انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير القرطبيالآيات 27–34

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير القرطبي.

وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْـَٔاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ۝٢٧

فيه مسألتان:

الأولى ـ قوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ آدَمَ بِٱلْحَقِّ} الآية. وجه ٱتصال هذه الآية بما قبلها التنبيه من الله تعالى على أن ظلم اليهود، ونقضهم المواثيق والعهود كظلم ٱبن آدم لأخيه. المعنى: إن هَمَّ هؤلاء اليهود بالفَتْك بك يا محمد فقد قتلوا قبلك الأنبياء، وقتل قابيل هابيل، والشَّر قديم. أي ذكّرهم هذه القصّة فهي قصة صِدق، لا كالأحاديث الموضوعة؛ وفي ذلك تَبْكِيتٌ لمن خالف الإسلام، وتسليةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم. وٱختلف في ٱبني آدم، فقال الحسن البصري: ليسا لصُلبه، كانا رجلين من بني إسرائيل ـ ضرب الله بهما المثل في إبانة حسد اليهود ـ وكان بينهما خصومة، فتقرّبا بقربانين ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل. قال ٱبن عطية: وهذا وَهْمٌ، وكيف يجهل صورة الدّفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدي بالغراب؟ والصحيح أنهما ابناهُ لصلبه؛ هذا قول الجمهور من المفسرين وقاله ٱبن عباس وٱبن عمر وغيرهما؛ وهما قابيل وهابيل، وكان قربان قابيل حُزمة من سُنْبل ـ لأنه كان صاحب زرع ـ وٱختارها من أرْدإ زرعه، ثم إنه وجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأكلها. وكان قربان هابيل كبشاً ـ لأنه كان صاحب غنم ـ أخذه من أجود غنمهِ.{فَتُقُبِّلَ} فَرُفِع إلى الجنّة، فلم يزل يرعى فيها إلى أن فُدِي به الذبيح عليه السلام؛ قاله سعيد بن جُبَير وغيره. فلما تُقبل قربان هابيل لأنه كان مؤمناً ـ قال له قابيل حسداً: ـ لأنه كان كافراً ـ أتمشي على الأرض يراك الناس أفضل منيٰ؟ {لأَقْتُلَنَّكَ}. وقيل: سبب هذا القُرْبان أن حوّاء عليها السلام كانت تلد في كل بطن ذكراً وأنثى ـ إلاّ شيثاً عليه السلام فإنها ولدته منفرداً عوضاً من هابيل على ما يأتي، وٱسمه هبة الله؛ لأن جبريل عليه السلام قال لحوّاء لما ولدته: هذا هبة الله لك بدل هابيل. وكان آدم يوم ولد شِيث ٱبن ثلاثين ومائة سنة ـ وكان يزوّج الذكر من هذا البطن الأنثى من البطن الآخر، ولا تحل له أخته تَوْءمته؛ فولدت مع قابيل أختاً جميلة وآسمها إقليمياء، ومع هابيل أختاً ليست كذلك وآسمها ليوذا؛ فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل: أنا أحق بأختي، فأمره آدم فلم يأتمر، وزجره فلم ينزجر؛ فاتفقوا على التقريب؛ قاله جماعة من المفسرين منهم ٱبن مسعود. وروى أن آدم حَضَر ذلك. والله أعلم. وقد روي في هذا الباب عن جعفر الصادق: أن آدم لم يكن يزوّج ٱبنته من ٱبنه؛ ولو فعل ذلك آدم لما رغب عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا كان دين آدم إلا دين النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الله تعالى لما أهبط آدم وحوّاء إلى الأرض وجمع بينهما ولدت حوّاء بنتاً فسماها عناقاً فبغت، وهي أوّ ل من بَغَى على وجه الأرض؛ فَسَلط الله عليها من قتلها، ثم ولدت لآدم قابيل، ثم ولدت له هابيل فلما أدرك قابيل أظهر الله له جنيَّة من ولد الجن، يُقال لها جمالة في صورة إنسيَّة، وأوحى الله لآدم أن زوجها من قابيل فزوجها منه؛ فلما أدرك هابيل أهبط الله إلى آدم حُورِية في صفة إنسية وخلق لها رحماً، وكان ٱسمها بزلة، فلما نظر إليها هابيل أحبها؛ فأوحى الله إلى آدم أن زوّج بزلة من هابيل ففعل. فقال قابيل: يا أبت ألستُ أكبر من أخي؟ قال: نعم. قال: فكنت أحق بما فعلت به منه ٰ فقال له آدم: يا بني إن الله قد أمرني بذلك، وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء؛ فقال: لا والله ولكنك آثرته علي. فقال آدم: «فقرِّبا قرباناً فأيكما يقبل قربانه فهو أحق بالفضل».

قلت: هذه القصة عن جعفر ما أظنها تصح، وأن القول ما ذكرناه من أنه كان يزوّج غلام هذا البطن لجارية تلك البطن. والدليل على هذا من الكتاب قوله تعالى:

{ { ياأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً } } [النساء: 1] وهذا كالنص ثم نسخ ذلك، حسبما تقدّم بيانه في سورة «البقرة». وكان جميع ما ولدته حواء أربعين من ذكر وأنثى في عشرين بطناً؛ أولهم قابيل وتوءمته إقليمياء، وآخرهم عبد المغيث. ثم بارك الله في نسل آدم. قال ٱبن عباس: لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفاً. وما روى عن جعفر ـ من قوله: فولدت بنتاً وأنها بغت ـ فيقال: مع من بغت؟ أمع جِني تسوّل لها! ومثل هذا يحتاج إلى نقل صحيح يقطع العذر، وذلك معدوم. والله أعلم.

الثانية ـ وفي قول هابيل: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} كلام قبله محذوف؛ لأنه لما قال له قابيل: {لأَقْتُلَنَّكَ} قال له: ولم تقتلني وأنا لم أجنِ شيئاً؟، ولا ذنب لي في قبول الله قرباني، أما إني ٱتقيته وكنتُ علي لاحِبِ الحق وإنما يتقبل الله من المتقين. قال ٱبن عطية: المراد بالتقوى هنا ٱتقاء الشرك بإجماع أهل السّنة؛ فمن ٱتقاه وهو موحِّد فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة؛ وأما المتقي الشرك والمعاصي فله الدرجة العليا من القبول والختم بالرحمة؛ علم ذلك بإخبار الله تعالى لا أن ذلك يجب على الله تعالى عقلاً. وقال عدِي بن ثابت وغيره: قربان متقي هذه الأمة الصلاة.

قلت: وهذا خاص في نوع من العبادات. وقد رَوى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن الله تبارك وتعالى قال من عادى لي ولياً فقد اذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما ٱفترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينهُ ولئن ٱستعاذني لأعيذنّه وما تردّدت عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مَسَاءته ».

لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٢٨ إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلنَّارِ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُا۟ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٢٩

فيه مسألتان ـ

الأولى ـ قوله تعالى: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ} الآية. أي لئن قصدت قتلي فأنا لا أقصد قتلك؛ فهذا ٱستسلام منه. وفي الخبر:

إذا كانت الفتنة فكن كخير ٱبني آدم. وروى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص قال قلت يا رسول الله: إن دخل علي بيتي وبسط يده إلي ليقتلني؟ قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن كخير ٱبني آدم» وتلا هذه الآية: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي}. قال مجاهد: كان الفرض عليهم حينئذ ألاَّ يَسْتلّ أحد سيفاً، وألا يمتنع ممن يريد قتله. قال علمائنا: وذلك مما يجوز ورود التعبد به، إلا أن في شرعنا يجوز دفعه إجماعاً. وفي وجوب ذلك عليه خلاف، والأصح وجوب ذلك؛ لما فيه من النهي عن المنكر. وفي الحشوية قوم لا يجوّزون للمصول عليه الدفع؛ وٱحتجوا بحديث أبي ذَرّ، وحمله العلماء على ترك القتال في الفتنة، وكف اليد عند الشبهة؛ على ما بيناه في كتاب «التذكرة» وقال عبدالله بن عمرو وجمهور الناس: كان هابيل أشدّ قوّة من قابيل ولكنه تحرج. قال ٱبن عطية: وهذا هو الأظهر، ومن ها هنا يقوى أن قابيل إنما هو عاصٍ لا كافر؛ لأنه لو كان كافراً لم يكن للتحرج هنا وجه، وإنما وجه التحرج في هذا أن المتحرج يأبى أن يقاتل موحداً، ويرضى بأن يظلم ليجازى في الآخرة؛ ونحو هذا فعل عثمان رضي الله عنه. وقيل: المعنى لا أقصد قتلك بل أقصد الدفع عن نفسي، وعلى هذا قيل: كان نائماً فجاء قابيل ورضخ رأسه بحجر على ما يأتي ومدافعة الإنسان عمن يريد ظلمه جائزة وإن أتى على نفس العادي. وقيل: لئن بدأت بقتلي فلا أبدأ بالقتل. وقيل: أراد لئن بسطت إلي يدك ظلماً فما أنا بظالم؛ إني أخاف الله رب العالمين.

الثانية ـ قوله تعالى: {إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} قيل: معناه معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:

«إذا ٱلتقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه» وكأن هابيل أراد أني لست بحريص على قتلك؛ فالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصاً على قتلك أريد أن تحمله أنت مع إثمك في قتلي.وقيل المعنى «بإثمي» الذي يختصُّ بي فيما فرَّطت؛ أي يؤخذ من سيئاتي فتطرح عليك بسبب ظلمك لي، وتبوء بإثمك في قتلك؛ وهذا يعضده قوله عليه الصلاة والسلام:يؤتى يوم القيامة بالظالم والمظلوم فيؤخذ من حسنات الظالم فتزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه. أخرجه مسلم بمعناه، وقد تقدّم؛ ويعضده قوله تعالى: { { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } } [ العنكبوت: 13] وهذا بيّن لا إشكال فيه. وقيل: المعنى إني أريد ألاّ تبوء بإثمي وإثمك كما قال تعالى: { { وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ } } [النحل: 15] أي لئلا تميد بكم. و قوله تعالى: { { يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } } [النساء: 176] أي لئلا تضلوا فحذف «لا».

قلت: وهذا ضعيف؛ لقوله عليه السلام:

لا تُقتل نفس ظلماً إلا كان على ٱبن آدم الأوّل كِفْل من دمها لأنه أوّل من سَنّ القتل. فثبت بهذا أن إثم القتل حاصل؛ ولهذا قال أكثر العلماء: إنّ المعنى؛ ترجع بإثم قتلي وإثمك الذي عملته قبل قتلي. قال الثعلبي: هذا قول عامة أكثر المفسرين. وقيل: هو ٱستفهام، أي أو إني أريد؟ على جهة الإنكار؛ كقوله تعالى: { { وَتِلْكَ نِعْمَةٌ } } [الشعراء: 22] أي أو تلك نعمة؟ وهذا لأن إرادة القتل معصية؛ حكاه القشيري وسئل أبو الحسن بن كَيْسان: كيف يريد المؤمن أن يأثم أخوه وأن يدخل النار؟ فقال إنما وقعت الإرادة بعد ما بسط يده إليه بالقتل؛ والمعنى: لئن بسطت إلي يدك لتقتلني لأمتنعنّ من ذلك مريداً للثواب؛ فقيل له: فكيف قال: بإثمي وإثمك؛ وأي إثم له إذا قتل؟ فقال: فيه ثلاثة أجوبة؛ أحدها ـ أن تبوء بإثم قتلي وإثم ذنبك الذي من أجله لم يتقبل قربانك؛ ويروى هذا القول عن مجاهد. والوجه الآخر ـ أن تبوء بإثم قتلي وإثم ٱعتدائك علي؛ لأنه قد يأثم بالاعتداء وإن لم يقتل. والوجه الثالث ـ أنه لو بسط يده إليه أَثِم؛ فرأى أنه إذا أمسك عن ذلك فإثمه يرجع على صاحبه. فصار هذا مثل قولك: المال بينه وبين زيد؛ أي المال بينهما، فالمعنى أن تبوء بإثمنا. وأصل باء رجع إلى المَبَاءة، وهي المنزل. { { وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ } } [البقرة: 61] أي رجعوا. وقد مضى في «البقرة» مستوفى. وقال الشاعر:

ألاَ تَنْتَهي عَنَّا مُلُوكٌ وتَتَّقيمَحارِمَنا لا يبُؤ الدَّمُ بالدَّمِ

أي لا يرجع الدّم بالدم في القود. {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ} دليل على أنهم كانوا في ذلك الوقت مكلّفين قد لحقهم الوعد والوعيد. وقد ٱستدل بقول هابيل لأخيه قابيل: {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ} على أنه كان كافراً؛ لأن لفظ أصحاب النار إنما ورد في الكفار حيث وقع في القرآن. وهذا مردود هنا بما ذكرناه عن أهل العلم في تأويل الآية. ومعنى {مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ} مدّة كونك فيها. والله أعلم.

فَطَوَّعَتْ لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٣٠

فيه أربع مسائل:

الأولى ـ قوله تعالى: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ}. أي سوَّلت وسهلت نفسه عليه الأمر وشجعته وصوّرت له أن قتل أخيه طوع سهل له يقال: طَاعَ الشيءُ يَطُوع أي سهل وٱنقاد. وطوّعه فلان له أي سهله. قال الهَرَوي: طوّعت وأَطاعت واحد؛ يقال: طاع له كذا إذا أتاه طوعاً. وقيل: طاوعته نفسه في قتل أخيه؛ فنزع الخافض فانتصب. وروي أنه جهل كيف يقتله فجاء إبليس بطائر ـ أو حيوان غيره ـ فجعل يَشْدَخ رأسه بين حجرين ليقتدي به قابيل ففعل؛ قاله ٱبن جُرَيْج ومجاهد وغيرهما. وقال ٱبن عباس وٱبن مسعود: وجده نائماً فشدخ رأسه بحجر وكان ذلك في ثَوْر ـ جبل بمكة ـ قاله ٱبن عباس. وقيل: عند عَقَبة حِراء؛ حكاه محمد بن جرير الطَّبَري. وقال جعفر الصادق: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم. وكان لهابيل يوم قتله قابيل عشرون سنة. ويقال: إن قابيل كان يعرف القتل بطبعه؛ لأن الإنسان وإن لم ير القتل فإنه يعلم بطبعه أن النفس فانية ويمكن إتلافها؛ فأخذ حجراً فقتله بأرض الهند. والله أعلم. ولما قتله ندم فقعد يبكي عند رأسه إذ أقبل غرابان فٱقتتلا فقتل أحدهما الآخر ثم حفر له حفرة فدفنه؛ ففعل القاتل بأخيه كذلك. والسوءة يراد بها العورة، وقيل: يراد بها جِيفة المقتول؛ ثم إنه هرب إلى أرض عَدَن من اليمن، فأتاه إبليس وقال: إنما أكلت النار قُرْبان أخيك لأنه كان يعبد النار، فانصب أنت أيضاً ناراً تكون لك ولعقبك، فبنى بيت نار؛ فهو أوّل من عبَد النار فيما قيل. والله أعلم. ورُوي عن ٱبن عباس، أنه لما قتله وآدم بمكة اشتاك الشجر، وتغيرت الأطعمة، وحمضت الفواكه، وملحت المياه، وٱغبرّت الأرض؛ فقال آدم عليه السلام: قد حَدَث في الأرض حدث، فأتى الهند فإذا قابيل قد قتل هابيل. وقيل: إن قابيل هو الذي ٱنصرف إلى آدم، فلما وصل إليه قال له: أين هابيل؟ فقال: لا أدري كأنك وكلتني بحفظه. فقال له آدم: أفعلتها؟ٰ والله إن دمه لينادي؛ اللهم ٱلعن أرضاً شربت دم هابيل. فروي أنه من حينئذ ما شربت أرض دماً. ثم إن آدم بقي مائة سنة لم يضحك، حتى جاءه مَلك فقال له: حَيَّاك الله يا آدم وبَيَّاك. فقال: ما بَيَّاك؟ قال: أضحكك؛ قاله مجاهد وسالم بن أبي الجَعْد. ولما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة ـ وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين ـ ولدت له شيثاً، وتفسيره هبة الله، أي خلفاً من هابيل. وقال مقاتل: كان قبل قتل قابيل هابيل السباع والطيور تستأنس بآدم، فلما قتل قابيل هابيل هربوا؛ فلحقت الطيور بالهواء، والوحوش بالبرية، و لحقت السباع بالغِياض. وروي أن آدم لما تغيرت الحال قال:

