انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الإسراء

تفسير الطبريالآيات 61–76

تفسير سورة الإسراء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الإسراء

الخلاصة من تفسير الطبري · 5 مقاطع · 1:19:01

  1. 1 الآيات 50–69في هذه الصفحة 15:55
  2. 2 الآيات 70–98في هذه الصفحة 18:49

التفسير الصوتي لسورة الإسراء كاملًا (5 مقاطع)

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ۝٦١ قَالَ أَرَءَيْتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلًا ۝٦٢

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا مـحمد تـمادي هؤلاء الـمشركين فـي غيهم وارتدادهم عتوّاً علـى ربهم بتـخويفه إياهم تـحقـيقهم قول عدّوهم وعدوّ والدهم، حين أمره ربه بـالسجود له فعصاه وأبى السجود له، حسداً واستكبـاراً {لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلـى يَوْمِ القِـيامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَه إلاَّ قَلِـيلاً} وكيف صدّقوا ظنه فـيهم، وخالفوا أمر ربهم وطاعته، واتبعوا أمر عدوّهم وعدوّ والدهم.

ويعنـي بقوله {وَإذْ قُلْنا للْـمَلائِكَةِ}: واذكر إذ قلنا للـملائكة {اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلاَّ إبْلِـيسَ} فإنه استكبر وقال {أأسْجُدَ لِـمَنْ خَـلَقْتَ طِيناً} يقول: لـمن خـلقته من طين فلـما حذفت «مِن» تعلَّق به قوله {خَـلَقْتَ} فنصب، يفتـخر علـيه الـجاهل بأنه خُـلِق من نار، وخـلق آدم من طين. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: بعث ربّ العزّة تبـارك وتعالـى إبلـيس، فأخذ من أديـم الأرض، من عذبها وملـحها، فخـلق منه آدم، فكل شيء خُـلق من عذبها فهو صائر إلـى السعادة وإن كان ابن كافرين، وكلّ شيء خَـلقه من مِلـحها فهو صائر إلـى الشقاوة وإن كان ابن نبـيـين ومن ثم قال إبلـيس {أأسْجُدُ لِـمَنْ خَـلَقْتَ طِيناً}: أي هذه الطينة أنا جئت بها، ومن ثم سُمّي آدم. لأنه خُـلق من أديـم الأرض.

وقوله: {أرَأيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلـيَّ} يقول تعالـى ذكره: أرأيت هذا الذي كرّمته علـيّ، فأمرتنـي بـالسجود له، ويعنـي بذلك آدم {لئِنْ أخرتَّنِ} أقسم عدوّ الله، فقال لربه: لئن أخرت إهلاكي إلـى يوم القـيامة {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إلاَّ قَلِـيلاً} يقول: لأستولـينّ علـيهم، ولأستأصلنهم، ولأستـميـلنهم. يقال منه: احتنك فلان ما عند فلان من مال أو علـم أو غير ذلك، ومنه قول الشاعر:

نَشْكُو إلَـيْكَ سَنَةً قَدْ أجْحَفَتْجَهْداً إلـى جَهْدٍ بنا فأضْعَفَتْواحْتَنَكَتْ أمْوَالَنا وجَلَّفَتْ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله تبـارك وتعالـى {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إلاَّ قَلِـيلاً} قال: لأحتوينهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ. عن ابن عبـاس، قوله {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إلاَّ قَلِـيلاً} يقول: لأستولـينّ.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إلاَّ قلـيلاً} قال: لأضلنهم. وهذه الألفـاظ وإن اختلفت فإنها متقاربـات الـمعنى، لأن الاستـيلاء والاحتواء بـمعنى واحد، وإذا استولـى علـيهم فقد أضلهم.

قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَآءً مَّوْفُورًا ۝٦٣

يقول تعالـى ذكره قال الله لإبلـيس إذ قال له

{ لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلـى يَوْمِ القِـيامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إلاَّ قَلِـيلاً }: اذهب فقد أخرتك، فمن تبعك منهم، يعنـي من ذرّية آدم علـيه السلام فأطاعك، فإن جهنـم جزاؤك وجزاؤهم، يقول: ثوابك علـى دعائك إياهم علـى معصيتـي، وثوابهم علـى اتبـاعهم إياك وخلافهم أمري {جزاءً مَوْفوْراً}: يقول: ثوابـاً مكثوراً مكملاً. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فإنَّ جَهَنَّـمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُوراً} عذاب جهنـم جزاؤهم، ونقمة من الله من أعدائه فلا يعدل عنهم من عذابها شيء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد {فإنَّ جَهَنَّـمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُوراً} قال: وافراً.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {مَوْفُوْراً}، قال: وافراً.

وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَٰدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ۝٦٤

يقول تعالـى ذكره بقوله {وَاسْتَفزِزْ} واستـخفف واستـجهل، من قولهم: استفزّ فلاناً كذا وكذا فهو يستفزّه {مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوتِكَ}. اختلف أهل التأويـل فـي الصوت الذي عناه جلّ ثناؤه بقوله {وَاسْتَفْزِز من اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوتِك} فقال بعضهم: عنى به: صوت الغناء واللعب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن لـيث، عن مـجاهد، فـي قوله {وَاسْتَفْزِز مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} قال: بـاللهو والغناء.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت لـيثا يذكر، عن مـجاهد، فـي قوله: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} قال: اللعب واللهو.

وقال آخرون: عنى به {واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ} بدعائك إياه إلـى طاعتك ومعصية الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيَّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} قال: صوته كلّ داع دعا إلـى معصية الله.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} قال: بدعائك.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصحة أن يقال: إن الله تبـارك وتعالـى قال لإبلـيس: واستفزز من ذرّية آدم من استطعت أن تستفزّه بصوتك، ولـم يخصص من ذلك صوتاً دون صوت، فكل صوت كان دعاء إلـيه وإلـى عمله وطاعته، وخلافـا للدعاء إلـى طاعة الله، فهو داخـل فـي معنى صوته الذي قال الله تبـارك وتعالـى اسمه له {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ}.

