انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير القرطبيالآيات 90–95

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير القرطبي.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝٩٠ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ۝٩١ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُوا۟ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ ۝٩٢

فيه سبع عشرة مسألة:

الأُولى ـ قوله تعالى: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} خطاب لجميع المؤمنين بترك هذه الأشياء؛ إذ كانت شهوات وعادات تلبسوا بها في الجاهلية وغلبت على النفوس، فكان نَفِيٌّ منها في نفوس كثير من المؤمنين. قال ابن عطية: ومن هذا القبيل هَوَى الزجر بالطير، وأخذ الفأل في الكتب ونحوه مما يصنعه الناس اليوم. وأما الخمر فكانت لم تُحرّم بعد، وإنما نزل تحريمها في سنة ثلاثٍ بعد وقعة أُحُد، وكانت وقعة أحد في شوّال سنة ثلاث من الهجرة. وتقدّم ٱشتقاقها. وأما «الميسر» فقد مضى في «البقرة» القول فيه. وأما ٱلأنصاب فقيل: هي الأصنام. وقيل: هي النَّرْد والشَّطْرَنْج؛ ويأتي بيانهما في سورة «يونس» عند قوله تعالى:

{ { فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ } } [يونس: 32]. وأما الأزلام فهي القِداح؛ وقد مضى في أوّل السورة القول فيها. ويقال: كانت في البيت عند سَدَنة البيت وخُدّام الأصنام؛ يأتي الرجل إذا أراد حاجة فيقبض منها شيئاً؛ فإن كان عليه أمرني ربي خرج إلى حاجته على ما أحب أو كره.

الثانية ـ تحريم الخمر كان بتدريج ونوازل كثيرة؛ فإنهم كانوا مولعين بشربها، وأول ما نزل في شأنها

{ { يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } } [البقرة: 219] أي في تجارتهم؛ فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس وقالوا: نأخذ منفعتها ونترك إثمها فنزلت هذه الآية { { لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ } } [النساء: 43] فتركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة حتى نزلت: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ} ـ الآية ـ فصارت حراماً عليهم حتى صار يقول بعضهم: ما حرم الله شيئاً أشدّ من الخمر. وقال أبو مَيْسرة: نزلت بسبب عمر بن الخطاب؛ فإنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم عيوب الخمر، وما ينزل بالناس من أجلها، ودعا الله في تحريمها وقال؛ ٱللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت هذه الآيات، فقال عمر: ٱنتهينا ٱنتهينا. وقد مضى في «البقرة» و «النساء». وروى أبو داود عن ٱبن عباس قال: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ} و {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} نسختها التي في المائدة {إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ}. وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: نزلت فيّ آيات من القرآن؛ وفيه قال: وأتيت على نَفرَ من الأنصار؛ فقالوا: تَعالَ نُطعمْك ونسقيك خمراً، وذلك قبل أن تُحرَّم الخمر؛ قال: فأتيتهم في حشٍّ ـ والحَشُّ البستان ـ فإذا رأس جَزُور مشويّ عندهم وزِقٌّ من خمر؛ قال: فأكلتُ وشربتُ معهم؛ قال: فذكرتُ الأنصار والمهاجرين عندهم فقلت: المهاجرون خير من الأنصار؛ قال: فأخذ رجل لَحْيَى جمل فضربني به فجرح أنفى ـ وفي رواية فَفَزَره وكان أنف سعد مَفْزُوراً ـ فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته؛ فأنزل الله تعالى فيّ ـ يعني نفسَه شأنَ الخمر ـ {إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ}.