تَغيَّرتِ البلادُ ومَنْ عليهافوجهُ الأرض مُغْبَرٌّ قَبِيحُ تَغَيَّرَ كُلُّ ذي طعْمٍ ولونٍوقلَّ بشاشةَ الوجهُ المَليحُ

في أبيات كثيرة ذكرها الثعلبي وغيره. قال ٱبن عطية: هكذا هو الشعر بنصب «بشاشةَ» وكف التنوين. قال القُشيري وغيره قال ٱبن عباس: ما قال آدم الشِّعر، وإن محمداً والأنبياء كلهم في النهي عن الشِّعر سواء؛ لكن لما قُتل هابيل رثاه آدم وهو سُرياني، فهي مرثية بلسان السُّريانية أوصى بها إلى ٱبنه شيث وقال: إنك وصيي فاحفظ مني هذا الكلام ليُتَوارث؛ فحفظت منه إلى زمان يَعْرُب بن قحطان، فترجم عنه يَعْربُ بالعربية وجعله شعراً.

الثانية ـ رُوي من حديث أنس قال:

سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن يوم الثلاثاء فقال: «يومُ الدّمِ فيه حاضت حوّاء وفيه قَتلَ ٱبن آدم أخاه» . وثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لا تُقتل نفس ظلماً إلا كان على ٱبن آدم الأوّل كِفْلٌ من دمها لأنه كان أوّل من سن القتل. وهذا نص على التعليل؛ وبهذا الاعتبار يكون على إبليس كِفل من معصية كل من عصى بالسجود؛ لأنه أوّل من عصى به، وكذلك كل من أحدث في دين الله ما لا يجوز من البِدع والأهواء؛ قال صلى الله عليه وسلم:من سَنَّ في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سَنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. وهذا نص في الخير والشّر. وقال صلى الله عليه وسلم:إنّ أخوف ما أخاف على أُمتي الأئمة المضلون. وهذا كله صريح، ونص صحيح في معنى الآية، وهذا ما لم يتب الفاعل من تلك المعصية، لأن آدم عليه السلام كان أوّل من خالف في أكل ما نُهي عنه، ولا يكون عليه شيء من أوزار من عصى بأكل ما نُهى عنه ولا شربه ممنّ بعده بالإجماع؛ لأن آدم تاب من ذلك وتاب الله عليه، فصار كمن لم يَجْن. ووجه آخر ـ فإنه أكل ناسياً على الصحيح من الأقوال، كما بيّناه في «البقرة» والناسي غير آثم ولا مؤاخذ.

الثالثة ـ تضمنت هذه الآية البيان عن حال الحاسد، حتى أنه قد يحمله حسده على إهلاك نفسه بقتل أقرب الناس إليه قرابة، وأمسه به رحِما، وأولاهم بالحنوّ عليه ودفع الأذية عنه.

الرابعة ـ قوله تعالى: {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} أي ممن خسر حسناته. وقال مجاهد: علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة، ووجهه إلى الشمس حيثما دارت، عليه في الصيف حظيرة من نار، وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج. قال ٱبن عطية: فإن صح هذا فهو من خسرانه الذي تضمنه قوله تعالى: {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} وإلاّ فالخسران يعمّ خسران الدنيا والآخرة.

قلت: ولعل هذا يكون عقوبته على القول بأنه عاص لا كافر؛ فيكون المعنى {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} أي في الدنيا. والله أعلم.

فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَٰوَيْلَتَىٰٓ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَٰرِىَ سَوْءَةَ أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ ۝٣١

فيه خمس مسائل:

الأُولى ـ قوله تعالى: {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ} قال مجاهد: بعث الله غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما صاحبه ثم حفر فدفنه. وكان ٱبن آدم هذا أوّل من قُتِل. وقيل: إن الغراب بحث الأرض على طُعْمِه ليخفيه إلى وقت الحاجة إليه؛ لأنه من عادة الغراب فعل ذلك؛ فتنبه قابيل بذلك على مواراة أخيه. ورُوي أن قابيل لما قتل هابيل جعله في جراب، ومشى به يحمله في عنقه مائة سنة؛ قاله مجاهد. وروى ٱبن القاسم عن مالك أنه حمله سنة واحدة؛ وقاله ٱبن عباس. وقيل: حتى أَرْوَح ولا يدري ما يصنع به إلى أن ٱقتدى بالغراب كما تقدّم. وفي الخبر عن أنس قال سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول:

ٱمتن الله على ٱبن آدم بثلاث بعد ثلاث بالرّيح بعد الرُّوح فلولا أن الرّيح يقع بعد الروح ما دفن حميم حميماً وبالدود في الجثة فلولا أن الدود يقع في الجثة لاكتنزتها الملوك وكانت خيراً لهم من الدراهم والدنانير وبالموت بعد الكبر وإن الرجل ليكبر حتى يملّ نفسه ويملّه أهله وولده وأقرباؤه فكان الموت أستر له. وقال قوم: كان قابيل يعلم الدفن، ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافاً به، فبعث الله غراباً يبحث التراب على هابيل ليدفنه، فقال عند ذلك: {يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ} حيث رأى إكرام الله هابيل بأن قيض له الغراب حتى واراه، ولم يكن ذلك ندم توبة، وقيل: إنما ندمه كان على فقده لا على قتله، وإن كان فلم يكن موفياً شروطه. أو ندم ولم يستمر ندمه؛ فقال ٱبن عباس: ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة منه. ويقال: إن آدم وحوّاء أتيا قبره وبكيا أياماً عليه. ثم إن قابيل كان على ذِروة جبل فنطحه ثور فوقع إلى السفح وقد تفرّقت عروقه. ويقال: دعا عليه آدم فانخسفت به الأرض. ويقال: إن قابيل ٱستوحش بعد قتل هابيل ولزم البريّة، وكان لا يقدر على ما يأكله إلا من الوحش، فكان إذا ظفر به وقَذَه حتى يموت ثم يأكله. قال ٱبن عباس: فكانت الموقوذة حراماً من لدن قابيل بن آدم، وهو أوّل من يساق من الآدميين إلى النار؛ وذلك قوله تعالى: { { رَبَّنَآ أَرِنَا ٱللَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ } } [فصلت: 29] الآية فإبليس رأس الكافرين من الجنّ، وقابيل رأس الخطيئة من الإنس؛ على ما يأتي بيانه في «حم فصلت» إن شاء الله تعالى. وقد قيل: إن الندم في ذلك الوقت لم يكن توبة، والله بكل ذلك أعلم وأحكم. وظاهر الآية أن هابيل هو أوّل ميت من بني آدم؛ ولذلك جُهِلت سُنّة المواراة؛ وكذلك حكى الطبريّ عن ٱبن إسحاق عن بعض أهل العلم بما في كتب الأوائل. و قوله «يَبْحَثُ» معناه يفتش التراب بمنقاره ويثيره. ومن هذا سميت سورة «براءة» البحوث؛ لأنها فتشت عن المنافقين؛ ومن ذلك قول الشاعر:

إن الناس غطّوني تغطّيتُ عنهموإن بحثوني كان فيهم مباحثُ

وفي المثل: لا تكن كالباحث على الشَّفْرة؛ قال الشاعر:

فكانت كعَنْزِ السُّوء قامت برجلِهاإلى مُدْية مدفونة تَسْتَثيرُها

الثانية ـ بعث الله الغراب حكمة؛ ليري ابن آدم كيفية المواراة، وهو معنى قوله تعالى: { { ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ } } [عبس: 21] فصار فعل الغراب في المواراة سنّة باقية في الخلق، فرضاً على جميع الناس على الكفاية، من فعله منهم سقط فرضه عن الباقين. وأخص الناس به الأقربون الذين يلونه، ثم الجيرة، ثم سائر المسلمين. وأما الكفار فقد روى أبو داود عن عليّ قال: قلت للنبيّ صلى الله عليه وسلم إن عمك الشيخ الضال قد مات؛ قال: «ٱذهب فوارِ أباك التراب ثم لا تُحدِثَنّ شيئاً حتى تأتيني» فذهبت فواريته وجئته فأمرني فاغتسلت ودعا لي

الثالثة ـ ويستحب في القبر سعته وإحسانه؛ لما رواه ٱبن ماجه عن هشام بن عامر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

احفِروا وأوسعوا وأحسنوا. وروى عن الأَدْرَع السُّلَمِيّ قال: جئت ليلة أحرس النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فإذا رجل قراءته عالية، فخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله: هذا مُرَاء؛ قال: فمات بالمدينة ففرغوا من جهازه فحملوا نعشه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارفقوا به رفق الله به إنه كان يحب الله ورسوله» قال: وحضر حفرته فقال: «أوسعوا له وسع الله عليه» فقال بعض أصحابه: يا رسول الله لقد حزنتَ عليه؟ فقال: «أَجَلْ إنه كان يحب الله ورسوله» ؛ أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحُبَاب عن موسى بن عبيدة عن سعيد بن أبي سعيد. قال أبو عمر بن عبد البر: أدْرَع السَّلمَيّ روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً واحداً، وروى عنه سعيد بن أبي سعيد المَقْبُرِيّ؛ وأما هشام بن عامر بن أُمية بن الحَسْحَاس بن عامر بن غَنْم بن عديّ بن النجّار الأنصاريّ، كان يُسمَّى في الجاهلية شهاباً فغيّر النبي صلى الله عليه وسلم ٱسمه فسماه هشاماً، واستشهد أبوه عامر يوم أُحُد. سكن هشام البصرة ومات بها؛ ذُكر هذا في كتاب الصحابة.

الرابعة ـ ثم قيل: اللّحد أفضل من الشّق؛ فإنه الذي اختاره الله لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم: لما تُوفّي كان بالمدينة رجلان أحدهما يلحد والآخر لا يلحد؛ فقالوا: أيهما جاء أوّلَ عمِلَ عمله، فجاء الذي يلحد فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ذكره مالك في الموطأ عن هشام بن عُروة عن أبيه، وأخرجه ٱبن ماجه عن أنس بن مالك وعائشة رضي الله عنهما. والرجلان هما أبو طلحة وأبو عبيدة؛ وكان أبو طلحة يلحد وأبو عبيدة يشقّ. واللَّحد هو أن يحفر في جانب القبر إن كانت تربة صلبة، يوضع فيه الميت ثم يوضع عليه اللَّبِن ثم يُهال التراب؛ قال سعد بن أبي وَقَّاص في مرضه الذي هلك فيه: ألْحِدوا لي لَحْداً وٱنصِبوا عليّ اللَّبِن نصباً كما صنِع برسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرجه مسلم. وروى ٱبن ماجه وغيره عن ٱبن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اللحد لنا والشق لغيرنا ».

الخامسة ـ روى ٱبن ماجة عن سعيد بن المسيّب قال: حضرت ٱبن عمر في جنازة فلما وضعها في اللّحد قال: بسم الله وفي سبيل الله وعلى مِلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أخذ في تسوية اللبن على اللحد قال: اللهم أجرِها من الشيطان ومن عذاب القبر، اللهم جافِ الأرض عن جنبيها، وصَعِّد روحها ولَقِّها منك رضواناً. قلت يا ٱبن عمر أشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قلته برأيك؟ قال: إني إذا لقادر على القول! بل شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورُوي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلّى على جنازة ثم أَتَى قبر الميت فحثا عليه من قِبل رأسه ثلاثاً. فهذا ما تعلق في معنى الآية من الأحكام. والأصل في «يَا وَيْلَتۤى» يا ويلتي ثم أبدل من الياء ألف. وقرأ الحسن على الأصل بالياء، والأوّل أفصح؛ لأن حذف الياء في النداء أكثر. وهي كلمة تدعو بها العرب عند الهلاك؛ قاله سيبويه. وقال الأصمعي: «وَيْلٌ» بُعْدٌ. وقرأ الحسن: «أَعَجِزْتُ» بكسر الجيم. قال النحاس: وهي لغة شاذة؛ إنما يقال عَجِزت المرأة إذا عظمت عجِيزتها، وعَجَزتُ عن الشيء عَجْزاً ومَعْجِزَة ومَعْجَزَةً. والله أعلم.

مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلْبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ۝٣٢

قوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ} أي مِن جَرَّاء ذلك القاتل وجَرِيرته. وقال الزجاج: أي من جنايته؛ يقال: أَجَلَ الرجُل على أهله شراً يأجُل أَجْلاً إذا جنى؛ مثل أخذ يأخذ أخذاً. قال الخِنَّوْت:

وأهلِ خباءٍ صالحٍ كنتُ بَيْنَهُمْقد آحتربُوا في عاجلٍ أنا آجِلُه

أي جانيه، وقيل: أنا جارُّه عليهم. وقال عديّ بن زيد:

أَجْلَ انَّ اللَّه قد فَضَّلَكُمْفَوقَ مَنْ أَحْكَأَ صُلبا بإزارِ

وأصله الجرّ؛ ومنه الأَجَل لأنه وقت يجرّ إليه العقد الأوّل. ومنه الآجل نقيض العاجل، وهو بمعنى يُجرّ إليه أمر متقدّم. ومنه أَجَلْ بمعنى نَعَمْ. لأنه ٱنقياد إلى ما جُرَّ إليه. ومنه الإجْل للقطيع من بقر الوحش؛ لأن بعضه ينجر إلى بعض؛ قاله الرمّانيّ. وقرأ يزيد بن القَعْقَاع أبو جعفر: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ} بكسر النون وحذف الهمزة وهي لغة، والأصل {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ} فألقيت كسرة الهمزة على النون وحذفت الهمزة. ثم قيل: يجوز أن يكون قوله: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ} متعلقاً بقوله: {مِنَ ٱلنَّادِمِينَ} فالوقف على قوله: «مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ». ويجوز أن يكون متعلقاً بما بعده وهو {كَتَبْنَا}. فـ «مِنْ أَجْلِ» ٱبتداء كلام والتمام {مِنَ ٱلنَّادِمِينَ}؛ وعلى هذا أكثر الناس؛ أي من سبب هذه النازلة كتبنا. وخَصَّ بني إسرائيل بالذكر ـ وقد تقدمتهم أُمم قبلهم كان قتل النفس فيهم محظوراً ـ لأنهم أوّل أُمّة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس مكتوباً، وكان قبل ذلك قولاً مطلقاً؛ فغلظ الأمر على بني إسرائيل بالكتاب بحسب طغيانهم وسفكهم الدماء. ومعنى {بِغَيْرِ نَفْسٍ} أي بغير أن يقتل نفساً فيستحق القتل. وقد حرم الله القتل في جميع الشرائع إلا بثلاث خصال: كفر بعد إيمان، أو زنًى بعد إحصان، أو قتل نفس ظلماً وتعدّيا. {أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ} أي شرك، وقيل: قطع طريق.