وقوله: {وأجْلِبْ عَلَـيْهِمْ بِخَيْـلِكَ ورَجِلكَ} يقول: وأجمع علـيهم من ركبـان جندك ومشاتهم من يجلب علـيها بـالدعاء إلـى طاعتك، والصرف عن طاعتـي. يقال منه: أجلب فلان علـى فلان إجلابـاً: إذا صاح علـيه. والـجَلَبة: الصوت، وربـما قـيـل: ما هذا الـجَلَب، كما يقال: الغَلَبة والغَلَب، والشَّفَقَة والشَّفَق. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل، ذكر من قال ذلك:

حدثنـي سلـم بن جنادة، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت لـيثا يذكر عن مـجاهد، فـي قوله {وأجْلِبْ عَلَـيْهِمْ بِخَيْـلِكَ ورَجِلِكَ} قال: كلّ راكب وماش فـي معاصي الله تعالـى.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {وأجْلِبْ عَلَـيْهِمْ بِخَيْـلِكَ وَرَجِلِكَ} قال: إن له خيلاً ورجلاً من الـجنّ والإنس، وهم الذين يطيعونه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وأجْلِبْ عَلَـيْهِمْ بِخَيْـلِكَ ورَجِلِكَ} قال الرجال: الـمشاة.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {وأجْلِبْ عَلَـيْهِمْ بِخَيْـلِكَ وَرَجِلِكَ} قال: خيـله: كل راكب فـي معصية الله ورجله: كل راجل فـي معصية الله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مـجاهد، فـي قوله {وأجْلِبْ عَلَـيْهِمْ بِخَيْـلِكَ وَرَجِلِكَ} قال: ما كان من راكب يقاتل فـي معصية الله فهو من خيـل إبلـيس، وما كان من راجل فـي معصية الله فهو من رجال إبلـيس. والرجْل: جمع راجل، كما التـجْر: جمع تاجر، والصَّحْب: جمع صاحب.

وأما قوله: {وَشارِكْهُمْ فِـي الأمْوَالِ والأوْلادِ}، فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي الـمشاركة التـي عنـيت بقوله {وَشارِكْهُمْ فِـي الأمْوَالِ والأوْلادِ} فقال بعضهم: هو أمره إياهم بإنفـاق أموالهم فـي غير طاعة الله واكتسابهموها من غير حلها. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت لـيثا يذكر عن مـجاهد {وَشارِكْهُمْ فِـي الأمْوَالِ} التـي أصابوها من غير حلها.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَشارِكْهُمْ فِـي الأمْوَالِ} قال: ما أكل من مال بغير طاعة الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن طلـحة بن عمرو، عن عطاء بن أبـي رَبـاح، قال: الشرك فـي أموال الربـا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن، فـي قوله {وَشارِكْهُمْ فِـي الأمْوَالِ والأوْلادِ} قال: قد والله شاركهم فـي أموالهم، وأعطاهم الله أموالاً فأنفقوها فـي طاعة الشيطان فـي غير حقّ الله تبـارك اسمه، وهو قول قتادة.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد، عن معمر، قال: قال الـحسن {شارِكْهُمْ فـي الأمْوَالِ} مرهم أن يكسبوها من خبـيث، وينفقوها فـي حرام.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس {وَشارِكْهُمْ فِـي الأمْوَالِ والأوْلادِ} قال: كلّ مال فـي معصية الله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وَشارِكْهُمْ فِـي الأمْوَالِ والأوْلادِ} قال: مشاركته إياهم فـي الأموال والأولاد، ما زَيَّن لهم فـيها من معاصي الله حتـى ركبوها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مـجاهد {وَشارِكْهُمْ فـي الأمْوَالِ} كلّ ما أنفقوا فـي غير حقه.

وقال آخرون: بل عُنِـي بذلك كلّ ما كان من تـحريـم الـمشركين ما كانوا يحرّمون من الأنعام كالبحائر والسوائب ونـحو ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَشارِكْهُمْ فِـي الأمْوَالِ والأوْلادِ} قال: الأموال: ما كانوا يحرِّمون من أنعامهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا عيسى، عن عمران بن سلـيـمان. عن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، قال: مشاركته فـي الأموال أن جعلوا البحيرة والسائبة والوصيـلة لغير الله.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {وَشارِكْهُمْ فِـي الأمْوَالِ} فإنه قد فعل ذلك أما فـي الأموال، فأمرهم أن يجعلوا بحيرة وسائبة ووصيـلة وحاماً.

قال أبو جعفر: الصواب: حامياً.

وقال آخرون: بل عُنِـي به ما كان الـمشركون يذبحونه لآلهتهم. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول: {وَشارِكْهُمْ فِـي الأمْوَالِ والأوْلادِ} يعنـي ما كانوا يذبحون لآلهتهم.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: عُنِـي بذلك كلّ مال عصى الله فـيه بإنفـاق فـي حرام أو اكتساب من حرام، أو ذبح للآلهة، أو تسيـيب، أو بحر للشيطان، وغير ذلك مـما كان معصياً به أو فـيه، وذلك أن الله قال {وَشارِكْهُمْ فـي الأمْوَالِ} فكلّ ما أطيع الشيطان فـيه من مال وعصى الله فـيه، فقد شارك فـاعل ذلك فـيه إبلـيس، فلا وجه لـخصوص بعض ذلك دون بعض.

