، وخمس آيات فـي الأعراف: الطوفـان، والـجراد، والقمل، والضفـادع، والدم.

وقال آخرون: نـحواً من هذا القول، غير أنهم جعلوا آيتـين منهنّ: إحداهما الطمسة، والأخرى الـحجر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن برياة بن سفـيان، عن مـحمد بن كعب القرظي، قال: سألنـي عمر بن عبد العزيز، عن قوله: {وَلَقَدْ آتَـيْنا مُوسَى تِسْعَ آياتٍ بَـيِّناتٍ} فقلت له: هي الطوفـان والـجراد، والقمل، والضفـادع، والدم، والبحر، وعصاه، والطمسة، والـحجر، فقال: وما الطمسة؟ فقلت: دعا موسى وأمَّن هارون، فقال: قد أجيبت دعوتكما، وقال عمر: كيف يكون الفقه إلا هكذا. فدعا عمر بن عبد العزيز بخريطة كانت لعبد العزيز بن مروان أصيبت بـمصر، فإذا فـيها الـجوزة والبـيضة والعدسة ما تنكر، مسخت حجارة كانت من أموال فرعون أصيبت بـمصر.

وقال آخرون: نـحوا من ذلك إلا أنهم جعلوا اثنتـين منهنّ: إحداهما السنـين، والأخرى النقص من الثمرات. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الـحسين بن واقد، عن يزيد النـحوي، عن عكرمة ومطر الورّاق، فـي قوله: {تِسْعَ آياتٍ} قالا: الطوفـان، والـجراد، والقمل، والضفـادع، والدم، والعصا، والـيد، والسنون، ونقص من الثمرات.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، عن مغيرة، عن الشعبـي، فـي قوله: {تِسْع آياتٍ بَـيِّناتٍ} قال: الطوفـان، والـجراد، والقمل، والضفـادع، والدم، والسنـين، ونقص من الثمرات، وعصاه، ويده.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: سُئل عطاء بن أبـي ربـاح عن قوله: {وَلَقَدْ آتَـيْنا مُوسَى تِسْعَ آياتٍ بَـيِّناتٍ} ما هي؟ قال: الطوفـان، والـجراد، والقمل، والضفـادع، والدم، وعصى موسى، ويده.

قال: ابن جريج: وقال مـجاهد مثل قول عطاء، وزاد:

{ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بـالسِّنِـينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ }قال: هما التاسعتان، ويقولون: التاسعتان: السنـين، وذهاب عجمة لسان موسى.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {تِسْعَ آياتٍ بَـيِّناتٍ} وهي متتابعات، وهي فـي سورة الأعراف

{ وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بـالسِّنِـينَ وَنِقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ } قال: السنـين فـي أهل البوادي، ونقص من الثمرات لأهل القُرى، فهاتان آيتان، والطوافـان، والـجراد، والقمل، والضفـادع، والدم، هذه خمس، ويد موسى إذ أخرجها بـيضاء للناظرين من غير سوء: البرص، وعصاه إذ ألقاها، فإذا هي ثعبـان مبـين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلَقَدْ آتَـيْنا مُوسَى تِسْعَ آياتٍ بَـيِّناتٍ} قال: يد موسى، وعصاه، والطوفـان، والـجراد، والقمل، والضفـادع، والدم والسنـين، ونقص من الثمرات.

وقال آخرون نـحوا من ذلك إلا أنهم جعلوا السنـين، والنقص من الثمرات آية واحدة، وجعلوا التاسعة: تلقـف العصا ما يأفكون. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال الـحسن، فـي قوله: {تِسْعَ آياتٍ بَـيِّناتٍ}،

{ وَلَقَدْ أخْذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بـالسِّنِـينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثّمَرَاتِ }قال: هذه آية واحدة، والطوفـان، والـجراد، والقمل، والضفـادع، والدم، ويد موسى، وعصاه إذ ألقاها فإذا هي ثعبـان مبـين، وإذ ألقاها فإذا هي تلقـف ما يأفكون. وقال آخرون فـي ذلك ما:

حدثنـي مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنـي مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرّة، قال: سمعت عبد الله بن سلـمة يحدّث عن صفوان بن عسال، قال: قال يهوديّ لصاحبه: اذهب بنا إلـى النبـيّ حتـى نسأله عن هذه الآية. {ولَقَدْ آتَـيْنا مُوسَى تِسْعَ آياتٍ بَـيِّناتٍ} قال: لا تقل له نبـيّ، فإنه إن سمعك صارت له أربعة أعين، قال: فسألا، فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

لا تُشْركُوا بـالله شَيْئاً، وَلا تَسْرقُوا، وَلا تَزْنُوا، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ التـي حَرَّمَ اللّهُ إلاَّ بـالـحَقّ، وَلا تَسْحَرُوا، وَلا تَأْكُلُوا الرّبـا، وَلا تَـمْشُوا بَبريءٍ إلـى ذي سُلْطانٍ لِـيَقْتُلَهُ، وَلا تَقْذِفُوا مُـحْصَنَةً، أو قال: لا تَفرُّوا مِنَ الزَّحْف شعبة الشاكّوأنْتُـمْ يا يَهُودُ عَلَـيْكُمْ خاصَّةً لا تَعْدُوا فـي السَّبْتفقبَّلا يده ورجله، وقالا: نشهد أنك نبـيّ، قال: فما يـمنعكما أن تسلـما؟قالا: إن داود دعا أن لا يزال من ذرّيته نبـيّ، وإنا نـخشى أن تقتلنا يهود.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا سهل بن يوسف وأبو داود وعبد الرحمن بن مهدي، عن سعيد، عن عمرو، قال: سمعت عبد الله بن سلـمة يحدّث عن صفوان بن عسال الـمرادي، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم بنـحوه، إلا أن ابن مهديّ قال: «لا تَـمْشُوا إلـى ذي سُلْطانٍ» وقال ابن مهدي: أراه قال: «ببريء».