وقرأ الحسن ـ «أَوْ فَسَاداً» بالنصب على تقدير حذف فعل يدل عليه أوّل الكلام تقديره؛ أو أحدث فساداً؛ والدليل عليه قوله: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ} لأنه من أعظم الفساد.

وقرأ العامة ـ «فَسَادٍ» بالجر على معنى أو بغير فساد. {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} ٱضطرب لفظ المفسرين في ترتيب هذا التشبيه لأجل أن عقاب من قتل جميعاً أكثر من عقاب من قتل واحداً؛ فروي عن ابن عباس أنه قال: المعنى من قتل نبياً أو إماماً عدل فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياه بأن شدّ عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعاً. وعنه أيضاً أنه قال: المعنى من قتل نفساً واحدة وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعاً، ومن ترك قتل نفس واحدة وصان حرمتها واستحياها خوفاً من الله فهو كمن أحيا الناس جميعاً. وعنه أيضاً؛ المعنى فكأنما قتل الناس جميعاً عند المقتول، ومن أحياها وٱستنقذها من هَلَكَة فكأنما أحيا الناس جميعاً عند المستنقذ. وقال مجاهد: المعنى أن الذي يقتل النفس المؤمنة متعمداً جعل الله جزاءه جهنم وغضب عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً؛ يقول: لو قتل الناس جميعاً لم يُزَد على ذلك، ومن لم يقتل فقد حَيِيَ الناس منه. وقال ٱبن زيد: المعنى أن من قتل نفساً فيلزمه من القَوَد والقصاص ما يلزم من قتل الناس جميعاً، قال: ومن أحياها أي من عفا عمن وجب له قتله؛ وقاله الحسن أيضاً؛ أي هو العفو بعد المقدرة. وقيل: المعنى أن من قتل نفساً فالمؤمنون كلهم خُصَماؤه؛ لأنه قد وَتَر الجميع، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، أي يجب على الكل شكره. وقيل: جَعَل إثم قاتل الواحد إثم قاتل الجميع؛ وله أن يحكم بما يريد. وقيل: كان هذا مختصاً ببني إسرائيل تغليظاً عليهم. قال ٱبن عطية: وعلى الجملة فالتشبيه على ما قيل واقع كلّه، والمنتهك في واحد ملحوظ بعين منتهك الجميع؛ ومثاله رجلان حلفا على شجرتين ألاَّ يَطْعَمَا من ثمرهما شيئاً، فَطعِم أحدهما واحدة من ثمر شجرته، وطَعِم الآخر ثمر شجرته كلّها، فقد استويا في الحِنْث. وقيل: المعنى أن من ٱستحل واحداً فقد استحل الجميع؛ لأنه أنكر الشرع. وفي قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا} تجوّز؛ فإنه عبارة عن الترك والإنقاذ من هَلَكَة، وإلا فالإحياء حقيقة ـ الذي هو الاختراع ـ إنما هو لله تعالى. وإنما هذا الإحياء بمنزلة قول نمروذ اللعين:

{ { أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ } } [البقرة: 258] فسمّى التّرك إحياء. ثم أخبر الله عن بني إسرائيل أنهم جاءتهم الرسل بالبينات، وأن أكثرهم مجاوزون الحدّ، وتاركون أمر الله.

إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝٣٣ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٣٤

فيه خمس عشرة مسئلة:

الأُولى ـ ٱختلف الناس في سبب نزول هذه الآية؛ فالذي عليه الجمهور أنها نزلت في العُرَنيين؛ روى الأئمة واللفظ لأبي داود عن أنس بن مالك: أن قوماً من عُكْل ـ أو قال من عُرَيْنة ـ قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فٱجْتَوَوُا المدينة؛ فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بلِقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا، فلما صَحُّوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا النَّعَم؛ فبلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم خبرهم من أوّل النهار فأرسل في آثارهم؛ فما ارتفع النهار حتى جيء بهم؛ فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسَمَر أعينهم وألقوا في الحرة يَستسقُون فلا يُسقَون. قال أبو قِلابة: فهؤلاء قوم سَرقوا وقَتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله. وفي رواية: فأمر بمسامير فأحميت فكَحَلهم وقطع أيديهم وأرجلهم وما حَسَمهم؛ وفي رواية: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم قافة فأُتي بهم؛ قال: فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً} الآية. وفي رواية قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يَكْدِمُ الأرض بفيه عطشاً حتى ماتوا. وفي البخاريّ

قال جَرير بن عبد الله في حديثه: فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين حتى أدركناهم وقد أشرفوا على بلادهم، فجئنا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال جَرير: فكانوا يقولون الماء، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النار» . وقد حكى أهل التّواريخ والسِّير: أنهم قطعوا يدي الرّاعي ورجليه، وغَرزوا الشوك في عينيه حتى مات، وأُدخل المدينة ميتاً، وكان ٱسمه يَسار وكان نُوبياً. وكان هذا الفعل من المرتدّين سنة ست من الهجرة. وفي بعض الروايات عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم. وروي عن ٱبن عباس والضحاك: أنها نزلت بسبب قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض. وفي مصنف أبي داود عن ٱبن عباس قال: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} إلى قوله: «غَفُورٌ رَحِيمٌ» نزلت هذه الآية في المشركين فمن أخِذ منهم قبل أن يُقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحدّ الذي أصابه. وممن قال: إن الآية نزلت في المشركين عِكرمةُ والحسن، وهذا ضعيف يردّه قوله تعالى: { { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } } [الأنفال: 38] وقوله عليه الصلاة و السلام:الإسلام يَهدِم ما قبلهأخرجه مسلم؛ والصحيح الأول لنصوص الأحاديث الثابتة في ذلك. وقال مالك والشافعيّ وأبو ثور وأصحاب الرأي: الآية نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل ويسعى في الأرض بالفساد. قال ٱبن المنذِر: قول مالك صحيح، قال أبو ثور محتجاً لهذا القول: وفي الآية دليل على أنها نزلت في غير أهل الشرك؛ وهو قوله جل ثناؤه: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} وقد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا أن دِماءهم تحرم؛ فدل ذلك على أن الآية نزلت في أهل الإسلام. وحكى الطبريّ عن بعض أهل العلم: أن هذه الآية نَسخَت فعل النبي صلى الله عليه وسلم في العُرنَيين، فوقف الأمر على هذه الحدود. وروى محمد بن سِيرين قال: كان هذا قبل أن تنزل الحدود؛ يعني حديث أنس؛ ذكره أبو داود. وقال قوم منهم الليث بن سعد: ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بوفد عُرَيْنة نُسِخ؛ إذ لا يجوز التمثيل بالمرتدّ. قال أبو الزِّنَاد: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قَطَع الذين سَرقوا لِقاحه وسَمَل أعينهم بالنار عاتبه الله عز وجل في ذلك؛ فأنزل الله تعالى في ذلك {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ} الآية. أخرجه أبو داود. قال أبو الزِّناد: فلما وُعِظ ونُهي عن المُثْلة لم يَعُد. وحكى عن جماعة أن هذه الآية ليست بناسخة لذلك الفعل؛ لأن ذلك وقع في مرتدّين، لا سيما وقد ثبت في صحيح مسلم وكتاب النسائي وغيرهما قال: إنما سَمَل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أُولئك لأنهم سَمَلوا أعين الرّعاة؛ فكان هذا قِصاصاً، وهذه الآية في المحارب المؤمن.