الثالثة ـ هذه الأحاديث تدل على أن شرب الخمر كان إذ ذاك مباحاً معمولاً به معروفاً عندهم بحيث لا يُنكَر ولا يُغيَّر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عليه، وهذا ما لا خلاف فيه؛ يدل عليه آية النساء {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ} على ما تقدّم. وهل كان يباح لهم شرب القَدْر الذي يُسكر؟ حديثُ حمزة ظاهر فيه حين بَقَر خواصر ناقتي عليّ رضي الله عنهما وجَبَّ أسنمتَهما، فأخبر علي بذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى حمزة فصدر عن حمزة للنبيّ صلى الله عليه وسلم من القول الجافي المخالف لما يجب عليه من احترام النبيّ صلى الله عليه وسلم وتوقيره وتعزيره، ما يدل على أن حمزة كان قد ذهب عقله بما يُسكر؛ ولذلك قال الراويّ: فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ثَمِلٌ؛ ثم إن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يُنكر على حمزة ولا عَنَّفه. لا في حال سكره ولا بعد ذلك، بل رجع لَمَّا قال حمزة: ـ وهل أنتم إلا عبيد لأبي ـ على عقبيه القَهْقَري وخرج عنه. وهذا خلاف ما قاله الأُصوليون وحَكَوه فإنهم قالوا: إن السكر حرام في كل شريعة؛ لأن الشرائع مصالح العباد لا مفاسدهم، وأصل المصالح العقل، كما أن أصل المفاسد ذهابه، فيجب المنع من كل ما يذهبه أو يشوشه، إلا أنه يحتمل حديث حمزة أنه لم يقصد بشربه السكر لكنه أسرع فيه فغلبه. والله أعلم.

الرابعة ـ قوله تعالى: {رِجْسٌ} قال ٱبن عباس في هذه الآية: «رِجْسٌ» سخط وقد يقال للنَّتْن والعَذِرة والأقذار رجسٌ. والرِّجز بالزاي العذاب لا غير، والرِّكْسُ العَذِرة لا غير. والرِّجسُ يقال للأمرين. ومعنى {مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ} أي بحمله عليه وتزيينه. وقيل: هو الذي كان عَمِل مبادىء هذه الأُمور بنفسه حتى ٱقتدى به فيها.

الخامسة ـ قوله تعالى: {فَٱجْتَنِبُوهُ} يريد أبعدوه وٱجعلوه ناحية؛ فأمر الله تعالى باجتناب هذه الأُمور، وٱقترنت بصيغة الأمر مع نصوص الأحاديث وإجماع الأُمة، فحصل الاجتناب في جهة التحريم؛ فبهذا حرّمت الخمر. ولا خلاف بين علماء المسلمين أن سورة «المائدة» نزلت بتحريم الخمر، وهي مدنية من آخر ما نزل، وورد التحريم في الميتة والدم ولحم الخنزير في قوله تعالى:

{ { قُل لاَّ أَجِدُ } } [الأنعام: 145] وغيرها من الآي خبراً، وفي الخمر نَهْيا وزَجْراً، وهو أقوى التحريم وأوكده. روى ٱبن عباس قال: لما نزل تحريم الخمر، مشى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض، وقالوا حُرِّمت الخمر، وجعلت عدلاً للشِّرك؛ يعنى أنه قرنها بالذبح للأنصاب وذلك شِرْكٌ. ثم علق {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فعلق الفلاح بالأمر، وذلك يدل على تأكيد الوجوب. والله أعلم.

السادسة ـ فَهِمَ الجمهورُ من تحريم الخمر، واستخباث الشرع لها، وإطلاق الرِّجس عليها، والأمر باجتنابها، الحكم بنجاستها. وخالفهم في ذلك ربيعة والليث بن سعد والمُزَنيّ صاحب الشافعي، وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة، وأن المحرم إنما هو شربها. وقد ٱستدل سعيد بن الحداد القرويّ على طهارتها بسفكها في طرق المدينة؛ قال: ولو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، ولنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه كما نهى عن التخلي في الطرق. والجواب؛ أن الصحابة فعلت ذلك؛ لأنه لم يكن لهم سُرُوب ولا آبار يريقونها فيها، إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كُنُف في بيوتهم. وقالت عائشة رضي الله عنها إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكُنُف في البيوت، ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور. وأيضاً فإنه يمكن التحرز منها؛ فإن طرق المدينة كانت واسعة، ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهراً يعم الطريق كلها، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرّز عنها ـ هذا ـ مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طُرق المدينة، ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها، وأنه لا ينتفع بها، وتتابع الناس وتوافقوا على ذلك. والله أعلم. فإن قيل؛ التَّنجِيس حكم شرعيّ ولا نص فيه، ولا يلزم من كون الشيء محرّماً أن يكون نجساً؛ فكم من محرّم في الشرع ليس بنجس؛ قلنا: قوله تعالى: «رِجْسٌ» يدل على نجاستها: فإن الرّجس في اللسان النجاسة، ثم لو ٱلتزمنا ألاّ نحكم بحكم إلا حتى نجد فيه نصّاً لتعطلت الشريعة؛ فإن النصوص فيها قليلة؛ فأيُّ نص يوجد على تنجيس البول والعَذِرة والدّم والميتة وغير ذلك؟ وإنما هي الظواهر والعمومات والأقيسة. وسيأتي في سورة «الحج» ما يوضح هذا المعنى إن شاء الله تعالى