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الله بن إدريس وأبو أسامة بنـحوه، عن شعبة بن الـحجاج، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الله بن سلـمة، عن صفوان بن عسال، قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلـى هذا النبـيّ، فقال صاحبه: لا تقل نبـيّ، إنه لو سمعك كان له أربع أعين، قال: فأتـيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسألانه عن تسع آيات بـينات، فقال:

هنَّ: وَلا تُشْرِكُوا بـاللّهِ شَيْئاً، وَلا تَسْرِقُوا، وَلا تَزْنُوا، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ التـي حَرَّمَ اللّهُ إلاَّ بـالـحَقّ، وَلا تَـمْشُوا بِبَرِيءٍ إلـى ذِي سُلْطانٍ لِـيَقْتُلَهُ، وَلا تَسْحَرُوا، وَلا تَأْكُلُوا الرّبـا، وَلا تَقْذِفُوا الـمُـحْصَنَةَ، وَلا تَوَلَّوْا يَوْمَ الزَّحْفِ وَعَلَـيْكُمْ خاصَةً يَهُودُ: أنْ لا تَعْدُوا فـي السَّبْتِ قال: فقبَّلوا يديه ورجلـيه، وقالوا: نشهد أنك نبـيّ، قال: فَمَا يَـمْنَعُكُمْ أنْ تَتَّبِعُونِـي؟ قالوا: إن داود دعا أن لا يزال من ذرّيته نبـيّ، وإنا نـخاف إن اتبعناك أن تقتلنا يهود.

حدثنامـجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا شعبة بن الـحجاج، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الله بن سلـمة، عن صفوان بن عسَّال، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم بنـحوه.

وأما قوله: {فـاسأَلْ بَنِـي إسْرَائيـلَ إذْ جاءَهُمْ} فإن عامَّة قرّاء الإسلام علـى قراءته علـى وجه الأمر بـمعنى: فـاسأل يا مـحمد بنـي إسرائيـل إذ جاءهم موسى ورُوي عن الـحسن البصري فـي تأويـله ما:

حدثنـي به الـحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن إسماعيـل، عن الـحسن {فأسأَلْ بَنِـي إسْرَائِيـلَ} قال: سؤالك إياهم: نظرك فـي القرآن.

ورُوي عن ابن عبـاس أنه كان يقرأ ذلك: «فَسَأَلَ» بـمعنى: فسأل موسى فرعون بنـي إسرائيـل أن يرسلهم معه علـى وجه الـخبر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن حنظلة السَّدوسيّ، عن شهر بن حوشب، عن ابن عبـاس، أنه قرأ: «فَسأَلَ بَنِـي إسْرَائِيـلَ إذْ جاءَهُمْ» يعنـي أن موسى سأل فرعونَ بنـي إسرائيـل أن يرسلهم معه.

والقراءة التـي لا أستـجيز أن يُقرأ بغيرها، هي القراءة التـي علـيها قرّاء الأمصار، لإجماع الـحجة من القرّاء علـى تصويبها، ورغبتهم عما خالفهم.

وقوله: {فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنَ إنّـي لأَطُنُّكَ يا مُوسَى مَسْحُوراً} يقول: فقال لـموسى فرعونُ: إنـي لأظنك يا موسى تتعاطى علـم السحر، فهذه العجائب التـي تفعلها من سحرك وقد يجوز أن يكون مراداً به إنـي لأظنك يا موسى ساحرا، فوُضِع مفعول موضع فـاعل، كما قـيـل: إنك مشؤوم علـينا وميـمون، وإنـما هو شائم ويامن. وقد تأوّل بعضهم حجابـا مستورا، بـمعنى: حجابـاً ساتراً، والعرب قد تـخرج فـاعلاً بلفظ مفعول كثـيراً.

قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّى لَأَظُنُّكَ يَٰفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ۝١٠٢

اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله {لَقَدْ عَلِـمْتَ} فقرأ عامة قرّاء الأمصار ذلك {لَقَدْ عَلِـمْتَ} بفتـح التاء، علـى وجه الـخطاب من موسى لفرعون. ورُوي عن علـيّ بن أبـي طالب رضوان الله علـيه فـي ذلك، أنه قرأ: «لَقَدْ عَلِـمْتُ» بضمّ التاء، علـى وجه الـخبر من موسى عن نفسه. ومن قرأ ذلك علـى هذه القراءة، فإنه ينبغي أن يكون علـى مذهبه تأويـل قوله

{ إنّـي لأَظُنُّكَ يا مُوسَى مَسْحُوراً } إنـي لأظنك قد سُحِرت، فترى أنك تتكلـم بصواب ولـيس بصواب. وهذا وجه من التأويـل. غير أن القراءة التـي علـيها قرّاء الأمصار خلافها، وغير جائز عندنا خلاف الـحجة فـيـما جاءت به من القراءة مـجمعة علـيه.

وبعد، فإن الله تعالـى ذكره قد أخبر عن فرعون وقومه أنهم جحدوا ما جاءهم به موسى من الآيات التسع، مع علـمهم بأنها من عند الله بقوله

{ وأدْخِـلْ يَدَكَ فِـي جَيْبِكَ تَـخْرُجْ بَـيْضَاءَ مِنْ غيرِ سُوءٍ فِـي تِسْعِ آياتٍ إلـى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، إنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فـاسِقِـينَ فَلَـمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِـينٌ وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَـيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ظُلْـماً وَعُلُوّاً } فأخبر جلّ ثناؤه أنهم قالوا: هي سحر، مع علـمهم واستـيقان أنفسهم بأنها من عند الله، فكذلك قوله: {لَقَدْ عَلِـمْتَ} إنـما هو خبر من موسى لفرعون بأنه عالـم بأنها آيات من عند الله. وقد ذُكر عن ابن عبـاس أنه احتـجّ فـي ذلك بـمثل الذي ذكرنا من الـحجة. قال:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، أنه كان يقرأ: {لَقَدْ عَلِـمْتَ} يا فرعون بـالنصب {ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلاَّ رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ}، ثم تلا

{ وَجَحَدُوا بِها واسْتَـيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ظُلْـماً وعُلُوّاً }. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: قال موسى لفرعون: لقد علـمت يا فرعون ما أنزل هؤلاء الآيات التسع البـينات التـي أريتكها حجة لـي علـى حقـيقة ما أدعوك إلـيه، وشاهدة لـي علـى صدق وصحة قولـي، إنـي لله رسول، ما بعثنـي إلـيك إلا ربّ السموات والأرض، لأن ذلك لا يقدر علـيه، ولا علـى أمثاله أحد سواه. {بصائر} يعنـي بـالبصائر: الآيات، أنهنّ بصائر لـمن استبصر بهنّ، وهدى لـمن اهتدى بهنّ، يعرف بهنّ من رآهنْ أن من جاء بهنّ فمـحقّ، وأنهنّ من عند الله لا من عند غيره، إذ كنّ معجزات لا يقدر علـيهنّ، ولا علـى شيء منهنّ سوى ربّ السموات والأرض وهو جمع بصيرة.