قلت: وهذا قول حسن، وهو معنى ما ذهب إليه مالك والشافعيّ؛ ولذلك قال الله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} ومعلوم أن الكفار لا تختلف أحكامهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما تسقط قبل القدرة. والمرتدّ يستحق القتل بنفس الردة ـ دون المحاربة ـ ولا يُنفى ولا تُقطع يده ولا رجله ولا يُخلَّى سبيله بل يقتل إن لم يُسلِم، ولا يصلب أيضاً؛ فدل أنّ ما اشتملت عليه الآية ما عنى به المرتدّ. وقال تعالى في حق الكفار: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} وقال في المحاربين: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} الآية؛ وهذا بيّن. وعلى ما قرّرناه في أوّل الباب لا إشكال ولا لوم ولا عتاب إذ هو مقتضى الكتاب؛ قال الله تعالى:

{ { فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ } } [البقرة: 194] فَمَثَّلُوا فمُثِّل بهم، إلاّ أنه يحتمل أن يكون العتاب إن صح على الزيادة في القتل، وذلك تكحيلهم بمسامير مُحْماة وتركهم عَطَاشى حتى ماتوا، والله أعلم. وحكى الطبريّ عن السُّديّ: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَسْمُل أعين العُرَنيين وإنما أراد ذلك؛ فنزلت الآية ناهية عن ذلك، وهذا ضعيف جداً؛ فإن الأخبار الثابتة وردت بالسَّمْل؛ في صحيح البخاريّ: فأمر بمسامير فأُحميت فَكَحلهم. ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام وإن كانت نزلت في المرتدين أو اليهود. وفي قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} استعارة ومجاز؛ إذ الله سبحانه وتعالى لا يُحَارَبَ ولا يُغالَب لِما هو عليه من صفات الكمال، ولِما وجب له من التنزيه عن الأضداد والأنداد. والمعنى: يحاربون أولياء الله؛ فعبر بنفسه العزيزة عن أوليائه إكباراً لإذايتهم، كما عبر بنفسه عن الفقراء الضعفاء في قوله: { { مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } } [البقرة: 245] حَثّاً على الاستعطاف عليهم؛ ومثله في صحيح السنة: ٱستطعمتُك فلم تُطْعِمني. الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم في «البقرة».

الثانية ـ وٱختلف العلماء فيمن يستحق ٱسم المحاربة؛ فقال مالك: المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر أو في بَرِّيَّة وكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون نائرة ولا ذَحْل ولا عداوة؛ قال ٱبن المنذر: ٱختلف عن مالك في هذه المسئلة، فأثبت المحاربة في المِصْر مرةً ونفى ذلك مرة؛ وقالت طائفة: حكم ذلك في المصر أو في المنازل والطرق وديار أهل البادية والقرى سواء وحدودهم واحدة؛ وهذا قول الشافعي وأبي ثور؛ قال ٱبن المنذر: كذلك هو لأن كلا يقع عليه ٱسم المحاربة، والكتاب على العموم، وليس لأحد أن يُخْرِج من جملة الآية قوماً بغير حُجّة. وقالت طائفة: لا تكون المحاربة في المصر إنما تكون خارجاً عن المصر؛ هذا قول سُفيان الثَّوريّ وإسحاق والنعمان. والمغتال كالمحارب وهو الذي يحتال في قتل إنسان على أخذ ماله، وإن لم يُشْهر السّلاح لكن دخل عليه بيته أو صحبه في سفر فأطعمه سما فقتله فيقتل حدّاً لا قَوَداً.

الثالثة ـ وٱختلفوا في حكم المحارب؛ فقالت طائفة: يقام عليه بقدر فعله؛ فمن أخاف السبيل وأخذ المال قطعت يده ورجله من خِلاف، وإن أَخَذ المال وقَتَل قُطعت يده ورجله ثم صُلب، فإذا قَتَل ولم يأخذ المال قُتِل، وإن هو لم يأخذ المال ولم يَقتل نُفِي؛ قاله ٱبن عباس، ورُوي عن أبي مِجْلَز والنَّخَعيّ وعطاء الخَرَاسانيّ وغيرهم. وقال أبو يوسف: إذا أَخَذ المال وقَتَل صُلب وقُتل على الخشبة؛ قال الليث: بالحربة مصلوباً. وقال أبو حنيفة: إذا قَتَل قُتِل، وإذا أَخَذ المال ولم يَقتل قُطعت يده ورجله من خِلاف، وإذا أخذ المال وقَتَل فالسلطانُ مخيّر فيه، إن شاء قَطع يده ورجله وإن شاء لم يَقطع وقَتله وصلبه؛ قال أبو يوسف: القتل يأتي على كل شيء. ونحوه قول الأُوزاعيّ. وقال الشافعي: إذا أخذ المال قُطعت يده اليمنى وحُسِمت، ثم قُطعت رجله اليسرى وحُسِمت وخُلّي؛ لأن هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة، وإذا قَتَل قُتل، وإذا أَخَذ المال وقَتَل قُتِل وصُلب؛ ورُوي عنه أنه قال: يصلب ثلاثة أيام؛ قال: وإن حَضَر وكَثَّر وهِيب وكان رِدءاً للعدوّ حُبس. وقال أحمد: إن قَتل قُتل، وإن أخذ المال قطعت يده ورجله كقول الشافعيّ. وقال قوم: لا ينبغي أن يُصلب قبل القتل فيحال بينه وبين الصلاة والأكل والشرب؛ وحُكي عن الشافعي: أكْرَهُ أن يقتل مصلوباً لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المُثْلة. وقال أبو ثور: الإمام مخيَّر على ظاهر الآية، وكذلك قال مالك، وهو مَرْويّ عن ٱبن عباس، وهو قول سعيد بن المسيّب وعمر بن عبد العزيز ومجاهد والضحّاك والنَّخَعيّ كلهم قال: الإمام مخير في الحكم على المحاربين، يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها الله تعالى من القتل والصلب أو القطع أو النفي بظاهر الآية؛ قال ٱبن عباس: ما كان في القرآن «أو» فصاحبه بالخيار؛ وهذا القول أشعر بظاهر الآية؛ فإن أهل القول الأول الذين قالوا إنّ «أو» للترتيب ـ وإن ٱختلفوا ـ فإنك تجد أقوالهم أنهم يجمعون عليه حدّين فيقولون: يُقتل ويُصلب؛ ويقول بعضهم: يُصلب ويقتل؛ ويقول بعضهم: تُقطع يده ورجله ويُنفى؛ وليس كذلك الآية ولا معنى «أو» في اللغة؛ قاله النحاس. وٱحتج الأولون بما ذكره الطبريّ عن أنس بن مالك أنه قال:

سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن الحكم في المحارب فقال: «من أخاف السبيل وأخذَ المال فٱقطع يَده للأخذ ورجله للإخافة ومن قَتَل فٱقتله ومن جمع ذلك فٱصلبه». قال ٱبن عطية: وبقي النفي للمخيف فقط والمخيف في حكم القاتل، ومع ذلك فمالك يرى فيه الأخذ بأيسر العذاب و العقاب ٱستحساناً.