وقوله: {والأوْلادِ} اختلف أهل التأويـل فـي صفة شركته بنـي آدم فـي أولادهم، فقال بعضهم: شركته إياهم فـيهم بزناهم بأمهاتهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {وَشارِكْهُمْ فِـي الأمْوَالِ والأوْلادِ} قال: أولاد الزنا.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت لـيثا يذكر عن مـجاهد {وشارِكْهُمْ فـي الأمْوَالِ والأوْلادِ} قال: أولاد الزنا.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَشارِكْهُم فِـي الأمْوَالِ والأولادِ} قال: أولاد الزنا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد قال: أولاد الزنا.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول {وَشارِكْهُمْ فـي الأمْوَالِ والأولادِ} قال: أولاد الزنا، يعنـي بذلك أهل الشرك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مـجاهد، فـي قوله: {وَشارِكْهُم فِـي الأمْوَالِ والأولادِ} قال: الأولاد: أولاد الزنا.

وقال آخرون: عُنـي بذلك: وأْدُهم أولادَهم وقتلهموهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس {وَشارِكْهُمْ فِـي الأمْوَالِ والأولادِ} قال: ما قتلوا من أولادهم، وأتوا فـيهم الـحرام.

وقال آخرون: بل عنـي بذلك: صبغهم إياهم فـي الكفر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن {وَشارِكْهُمْ فِـي الأمْوَالِ والأولاد} قال: قد والله شاركهم فـي أموالهم وأولادهم، فمـجسوا وهوّدوا ونصروا وصبغوا غير صبغة الإسلام وجزءوا من أموالهم جزءا للشيطان.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {وَشارِكْهُمْ فِـي الأمْوَال والأولادِ} قال: قد فعل ذلك، أما فـي الأولاد فإنهم هوّدوهم ونصَّروهم ومـجّسوهم.

وقال آخرون: بل عنـي بذلك تسميتهم أولادهم عبد الـحرث وعبد شمس. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي عيسى بن يونس، عن عمران بن سلـيـمان، عن أبـي صالـح عن ابن عبـاس {وَشارِكْهُم فِـي الأمْوَالِ والأولادِ} قال: مشاركته إياهم فـي الأولاد، سموا عبد الـحرث وعبد شمس وعبد فلان.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: كلّ ولد ولدته أنثى عصى الله بتسميته ما يكرهه الله، أو بإدخاله فـي غير الدين الذي ارتضاه الله، أو بـالزنا بأمه، أو قتله ووأده، أو غير ذلك من الأمور التـي يعصى الله بها بفعله به أو فـيه، فقد دخـل فـي مشاركة إبلـيس فـيه من ولد ذلك الـمولود له أو منه، لأن الله لـم يخصص بقوله {وَشارِكْهُم فـي الأمْوَالِ والأولادِ} معنى الشركة فـيه بـمعنى دون معنى، فكلّ ما عصى الله فـيه أو به، وأطيع به الشيطان أو فـيه، فهو مشاركة من عصى الله فـيه أو به إبلـيس فـيه.

وقوله: {وَعِدْهُم وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلاَّ غُرُوراً} يقول تعالـى ذكره لإبلـيس: وعد أتبـاعك من ذرّية آدم، النصرة علـى من أرادهم بسوء. يقول الله: {وَما يَعِدُهُمْ الشَّيْطانُ إلاَّ غُرُوراً} لأنه لا يغنـي عنهم من عقاب الله إذا نزل بهم شيئاً، فهم من عداته فـي بـاطل وخديعة، كما قال لهم عدوّ الله حين حصحص الـحقّ

{ إنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعَدَ الـحَقّ وَوَعَدتُكُمْ فَأخْـلَفْتُكُمْ وَما كَانَ لِـي عَلَـيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إلاَّ أنْ دَعَوْتُكْمْ فـاسْتَـجَبَتُـمْ لـي فَلا تَلُومُونِـي وَلُومُوا أنْفُسَكُمْ ما أنا بِـمُصْرِخِكُمْ وَما أنْتُـمْ بِـمُصْرِخِيَّ إنّـي كَفَرْتُ بِـمَا أشْرَكْتُـمُونِ مِنْ قَبْلُ }}.

إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا ۝٦٥

يقول تعالـى ذكره لإبلـيس: إن عبـادي الذين أطاعونـي. فـاتبعوا أمري وعصوك يا إبلـيس. لـيس لك علـيهم حجة.

وقوله: {وكَفَـى بَرَبِّكَ وَكِيلاً} يقول جلّ ثناؤه لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: وكفـاك يا مـحمد ربك حفـيظاً، وقـيـما بأمرك. فـانقَدْ لأمره. وبلغ رسالاته هؤلاء الـمشركين. ولا تـخف أحداً، فإنه قد توكل بحفظك ونصرتك، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّ عِبـادِي لَـيْسَ لَكَ عَلَـيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفَـى بَرَبِّكَ وَكِيلاً} وعبـاده الـمؤمنون. وقال الله فـي آية أخرى

{ إنَّـما سُلْطانُهُ عَلـى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ }}.

رَّبُّكُمُ ٱلَّذِى يُزْجِى لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِى ٱلْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦٓ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ۝٦٦

يقول تعالـى ذكره للـمشركين به: ربكم أيها القوم هو الذي يسير لكم السفن فـي البحر. فـيحملكم فـيها {لَتْبتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} لتوصلوا بـالركوب فـيها إلـى أماكن تـجاراتكم ومطالبكم ومعايشكم، وتلتـمسون من رزقه {إنَّه كانَ بِكُمْ رَحِيـماً} يقول: إن الله كان بكم رحيـماً حين أجرى لكم الفلك فـي البحر، تسهيلاً منه بذلك علـيكم التصرّف فـي طلب فضله فـي البلاد النائية التـي لولا تسهيـله ذلك لكم لصعب علـيكم الوصول إلـيها. وبنـحو ما قلنا فـي قوله: {يُزْجِي لَكُمْ} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ. عن ابن عبـاس. قوله: {رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ فـي البَحْرِ} يقول: يجري الفلك.