وقوله: {وإنّـي لأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً} يقول: إنـي لأظنك يا فرعون ملعوناً مـمنوعاً من الـخير. والعرب تقول: ما ثبرك عن هذا الأمر: أي ما منعك منه، وما صدّك عنه؟ وثبره الله فهو يُثْبره ويُثَبَره لغتان، ورجل مثبور: مـحبوس عن الـخيرات هالك ومنه قول الشاعر:

إذْ أُجارِي الشَّيْطانَ فـي سَننِ الغَيّوَمنْ مالَ مَيْـلَهُ مَثْبُورُهُ

وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عبد الله بن عبد الله الكلابـي، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، قال: ثنا عمر بن عبد الله، عن الـمنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {إنّـي لأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً} قال ملعوناً.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مروان بن معاوية، قال: أخبرنا عمر بن عبد الله الثقـفـي، عن الـمنهال، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {إنّـي لأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنَ مَثْبُوراً} يقول: ملعوناً.

وقال آخرون: بل معناه: إنـي لأظنك يا فرعون مغلوبـاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {إنّـي لأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنَ مَثْبُوراً} يعنـي: مغلوبـاً.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {إنّـي لأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنَ مَثْبُوراً} يقول: مغلوبـاً.

وقال بعضهم: معنى ذلك: إنى لأظنك يا فرعون هالكاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: مثبوراً: أي هالكاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وإنّـي لأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً}: أي هالكاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، بنـحوه.

وقال آخرون: معناه: إنـي لأظنك مبدِّلاً مغيرا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الله بن موسى، عن عيسى بن موسى، عن عطية {إنّـي لأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنَ مَثْبُوراً} قال: مبدّلاً.

وقال آخرون: معناه: مخبولاً لا عقل له. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَإنّـي لأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنَ مَثْبُوراً} قال: الإنسان إذا لـم يكن له عقل فما ينفعه؟ يعنـي: إذا لـم يكن له عقل ينتفع به فـي دينه ومعاشه دعته العرب مثبوراً. قال: أظنك لـيس لك عقل يا فرعون، قال: بـينا هو يخافه ولا ينطلق لسانـي أن أقول هذا لفرعون، فلـما شرح الله صدره، اجترأ أن يقول له فوق ما أمره الله.

وقد بـيَّنا الذي هو أولـى بـالصواب فـي ذلك قبل.

فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعًا ۝١٠٣ وَقُلْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ لِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱسْكُنُوا۟ ٱلْأَرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْـَٔاخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ۝١٠٤

يقول تعالـى ذكره: فأراد فرعون أن يستفزّ موسى وبنـي إسرائيـل من الأرض، {فَأَغْرَقْناهُ} فـي البحر، {وَمَن مَعَهُ} من جنده {جَمِيعاً}، ونـجَّينا موسى وبنـي إسرائيـل، وقلنا لهم مِنْ بَعْدِ هلاك فرعون {اسْكُنُوا الأرْضَ} أرض الشام {فإذَا جاءَ وَعْدُ الآخَرِةِ جئْنا بكُمْ لَفـيفـاً} يقول: فإذا جاءت الساعة، وهي وعد الآخرة، جئنا بكم لفـيفـا: يقول: حشرناكم من قبوركم إلـى موقـف القـيامة لفـيفـا: أي مختلطين قد التفّ بعضكم علـى بعض، لا تتعارفون، ولا ينـحاز أحد منكم إلـى قبـيـلته وحيِّه، من قولك: لففت الـجيوش: إذا ضربت بعضها ببعض، فـاختلط الـجميع، وكذلك كلّ شيء خُـلط بشيء فقد لُفّ به.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم نـحو الذي قلنا فـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن ابن أبـي رَزِين {جِئْنا بِكُمْ لَفِـيفـاً} قال: من كلّ قوم.

وقال آخرون: بل معناه: جئنا بكم جميعا. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {جِئْنا بِكُمْ لَفِـيفـاً} قال: جميعاً.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {جِئْنا بِكُمْ لَفِـيفـاً} جميعاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله {فإذَا جاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِـيفـاً}: أي جميعاً، أولكم وآخركم.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله {جِئْنا بِكُمْ لَفِـيفـاً} قال: جميعاً.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {جِئْنا بِكُمْ لَفِـيفـاً} يعنـي جميعاً. ووحَّد اللفـيف، وهو خبر عن الـجميع، لأنه بـمعنى الـمصدر كقول القائل: لففته لفَّـاً ولفـيفـاً.

وَبِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَٰهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝١٠٥ وَقُرْءَانًا فَرَقْنَٰهُ لِتَقْرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَٰهُ تَنزِيلًا ۝١٠٦

يقول تعالى ذكره: وبـالـحقّ أنزلنا هذا القرآن: يقول: أنزلناه نأمر فـيه بـالعدل والإنصاف والأخلاق الـجميـلة، والأمور الـمستـحسنة الـحميدة، وننهى فـيه عن الظلـم والأمور القبـيحة، والأخلاق الردية، والأفعال الذّميـمة {وبـالـحَقّ نَزَلَ} يقول: وبذلك نزل من عند الله علـى نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم. وقوله: {وَما أرْسَلْناكَ إلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً} يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: وما أرسلناك يا مـحمد إلـى من أرسلناك إلـيه من عبـادنا، إلا مبشرا بـالـجنَّة من أطاعنا، فـانتهى إلـى أمرنا ونَهْينا، ومنذراً لـمن عصانا وخالف أمرنا ونهينَا. {وَقُرآناً فَرَقْناهُ لَتَقْرأَهُ} اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار {فَرَقْناهُ} بتـخفـيف الراء من فرقناه، بـمعنى: أحكمناه وفصلناه وبـيناه. وذُكر عن ابن عبـاس، أنه كان يقرؤه بتشديد الراء «فَرَّقْناهُ» بـمعنى: نزّلناه شيئا بعد شيء، آية بعد آية، وقصة بعد قصة.