الرابعة ـ قوله تعالى: {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ} ٱختلف في معناه؛ فقال السديّ: هو أن يُطلب أبداً بالخيل والرجل حتى يؤخذ فيقام عليه حدّ الله، أو يَخرج من دار الإسلام هرباً ممن يطلبه؛ عن ٱبن عباس وأنس بن مالك ومالك بن أنس والحسن والسديّ والضحاك وقتادة وسعيد بن جبير والرّبيع بن أنس والزهريّ. حكاه الرُّماني في كتابه؛ وحكى عن الشافعي أنهم يُخرجون من بلد إلى بلد، ويُطلَبون لتقام عليهم الحدود؛ وقاله الليث بن سعد والزهريّ أيضاً. وقال مالك أيضاً: يُنفى من البلد الذي أحدث فيه هذا إلى غيره ويُحبس فيه كالزاني. وقال مالك أيضاً و الكوفيون: نفيهم سجنهم فينفى من سَعَة الدنيا إلى ضيقها، فصار كأنه إذا سُجِن فقد نُفِي من الأرض إلا من موضع ٱستقراره؛ واحتجوا بقول بعض أهل السُّجُون في ذلك:

فخرجنا من الدنيا ونحن مِنَ أهْلهافلسنا من الأمواتِ فيها ولا الأَحْيَافإذا جاءنا السَّجَّانُ يوماً لحاجةٍعَجِبنا وقلنا جاء هذا من الدنيَا

حَكى مَكْحول أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أوّل من حَبَس في السجون وقال: أحبسه حتى أعلم منه التوبة، ولا أنفيه من بلد إلى بلد فيؤذيهم؛ والظاهر أن الأرض في الآية هي أرض النَّازِلة وقد تَجنَّب الناس قديماً الأرض التي أصابوا فيها الذنوب؛ ومنه الحديث:الذي نَاءَ بصَدْره نحو الأرض المقدّسة. وينبغي للإمام إن كان هذا المحارب مَخُوف الجانب يظن أنه يعود إلى حرابة أو إفساد أن يسجنه في البلد الذي يُغَرب إليه، وإن كان غير مَخُوف الجانب فظن أنه لا يعود إلى جناية سُرّح؛ قال ٱبن عطية: وهذا صريح مذهب مالك أن يُغَرّب ويُسجن حيث يُغرب، وهذا على الأغلب في أنه مخوف، ورجحه الطَّبَريّ وهو الواضح؛ لأن نفيه من أرض النازِلة هو نصّ الآية، وسجنه بعد بحسب الخوف منه، فإن تاب وفهِمت حاله سُرّح.

الخامسة ـ قوله تعالى: {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ} النفي أصله الإهلاك؛ ومنه الإثبات والنفي، فالنفي الإهلاك بالإعدام؛ ومنه النّفاية لرديِّ المتاع؛ ومنه النَّفِيُّ لما تطاير من الماء عن الدّلوْ.

قال الراجز:

كَأَنَّ مَتْنَيْهِ مِن النَّفِيّمَوَاقِعُ الطَّيْرِ على الصُّفِيَّ

السادسة ـ قال ٱبن خُوَيْزِمَنْدَاد: ولا يُراعَى المال الذي يأخذه المحارب نِصَاباً كما يُراعى في السارق. وقد قيل: يُراعَى في ذلك النصاب ربع دينار؛ قال ابن العربي قال الشافعي وأصحاب الرأي: لا يقطع من قطاع الطريق إلا من أخَذ قدر ما تقطع فيه يد السارق؛ وقال مالك: يحكم عليه بحكم المحارب وهو الصحيح. فإن الله تعالى وَقَّتَ على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام القطع في السرقة في ربع دينار، ولم يُوقِّت في الحرابة شيئاً بل ذكر جزاء المحارب، فاقتضى ذلك توفية الجزاء لهم على المحاربة عن حبة؛ ثم إن هذا قياس أصل على أصل وهو مختلف فيه، وقياس الأعلى بالأدنى والأدنى بالأسفل وذلك عكس القياس. وكيف يصح أن يقاس المحارب على السارق وهو يطلب خطف المال فإن شُعِر به فَرّ؛ حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال فإن مُنع منه أو صِيح عليه وحارب عليه فهو محارب يُحكم عليه بحكم المحارب. قال القاضي ٱبن العربي: كنت في أيام حكمي بين الناس إذا جاءني أحد بسارق، وقد دخل الدار بسكين يَحْبسه على قلب صاحب الدار وهو نائم، وأصحابه يأخذون مال الرجل، حكمت فيهم بحكم المحاربين، فافهموا هذا من أصل الدين، وٱرتفعوا إلى يَفَاع العلم عن حَضِيض الجاهلين.

قلت: اليَفَع أعلى الجبل ومنه غلام يَفَعَةٌ إذا ٱرتفع إلى البلوغ؛ والحضيض الحفرة في أسفل الوادي؛ كذا قال أهل اللغة.

السابعة ـ ولا خلاف في أن الحرابة يُقتل فيها من قَتل وإن لم يكن المقتول مكافئاً للقاتل؛ وللشافعي قولان: أحدهما ـ أنها تعتبر المكافأة لأنه قَتل فاعتبر فيه المكافأة كالقصاص؛ وهذا ضعيف؛ لأن القتل هنا ليس على مجرد القتل وإنما هو على الفساد العام من التخويف وسلب المال؛ قال الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ} فأمر تعالى بإقامة الحدود على المحارب إذا جمع شيئين محاربة وسعياً في الأرض بالفساد، ولم يخص شريفاً من وضيع، ولا رفيعاً من دنيء.

الثامنة ـ وإذا خرج المحاربون فاقتتلوا مع القافلة فقُتِل بعض المحاربين ولم يُقتل بعض قُتل الجميع. وقال الشافعي: لا يُقتل إلا من قَتل؛ وهذا أيضاً ضعيف؛ فإن من حضر الوقيعة شركاء في الغنيمة وإن لم يَقتل جميعهم؛ وقد ٱتفق معنا على قتل الرَّدْء وهو الطليعة فالمحارب أولى.

التاسعة ـ وإذا أخاف المحاربون السّبيلَ وقَطَعوا الطريق وجب على الإمام قتالهم من غير أن يدعوهم، ووجب على المسلمين التعاون على قتالهم وكَفّهم عن أذى المسلمين، فإن ٱنهزموا لم يتبع منهم مدبِراً إلاّ أن يكون قد قتل وأَخَذ مالاً، فإن كان كذلك أتبع ليؤخذ ويقام عليه ما وجب لجنايته؛ ولا يُدَفَّف منهم على جريح إلا أن يكون قد قتلَ؛ فإن أخذوا ووُجد في أيديهم مال لأحد بعينه رُدّ إليه أو إلى ورثته، وإن لم يوجد له صاحب جُعل في بيت المال؛ وما أتلفوه من مال لأحد غرموه؛ ولا دية لمن قتلوا إذا قِدر عليهم قبل التوبة، فإن تابوا وجاءوا تائبين وهي:

العاشرة ـ لم يكن للإمام عليهم سبيل، وسقط عنهم ما كان حدّاً لله وأخذوا بحقوق الآدميين، فاقتص منهم من النفس والجراح، وكان عليهم ما أتلفوه من مال ودم لأوليائه في ذلك، ويجوز لهم العفو والهبة كسائر الجناة من غير المحاربين؛ هذا مذهب مالك والشافعيّ وأبي ثور وأصحاب الرأي. وإنما أُخذ ما بأيديهم من الأموال وضَمنوا قيمة ما استهلكوا؛ لأن ذلك غَصب فلا يجوز مِلكه لهم، ويُصرف إلى أربابه أو يوقفه الإمام عنده حتى يعلم صاحبه. وقال قوم من الصحابة والتابعين: لا يُطلب من المال إلا بما وُجد عنده، وأما ما استهلكه فلا يُطلَب به؛ وذكر الطَّبَريّ ذلك عن مالك من رواية الوليد بن مسلم عنه، وهو الظاهر من فعل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بحارثة بن بدر الغُدَانيّ فإنه كان محارباً ثم تاب قبل القدرة عليه، فكتب له بسقوط الأموال والدّم عنه كتاباً منشوراً؛ قال ٱبن خُوَيْزِمَنْدَاد: وٱختلفت الرواية عن مالك في المحارب إذا أُقيم عليه الحدّ ولم يوجد له مال؛ هل يُتبعَ دَيْناً بما أخذ، أو يُسقط عنه كما يُسقط عن السارق؟ والمسلم والذمي في ذلك سواء.

