انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الإسراء

تفسير الطبريالآيات 29–44

تفسير سورة الإسراء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الإسراء

الخلاصة من تفسير الطبري · 5 مقاطع · 1:19:01

  1. 1 الآيات 23–49في هذه الصفحة 16:55

التفسير الصوتي لسورة الإسراء كاملًا (5 مقاطع)

وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ۝٢٩

وهذا مثلٌ ضربه الله تبـارك وتعالـى للـمـمتنع من الإنفـاق فـي الـحقوق التـي أوجبها فـي أموال ذوي الأموال، فجعله كالـمشدودة يده إلـى عنقه، الذي لا يقدر علـى الأخذ بها والإعطاء.

وإنـما معنى الكلام: ولا تـمسك يا مـحمد يدك بخلاً عن النفقة فـي حقوق الله، فلا تنفق فـيها شيئاً إمساك الـمغلولة يده إلـى عنقه، الذي لا يستطيع بسطها {وَلا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ} يقول: ولا تبسطها بـالعطية كلّ البسط، فتَبقـى لا شيء عندك، ولا تـجد إذا سئلت شيئاً تعطيه سائلك {فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَـحْسُوراً} يقول: فتقعد يـلومك سائلوك إذا لـم تعطهم حين سألوك، وتلومك نفسك علـى الإسراع فـي مالك وذهابه، {مـحسوراً} يقول: مَعِيبـاً، قد انقُطِع بك، لا شيء عندك تنفقه. وأصله من قولهم للدابة التـي قد سير علـيها حتـى انقَطَع سيرها، وكلَّت ورَزحَت من السير، بأنه حَسِير. يقال منه: حَسَرْت الدابة فأنا أحسِرُها، وأحسُرها حَسْراً، وذلك إذا أنضيته بـالسير وحَسَرته بـالـمسألة إذا سألته فألـحفت وحَسَرَ البصرُ فهو يَحْسِر، وذلك إذا بلغ أقصى الـمنظر فكَلّ. ومنه قوله عزّ وجلّ:

{ يَنْقَلِبْ إلَـيْكَ البَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ } وكذلك ذلك فـي كلّ شيء كَلَّ وأزحف حتـى يَضْنَى. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا هودة، قال: ثنا عوف، عن الـحسن، فـي قوله {وَلا تَـجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلـى عُنُقِكَ} قال: لا تـجعلها مغلولة عن النفقة {وَلا تَبْسُطْها}: تبذّر بسرف.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يوسف بن بهز، قال: ثنا حوشب، قال: كان الـحسن إذا تلا هذه الآية {وَلا تَـجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلـى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَـحْسُوراً} يقول: لا تطفِّف برزقـي عن غير رضاي، ولا تضعْه فـي سُخْطي فأسلُبَك ما فـي يديك، فتكون حسيراً لـيس فـي يديك منه شيء.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {وَلا تَـجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلـى عُنُقُك وَلا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مـحْسُوراً} يقول هذا فـي النفقة، يقول {لا تَـجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلـى عُنُقِكَ} يقول: لا تبسطها بـالـخير وَلا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ يعنـي التبذير فَتَقْعُدَ مَلُوماً يقول: يـلوم نفسه علـى ما فـات من ماله مَـحْسُوراً يعنـي: ذهب ماله كله فهو مـحسور.

حدثنـي علـي، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـي، عن ابن عبـاس، قوله {وَلا تـجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلـى عُنُقِكَ} يعنـي بذلك البخـل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {وَلا تَـجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلـى عُنُقِكَ} أي لا تـمسكها عن طاعة الله، ولا عن حقه {وَلا تبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ} يقول: لا تنفقها فـي معصية الله، ولا فـيـما لا يصلـح لك، ولا ينبغي لك، وهو الإسراف. قوله {فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَـحْسُوراً} قال: ملوماً فـي عبـاد الله، مـحسوراً علـى ما سلف من دهره وفرّط.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {وَلا تَـجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلـى عُنُقِكَ} قال: فـي النفقة، يقول: لا تـمسك عن النفقة {وَلا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ} يقول: لا تبذر تبذيرا {فَتَقْعُدَ مَلُوماً} فـي عبـاد الله {مَـحْسُوراً} يقول: نادما علـى ما فرط منك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: لا تـمسك عن النفقة فـيـما أمرتك به من الـحق {وَلا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ} فـيـما نهيتك {فَتَقْعُدَ مَلُوماً} قال: مذنبـاً {مَـحْسُوراً} قال: منقطعاً بك.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وَلا تَـجْعَلْ يَدَكَ مَغْلولَةً إلـى عُنُقِكَ} قال: مغلولة لا تبسطها بخير ولا بعطية وَلا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فـي الـحق والبـاطل، فـينفَذ ما معك، وما فـي يديك، فـيأتـيك من يريد أن تعطيه فـيحسر بك، فـيـلومك حين أعطيت هؤلاء، ولـم تعطهم.

إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرًۢا بَصِيرًا ۝٣٠

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: إن ربك يا مـحمد يبسط رزقه لـمن يشاء من عبـاده، فـيوسع علـيه، ويقدر علـى من يشاء، يقول: ويُقَتِّر علـى من يشاء منهم، فـيضيِّق علـيه {إنَّهُ كَانَ بِعِبَـادِهِ خَبِـيراً}: يقول: إن ربك ذو خبرة بعبـاده، ومن الذي تصلـحه السعة فـي الرزق وتفسده ومن الذي يصلـحه الإقتار والضيق ويهلكه. {بصيراً}: يقول: هو ذو بصر بتدبـيرهم وسياستهم، يقول: فـانته يا مـحمد إلـى أمرنا فـيـما أمرناك ونهيناك من بسط يدك فـيـما تبسطها فـيه، وفـيـمن تبسطها له، ومِن كفها عمن تكفها عنه، وتكفها فـيه، فنـحن أعلـم بـمصالـح العبـاد منك، ومن جميع الـخـلق وأبصر بتدبـيرهم، كالذي:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، ثم أخبرنا تبـارك وتعالـى كيف يصنع، فقال: {إنَّ رَبَّكَ يَبْسُط الرِّزْقَ لِـمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ} قال: يقدر: يقلّ، وكل شيء فـي القرآن يَقْدِر كذلك ثم أخبر عبـاده أنه لا يرزَؤُه ولا يؤوده أن لو بسط علـيهم، ولكن نظراً لهم منه، فقال:

{ وَلَوْ بَسَطَ اللّهُ الرِّزْقَ لِعِبـادِهِ لَبَغَوْا فِـي الأرْضِ وَلكِنْ يُنَزّلُ بقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعبـادِهِ خَبِـيراً بَصِيراً }قال: والعرب إذا كان الـخصب وبُسِط علـيهم أَشِروا، وقتل بعضهم بعضا، وجاء الفساد، فإذا كان السنة شُغِلوا عن ذلك.

وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَٰقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْـًٔا كَبِيرًا ۝٣١

يقول تعالـى ذكره:

{ وَقَضَى رَبُّكَ }يا مـحمد { ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ وَبـالوَالِدَيْنِ إحْساناً }،{ وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ} فموضع تقتلوا نُصب عطفـاً علـى ألا تعبدوا.

ويعنـي بقوله: {خَشْيَةَ إمْلاقٍ} خوف إقتار وفقر. وقد بـيَّنا ذلك بشواهده فـيـما مضى، وذكرنا الرواية فـيه. وإنـما قال جلّ ثناؤه ذلك للعرب، لأنهم كانوا يقتلون الإناث من أولادهم خوف العيـلة علـى أنفسهم بـالإنفـاق علـيهن، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ خَشْيَة إمْلاقٍ}: أي خشية الفـاقة، وقد كان أهل الـجاهلـية يقتلون أولادهم خشية الفـاقة، فوعظهم الله فـي ذلك، وأخبرهم أن رزقهم ورزق أولادهم علـى الله، فقال: {نَـحْنُ نَرْزُقُهُمْ وإيَّاكُمْ إنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبـيراً}.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {خَشْيَة إمْلاقٍ} قال: كانوا يقتلون البنات.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مـجاهد {وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ خَشْيَة إمْلاقٍ} قال: الفـاقة والفقر.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {خَشْيَة إمْلاقٍ} يقول: الفقر.

وأما قوله: {إنَّ قَتْلَهُمْ كان خِطْأً كَبِـيراً} فإن القراء اختلفت فـي قراءته فقرأته عامَّة قراء أهل الـمدينة والعراق إنَّ قَتْلَهُمْ كان خِطْأً كَبِـيراً بكسر الـخاء مِن الـخطإِ وسكون الطاء. وإذا قرىء ذلك كذلك، كان له وجهان من التأويـل: أحدهما أن يكون اسماً من قول القائل: خَطِئت فأنا أَخْطَأ، بـمعنى: أذنبت وأثمت. ويُحكى عن العرب: خَطِئتَ: إذا أذنبتَ عمداً، وأخطأت: إذا وقع منك الذنب خَطَأ علـى غير عمد منك له. والثانـي: أن يكون بـمعنى خَطَأ بفتـح الـخاء والطاء، ثم كسرت الـخاء وسكنت الطاء، كما قـيـل: قِتْب وقَتَب وحَذَر وحِذْر، ونَـجِس ونَـجَس. والـخِطْء بـالكسر اسم، والـخَطَأ بفتـح الـخاء والطاء مصدر من قولهم: خَطِىء الرجل وقد يكون اسماً من قولهم: أخطأ. فأما الـمصدر منه فـالإخطاء. وقد قـيـل: خَطِىء، بـمعنى أخطأ، كما قال الشاعر:

يا لَهْفَ هِنْدٍ إذْ خَطِئْنَ كاههِلا

بـمعنى: أخطأن. وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل الـمدينة: «إنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خَطَأً» بفتـح الـخاء والطاء مقصوراً علـى توجيهه إلـى أنه اسم من قولهم: أخطأ فلان خطأ. وقرأه بعض قراء أهل مكة: «إنَّ قَتْلهُمْ كان خَطاءً» بفتـح الـخَاء والطاء، ومدّ الـخَطَاء بنـحو معنى من قرأه خطأ بفتـح الـخاء والطاء، غير أنه يخالفه فـي مدّ الـحرف.

وكان عامة أهل العلـم بكلام العرب من أهل الكوفة وبعض البصريـين منهم يرون أن الـخِطْء والـخَطَأ بـمعنى واحد، إلاَّ أن بعضهم زعم أن الـخِطْء بكسر الـخاء وسكون الطاء فـي القراءة أكثر، وأَن الـخطأ بفتـح الـخاء والطاء فـي كلام الناس أفشى، وأنه لـم يسمع الـخِطْء بكسر الـخاء وسكون الطاء، فـي شيء من كلامهم وأشعارهم، إلا فـي بـيت أنشده لبعض الشعراء:

الـخِطْءُ فـاحِشَةٌ والبِرُّ نافِلَةٌكعَجْوَة غُرِسَتْ فِـي الأرْضِ تُؤْتَبرُ

وقد ذكرت الفرق بـين الـخِطْء بكسر الـخاء وسكون الطاء وفتـحهما.

وأولـى القراءات فـي ذلك عندنا بـالصواب، القراءة التـي علـيها قراء أهل العراق، وعامة أهل الـحجاز، لإجماع الـحجة من القراء علـيها، وشذوذ ما عداها. وإن معنى ذلك كان إثما وخطيئة، لا خَطَأ من الفعل، لأنهم إنـما كانوا يقتلونهم عمداً لا خطأ، وعلـى عمدهم ذلك عاتبهم ربهم، وتقدم إلـيهم بـالنهي عنه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {خِطْأً كَبِـيراً} قال: أي خطيئة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد {إنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِـيراً} قال: خطيئة. قال ابن جريج، وقال ابن عبـاس: خِطأ: أي خطيئة.

وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلزِّنَىٰٓ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا ۝٣٢

يقول تعالـى ذكره: وقضى أيضاً أن {لا تَقْرَبُوا} أيها الناس {الزّنا إنَّهُ كانَ فـاحِشَةً} يقول: إن الزّنا كان فـاحشة {وَساءَ سَبـيلاً} يقول: وساء طريق الزنا طريقاً، لأن طريق أهل معصية الله، والـمخالفـين أمره، فأسوىءْ به طريقاً يورد صاحبه نار جهنـم.

وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَٰنًا فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًا ۝٣٣

يقول جل ثناؤه: وقضى أيضاً أن {لا تَقْتُلُوا} أيها الناس {النَّفْسَ التـي حَرَّمَ اللّهُ} قتلها {إلاَّ بـالـحَقّ} وحقها أن لا تقتل إلا بكفر بعد إسلام، أو زنا بعد إحصان، أو قود نفس، وإن كانت كافرة لـم يتقدّم كفرها إسلام، فأن لا يكون تقدم قتلها لها عهد وأمان، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {وَلا تقْتُلُوا النَّفْسَ التـي حَرَّمَ اللّهُ إلاَّ بـالـحَقّ} وإنا والله ما نعلـم بحلّ دم امرىء مسلـم إلاَّ بإحدى ثلاث، إلا رجلاً قتل متعمداً، فعلـيه القَوَد، أو زَنى بعد إحصانه فعلـيه الرجم أو كفر بعد إسلامه فعلـيه القتل.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيـينة، عن الزهريّ، عن عُروة أو غيره، قال: قـيـل لأبـي بكر: أتقتل من يرى أن لا يؤدي الزكاة، قال: لو منعونـي شيئاً مـما أقروا به لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم. فقـيـل لأبـي بكر: ألـيس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتـى يَقُولُوا: لا إلَه إلاَّ اللّهُ، فإذَا قالُوها عَصَمُوا مِنّـي دِماءهُمْ وأمْوالُهم إلاَّ بِحَقِّها، وحِسابُهُمْ عَلـى اللّهِ فقال أبو بكر: هذا من حقها.

حدثني موسى بن سهل، قال: ثنا عمرو بن هاشم، قال: ثنا سلـيـمان بن حيان، عن حميد الطويـل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أُمِرْتُ أنْ أُقاتِل النَّاسِ حتـى يقُولُوا لا إلَه إلاَّ اللّهُ، فإذَا قالُوها عَصمُوا مِنَّى دِماءهُمْ وأمْوالهُمْ إلاَّ بِحَقِّها وحِسابُهمْ عَلـى اللّهِ قـيـل: وما حقها؟ قال: زِنا بَعْد إحْصانٍ، وكُفْرٌ بَعْد إيـمَانٍ، وقَتْلُ نَفْسٍ فَـيُقْتَلُ بِها

وقوله: {ومَنْ قُتِل مَظْلُوماً} يقول: ومن قتل بغير الـمعانـي التـي ذكرنا أنه إذا قتل بها كان قتلاً بحقّ {فَقَدْ جَعَلْنا لِولِـيِّهِ سُلْطاناً} يقول: فقد جعلنا لولـيّ الـمقتول ظلـماً سلطاناً علـى قاتل ولـيه، فإن شاء استقاد منه فقتله بولـيه، وإن شاء عفـا عنه، وإن شاء أخذ الدية.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي معنى السلطان الذي جُعل لولـيّ الـمقتول، فقال بعضهم فـي ذلك، نـحو الذي قُلنا. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {ولا تَقْتَلُوا النَّفْسَ التـي حَرَّمَ اللّهُ إلاَّ بـالـحَقّ وَمَنْ قُتِل مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لولـيِّه سُلْطاناً} قال: بـيِّنة من الله عزّ وجلّ أنزلها يطلبها ولـيّ الـمقتول، العَقْل، أو القَوَد، وذلك السلطان.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن جُويبر، عن الضحاك بن مزاحم، فـي قوله: {فَقَدْ جَعَلْنا لِولِـيِّهِ سُلْطاناً } قال: إن شاء عفـا، وإن شاء أخذ الدية.

وقال آخرون: بل ذلك السلطان: هو القتل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَمَنْ قُتِل مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِولِـيِّهِ سُلْطاناً} وهو القَوَد الذي جعله الله تعالـى.

وأولـى التأويـلـين بـالصواب فـي ذلك تأويـل من تأول ذلك: أن السلطان الذي ذكر الله تعالـى فـي هذا الـموضع ما قاله ابن عبـاس، من أن لولـيّ القتـيـل القتل إن شاء وإن شاء أخذ الدية، وإن شاء العفو، لصحة الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم فتـح مكة:

ألا وَمن قُتِل لَهُ قَتِـيـلٌ فَهُو بِخَيْرِ النَّظَريْنِ بـينِ أنْ يَقْتُل أوْ يأْخُذ الدّيَة وقد بـيَّنت الـحكم فـي ذلك فـي كتابنا: كتاب الـجراح.

وقوله: {فَلا يُسْرِفْ فـي القَتْلِ} اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الكوفة: «فلا تُسْرِفْ» بـمعنى الـخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والـمراد به هو والأئمة من بعده، يقول: فلا تقتل بـالـمقتول ظُلْـما غير قاتله، وذلك أن أهل الـجاهلـية كانوا يفعلون ذلك إذا قتل رجل رجلاً عمد ولـيّ القتـيـل إلـى الشريف من قبـيـلة القاتل، فقتله بولـيه، وترك القاتل، فنهى الله عزّ وجلّ عن ذلك عبـاده، وقال لرسوله علـيه الصلاة والسلام: قتل غير القاتل بـالـمقتول معصية وسرف، فلا تقتل به غير قاتله، وإن قتلت القاتل بـالـمقتول فلا تـمثِّل به. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة: {فَلا يُسْرِفْ} بـالـياء، بـمعنى فلا يسرف ولـيّ الـمقتول، فـيقتل غير قاتل ولـيه. وقد قـيـل: عنى به: فلا يسرف القاتل الأول لأولـي الـمقتول.