حدثنـي مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {رَبُّكُمُ الَّذِين يُزْجي لَكُمُ الفُلْكَ فِـي البَحْرِ} قال: يسيرها فـي البحر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس {رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجي لَكُمُ الفُلكَ فِـي البَحْرِ} قال: يجري.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {رَبَّكُمْ الَّذِي يُزْجي لَكُمْ الفُلْكَ فِـي البَحْرِ} قال: يجريها.

وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلْإِنسَٰنُ كَفُورًا ۝٦٧

يقول تعالـى ذكره: وإذا نالتكم الشدّة والـجهد فـي البحر ضلّ من تدعون: يقول: فقد تـمّ من تدعون من دون الله من الأنداد والآلهة، وجار عن طريقكم فلـم يغثكم، ولـم تـجدوا غير الله مغيثاً يغيثكم دعوتـموه، فلـما دعوتـموه وأغاثكم، وأجاب دعاءكم ونـجاكم من هول ما كنتـم فـيه فـي البحر، أعرضتـم عما دعاكم إلـيه ربكم من خـلع الأنداد، والبراءة من الآلهة، وإفراده بـالألوهة كفرا منكم بنعمته {وكانَ الإنْسانُ كَفُوراً} يقول: وكان الإنسان إذا جحد لنعم ربه.

أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا۟ لَكُمْ وَكِيلًا ۝٦٨

يقول تعالـى ذكره: {أَفَأمنْتِـم} أيها الناس من ربكم، وقد كفرتـم نعمته بتنـجيته إياكم من هول ما كنتـم فـيه فـي البحر، وعظيـم ما كنتـم قد أشرفتـم علـيه من الهلاك، فلـما نـجاكم وصرتـم إلـى البرّ كفرتـم، وأشركتـم فـي عبـادته غيره {أنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ البَرّ} يعنـي ناحية البرّ {أوْ يُرْسِلَ عَلَـيْكُمْ حاصِبـاً} يقول: أو يـمطركم حجارة من السماء تقتلكم، كما فعل بقوم لوط {ثُمَّ لا تَـجِدُوا لَكُمْ وَكيلاً} يقول: ثم لا تـجدوا لكم ما يقوم بـالـمدافعة عنكم من عذابه وما يـمنعكم منه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أفأمِنْتُـمْ أن يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ البَرّ أوْ يُرْسِلَ عَلَـيْكُمْ حاصِبـاً} يقول: حجارة من السماء {ثُمَّ لا تَـجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً}: أي منعة ولا ناصراً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، فـي قوله: {أفأمِنْتُـمْ أنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ البَرّ أوْ يُرْسلَ عَلَـيْكُمْ حاصِبـاً} قال: مطر الـحجارة إذا خرجتـم من البحر.

وكان بعض أهل العربـية يوجه تأويـل قوله {أوْ يُرْسلَ عَلَـيْكُمْ حاصِبـاً} إلـى: أو يرسل علـيكم ريحاً عاصفـاً تـحصب، ويستشهد لقوله ذلك بقول الشاعر:

مُسْتَقْبِلـينَ شَمالَ الشَّامِ تضْرِبُنابِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنْثُورِ

وأصل الـحاصب: الريح تـحصب بـالـحصبـاء والحصباء الأرض فـيها الرمل والـحصى الصغار. يقال فـي الكلام: حصب فلان فلانا: إذا رماه بـالـحصبـاء. وإنـما وُصفت الريح بأنها تـحصب لرميها الناس بذلك، كما قال الأخطل:

ولَقَدْ عَلـمْتُ إذَا العِشارُ تَرَوَّحَتْهُدْجَ الرّئالِ تَكبُّهُنَّ شَمالاً تَرْمي العضاَهُ بِحاصِبٍ مِنْ ثَلْـجهاحتـى يَبِـيتَ عَلـى العِضَاهِ جِفـالا

أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا۟ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِۦ تَبِيعًا ۝٦٩

يقول تعالـى ذكره: أم أمنتـم أيها القوم من ربكم، وقد كفرتـم به بعد إنعامه علـيكم، النعمة التـي قد علـمتـم أن يعيدكم فـي البحر تارة أخرى: يقول: مرّة أخرى، والهاء التـي فـي قوله «فـيه» من ذكر البحر. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أنْ يُعيدَكُمْ فِـيهِ تارَةً أُخْرَى}: أي فـي البحر مرّة أخرى {فَـيُرْسلَ عَلَـيْكُمْ قاصِفـاً مِنَ الرّيحِ} وهي التـي تقصف ما مرّت به فتـحطمه وتدقه، من قولهم: قصف فلان ظهر فلان: إذا كسره {فَـيُغْرِقَكُمْ بِـمَا كَفَرتُـمْ} يقول: فـيغرقكم الله بهذه الريح القاصف بـما كفرتـم، يقول: بكفركم به {ثُمَّ لا تَـجِدُوا لَكُمْ عَلَـيْنا بِهِ تَبِـيعاً} يقول: ثم لا تـجدوا لكم علـينا تابعاً يتبعنا بـما فعلنا بكم، ولا ثائراً يثأرنا بإهلاكنا إياكم. وقـيـل: تبـيعاً في موضع التابع، كما قـيـل: علـيـم في موضع عالـم. والعرب تقول لكل طالب بدم أو دين أو غيره: تبـيع. ومنه قول الشاعر:

عَدَوْا وَعَدَتْ غِزْلانُهُمْ فَكأنَّهَاضَوَامنُ غُرْمٍ لَزّهُنَّ تَبِـيعُ

وبنـحو الذي قلنا فـي القاصف والتبـيع، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {فَـيُرْسِلَ عَلَـيْكُمْ قَاصِفـاً مِنَ الرّيحِ} يقول: عاصفـاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: قاصفـا التـي تُغْرق.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {ثُمَّ لا تَـجِدُوا لَكُمْ عَلَـيْنا بِهِ تَبِـيعاً} يقول نصيراً.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال مـحمد: ثائراً، وقال الـحرث: نصيراً ثائراً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد {ثُمَّ لا تَـجِدُوا لَكُمْ عَلَـيْنا بِهِ تَبِـيعاً} قال: ثائراً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ثُمَّ لا تَـجِدُوا لَكُمْ عَلَـيْنا بِهِ تَبِـيعاً} أي لا نـخاف أن نتبع بشيء من ذلك.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {ثُمَّ لا تَـجِدُوا لَكُمْ عَلَـيْنا بِهِ تَبِـيعاً} يقول: لا يتبعنا أحد بشيء من ذلك. والتارة: جمعه تارات وتـير، وفعلت منه: أترت.