الحادية عشرة ـ وأجمع أهل العلم على أن السلطان وليّ من حارب؛ فإن قَتل محارب أخا ٱمرىء أو أباه في حال المحاربة، فليس إلى طالب الدّم من أمر المحارب شيء، ولا يجوز عفو وليّ الدّم، والقائم بذلك الإمام؛ جعلوا ذلك بمنزلة حدّ من حدود الله تعالى

قلت: فهذه جملة من أحكام المحاربين جمعنا غررها، واجتلبنا دررها، ومن أغرب ما قيل في تفسيرها وهي:

الثانية عشرة ـ تفسير مجاهد لها؛ قال مجاهد: المراد بالمحاربة في هذه الآية الزنى والسرقة؛ وليس بصحيح؛ فإن الله سبحانه بيّن في كتابه وعلى لسان نبيه أن السارق تُقطَع يده، وأن الزاني يُجلَد ويغرّب إن كان بكرا، ويُرجم إن كان ثَيِّبا مُحْصنا. وأحكام المحارب في هذه الآية مخالف لذلك، اللهم إلا أن يريد إخافة الطريق بإظهار السلاح قصداً للغَلَبة على الفروج، فهذا أفحش المحاربة، وأقبح من أخذ الأموال وقد دخل هذا في معنى قوله تعالى: {وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً}.

الثالثة عشرة ـ قال علماؤنا: ويُناشَد اللص بالله تعالى، فإن كَفّ تُرِك وإن أَبَى قوتل، فإن أنت قتلته فشرّ قتيل ودمه هَدَر. روى النسائيّ عن أبي هُرَيرة

أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن عُدِي على مالي؟ قال: «فانشد بالله» قال: فإن أَبَوْا عليّ. قال: «فانشد بالله» قال: فإن أَبَوْا عليّ قال: «فانشد بالله» قال: فإن أَبَوْا عليّ قال: «فقاتل فإن قُتلت ففي الجنة وإن قَتلتَ ففي النار» وأخرجه البخاريّ ومسلم ـ وليس فيه ذكر المناشدة ـ عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تُعطِه مالك» قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «فقاتله» قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد» قال: فإن قتلته؟ قال: «هو في النار» . قال ٱبن المنذر: وروينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأُوا قتال اللصوص ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم؛ هذا مذهب ٱبن عمر والحسن البصريّ وإبراهيم النّخَعيّ وقَتادة ومالك والشافعيّ وأحمد وإسحاق والنعمان، وبهذا يقول عوام أهل العلم؛ إن للرجل أن يقاتل عن نفسه وأهله وماله إذا أُريد ظلماً؛ للأخبار التي جاءت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يخصّ وقتاً دون وقت، ولا حالاً دون حال إلا السلطان؛ فإن جماعة أهل الحديث كالمجتمعين على أن من لم يمكنه أن يمنع عن نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته أنه لا يحاربه ولا يخرج عليه؛ للأخبار الدالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي فيها الأمر بالصبر على ما يكون منهم، من الجور والظلم، وترك قتالهم والخروج عليهم ما أقاموا الصلاة.

قلت: وقد ٱختلف مذهبنا إذا طُلِب الشيء الخفيف كالثوب والطعام هل يُعطَونه أو يُقاتَلون؟ وهذا الخلاف مبني على أصل، وهو هل الأمر بقتالهم لأنه تغيير منكر أو هو من باب دفع الضرر؟ وعلى هذا أيضاً ينبني الخلاف في دعوتهم قبل القتال. والله أعلم.

الرابعة عشرة ـ قوله تعالى: {ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا} لشناعة المحاربة وعظم ضررها، وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر؛ لأن فيها سدّ سبيل الكسب على الناس؛ لأن أكثر المكاسب وأعظمها التجارات، وركنها وعمادها الضرب في الأرض؛ كما قال عز وجل:

{ { وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ } } [المزمل: 20] فإذا أخيف الطريق ٱنقطع الناس عن السفر، وٱحتاجوا إلى لزوم البيوت، فانسدّ باب التجارة عليهم، وٱنقطعت أكسابهم؛ فشرع الله على قطاع الطريق الحدود المغلّظة، وذلك الخِزي في الدنيا ردعاً لهم عن سوء فعلهم، وفتحا لباب التجارة التي أباحها لعباده لمن أرادها منهم، ووعد فيها بالعذاب العظيم في الآخرة. وتكون هذه المعصية خارجة عن المعاصي، ومستثناة من حديث عُبادة في قول النبي صلى الله عليه وسلم:فمن أصاب من ذلك شيئاً فعوقِب به في الدّنيا فهو له كفارةوالله أعلم. ويحتمل أن يكون الخِزي لمن عوقب. وعذاب الآخرة لمن سلم في الدُّنيا، ويجري هذا الذنب مجرى غيره. ولا خلود لمؤمن في النار على ما تقدّم، ولكن يعظم عقابه لعظم الذنب، ثم يخرج إما بالشفاعة وإما بالقبضة، ثم إن هذا الوعيد مشروط الإنفاذ بالمشيئة كقوله تعالى: { { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ } } [النساء: 48] أما إن الخوف يغلب عليهم بحسب الوعيد وكبر المعصية.

الخامسة عشرة ـ قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} ٱستثنى جل وعَزّ التائبين قبل أن يُقدر عليهم، وأخبر بسقوط حقه عنهم بقوله: {فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. أمّا القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط. ومن تاب بعد القدرة فظاهر الآية أن التوبة لا تنفع، وتقام الحدود عليه كما تقدّم. وللشافعي قول أنه يسقط كل حدّ بالتوبة؛ والصحيح من مذهبه أن ما تعلق به حق الآدميّ قصاصاً كان أو غيره فإنه لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه. وقيل: أراد بالاستثناء المشرك إذا تاب وآمن قبل القدرة عليه فإنه تسقط عنه الحدود؛ وهذا ضعيف؛ لأنه إن آمن بعد القدرة عليه لم يقتل أيضاً بالإجماع. وقيل: إنما لا يسقط الحد عن المحاربين بعد القدرة عليهم ـ والله أعلم ـ لأنهم متهمون بالكذب في توبتهم والتصنع فيها إذا نالتهم يد الإمام، أو لأنه لما قدر عليهم صاروا بمعرض أن ينكل بهم فلم تقبل توبتهم؛ كالمتلبس بالعذاب من الأُمم قبلنا، أو من صار إلى حال الغَرْغَرة فتاب؛ فأما إذا تقدّمت توبتهم القدرة عليهم، فلا تهمة وهي نافعة على ما يأتي بيانه في سورة «يونس»؛ فأما الشرّاب والزناة والسرّاق إذا تابوا وأصلحوا وعُرف ذلك منهم، ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدّهم، وإن رفعوا إليه فقالوا تبنا لم يتركوا، وهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غُلبوا. والله أعلم.

الخميس، 5 نوفمبر 2026 25 جمادى الأولى 1448 هـ