وأولـى القراءتـين بـالصواب عندنا، القراءة الأولـى، لأنها القراءة التـي علـيها الـحجة مـجمعة، ولا يجوز خلافها فـيـما كانت علـيه مـجمعة من أمر الدين والقرآن. فإذا كان ذلك أولـى القراءتـين بـالصواب، فتأويـل الكلام: وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً، وفصلناه قرآناً، وبـيَّناه وأحكمناه، لتقرأه علـى الناس علـى مكث. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك من التأويـل، قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَقُرآناً فَرَقْناهُ} يقول: فصلناه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع عن أبـي العالـية، عن أبـيّ بن كعب أنه قرأ: {وَقُرآناً فَرَقْناهُ} مخففـاً: يعنـي بـيناه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس {وَقُرآنا فَرَقْناهُ} قال: فصلناه.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا بدل بن الـمـحبر، قال: ثنا عبـاد، يعنـي ابن راشد، عن داود، عن الـحسن أنه قرأ: {وَقُرآنا فَرَقْناهُ} خفَّفها: فرق الله بـين الـحقّ والبـاطل.

وأما الذين قرأوا القراءة الأخرى، فإنهم تأوّلوا ما قد ذكرت من التأويـل. ذكر من قال ما حكيت من التأويـل عن قارىء ذلك كذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، قال: كان ابن عبـاس يقرؤها: «وَقُرآناً فَرَّقْناهُ» مثقلة، يقول: أنزل آية آية.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا داود، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلـى السماء الدنـيا فـي لـيـلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك فـي عشرين سنة، قال:

{ وَلا يَأْتُونَكَ بِـمثَلٍ إلاَّ جِئْناكَ بـالـحَقّ وأحْسَنَ تَفْسِيراً }، «وَقُرآنا فَرَّقْناهُ لِتَقْرأَهُ عَلـى النَّاسِ علـى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً».

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: «وَقُرآنا فَرَّقْناهُ لِتَقْرأهُ عَلـى النَّاسِ» لـم ينزل جميعاً، وكان بـين أوّله وآخره نـحو من عشرين سنة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: «وَقُرآناً فَرَّقْناهُ» قال: فرّقه: لـم ينزله جميعه. وقرأ:

{ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزّلَ عَلَـيْهِ القُرآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً }حتـى بلغ { وأحْسَنَ تَفْسِيراً } يَنْقُض علـيهم ما يأتون به.

وكان بعض أهل العربـية من أهل الكوفة يقول: نصب قوله {وَقُرآناً} بـمعنى: ورحمة، ويتأوّل ذلك: {وَما أرسَلْناكَ إلاَّ مُبَشِّرَاً وَنَذِيراً} ورحمة، ويقول: جاز ذلك، لأن القرآن رحمة، ونصبه علـى الوجه الذي قلناه أولـى، وذلك كما قال جلّ ثناؤه:

{ والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ }وقوله: {لِتَقْرَأهُ عَلـى النَّاسِ عَلـى مُكْثٍ} يقول: لتقرأه علـى الناس علـى تُؤَدة، فترتله وتبـينه، ولا تعجل فـي تلاوته، فلا يفهم عنك. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن عبـيد الـمكُتِب، قال: قلت لـمـجاهد: رجل قرأ البقرة وآخر وآل عمران، وآخر قرأ البقرة، وركوعهما وسجودهما واحد، أيهما أفضل؟ قال: الذي قرأ البقرة، وقرأ: وَقُرآناً فَرَقْناه {لِتَقْرَأَهُ عَلـى النَّاسِ عَلـى مُكْثٍ}.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {لِتَقْرَأهُ عَلـى النَّاسِ عَلـى مُكْثٍ} يقول: علـى تأيـيد.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {عَلـى مُكْثٍ} قال: علـى ترتـيـل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {لِتَقْرأَهُ علـى النَّاسِ عَلـى مكث} قال: فـي ترتـيـل.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {لِتَقْرَأَهُ عَلـى النَّاسِ عَلـى مُكْثٍ} قال: التفسير الذي قال الله

{ وَرتِّلِ القُرآنِ تَرْتـيلاً }: تفسيره.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن عبـيد، عن مـجاهد، قوله: {لِتَقْرَأَهُ عَلـى النَّاسِ عَلـى مُكْثٍ} علـى تؤدة.

وفـي الـمُكث للعرب لغات: مُكْث، ومَكْث، ومِكْث ومِكِّيثـي مقصور، ومُكْثانا، والقراءة بضمّ الـميـم.

وقوله: {وَنَزَّلناهُ تَنْزِيلاً} يقول تعالـى ذكره: فرقنا تنزيـله، وأنزلناه شيئا بعد شيء، كما:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: حدثنا، عن أبـي رجاء، قال: تلا الـحسن: «وَقُرآناً فَرَّقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلـى النَّاسِ عَلـى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً» قال: كان الله تبـارك وتعالـى ينزل هذا القرآن بعضه قبل بعض لـما علـم أنه سيكون ويحدث فـي الناس، لقد ذكر لنا أنه كان بـين أوّله وآخره ثمانـي عشرة سنة، قال: فسألته يوماً علـى سخطة، فقلت: يا أبـا سعيد «وَقُرآنا فَرَّقْناهُ» فثقلها أبو رجاء، فقال الـحسن: لـيس فرّقناه، ولكن فرَقناه، فقرأ الـحسن مخففة. قلت: من يُحدثك هذا يا أبـا سعيد أصحاب مـحمد؟ قال: فمن يحدّثنـيه قال: أنزل علـيه بـمكة قبل أن يهاجر إلـى الـمدينة ثمانـي سنـين، وبـالـمدينة عشر سنـين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَقُرآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلـى النَّاسِ عَلـى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً} لـم ينزل فـي لـيـلة ولا لـيـلتـين، ولا شهر ولا شهرين، ولا سنة ولا سنتـين، ولكن كان بـين أوّله وآخره عشرون سنة، وما شاء الله من ذلك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن، قال: كان يقول: أنزل علـى نبـيّ الله القرآن ثمانـي سنـين، وعشراً بعد ما هاجر. وكان قتادة يقول: عشراً بـمكة، وعشراً بـالـمدينة.