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ وَحَمَلْنَٰهُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلْنَٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ۝٧٠

يقول تعالى ذكره: {وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِـي آدَمَ} بتسلـيطنا إياهم علـى غيرهم من الـخـلق، وتسخيرنا سائر الـخـلق لهم {وَحَملْناهُمْ فِـي البَرّ} علـى ظهور الدوابّ والـمراكب {و} فـي {البَحْرِ} فـي الفلك التـي سخرناها لهم {وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّبـاتِ} يقول: من طيبـات الـمطاعم والـمشارب، وهي حلالها ولذيذاتها {وَفَضَّلْناهم عَلـى كَثِـيرٍ مِـمَّنْ خَـلَقْنا تَفْضِيلاً} ذكر لنا أن ذلك تـمكنهم من العمل بأيديهم، وأخذ الأطعمة والأشربة بها ورفعها بها إلـى أفواههم، وذلك غير متـيسر لغيرهم من الـخـلق، كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله {وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِـي آدم...} الآية، قال: {وَفَضَّلْناهُمْ} فـي الـيدين يأكل بهما، ويعمل بهما، وما سوى الإنس يأكل بغير ذلك.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن زيد بن أسلـم، فـي قوله: {وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِـي آدَمَ} قال: قالت الـملائكة: يا ربنا إنك أعطيت بنـي آدم الدنـيا يأكلون منها، ويتنعَّمون، ولـم تعطنا ذلك، فأعطناه فـي الآخرة فقال: وعزّتـي لا أجعل ذرّية من خـلقت بـيدي، كمن قلت له كن فكان.

يَوْمَ نَدْعُوا۟ كُلَّ أُنَاسٍۭ بِإِمَٰمِهِمْ فَمَنْ أُوتِىَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَٰبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ۝٧١

اختلفت أهل التأويـل فـي معنى الإمام الذي ذكر الله جلّ ثناؤه أنه يدعو كلّ أناس به، فقال بعضهم: هو نبـيه، ومن كان يقتدي به فـي الدنـيا ويأتـمّ به. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يحيى بن طلـحة الـيربوعي، قال: ثنا فضيـل، عن لـيث، عن مـجاهد {يَوْمَ نَدْعُو كُلّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ} قال: نبـيهم.

حدثنا ابن حميد،قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بزّة، عن مـجاهد {يَوْمَ نَدْعُوا كُلّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ} قال: نبـيهم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {بِإمامِهِمْ} قال: نبـيهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد مثله.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {كُلّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ} قال: نبـيهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، مثله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنه يدعوهم بكتب أعمالهم التـي عملوها فـي الدنـيا. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {يَوْمَ نَدْعُو كُلّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ} قال: الإمام: ما عمل وأملـى، فكتب علـيه، فمن بعث متقـيا لله جعل كتابه بـيـمينه، فقرأه واستبشر، ولـم يظلـم فتـيلاً، وهو مثل قوله: {وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِـين} والإمام: ما أملـى وعمل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن {يَوْمَ نَدْعُو كُلّ أُناسِ بإمامِهِمْ} قال: بأعمالهم.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال الـحسن: بكتابهم الذي فـيه أعمالهم.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ} يقول: بكتابهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، قال: بأعمالهم.

وقال آخرون: بل معناه: يوم ندعو كلّ أناس بكتابهم الذي أنزلت علـيهم فـيه أمري ونهيـي. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت يحيى بن زيد فـي قول الله عزّ وجلّ {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بإمامهِمْ} قال: بكتابهم الذي أنزل علـيهم فـيه أمر الله ونهيه وفرائضه، والذي علـيه يحاسبون، وقرأ:

{ لِكُلٍّ جَعَلنا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً }قال: الشرعة: الدين، والـمنهاج: السنة، وقرأ: { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً }قال: فنوح أوّلهم، وأنت آخرهم.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بإمامِهِمْ} بكتابهم.

وأولـى هذه الأقوال عندنا بـالصواب، قول من قال: معنى ذلك: يوم ندعو كلّ أناس بإمامهم الذي كانوا يقتدون به، ويأتـمُّون به فـي الدنـيا، لأن الأغلب من استعمال العرب الإمام فـيـما ائتـمّ واقتدي به، وتوجيه معانـي كلام الله إلـى الأَشهر أَوْلـى ما لـم تثبت حجة بخلافه يجب التسلـيـم لها.

وقوله: {فَمَنْ أُوتِـيَ كِتابَهُ بِـيَـمِينَهِ} يقول: فمن أعطي كتاب عمله بـيـمينه {فَأُولَئِكَ يَقَرَءُونَ كِتابَهُمْ} ذلك حتـى يعرفوا جميع ما فـيه {وَلا يُظلَـمُونَ فَتِـيلاً} يقول تعالـى ذكره: ولا يظلـمهم الله من جزاء أعمالهم فتـيلاً، وهو الـمنفتل الذي فـي شقّ بطن النواة. وقد مضى البـيان عن الفَتـيـل بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله {وَلا يُظلَـمُونَ فَتِـيلاً} قال: الذي فـي شقّ النواة.