السابعة ـ قوله: {فَٱجْتَنِبُوهُ} يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء بوجه من الوجوه؛ لا بشرب ولا بيع ولا تخلِيل ولا مداواة ولا غير ذلك. وعلى هذا تدل الأحاديث الواردة في الباب. روى مسلم عن ٱبن عباس:

أن رجلاً أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم رَاوِية خمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل علمت أن الله حرّمها» قال: لا، قال: فسَارَّ رجلاً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بِم سَارَرْتَه» قال؛ أمرته ببيعها؛ فقال: «إن الذي حَرّم شربها حَرّم بيعها» قال: ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها؛ فهذا حديث يدل على ما ذكرناه؛ إذ لو كان فيها منفعة من المنافع الجائزة لبيّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال في الشاة الميتة:هلاّ أخذتم إهابها فدبغتموه فٱنتفعتم بهالحديث.

الثامنة ـ أجمع المسلمون على تحريم بيع الخمر والدم، وفي ذلك دليل على تحريم بيع العَذِرات وسائر النجاسات وما لا يحل أكله؛ ولذلك ـ والله أعلم ـ كره مالك بيع زِبل الدواب، ورخص فيه ٱبن القاسم لما فيه من المنفعة؛ والقياس ما قاله مالك، وهو مذهب الشافعي، وهذا الحديث شاهد بصحة ذلك.

التاسعة ـ ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخمر لا يجوز تخليلها لأحد، ولو جاز تخليلها ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع الرجل أن يفتح المزادة حتى يذهب ما فيها؛ لأن الخلّ مال وقد نهى عن إضاعة المال، ولا يقول أحد فيمن أراق خمراً على مسلم أنه أتلف له مالاً. وقد أراق عثمان بن أبي العاص خمراً ليتيم، وٱستؤذن صلى الله عليه وسلم في تخليلها فقال:

لاونهى عن ذلك. ذهب إلى هذا طائفة من العلماء من أهل الحديث والرأي، وإليه مال سُحْنُون بن سعيد. وقال آخرون: لا بأس بتخليل الخمر ولا بأس بأكل ما تخلل منها بمعالجة آدمي أو غيرها؛ وهو قول الثوريّ والأُوزاعيّ والليث بن سعد والكوفيين. وقال أبو حنيفة: إن طرح فيها المِسك والملح فصارت مُرَبَّى وتحوّلت عن حال الخمر جاز. وخالفه محمد بن الحسن في المربَّى وقال: لا تُعالجَ الخمر بغير تحويلها إلى الخلّ وحده. قال أبو عمر: ٱحتج العراقيون في تخليل الخمر بأبي الدرداء؛ وهو يُروى عن أبي إدريس الخولانيّ عن أبي الدرداء من وجه ليس بالقويّ أنه كان يأكل المربَّى منه، ويقول: دبغته الشمس والملح. وخالفه عمر بن الخطاب وعثمان بن أبي العاص في تخليل الخمر؛ وليس في رأي أحد حجة مع السنة. وبالله التوفيق. وقد يحتمل أن يكون المنع من تخليلها كان في بدء الإسلام عند نزول تحريمها؛ لئلا يستدام حبسها لقرب العهد بشربها، إرادة لقطع العادة في ذلك. وإذا كان كذلك لم يكن في النهي عن تخليلها حينئذٍ، والأمر بإراقتها ما يمنع من أكلها إذا خُلّلت. وروى أشهب عن مالك قال: إذا خلّل النصرانيّ خمراً فلا بأس بأكله، وكذلك إن خَلّلها مسلم وٱستغفر الله؛ وهذه الرواية ذكرها ٱبن عبد الحكَم في كتابه. والصحيح ما قاله مالك في رواية ٱبن القاسم وٱبن وهب أنه لا يحل لمسلم أن يعالج الخمر حتى يجعلها خَلاًّ ولا يبيعها، ولكن ليُهرِيقها.