والصواب من

القول فـي ذلك عندي، أن يقال: إنهما قراءتان متقاربتا الـمعنى، وذلك أن خطاب الله تبـارك وتعالـى نبـيه صلى الله عليه وسلم بأمر أو نهى فـي أحكام الدين، قضاء منه بذلك علـى جميع عبـاده، وكذلك أمره ونهيه بعضهم، أمر منه ونهى جميعهم، إلا فـيـما دلّ فـيه علـى أنه مخصوص به بعض دون بعض، فإذا كان ذلك كذلك بـما قد بـيَّنا فـي كتابنا (كتاب البـيان، عن أصول الأحكام) فمعلوم أن خطابه تعالـى بقوله {فَلا تُسْرِفْ فـي القَتْلِ} نبـيه صلى الله عليه وسلم، وإن كان موجَّهاً إلـيه أنه معنّى به جميع عبـاده، فكذلك نهيه ولـيّ الـمقتول أو القاتل عن الإسراف فـي القتل، والتعدّي فـيه نهى لـجميعهم، فبأيّ ذلك قرأ القارىء فمصيب صواب القراءة فـي ذلك.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي تأويـلهم ذلك نـحو اختلاف القرّاء فـي قراءتهم إياه. ذكر من تأوّل ذلك بـمعنى الـخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن طلق بن حبـيب، فـي قوله: {فَلا تُسْرِفْ} فـي القَتْلِ قال: لا تقتل غير قاتله، ولا تـمثِّل به.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير. عن منصور، عن طلق بن حبـيب، بنـحوه.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن خصيف، عن سعيد بن جبـير، فـي قوله: {فَلا تُسْرِفْ فـي القَتْلِ } قال: لا تقتل اثنـين بواحد.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {فَلا تُسْرِفْ فـي القَتْلِ إنَّهُ كان مَنْصُوراً } كان هذا بـمكة، ونبـيّ الله صلى الله عليه وسلم بها، وهو أوّل شيء نزل من القرآن فـي شأن القتل، كان الـمشركون يغتالون أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال الله تبـارك وتعالـى: من قتلكم من الـمشركين، فلا يحملنَّكم قتله إياكم عن أن تقتلوا له أبـا أو أخا أو أحدا من عشيرته، وإن كانوا مشركين، فلا تقتلوا إلا قاتلكم وهذا قبل أن تنزل براءة، وقبل أن يؤمروا بقتال الـمشركين، فذلك قوله: {فَلا تُسْرِفْ فـي القَتْلِ} يقول: لا تقتل غير قاتلك، وهي الـيوم علـى ذلك الـموضع من الـمسلـمين، لا يحلّ لهم أن يقتلوا إلا قاتلهم. ذكر من قال: عُنِـي ولـيّ الـمقتول:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا أبو رجاء، عن الـحسن، فـي قوله: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِولِـيِّهِ سُلْطاناً} قال: كان الرجل يُقتل فـيقول ولـيه: لا أرضى حتـى أقتل به فلانا وفلانا من أشراف قبـيـلته.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {فَلا تُسْرِفْ فـي القَتْلِ} قال: لا تقتل غير قاتلك، ولا تـمثِّل به.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَلا يُسْرِفْ فـي القَتْلِ} قال: لا يقتل غير قاتله من قَتَل بحديدة قُتل بحديدة ومن قَتَل بخشبة قُتِل بخشبة ومن قَتل بحجر قُتل بحجر. ذُكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

إنَّ منْ أعْتَـى النَّاسِ علـى اللّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ ثَلاَثَةً: رَجُلٌ قَتَلَ غيرَ قاتِلِهِ، أوْ قَتَلَ بدَخَنٍ فِـي الـجاهِلِـيَّةِ، أوْ قَتَلَ فِـي حَرَمِ اللّهِ

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: سمعته، يعنـي ابن زيد، يقول فـي قول الله جلّ ثناؤه {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِـيِّهِ سُلْطاناً} قال: إن العرب كانت إذا قُتل منهم قتـيـل، لـم يرضوا أن يقتلوا قاتل صاحبهم، حتـى يقتلوا أشرف من الذي قتله، فقال الله جلّ ثناؤه {فَقَدْ جَعَلَنا لِوَلِـيِّهِ سُلْطاناً} ينصره وينتصف من حقه {فلا يُسْرِفْ فِـي القَتْلِ} يقتل بريئا. ذكر من قال عُنِـي به القاتل:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثـير عن مـجاهد {فَلا يُسْرِفْ فِـي القَتْلِ} قال: لا يسرف القاتل فـي القتل.

وقد ذكرنا الصواب من القراءة فـي ذلك عندنا، وإذا كان كلا وجهي القراءة عندنا صوابـاً، فكذلك جميع أوجه تأويـله التـي ذكرناها غير خارج وجه منها من الصواب، لاحتـمال الكلام ذلك وإن فـي نهي الله جلّ ثناؤه بعض خـلقه عن الإسراف فـي القتل، نهى منه جميعَهم عنه.

وأما قوله: {إنَّهُ كانَ مَنْصُوراً} فإن أهل التأويـل اختلفوا فـيـمن عُنِـي بـالهاء التـي فـي قوله {إنَّهُ} وعلـى ما هي عائدة، فقال بعضهم: هي عائدة علـى ولـيّ الـمقتول، وهو الـمعنـيّ بها، وهو الـمنصور علـى القاتل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {إنَّهُ كانَ مَنْصُوراً } قال: هو دفع الإمام إلـيه، يعنـي إلـى الولـيّ، فإن شاء قتل، وإن شاء عفـا.

وقال آخرون: بل عُنِـي بها الـمقتول، فعلـى هذا القول هي عائدة علـى «مَن» فـي قوله: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً}. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثـير، عن مـجاهد {إنَّهُ كانَ مَنْصُوراً} إن الـمقتول كان منصوراً.

وقال آخرون: عُنِـي بها دم الـمقتول، وقالوا: معنى الكلام: إن دم القتـيـل كان منصوراً علـى القاتل.

وأشبه ذلك بـالصواب عندي. قول من قال عُنِـي بها الولـيّ، وعلـيه عادت، لأنه هو الـمظلوم، وولـيه الـمقتول، وهي إلـى ذكره أقرب من ذكر الـمقتول، وهو الـمنصور أيضاً، لأن الله جلّ ثناؤه قضى فـي كتابه الـمنزل، أن سلَّطه علـى قاتل ولـيه، وحكَّمه فـيه، بأن جعل إلـيه قتله إن شاء، واستبقاءه علـى الدية إن أحبّ، والعفو عنه إن رأى، وكفـى بذلك نُصرة له من الله جلّ ثناؤه، فلذلك قلنا: هو الـمعنـيّ بـالهاء التـي فـي قوله: {إنَّهُ كانَ مَنْصُوراً}.

وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ وَأَوْفُوا۟ بِٱلْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًا ۝٣٤

يقول تعالـى ذكره: وقضى أيضا أن لا تقربوا مال الـيتـيـم بأكل، إسرافـاً وبداراً أن يَكْبَروا، ولكن اقرَبوه بـالفَعْلَة التـي هي أحسن، والـخَـلَّة التـي هي أجمل، وذلك أن تتصرّفوا فـيه له بـالتثمير والإصلاح والـحيطة. وكان قتادة يقول فـي ذلك ما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلا تَقْرَبُوا مالَ الـيَتِـيـمِ إلاَّ بـالَّتِـي هِيَ أحْسَنُ} لـما نزلت هذه الآية، اشتدّ ذلك علـى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا لا يخالطونهم فـي طعام أو أكل ولا غيره، فأنزل الله تبـارك وتعالـى

{ وَإن تُـخالِطُوهُمْ فإخْوانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَـمُ الـمُفْسِدَ مِنَ الـمُصْلِـحِ } فكانت هذه لهم فـيها رُخْصة.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {وَلا تَقَرْبُوا مالَ الـيَتِـيـمِ إلاَّ بـالَّتِـي هِيَ أحْسَنُ} قال: كانوا لا يخالطونهم فـي مال ولا مأكل ولا مركب، حتـى نزلت

{ وإنْ تُـخالِطُوهُمْ فإخْوَانُكُمْ }. وقال ابن زيد فـي ذلك ما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلاَ تَقْرَبُوا مالَ الـيتِـيـمِ إلاَّ بـالَّتِـي هِيَ أحْسَنُ} قال: الأكل بـالـمعروف، أن تأكل معه إذا احتـجت إلـيه، كان أُبـيّ يقول ذلك.

وقوله: {حتـى يَبْلُغَ أشُدَّهُ} يقول: حتـى يبلغ وقت اشتداده فـي العقل، وتدبـير ماله، وصلاح حاله فـي دينه {وأوْفُوا بـالعَهْدِ} يقول: وأوفوا بـالعقد الذي تعاقدون الناس فـي الصلـح بـين أهل الـحرب والإسلام، وفـيـما بـينكم أيضاً، والبـيوع والأشربة والإجارات، وغير ذلك من العقود {إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولاً} يقول: إن الله جلّ ثناؤه سائل ناقض العهد عن نقضه إياه، يقول: فلا تنقصوا العهود الـجائزة بـينكم، وبـين من عاهدتـموه أيها الناس فتـخفروه، وتغدروا بـمن أعطيتـموه ذلك. وإنـما عنى بذلك أن العهد كان مطلوبـاً يقال فـي الكلام: لـيسئلنّ فلان عهد فلان.

وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا۟ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ۝٣٥

يقول تعالـى ذكره: {وَ} قضى أن {أوْفُوا الكَيْـلَ} للناس {إذَا كِلْتُـمْ} لهم حقوقهم قِبَلَكم، ولا تبخَسُوهم {وَزِنُوا بـالقِسْطاسِ الـمُسْتَقِـيـمِ} يقول: وقَضَى أو زنوا أيضاً إذا وزنتـم لهم بـالـميزان الـمستقـيـم، وهو العدل الذي لا اعوجاج فـيه، ولا دَغَل، ولا خديعة. وقد اختلف أهل التأويـل فـي معنى القسطاس، فقال بعضهم: هو القبـان. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا صفوان بن عيسى، قال: ثنا الـحسن بن ذكوان، عن الـحسن: {وَزِنُوا بـالقِسْطاسِ الـمُسْتَقِـيـمِ} قال: القَبَّـان.

وقال آخرون: هو العدل بـالرومية. ذكر من قال ذلك:

حدثنا علـيّ بن سهل، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: القِسطاس: العدل بـالرومية. وقال آخرون: هو الـميزان صغر أو كبر وفـيه لغتان: القِسطاس بكسر القاف، والقُسطاس بضمها، مثل القِرطاس والقُرطاس وبـالكسر يقرأ عامَّة قرّاء أهل الكوفة، وبـالضمّ يقرأ عامة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة، وقد قرأ به أيضاً بعض قرّاء الكوفـيـين، وبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، لأنهما لغتان مشهورتان، وقراءتان مستفـيضتان فـي قرّاء الأمصار.

وقوله: {ذلكَ خَيْرٌ} يقول: إيفـاؤكم أيها الناس من تكيـلون له الكيـل، ووزنكم بـالعدل لـمن توفون له {خَيْرٌ لَكُمْ} من بخسكم إياهم ذلك، وظلـمكموهم فـيه. وقوله: {وأحْسَنُ تأْوِيلاً} يقول: وأحسن مردوداً علـيكم وأولا إلـيه فـيه فعلكم ذلك، لأن الله تبـارك وتعالـى يرضى بذلك علـيكم، فـيُحسن لكم علـيه الـجزاء. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأوْفُوا الكَيْـلَ كِلْتُـمْ وَزِنُوا بـالقِسْطاسِ الـمُسْتَقِـيـمِ ذلكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي خير ثوابـاً وعاقبة.

وأخبرنا أن ابن عبـاس كان يقول: يا معشر الـموالـي، إنكم وَلِـيتـم أمرين بهما هلك الناس قبلكم: هذا الـمِكيال، وهذا الـمِيزان. قال: وذُكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

لا يَقْدِرُ رَجُلٌ علـى حَرَامٍ ثُمَّ يَدَعُهُ، لَـيْسَ بِهِ إلاَّ مَخافَةُ اللّهِ، إلاَّ أبْدَلَهُ اللّهُ فِـي عاجِلِ الدُّنْـيا قَبْلَ الآخِرَةِ ما هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ذلكَ

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {وأحْسَنُ تَأْوِيلاً} قال: عاقبة وثوابـاً.

وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا ۝٣٦

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {وَلا تَقْـفُ ما لَـيْسَ لَكَ بِهِ عِلْـمٌ} فقال بعضهم: معناه: ولا تقل ما لـيس لك به علـم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلا تَقْـفُ ما لَـيْسَ لَكَ بِهِ عِلْـمٌ} يقول: لا تقل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَلا تَقْـفُ ما لَـيْسَ لَكَ بِهِ عِلْـمٌ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} لا تقل رأيت ولـم تر، وسمعت ولـم تسمع، فإن الله تبـارك وتعالـى سائلك عن ذلك كله.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {وَلا تَقْـفُ ما لَـيْسَ لَكَ بِهِ عِلْـمٌ} قال: لا تقل رأيت ولـم تر، وسمعت ولـم تسمع، وعلـمت ولـم تعلـم.