قُلْ ءَامِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوْ لَا تُؤْمِنُوٓا۟ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِۦٓ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ۝١٠٧ وَيَقُولُونَ سُبْحَٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ۝١٠٨

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لهؤلاء القائلـين لك

{ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتـى تُفَجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعاً }: آمنوا بهذا القرآن الذي لو اجتـمعت الإنس والـجنّ علـى أن يأتوا بـمثله، لـم يأتوا به ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، أو لا تؤمنوا به، فإن إيـمانكم به لن يزيد فـي خزائن رحمة الله ولا ترككم الإيـمان به يُنقص ذلك. وإن تكفروا به، فإن الذين أوتوا العلـم بـالله وآياته من قبل نزوله من مؤمنـي أهل الكتابـين، إذا يتلـى علـيهم هذا القرآن يخرّون تعظيـماً له وتكريـماً، وعلـماً منهم بأنه من عند الله، لأذقانهم سجداً بـالأرض.

واختلف أهل التأويـل فـي الذي عُنِـي بقوله {يَخِرُّونَ للأَذْقانِ} فقال بعضهم: عُنِـي به: الوجوه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {يخِرُّونَ للأَذْقانِ سُجَّداً} يقول: للوجوه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {يَخِرُّونَ للأَذْقانِ سُجَّداً} قال للوجوه.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

وقال آخرون: بل عُنِـيَ بذلك اللِّـحَى. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال الـحسن فـي قوله: {يَخِرُّونَ للأَذْقانِ} قال: اللِّـحَى.

وقوله: {سُبْحانَ رَبِّنا إنُ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَـمَفْعُولاً} يقول جلّ ثناؤه: ويقول هؤلاء الذين أوتوا العلـم من قبل نزول هذا القرآن، إذ خرّوا للأذقان سجوداً عند سماعهم القرآن يُتْلـى علـيهم: تنزيها لربنا وتبرئه له مـما يضيف إلـيه الـمشركون به، ما كان وعد ربنا من ثواب وعقاب، إلا مفعولاً حقاً يقـيناً، إيـمان بـالقرآن وتصديق به. والأذقان فـي كلام العرب: جمع ذَقَن وهو مـجمع اللَّـحيـين، وإذ كان ذلك كذلك، فـالذي قال الـحسن فـي ذلك أشبه بظاهر التنزيـل. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل علـى اختلاف منهم فـي الذين عنوا بقوله {أُوتُوا العِلْـمَ} وفـي {يُتْلَـى عَلِـيْهم}. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مـجاهد: {الَّذِينَ أُوتُوا العِلْـمَ مِنْ قَبْلِهِ...} إلـى قوله

{ خُشُوعاً }قال: هم ناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل الله علـى مـحمد قالُوا {سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَـمَفْعُولاً}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {قُلْ آمِنوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْـمَ مِنْ قَبْلِهِ} من قبل النبـيّ صلى الله عليه وسلم {إذَا يُتْلَـى عَلَـيهِمْ} ما أنزل إلـيهم من عند الله {يَخِرُّونَ للأَذْقانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَـمَفْعولاً}.

وقال آخرون: عُنِـي بقوله: {الَّذِينَ أُوتُوا العِلْـمَ مِنْ قَبْلِهِ} (القرآن الذي أُنزل علـى) مـحمد صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، فـي قوله: {إذَا يُتْلَـى عَلَـيْهِمْ} كتابهم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {إذا يُتْلَـى عَلَـيْهِمْ} ما أنزل إلـيهم من عند الله.

وإنـما قلنا: عُنِـي بقوله: {إذَا يُتْلَـى عَلَـيْهِمْ} القرآن، لأنه فـي سياق ذكر القرآن لـم يجر لغيره من الكتب ذكر، فـيصرف الكلام إلـيه، ولذلك جعلت الهاء التـي فـي قوله: {مِنْ قَبْلِهِ} من ذكر القرآن، لأن الكلام بذكره جرى قبله، وذلك قوله:

{ وَقُرآناً فَرَقْناهُ } وما بعده فـي سياق الـخبر عنه، فذلك وجبت صحة ما قلنا إذا لـم يأت بخلاف ما قلنا فـيه حجة يجب التسلـيـم لها.

وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ۝١٠٩

يقول تعالـى ذكره: ويخرّ هؤلاء الذين أوتوا العلـم من مؤمنـي أهل الكتابـين من قبل نزول الفرقان، إذا يُتْلَـى علـيهم القرآن لأذقانهم يبكون، ويزيدهم ما فـي القرآن من الـمواعظ والعبر خشوعا، يعنـي خضوعاً لأمر الله وطاعته، واستكانة له.

حدثنا أحمد بن منـيع، قال: ثنا عبد الله بن الـمبـارك، قال: أخبرنا مِسْعر، عن عبد الأعلـى التـيـميّ، أن من أوتـي من العلـم ما لـم يبكه لـخـلـيق أن لا يكون أوتـي علـما ينفعه، لأن الله نعت العلـماء فقال

{ إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْـمَ مِنْ قَبْلِهِ إذَا يُتْلَـى عَلَـيْهِمْ يَخِرُّونَ للأَذْقانِ... }الآيتـين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: ثنا عبد الله بن الـمبـارك، عن مسعر بن كدام، عن عبد الأعلـى التـيـمي بنـحوه، إلاَّ أنه قال: {إذَا يُتْلَـى عَلَـيْهِمْ يَخِرُّونَ للأَذْقانِ} ثم قال: {ويَخِرُّونَ للأَذْقانِ يَبْكُونَ...} الآية.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد {ويَخُرُّونَ للأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً}. قال: هذا جواب وتفسير للآية التـي فـي كهيعص

{ إذَا تُتْلَـى عَلَـيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنَ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا }}.

قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُوا۟ ٱلرَّحْمَٰنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا۟ فَلَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ۝١١٠

يقول تعالـى ذكره لنبـيه: قل يا مـحمد لـمشركي قومك الـمنكرين دعاء الرحمن: {ادْعُوا اللّهَ} أيها القوم {أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الـحُسْنَى} بأيّ أسمائه جلّ جلاله تدعون ربكم، فإنـما تدعون واحدا، وله الأسماء الـحُسنى. وإنـما قـيـل ذلك له صلى الله عليه وسلم، لأن الـمشركين فـيـما ذكر سمعوا النبـيّ صلى الله عليه وسلم يدعو ربه: يا ربنا الله، ويا ربنا الرحمن، فظنوا أنه يدعو إلهين، فأنزل الله علـى نبـيه علـيه الصلاة والسلام هذه الآية احتـجاجاً لنبـيه علـيهم. ذكر الرواية بـما ذكرنا:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي مـحمد بن كثـير، عن عبد الله بن واقد، عن أبـي الـجوزاء عن ابن عبـاس. قال: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم ساجداً يدعو: «يا رَحْمَنُ يا رَحيـمُ»، فقال الـمشركون: هذا يزعم أنه يدعو واحدا، وهو يدعو مثنى مثنى، فأنزل الله تعالـى: {قُلِ ادْعُوا اللّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الـحُسْنَى...} الآية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي عيسى، عن الأوزاعي، عن مكحول، أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم كان يتهجَّد بـمكة ذات لـيـلة، يقول فـي سجوده: «يا رَحْمَنُ يا رَحيـمُ»، فسمعه رجل من الـمشركين، فلـما أصبح قال لأصحابه: انظروا ما قال ابن أبـي كبشة، يدعو اللـيـلة الرحمن الذي بـالـيـمامة، وكان بـالـيـمامة رجل يقال له الرحمن: فنزلت: {قُلِ ادْعُوا اللّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيَّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الـحُسْنَى}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قُلِ ادْعُوا اللّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَن أيَّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الـحُسْنَى}

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {أيَّا مَّا تَدْعُوا} بشيء من أسمائه.

حدثنـي موسى بن سهل، قال: ثنا مـحمد بن بكار البصري، قال: ثنـي حماد بن عيسى، عن عبـيد بن الطفـيـل الـجهنـي، قال: ثنا ابن جريج، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن مكحول، عن عَرَّاك بن مالك، عن أبـي هريرة، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:

إنَّ لِلّهِ تسْعَةً وَتسْعينَ اسْماً كُلُّهُنَّ فـي القُرآنِ، مَنْ أحْصَاهنّ دَخَـلَ الـجَنَّةَ».

قال أبو جعفر: ولدخول «ما» فـي قوله أيَّا مَّا تَدْعُوا وجهان: أحدهما أن تكون صلة، كما قـيـل: {عَمَّا قَلِـيـلٍ لَـيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ}. والآخر أن تكون فـي معنى إن: كررت لـما اختلف لفظاهما، كما قـيـل: ما إن رأيت كاللـيـلة لـيـلة.

وقوله: {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها وَابْتَغِ بـينَ ذلكَ سَبِـيلاً} اختلف أهل التأويـل فـي الصلاة، فقال بعضهم: عنى بذلك: ولا تـجهر بدعائك، ولا تـخافت به، ولكن بـين ذلك. وقالوا: عنى بـالصلاة فـي هذا الـموضع: الدعاء. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يحيى بن عيسى الدامغانـي، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن هشام بن عروة، عن أبـيه، عن عائشة، فـي قوله: {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها} قالت: فـي الدعاء.

حدثنا بشار، قال: ثنا هشام بن عروة، عن أبـيه، عن عائشة، قالت: نزلت فـي الدعاء.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن هشام بن عروة، عن أبـيه، عن عائشة مثله.

حدثنا الـحسن بن عرفة، قال: ثنا عبـاد بن العوّام، عن أشعث بن سوار، عن عكرمة، عن ابن عبـاس فـي قول الله تعالـى: {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها} قال: كانوا يجهرون بـالدعاء، فلـما نزلت هذه الآية أُمروا أن لا يجهروا، ولا يخافتوا.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا حماد، عن عمرو بن مالك البكري، عن أبـي الـجوزاء عن عائشة، قالت: نزلت فـي الدعاء.

حدثنـي مطر بن مـحمد الضبـي، قال: ثنا عبد الله بن داود، قال: ثنا شريك، عن زياد بن فـياض، عن أبـي عياض، فـي قوله: {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها} قال: الدعاء.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن إبراهيـم الهَجري، عن أبـي عياض {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها} قال: نزلت فـي الدعاء.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شريك، عن زياد بن فـياض، عن أبـي عياض مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان عمن ذكره عن عطاء {وَلا تَـجْهَرْ بصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها} قال: نزلت فـي الدعاء.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الـحكم، عن مـجاهد فـي هذه الآية: {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بها} قال: فـي الدعاء.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن الـحكم، عن مـجاهد، قال: نزلت فـي الدعاء.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها} فـي الدعاء والـمسألة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن لـيث، عن مـجاهد، قال: نزلت فـي الدعاء والـمسألة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنـي سفـيان، قال: ثنـي قـيس بن مسلـم، عن سعيد بن جبـير فـي قوله {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها} قال: فـي الدعاء.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: ثنا سفـيان، عن ابن عياش العامري، عن عبد الله بن شدّاد قال: كان أعراب إذا سلـم النبـيّ صلى الله عليه وسلم قالوا: اللهمّ ارزقنا إبلاً وولداً، قال: فنزلت هذه الآية: {وَلا تَـجْهَرْ بصَلاتكَ وَلا تُـخافتْ بها}.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن هشام بن عروة، عن أبـيه، فـي قوله {وَلا تَـجْهَرْ بصَلاتكَ وَلا تُـخافِتْ بِها} قال: فـي الدعاء.

حدثنـي ابن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ...} الآية، قال: فـي الدعاء والـمسألة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي عيسى، عن الأوزاعي، عن مكحول {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتكَ وَلا تُـخافِتْ بِها} قال: ذلك فـي الدعاء.