وَمَن كَانَ فِى هَٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا ۝٧٢

اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي أشير إلـيه بقوله «هذه»، فقال بعضهم: أشير بذلك إلـى النعم التـي عدّدها تعالـى ذكره بقوله:

{ وَلَقَدْ كَرَّمنا بَنِـي آدَمَ وَحَملناهُمْ فِـي البَرّ والبَحرِ وَرَزَقناهُمْ مِنَ الطَّيِّبـاتِ وَفَضَّلناهُمْ علـى كَثِـيرٍ مِـمَّنْ خَـلَقْنا تَفَضِيلاً } فقال: {وَمَنْ كانَ فِـي هَذِهِ أعمَى فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ أعْمَى وأضَلُّ سَبِـيلاً}. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن مـحمد بن أبـي موسى، قال: سئل عن هذه الآية {وَمَنْ كانَ فِـي هذِهِ أعمَى فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ أعمَى وأضَلُّ سَبِـيلاً} فقال: قال

{ وَلَقد كَرَّمنا بَنِـي آدَمَ وَحَمَلناهُمْ فِـي البَرّ والبَحرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبـاتِ وَفَضَّلْناهُمْ علـى كَثِـيرٍ مِـمَّنْ خَـلَقْنا تَفْضِيلاً } قال: من عمي عن شكر هذه النعم فـي الدنـيا، فهو فـي الآخرة أعمى وأضلّ سبـيلاً.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ومن كان فـي هذه الدنـيا أعمى عن قدرة الله فـيها وحججه، فهو فـي الآخرة أعمى. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَمَنْ كانَ فِـي هَذِهِ أعْمَى} يقول: من عمي عن قُدرة الله فـي الدنـيا {فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ أعْمَى}.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {فـي هَذِهِ أعْمَى} قال: الدنـيا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَمَنْ كانَ فِـي هَذِهِ أعْمَى فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ أعْمَى} يقول: من كان فـي هذه الدنـيا أعمى عما عاين فـيها من نعم الله وخـلقه وعجائبه {فَهُوَ فِـي الآخَرَةِ أعْمَى وأضَلُّ سَبِـيلاً} فـيـما يغيب عنه من أمر الآخرة وأعمى.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {وَمَنْ كانَ فِـي هَذِهِ أعْمَى} فـي الدنـيا فـيـما أراه الله من آياته من خـلق السموات والأرض والـجبـال والنـجوم {فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ} الغائبة التـي لـم يرها {أعْمى وأضَلُّ سَبِـيلاً}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وسئل عن قول الله تعالـى {وَمَنْ كانَ فِـي هَذِهِ أعْمَى فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ أعْمَى وأضَلُّ سَبِـيلاً} فقرأ:

{ إنَّ فِـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ لآياتٍ للْـمُؤْمِنِـينَ وفِـي أنْفُسِكُمْ أفَلا تُبْصِرُونَ }. وقرأ: { وَمِنْ آياتِهِ أنْ خَـلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إذَا أنْتُـمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ }، وقرأ حتـى بلغ: { وَلَهُ مَنْ فِـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ كُلّ لَهُ قانِتُونَ }قال: كلّ له مطيعون، إلا ابن آدم. قال: فمن كان في هذه الآيات التـي يعرف أنها منا، ويشهد علـيها وهو يرى قدرتنا ونعمتنا أعمى، فهو فـي الآخرة التـي لـم يرها أعمى وأضلّ سبـيلاً.

وأولى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: معنى ذلك: ومن كان فـي هذه الدنـيا أعمى عن حجج الله علـى أنه الـمنفرد بخـلقها وتدبـيرها، وتصريف ما فـيها، فهو فـي أمر الآخرة التـي لـم يرها ولـم يعاينها، وفـيـما هو كائن فـيها أعمى وأضلّ سبـيلاً: يقول: وأضلّ طريقاً منه فـي أمر الدنـيا التـي قد عاينها ورآها.

وإنـما قلنا: ذلك أولـى تأويلاته بـالصواب، لأن الله تعالـى ذكره لـم يخصص فـي قوله {وَمَنْ كانَ فِـي هَذِهِ} الدنـيا {أعْمَى} عمى الكافر به عن بعض حججه علـيه فـيها دون بعض، فـيوجه ذلك إلـى عماه عن نعمه بـما أنعم به علـيه من تكريـمه بنـي آدم، وحمله إياهم فـي البرّ والبحر، وما عدّد فـي الآية التـي ذكر فـيها نعمه علـيهم، بل عمّ بـالـخبر عن عماه فـي الدنـيا، فهم كما عمّ تعالـى ذكره.

واختلفت القراء فـي قراءة قوله {فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ أعْمَى} فكسرت القَراء جميعا الحرف الأوّل أعني قوله {وَمَنْ كانَ فِـي هَذِهِ أعْمَى}. وأما قوله {فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ أعْمَى} فإن عامة قرّاء الكوفـيـين أمالت أيضاً قوله: {فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ أعْمَى}. وأما بعض قرّاء البصرة فإنه فتـحه، وتأوّله بـمعنى: فهو فـي الآخرة أشدّ عمى. واستشهد لصحة قراءته بقوله: {وأضَلُّ سَبِـيلاً}.

وهذه القراءة هي أَوْلـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب للشاهد الذي ذكرنا عن قارئه كذلك، وإنـما كره من كره قراءته كذلك ظناً منه أن ذلك مقصود به قصد عمى العينـين الذي لا يوصف أحد بأنه أعمى من آخر أعمى، إذ كان عمى البصر لا يتفـاوت، فـيكون أحدهما أزيد عمى من الآخر، إلا بإدخال أشدّ أو أبـين، فلـيس الأمر فـي ذلك كذلك.