حُدثت عن مـحمد بن ربـيعة، عن إسماعيـل الأزرق، عن أبـي عمر البزار، عن ابن الـحنفـية قال: شهادة الزور.

وقال آخرون: بل معناه: ولا ترم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {وَلا تَقْـفُ ما لَـيْسَ لَكَ بِهِ عِلْـمٌ} يقول: لا ترم أحدا بـما لـيس لك به علـم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَلا تَقْـفُ} ولا ترمِ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وهذان التأويلان متقاربـا الـمعنى، لأن القول بـما لا يعلـمه القائل يدخـل فـيه شهادة الزور، ورمى الناس بـالبـاطل، وادّعاء سماع ما لـم يسمعه، ورؤية ما لـم يره. وأصل القـفو: العضه والبهت. ومنه قول النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

نَـحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنانَة لا نَقْـفُو أمَّنا وَلا نَنْتَفِـي مِنُ أبِـينا وكان بعض البصريـين ينشد فـي ذلك بـيتا:

وَمِثْلُ الدُّمَى شُمُّ العَرَانِـينِ ساكِنٌبِهِنَّ الـحَياءُ لا يُشِعْنَ التَّقافِـيا

يعني بالتقافي: التقاذف. ويزعم أن معنى قوله {لا تَقْـفُ} لا تتبع ما لا تعلـم، ولا يعنـيك. وكان بعض أهل العربـية من أهل الكوفة، يزعم أن أصله القـيافة، وهي اتبـاع الأثر وإذ كان كما ذكروا وجب أن تكون القراءة: «وَلا تَقُـفْ» بضم القاف وسكون الفـاء، مثل: ولا تقل. قال: والعرب تقول: قـفوت أثره، وقُـفت أثره، فتقدِّم أحياناً الواو علـى الفـاء وتؤخرها أحياناً بعدها، كما قـيـل: قاع الـجمل الناقة: إذا ركبها وقَعَا وعاثَ وعَثَى وأنشد سماعاً من العرب.

ولَوْ أنّـي رَمَيْتُكَ مِنْ قَرِيبٍلَعاقَكَ مِنْ دُعاءٍ الذّئْبِ عاقِ

يعنـي عائق، ونظائر هذا كثـيرة فـي كلام العرب.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معنى ذلك: لا تقل للناس وفـيهم ما لا علـم لك به، فترميهم بـالبـاطل، وتشهد علـيهم بغير الـحقّ، فذلك هو القـفو.

وإنـما قلنا ذلك أولـى الأقوال فـيه بـالصواب، لأن ذلك هو الغالب من استعمال العرب القـفو فـيه.

وأما قوله {إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} فإن معناه: إن الله سائل هذه الأعضاء عما قال صاحبها، من أنه سمع أو أبصر أو علـم، تشهد علـيه جوارحه عند ذلك بـالـحقّ، وقال «أولئك»، ولـم يقل «تلك»، كما قال الشاعر:

ذُمَّ الـمَنازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَىوالعَيْشَ بَعْدِ أُولَئِكَ الأيَّامِ

وإنـما قـيـل: أولئك، لأن أولئك وهؤلاء للـجمع القلـيـل الذي يقع للتذكير والتأنـيث، وهذه وتلك للـجمع الكثـير فـالتذكير للقلـيـل من بـاب أَنْ كان التذكير فـي الأسماء قبل التأنـيث. لك التذكير للـجمع الأوّل، والتأنـيث للـجمع الثانـي، وهو الـجمع الكثـير، لأن العرب تـجعل الـجمع علـى مثال الأسماء.

وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولًا ۝٣٧ كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ۝٣٨

يقول تعالـى ذكره: ولا تـمش فـي الأرض مختالاً مستكبراً {إنَّكَ لَنْ تَـخْرِقَ الأرْضَ} يقول: إنك لن تقطع الأرض بـاختـيالك، كما قال رُؤْبة:

وقاتِـمِ الأعماقِ خاوِي الـمُخْتَرَق

يعنـي بـالـمخترق: الـمقطع {وَلَنْ تَبلُغَ الـجِبـالَ طُولاً} بفخرك وكبرك، وإنـما هذا نهي من الله عبـاده عن الكبر والفخر والـخُيَلاء، وتقدم منه إلـيهم فـيه معرِّفهم بذلك أنهم لا ينالون بكبرهم وفخارهم شيئا يقصر عنه غيرهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {وَلا تَـمْشِ فِـي الأرْضِ مَرَحاً إنَّكَ لَنْ تَـخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الـجِبـالِ طُولاً} يعنـي بكبرك ومرحك.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {وَلا تَـمْشِ فِـي الأرْضِ مَرَحاً} قال: لا تـمش فـي الأرض فخراً وكبراً، فإن ذلك لا يبلغ بك الـجبـال، ولا تـخرق الأرض بكبرك وفخرك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج {وَلا تَـمْشِ فِـي الأرْضِ} قال: لا تفخر.

وقـيـل: لا تـمش مرَحاً، ولـم يقل مرِحاً، لأنه لـم يرد بـالكلام: لا تكن مرِحاً، فـيجعله من نعت الـماشي، وإنـما أريد لا تـمرح فـي الأرض مرَحاً، ففسر الـمعنى الـمراد من قوله: ولا تـمش، كما قال الراجز:

يُعْجِبُهُ السَّخُونُ والعَصِيدُوالتَّـمْرُ حَبًّـا ما لَهُ مَزيدُ

فقال: حبـا، لأن فـي قوله: يعجبه، معنى يحبّ، فأخرج قوله: حبـاً، من معناه دون لفظه.