وقال آخرون: عنى بذلك الصلاة. واختلف قائلو هذه الـمقالة فـي الـمعنى الذي عنى بـالنهي عن الـجهر به، فقال بعضهم: الذي نهى عن الـجهر به منها القراءة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوار {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها} قال: كان إذا صلـى بأصحابه رفع صوته بـالقرآن، فإذا سمع ذلك الـمشركون سبُّوا القرآن ومن أنزله، ومن جاء به، قال: فقال الله لنبـيه صلى الله عليه وسلم {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ} فـيسمع الـمشركون {وَلا تُـخافِتْ} بِها عن أصحابك، فلا تُسْمِعهم القرآن حتـى يأخذوا عنك.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمار، عن أبـي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها} قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا جهر بـالصلاة بـالـمسلـمين بـالقرآن، شقّ ذلك علـى الـمشركين إذا سمعوه، فـيُؤْذون رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالشتـم والعيب به، وذلك بـمكة، فأنزل الله: يا مـحمد {لا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ} يقول: لا تُعلِنْ بـالقراءة بـالقرآن إعلاناً شديداً يسمعه الـمشركون فـيؤذونك، ولا تـخافت بـالقراءة القرآن: يقول: لا تـخفض صوتَك حتـى لا تُسْمِع أذنـيك وَابْتَغِ بـينَ ذلكَ سَبِـيلاً يقول: اطلب بـين الإعلان والجهر وبـين التـخافت والـخفض طريقاً، لا جهراً شديداً، ولا خفضاً لا تُسْمع أذنـيك، فذلك القدر فلـما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى الـمدينة سقط هذا كله، يفعل الآن أيّ ذلك شاء.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها...} الآية، هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بـمكة كان إذا صلـى بأصحابه، فرفع صوته بـالقراءة أسمع الـمشركين، فآذوه، فأمره الله أو لا يرفع صوته، فـيسمع عدوّه، ولا يخافت فلا يُسْمِع مَن خـلفه من الـمسلـمين، فأمره الله أن يبتغي بـين ذلك سبـيلاً.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بـالقرآن، فكان الـمشركون إذا سمعوا صوته سبُّوا القرآن، ومن جاء به فكان النبـيّ صلى الله عليه وسلم يخفـي القرآن فما يسمعه أصحابه، فأنزل الله {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها وَابْتَغِ بـينَ ذلك سَبِـيلاً}.

حدثنا مـحمد بن علـيّ بن الـحسن بن شقـيق، قال: سمعت أبـي، يقول: أخبرنا أبو حمزة عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها} قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع صوته وسَمع الـمشركون، سبُّوا القرآن، ومن جاء به، وإذا خفض لـم يسمع أصحابه، قال الله: {وَابْتَغِ بـينَ ذلكَ سَبِـيلاً}.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس: ثنا مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي داود بن الـحُصَين، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جهر بـالقرآن وهو يصلـي تفرّقوا، وأَبَوا أن يستـمعوا منه، فكان الرجل إذا أراد أن يستـمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو، وهو يصلـي، استرق السمع دونهم فرقا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستـمع، ذهب خشية أذاهم، فلـم يستـمع، فإن خفض رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته، لـم يستـمع الذين يستـمعون من قراءته شيئا، فأنزل الله علـيه: {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ} فـيتفرّقوا عنك {وَلا تُـخافِتْ بِها} فلا تُسْمِع من أراد أن يسمعها، مـمن يسترق ذلك دونهم، لعله يرعَوِي إلـى بعض ما يسمع، فـينتفع به، {وَابْتَغِ بـينَ ذلكَ سَبِـيلاً}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم يجهر بقراءة القرآن فـي الـمسجد الـحرام، فقالت قريش: لا تـجهر بـالقراءة فتؤذي آلهتنا، فنهجو ربك، فأنزل الله: {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها...} الآية.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبَّـاس، فـي قوله {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها} قال: نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مختف بـمكة، فكان إذا صلـى بأصحابه رفع الصوت بـالقرآن، فإذا سمعه الـمشركون سبوا القرآن ومن أنزله، ومن جاء به، فقال الله لنبـيه: {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ}: أي بقراءتك، فـيسمع الـمشركون، فـيسبُّوا القرآن {وَلا تُـخافِتْ بِها} عن أصحابك، فلا تسمعهم {وَابْتَغِ بـينَ ذلكَ سَبِـيلاً}.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبـير، فـي قوله {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها} قال: فـي القراءة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـير، فـي هذه الآية {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها} قال: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم إذا رفع صوته أعجب ذلك أصحابه، وإذا سمع ذلك الـمشركون سبُّوه، فنزلت هذه الآية.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن سلـمة، عن علقمة، عن مـحمد بن سيرين، قال: نبئت أن أبـا بكر كان إذا صلـى فقرأ خفض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته قال: فقـيـل لأبـي بكر: لـم تصنع هذا؟ فقال: أناجي ربـي، وقد علـم حاجتـي، قـيـل: أحسنت وقـيـل لعمر: لـم تصنع هذا؟ قال: أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان، قـيـل: أحسنت فلـما نزلت {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها وَابْتَغِ بـينَ ذلكَ سَبِـيلاً} قـيـل لأبـي بكر: ارفع شيئا، وقـيـل لعمر: اخفض شيئا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا حسان بن إبراهيـم، عن إبراهيـم الصائغ، عن عطاء، فـي قوله: {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها} قال: يقول ناس إنها فـي الصلاة، ويقول آخرون إنها فـي الدعاء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها وَابْتَغِ بـينَ ذلكَ سَبِـيلاً} وكان نبـيّ الله وهو بـمكة، إذا سمع الـمشركون صوته رموه بكلّ خبث، فأمره الله أن يغضّ من صوته، وأن يجعل صلاته بـينه وبـين ربه، وكان يقال: ما سمعته أذنك فلـيس بـمخافتة.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها} قال: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بـالصلاة، فـيُرمَى بـالـخبث، فقال: لا ترْفعْ صَوْتكَ فتُؤْذَى وَلا تُـخافِتْ بِها، وَابْتَغِ بـينَ ذلكَ سَبِـيلاً.