وإنـما قلنا: ذلك من عمى القلب الذي يقع فـيه التفـاوت، فإنـما عُنِـي به عمى قلوب الكفـار، عن حجج الله التـي قد عاينتها أبصارهم، فلذلك جاز ذلك وحسُن. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ أعْمَى} قال: أعمى عن حجته فـي الآخرة.

وَإِن كَادُوا۟ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُۥ وَإِذًا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ۝٧٣

اختلف أهل التأويـل فـي الفتنة التـي كاد الـمشركون أن يفتنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بها عن الذي أوحى الله إلـيه إلـى غيره فقال بعضهم: ذلك الإلـمام بـالآلهة، لأن الـمشركين دعوه إلـى ذلك، فهمَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القُمِّي، من جعفر، عن سعيد، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلـم الـحجر الأسود، فمنعته قريش، وقالوا: لا نَدَعُه حتـى يـلـم بآلهتنا، فحدّث نفسه، وقال:

ما عَلَـيَّ أنْ أُلـمَّ بِها بَعْدَ أنْ يَدَعُونِـي أسْتَلِـمُ الـحَجَرَ، وَاللّهُ يَعْلَـمُ أنّـي لَهَا كارِهٌ، فَأَبَى الله، فَأنْزَلَ اللّهُ: {وإنْ كادُوا لَـيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إلَـيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَـيْنا غيرَهُ} الآية.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة

{ وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كدْتَ تَرْكَن إلَـيْهِمْ شَيْئاً قَلِـيلاً }ذكر لنا أن قريشا خـلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات لـيـلة إلـى الصبح يكلـمونه ويفخمونه ويسودونه ويقاربونه، وكان فـي قولهم أن قالوا: إنك تأتـي بشيء لا يأتـي به أحد من الناس، وأنت سيدنا وابن سيدنا، فما زالوا يكلِّـمونه حتـى كاد أن يقارفهم ثم منعه الله وعصمه من ذلك، فقال: { وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَـيْهِمْ شَيْئاً قَلِـيلاً }

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة لِتَفْتَرِيَ عَلَـيْنا غيرَهُ قال: أطافوا به لـيـلة، فقالوا: أنت سيدنا وابن سيدنا، فأرادوه علـى بعض ما يريدون فهمّ أن يقارفَهُمْ فـي بعض ما يريدون، ثم عصمه الله، فذلك قوله:

{ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَـيْهِمْ شَيْئاً قَلِـيلاً } الذي أرادوا فهمّ أن يقارفهم فـيه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد قال: قالوا له: ائت آلهتنا فـامْسَسْها، فذلك قوله: {شَيْئاً قلـيلاً}.

وقال آخرون: إنـما كان ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم همّ أن يُنِظر قوما بإسلامهم إلـى مدة سألوه الإنظار إلـيها. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَإنْ كادُوا لَـيَفْتِنُونَكَ عَن الَّذي أوْحَيْنا إلَـيْكَ لِتَفْتَري عَلَـيْنا غيرَهُ وإذاً لاتَّـخَذوكَ خَـلِـيلاً} وذلك أن ثقـيفـاً كانوا قالوا للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: يا رسول لله أَجِّلنا سنة حتـى يُهْدَى لآلهتنا، فإذا قبضنا الذي يُهْدى لآلهتنا أخذناه، ثم أسلـمنا وكسرنا الآلهة، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم، وأن يؤجِّلهم، فقال الله:

{ وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كَدْتَ تَرْكَنُ إلَـيْهِمْ شَيْئاً قَلِـيلاً }

والصواب من

القول فـي ذلك أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أخبر عن نبـيه صلى الله عليه وسلم، أن الـمشركين كادوا أن يفتنوه عما أوحاه الله إلـيه لـيعمل بغيره، وذلك هو الافتراء علـى الله وجائز أن يكون ذلك كان ما ذكر عنهم من ذكر أنهم دعوه إلى أن يـمسّ آلهتهم، ويـلـمّ بها، وجائز أن يكون كان ذلك ما ذُكر عن ابن عبـاس من أمر ثقـيف، ومسألتهم إياه ما سألواه مـما ذكرنا وجائز أن يكون غير ذلك، ولا بـيان فـي الكتاب ولا فـي خبر يقطع العذر أيّ ذلك كان، والاختلاف فـيه موجود علـى ما ذكرنا، فلا شيء فـيه أصوب من الإيـمان بظاهره، حتـى يأتـي خبر يجب التسلـيـم له ببـيان ما عُنِـي بذلك منه.

وقوله: {وَإذاً لاتَّـخَذُوكَ خَـلِـيلاً} يقول تعالـى ذكره: ولو فعلت ما دَعَوْك إلـيه من الفتنة عن الذي أوحينا إلـيك لاتـخذوك إذا لأنفسهم خـلـيلاً، وكنت لهم وكانوا لك أولـياء.

وَلَوْلَآ أَن ثَبَّتْنَٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـًٔا قَلِيلًا ۝٧٤

يقول تعالـى ذكره: ولولا أن ثبَّتناك يا مـحمد بعصمتنا إياك عما دعاك إلـيه هؤلاء الـمشركون من الفتنة {لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَـيْهِمْ شَيْئاً قَلِـيلاً} يقول: لقد كدت تـميـل إلـيهم وتطمئنّ شيئاً قلـيلاً، وذلك ما كان صلى الله عليه وسلم همّ به من أن يفعل بعض الذي كانوا سألوه فعله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيـما ذكر حين نزلت هذه الآية، ما:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا سلـيـمان، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة، فـي قوله {وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنْ إلَـيْهِمْ شَيْئا قَلِـيلاً} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"لا تَكِلْنِـي إلـى نَفْسي طَرْفَةَ عَيْنٍ".