وقوله: {كُلُّ ذلكَ كانَ سَيِّئُهُ عنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً} فإن القرّاء اختلفت فـيه، فقرأه بعض قرّاء الـمدينة وعامة قرّاء الكوفة {كُلُّ ذلكَ كانَ سَيِّئُهُ عنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً} علـى الإضافة بـمعنى: كلّ هذا الذي ذكرنا من هذه الأمور التـي عددنا من مبتدإ قولنا

{ وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إياهُ }... إلـى قولنا {وَلا تَـمْشِ فِـي الأرْضِ مَرَحاً كانَ سَيِّئُهُ} يقول: سيىء ما عددنا علـيك عند ربك مكروها. وقال قارئو هذه القراءة: إنـما قـيـل {كُلّ ذلكَ كانَ سَيِّئُهُ} بـالإضافة، لأن فـيـما عددنا من قوله { وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ }أموراً، هي أمر بـالـجميـل، كقوله { وَبـالوَالدَيْنِ إحْساناً }، وقوله وآتِ { ذَا القُرْبَى حَقَّهُ }وما أشبه ذلك، قالوا: فلـيس كلّ ما فـيه نهيا عن سيئة، بل فـيه نهى عن سيئة، وأمر بحسنات، فلذلك قرأنا {سَيِّئُهُ}. وقرأ عامة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة: «كُلُّ ذلكَ كانَ سَيِّئَةً» وقالوا: إنـما عنى بذلك: كلّ ما عددنا من قولنا { وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ }ولـم يدخـل فـيه ما قبل ذلك. قالوا: وكلّ ما عددنا من ذلك الـموضع إلـى هذا الـموضع سيئة لا حسنة فـيه، فـالصواب قراءته بـالتنوين. ومن قرأ هذه القراءة، فإنه ينبغي أن يكون من نـيته أن يكون الـمكروه مقدماً علـى السيئة، وأن يكون معنى الكلام عنده: كلّ ذلك كان مكروهاً سيئة لأنه إن جعل قوله: مكروهاً بعد السيئة من نعت السيئة، لزمه أن تكون القراءة: كلّ ذلك كان سيئة عند ربك مكروهة، وذلك خلاف ما فـي مصاحف الـمسلـمين.

وأولـى القراءتـين عندي فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأ {كُلُّ ذلكَ كانَ سيِّئُهُ} علـى إضافة السيىء إلـى الهاء، بـمعنى: كلّ ذلك الذي عددنا من

{ وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ }... كانَ سَيِّئُهُ لأن فـي ذلك أموراً منهياً عنها، وأموراً مأموراً بها، وابتداء الوصية والعهد من ذلك الـموضع دون قوله { وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ }إنـما هو عطف علـى ما تقدّم من قوله وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ فإذا كان ذلك كذلك، فقرأته بإضافة السيىء إلـى الهاء أولـى وأحقّ من قراءته سيئةً بـالتنوين، بـمعنى السيئة الواحدة.

فتأويـل الكلام إذن: كلّ هذا الذي ذكرنا لك من الأمور التـي عددناها علـيك كان سيئه مكروهاً عند ربك يا مـحمد، يكرهه وينهى عنه ولا يرضاه، فـاتق مواقعته والعمل به.

ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰٓ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلْقَىٰ فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا ۝٣٩

يقول تعالـى ذكره: هذا الذي بـيَّنا لك يا مـحمد من الأخلاق الـجميـلة التـي أمرناك بجميـلها، ونهيناك عن قبـيحها {مِـمَّا أوْحَى إلَـيْكَ رَبُّكَ مِنَ الـحِكْمَةِ} يقول: من الـحكمة التـي أوحيناها إلـيك فـي كتابنا هذا، كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {ذلكَ مِـمَّا أوْحَى إلَـيْكَ رَبُّكَ مِنَ الـحِكْمَةِ} قال: القرآن.

وقد بـيَّنا معنى الـحكمة فـيـما مضى من كتابنا هذا، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

{وَلا تَـجْعَلْ مَعَ اللّهِ إلها آخَرَ فَتُلْقَـى فِـي جَهَنَّـمَ مَلُوماً مَدْحُوراً} يقول: ولا تـجعل مع الله شريكاً فـي عبـادتك، فتُلقـى فـي جهنـم ملوماً تلومك نفسك وعارفوك من الناس {مَدْحُوراً} يقول: مُبْعَداً مقصياً فـي النار، ولكن أخـلص العبـادة لله الواحد القهَّار، فتنـجوَ من عذابه. وبنـحو الذي قلنا فـي قوله {مَلُوماً مَدْحُوراً} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {مَلُوماً مَدْحُوراً} يقول: مطروداً.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {مَلُوماً مَدْحُوراً} قال: ملوما فـي عبـادة الله، مدحوراً فـي النار.

أَفَأَصْفَىٰكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنَٰثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا ۝٤٠

يقول تعالـى ذكره للذين قالوا من مشركي العرب: الـملائكة بنات الله {أفأصْفـاكُمْ} أيها الناس {رَبُّكُمْ بـالبَنـينَ} يقول: أفخصكم ربكم بـالذكور من الأولاد {واتَّـخَذَ مِنَ الـمَلائِكَةِ إناثاً} وأنتـم لا ترضونهن لأنفسكم، بل تئدونهن، وتقتلونهن، فجعلتـم لله ما لا ترضونه لأنفسكم {إنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيـماً} يقول تعالـى ذكره لهؤلاء الـمشركين الذين قالوا من الفرية علـى الله ما ذكرنا: إنكم أيها الناس لتقولون بقـيـلكم: الـملائكة بنات الله، قولاً عظيـماً، وتفترون علـى الله فرية منكم. وكان قتادة يقول فـي ذلك ما:

حدثنا مـحمد، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {واتَّـخَذَ مِنَ الـمَلائِكَةِ إناثاً} قال: قالت الـيهود: الـملائكة بنات الله.

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُوا۟ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا ۝٤١

يقول تعالـى ذكره: {وَلَقَدْ صَرَّفْتا} لهؤلاء الـمشركين الـمفترين علـى الله {فِـي هَذَا القُرآنِ} العِبَر والآيات والـحجج، وضربنا لهم فـيه الأمثال، وحذّرناهم فـيه وأنذرناهم {لِـيَذَّكَّرُوا} يقول: لـيتذكروا تلك الـحجج علـيهم، فـيعقلوا خطأ ما هم علـيه مقـيـمون، ويعتبروا بـالعبر، فـيتعظوا بها، وينـيبوا من جهالتهم، فما يعتبرون بها، ولا يتذكرون بـما يرد علـيهم من الآيات والنُّذر، وما يزيدهم تذكيرنا إياهم {إلاَّ نُفُوراً} يقول: إلا ذهابـاً عن الـحقّ، وبُعداً منه وهربـاً. والنفور فـي هذا الـموضع مصدر من قولهم: نفر فلان من هذا الأمر ينفِر منه نَفْراً ونفوراً.

قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّٱبْتَغَوْا۟ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلًا ۝٤٢

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لهؤلاء الـمشركين الذين جعلوا مع الله إلهاً آخر: لو كان الأمر كما تقولون: من أن معه آلهة، ولـيس ذلك كما تقولون، إذن لابتغت تلك الآلهة القُربة من الله ذي العرش العظيـم، والتـمست الزُّلْفة إلـيه، والـمرتبة منه. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كمَا يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلـى ذِي العَرْشِ سَبِـيلاً} يقول: لو كان معه آلهة إذن لعرفوا فضله ومرتبته ومنزلته علـيهم، فـابتغوا ما يقرّبهم إلـيه.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {إذًا لابْتَغَوْا إلـى ذِي العَرْشِ سَبِـيلاً} قال: لابتغَوا القُرب إلـيه، مع أنه لـيس كما يقولون.

سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ۝٤٣ تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ۝٤٤

وهذا تنزيه من الله تعالـى ذكره نفسه عما وصفه به الـمشركون، الـجاعلون معه آلهة غيره، الـمضيفون إلـيه البنات، فقال: تنزيها لله وعلوّا له عما تقولون أيها القوم، من الفرية والكذب، فإن ما تضيفون إلـيه من هذه الأمور لـيس من صفته، ولا ينبغي أن يكون له صفة. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {سُبْحانَهُ وَتَعالـى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِـيراً} يسبح نفسه إذ قـيـل علـيه البهتان. وقال تعالـى: {عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً} ولـم يقل: تعالـيا، كما قال:

{ وَتَبَتَّلْ إلَـيْهِ تَبْتِـيلاً }كما قال الشاعر:

أنْتَ الفِدَاءُ لكَعْبَةٍ هَدَّمْتَهاونَقَرْتَها بـيَدَيْكَ كُلَّ مَنَقَّرِ مُنِعَ الـحَمامُ مَقِـيـلَهُ مِنْ سَقْـفِهاومِنَ الـحَطِيـمِ فَطارَ كُلَّ مُطَيِّرِ

وقوله: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَواتُ السَّبْعُ والأرْضُ وَمَنْ فِـيهِنَّ} يقول: تنزّه الله أيها الـمشركون عما وصفتـموه به إعظاماً له وإجلالاً، السموات السبع والأرض، ومن فـيهنّ من الـمؤمنـين به من الـملائكة والإنس والـجنّ، وأنتـم مع إنعامه علـيكم، وجميـل أياديه عندكم، تفترون علـيه بـما تَفْتَرون.

وقوله: {وَإنْ مِنْ شَيْءٍ إلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} يقول جلّ ثناؤه: وما من شيء من خـلقه إلا يسبح بحمده، كما:

حدثنـي به نصر بن عبد الرحمن الأَوْدِيّ، قال: ثنا مـحمد بن يعلَـى، عن موسى بن عبـيدة، عن زيد بن أسلـم، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ألا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ أمَرَ بِهِ نُوحٌ ابْنَهُ؟ إنَّ نُوحاً قالَ لاِبْنِهِ يا بُنَـيَّ آمُرُكَ أنْ تَقُولَ سُبْحانَ اللّهِ وبِحَمْدِهِ فإنَّها صَلاةُ الـخَـلْقِ، وَتَسْبِـيحُ الـخَـلْقِ، وبِها تُرْزَقُ الـخَـلْقُ، قالَ اللّهُ وَإنْ مِنْ شَيْءٍ إلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عيسى بن عبـيد، قال: سمعت عكرمة يقول: لا يَعِيبنّ أحدكم دابته ولا ثوبه، فإن كلّ شيء يسبح بحمده.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الـحسين، عن يزيد، عن عكرمة {وَإنْ مِنْ شَيْءٍ إلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} قال: الشجرة تسبح، والأُسْطوانة تسبح.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح وزيد بن حبـاب، قالا: ثنا جرير أبو الـخطاب، قال: كنا مع يزيد الرقاشي ومعه الـحسن فـي طعام، فقدّموا الـخوان، فقال يزيد الرقاشي: يا أبـا سعيد يسبح هذا الـخوان: فقال: كان يسبح مرّة.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، ويونس، عن الـحسن أنهما قالا فـي قوله: {وَإنْ مِنْ شَيْءٍ إلاَّ يُسَبِّح بِحَمْدِهِ} قالا: كلّ شيء فـيه الروح.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الكبـير بن عبد الـمـجيد، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم، قال: الطعام يسبح.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر عن قتادة {وَإنْ مِنْ شَيْءٍ إلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} قال: كلّ شيء فـيه الروح يسبح، من شجر أو شيء فـيه الروح.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن عبد الله بن أبـيَ، عن عبد الله بن عمرو، أن الرجل إذا قال: لا إله إلا الله، فهي كلـمة الإخلاص التـي لا يقبل الله من أحد عملاً حتـى يقولها، فإذا قال الـحمد لله، فهي كلـمة الشكر التـي لـم يشكر الله عبد قطّ حتـى يقولها: فإذا قال الله أكبر، فهي تـملأ ما بـين السماء والأرض، فإذا قال سبحان الله، فهي صلاة الـخلائق التـي لـم يَدْعُ اللّهَ أحد من خـلقه إلا نوّره بـالصلاة والتسبـيح، فإذا قال لا حول ولا قوّة إلا بـالله، قال: أسلـم عبدي واستسلـم.

وقوله: {ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِـيحَهُمْ} يقول تعالـى ذكره: ولكن لا تفقهون تسبـيح ما عدا تسبـيح من كان يسبح بـمثل ألسنتكم {إنَّهُ كانَ حَلِـيـماً} يقول: إن الله كان حلـيـماً لا يعجل علـى خـلقه، الذين يخالفون أمره، ويكفرون به، ولولا ذلك لعاجل هؤلاء الـمشركين الذين يدعون معه الآلهة والأنداد بـالعقوبة {غَفُوراً} يقول: ساتراً علـيهم ذنوبهم، إذا هم تابوا منها بـالعفو منه لهم، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إنَّهُ كانَ حَلِـيـماً} عن خـلقه، فلا يعجل كعجلة بعضهم علـى بعض {غَفُوراً} لهم إذا تابوا.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