وقال آخرون: إنـما عُنِـي بذلك: ولا تـجهر بـالتشهد فـي صلاتك، ولا تـخافت بها. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا حفص بن غِياث، عن هشام بن عُروة، عن أبـيه، عن عائشة، قالت: نزلت هذه الآية فـي التشهد {وَلا تَـجْهَرْ بصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها}.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا حفص، عن أشعث، عن ابن سيرين مثله. وزاد فـيه: وكان الأعرابـيّ يجهر فـيقول: التـحيات لله، والصلوات لله، يرفع فـيها صوته، فنزلت {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ}.

وقال آخرون: بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلـي بـمكة جِهاراً، فأمر بإخفـائها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الـحسين، عن يزيد، عن عكرمة والـحسن البصري قالا: قال فـي بنـي إسرائيـل {وَلا تَـجْهرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها وَابْتَغِ بـيَن ذلكَ سَبِـيلاً} وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلـى يجهر بصلاته، فآذى ذلك الـمشركين بـمكة، حتـى أخفـى صلاته هو وأصحابه، فلذلك قال {وَلا تَـجَهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها وَابْتَغِ بـيْنَ ذلكَ سَبِـيلاً} وقال فـي الأعراف:

{ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِـي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الـجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بـالغُدُوّ والآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الغافِلِـينَ }

وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تـجهر بصلاتك تـحسنها من إتـيانها فـي العلانـية، ولا تـخافت بها: تسيئها فـي السريرة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن أنه كان يقول: {ولاَ تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها}: أي لا تراء بها عَلاَنـية، ولا تـخفها سرّاً {وَابْتَغِ بـينَ ذلكَ سَبِـيلاً}.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: كان الـحسن يقول فـي قوله: {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها} قال: لا تـحسن علانـيتها، وتسيء سريرتها.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، عن عوف، عن الـحسن، فـي قوله: {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولاَ تُـخافِتْ بِها} قال: لا تراء بها فـي العلانـية، ولا تـخفها فـي السريرة.

حدثنـي علـيّ بن الـحسن الأزرقـي، قال: ثنا الأشجعي، عن سفـيان، عن منصور، عن الـحسن {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها} قال: تـحسن علانـيتها، وتسيء سريرتها.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولاَ تُـخافِتْ بِها} قال: لا تصلّ مراءاة الناس ولا تدعها مخافة. وقال آخرون فـي ذلك ما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَلا تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها وَابْتِغِ بـينَ ذلكَ سَبِـيلاً} قال: السبـيـل بـين ذلك الذي سنّ له جبرائيـل من الصلاة التـي علـيها الـمسلـمون. قال: وكان أهل الكتاب يُخافتون، ثم يجهر أحدهم بـالـحرف، فـيصيح به، ويصيحون هم به وراءه، فنهى أن يصيح كما يصيح هؤلاء، وأن يُخافت كما يُخافت القوم، ثم كان السبـيـل الذي بـين ذلك، الذي سنّ له جبرائيـل من الصلاة.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصحة، ما ذكرنا عن ابن عبـاس فـي الـخبر الذي رواه أبو جعفر، عن سعيد، عن ابن عبـاس، لأن ذلك أصحّ الأسانـيد التـي رُوِي عن صحابـيّ فـيه قولٌ مخرَّجا، وأشبه الأقوال بـما دلّ علـيه ظاهر التنزيـل، وذلك أن قوله: {وَلا تَـجْهِرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها} عقـيب قوله {قُلِ ادْعِوا اللّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أيَّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الـحُسْنَى} وعقـيب تقريع الكفـار بكفرهم بـالقرآن، وذلك بعدهم منه ومن الإيـمان. فإذا كان ذلك كذلك، فـالذي هو أولـى وأشبه بقوله {وَلاَ تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها} أن يكون من سبب ما هو فـي سياقه من الكلام، ما لـم يأت بـمعنى يوجب صرفه عنه، أو يكون علـى انصرافه عنه دلـيـل يعلـم به الانصراف عما هو فـي سياقه.

فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: قل ادعوا الله، أو ادعوا الرحمن، أيا ما تدعوا فله الأسماء الـحسنى، ولا تـجهر يا مـحمد بقراءتك فـي صلاتك ودعائك فـيها ربك ومسألتك إياه، وذكرك فـيها، فـيؤذيك بجهرك بذلك الـمشركون، ولا تـخافت بها فلا يسمعها أصحابك {وَابْتَغِ بـينَ ذلكَ سبِـيلاً} ولكن التـمس بـين الـجهر والـمخافتة طريقا إلـى أن تسمع أصحابك، ولا يسمعه الـمشركون فـيؤذوك. ولولا أن أقوال أهل التأويـل مضت بـما ذكرت عنهم من التأويـل، وأنا لا نستـجيز خلافهم فـيـما جاء عنهم، لكان وجها يحتـمله التأويـل أن يقال: ولا تـجهر بصلاتك التـي أمرناك بـالـمخافتة بها، وهي صلاة النهار لأنها عجماء، لا يجهز بها، ولا تـخافت بصلاتك التـي أمرناك بـالـجهر، وهي صلاة اللـيـل، فإنها يجهر بها {وَابْتَغِ بـينَ ذلكَ سَبِـيلاً} بأن تـجهر بـالتـي أمرناك بـالـجهر بها، وتـخافت بـالتـي أمرناك بـالـمخافتة بها، لا تجهز بجميعها، ولا تـخافت بكلها، فكان ذلك وجها غير بعيد من الصحة، ولكنا لا نرى ذلك صحيحا لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـى خلافه. فإن قال قائل: فأية قراءة هذه التـي بـين الـجهر والـمخافتة؟ قـيـل:

حدثنـي مطر بن مـحمد، قال: ثنا قتـيبة، ووهب بن جرير، قالا: ثنا شعبة، عن الأشعث بن سلـيـم، عن الأسود بن هلال، قال: قال عبد الله: لـم يخافت من أسمع أذنـيه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن الأشعث، عن الأسود بن هلال، عن عبد الله، مثله.

الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026 23 جمادى الأولى 1448 هـ