إِذًا لَّأَذَقْنَٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ۝٧٥

يقول تعالـى ذكره: لو ركنت إلـى هؤلاء الـمشركين يا مـحمد شيئاً قلـيلاً فـيـما سألوك إذن لأذقناك ضعف عذاب الـحياة، وضعف عذاب الـمـمات. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {إذاً لأَذَقْناكَ ضِعْفَ الـحَياةِ وَضِعْفَ الـمَـماتِ} يعنـي: ضعف عذاب الدنـيا والآخرة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {ضِعْفَ الـحَياةِ} قال: عذابها {وَضِعْفَ الـمَـماتِ} قال: عذاب الآخرة.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إذاً لأَذَقْناكَ ضِعْفَ الـحَياة وَضِعْفَ الـمَـماتِ}: أي عذاب الدنـيا والآخرة.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {ضِعْفَ الـحَياةِ وضِعْفَ الـمَـمَاتِ} قال: عذاب الدنـيا وعذاب الآخرة.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {ضِعْفَ الـحَياةِ وَضِعْفَ الـمَـماتِ} يعنـي عذاب الدنـيا وعذاب الآخرة.

وكان بعض أهل العربـية من أهل البصرة يقول فـي قوله: {إذاً لأَذَقْناكَ ضِعْفَ الـحَياةِ} مختصر، كقولك: ضعف عذاب الـحياة {وَضِعْفَ الـمَـماتِ} فهما عذابـان، عذاب الـمـمات به ضوعف عذاب الـحياة. وقوله {ثُمَّ لا تَـجِدُ لَكَ عَلَـيْنا نَصِيراً} يقول: ثم لا تـجد لك يا مـحمد إن نـحن أذقناك لركونك إلـى هؤلاء الـمشركين لو ركنت إلـيهم، عذاب الـحياة وعذاب الـمـمات علـينا نصيراً ينصرك علـينا، ويـمنعك من عذابك، وينقذك مـما نالك منا من عقوبة.

وَإِن كَادُوا۟ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلًا ۝٧٦

يقول عزّ وجلّ: وإن كاد هؤلاء القوم لـيستفزونك من الأرض: يقول: لـيستـخفونك من الأرض التـي أنت بها لـيخرجوك منها {وَإذاً لا يَـلْبَثُونَ خِلافَكَ إلاَّ قَلِـيلاً} يقول: ولو أخرجوك منها لـم يـلبثوا بعدك فـيها إلاَّ قلـيلاً، حتـى أهلكهم بعذاب عاجل.

واختلف أهل التأويـل فـي الذين كادوا أن يستفزّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لـيخرجوه من الأرض وفـي الأرض التـي أرادوا أن يخرجوه منها فقال بعضهم: الذين كادوا أن يستفزّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك الـيهود، والأرض التـي أرادوا أن يخرجوه منها الـمدينة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، عن أبـيه، قال: زعم حضرميّ أنه بلغه أن بعض الـيهود قال للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: إن أرض الأنبـياء أرض الشام، وإن هذه لـيست بأرض الأنبـياء، فأنزل الله {وَإنْ كادُوا لَـيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِـيُخْرِجُوكَ مِنْها}.

وقال آخرون: بل كان القوم الذين فعلوا ذلك قريشاً، والأرض مكة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {وَإنْ كادُوا لَـيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِـيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإذاً لا يَـلْبَثُونَ خِلافَكَ إلاَّ قَلِـيلاً} وقد همّ أهل مكة بإخراج النبـيّ صلى الله عليه وسلم من مكة، ولو فعلوا ذلك لـما توطنوا، ولكن الله كفهم عن إخراجه حتـى أمره، ولقلـما مع ذلك لبثوا بعد خروج نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم من مكة حتـى بعث الله علـيهم القتل يوم بدر.

حدثنـي مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {لَـيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ} قال: قد فعلوا بعد ذلك، فأهلكهم الله يوم بدر، ولـم يـلبثوا بعده إلاَّ قلـيلاً حتـى أهلكهم الله يوم بدر. وكذلك كانت سنَّة الله فـي الرسل إذا فعل بهم قومهم مثل ذلك.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {خِلافَكَ إلاَّ قَلِـيلاً} قال: لو أخرجت قريش مـحمداً لعذّبوا بذلك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب، قول قتادة ومـجاهد، وذلك أن قوله: {وَإنْ كادُوا لَـيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ} فـي سياق خبر الله عزّ وجلّ عن قريش وذكره إياهم، ولـم يجر للـيهود قبل ذلك ذكر، فـيوجه قوله {وَإنْ كادُوا} إلـى أنه خبر عنهم، فهو بأن يكون خبراً عمن جرى له ذكر أولـى من غيره. وأما القلـيـل الذي استثناه الله جلّ ذكره فـي قوله {وإذاً لا يَـلْبَثُونَ خَـلْفَكَ إلاَّ قَلِـيلاً} فإنه فـيـما قـيـل، ما بـين خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلـى أن قتل الله من قتل من مشركيهم ببدر. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {وإذاً لا يَـلْبَثُونَ خَـلْفَكَ إلاَّ قَلِـيلاً} يعنـي بـالقلـيـل يوم أخذهم ببدر، فكان ذلك هو القلـيـل الذي لبثوا بعد.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَإذا لا يَـلْبَثُونَ خَـلْفَكَ إلاَّ قَلِـيلاً} كان القلـيـل الذي لبثوا بعد خروج النبـيّ صلى الله عليه وسلم من بـين أظهرهم إلـى بدر، فأخذهم بـالعذاب يوم بدر، وعُنِـي بقوله خلافك بعدك، كما قال الشاعر:

عَقَبَ الرَّذَاذُ خِلافَها فكأنَّـمَابسَط الشَّواطِبُ بَـيْنَهُنَّ حَصِيراً

يعنـي بقوله: خلافها: بعدها. وقد حُكي عن بعضهم أنه كان يقرؤها: خـلفك. ومعنى ذلك، ومعنى الـخلاف فـي هذا الـموضع واحد.
الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