العاشرة ـ لم يختلف قول مالك وأصحابه أن الخمر إذا تخللت بذاتها أن أكل ذلك الخلّ حلال. وهو قول عمر بن الخطاب وقَبِيصة وٱبن شهاب وربيعة وأحد قولي الشافعي، وهو تحصيل مذهبه عند أكثر أصحابه.

الحادية عشرة ـ ذكر ٱبن خُوَيْزِمَنْدَاد أنها تُملك، ونزع إلى ذلك بأنه يمكن أن يزال بها الغَصَص، ويطفأ بها حريق؛ وهذا نقل لا يعرف لمالك بل يُخرّج هذا على قول من يرى أنها طاهرة. ولو جاز ملكها لما أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بإراقتها. وأيضاً فإن الملك نوع نفع وقد بطل بإراقتها. والحمد لله.

الثانية عشرة ـ هذه الآية تدل على تحريم اللعب بالنّرد والشِّطْرَنج قماراً أو غير قمار؛ لأن الله تعالى لما حرم الخمر أخبر بالمعنى الذي فيها فقال: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ} الآية. ثم قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ} الآية. فكل لهوٍ دعا قليله إلى كثير، وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه، وصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة فهو كشرب الخمر، وأوجب أن يكون حراماً مثله. فإن قيل: إنّ شرب الخمر يورث السكر فلا يقدر معه على الصلاة وليس في اللعب بالنَّرد والشِّطْرَنج هذا المعنى؛ قيل له: قد جمع الله تعالى بين الخمر والميسر في التحريم، ووصفهما جميعاً بأنهما يوقعان العداوة والبغضاء بين الناس، ويصدّان عن ذكر الله وعن الصلاة؛ ومعلوم أن الخمر إن أسكرت فالميسر لا يسكر، ثم لم يكن عند الله ٱفتراقهما في ذلك يمنع من التسوية بينهما في التحريم لأجل ما ٱشتركا فيه من المعاني. وأيضاً فإن قليل الخمر لا يسكر كما أن اللعب بالنَّرد والشِّطْرَنج لا يسكر ثم كان حراماً مثل الكثير، فلا ينكر أن يكون اللعب بالنَّرد والشِّطْرَنج حراماً مثل الخمر وإن كان لا يسكر. وأيضاً فإن ٱبتداء اللعب يورث الغَفْلة، فتقوم تلك الغَفْلة المستولية على القلب مكان السكر؛ فإن كانت الخمر إنما حرّمت لأنها تسكر فتصدّ بالإسكار عن الصلاة، فليحرم اللعب بالنَّرد والشِّطْرَنْج لأنه يُغفِل ويُلهي فيصدّ بذلك عن الصلاة. والله أعلم.

الثالثة عشرة ـ مُهدى الراوية يدل على أنه كان لم يبلغه الناسخ، وكان متمسكاً بالإباحة المتقدّمة، فكان ذلك دليلاً على أن الحكم لا يرتفع بوجود الناسخ ـ كما يقوله بعض الأُصوليين ـ بل ببلوغه كما دل عليه هذا الحديث، وهو الصحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوبخه، بل بيّن له الحكم؛ ولأنه مخاطب بالعمل بالأوّل بحيث لو تركه عصى بلا خلاف، وإن كان الناسخ قد حصل في الوجود، وذلك كما وقع لأهل قُبَاء؛ إذ كانوا يُصلّون إلى بيت المقدس إلى أن أتاهم الآتي فأخبرهم بالناسخ، فمالوا نحو الكعبة. وقد تقدّم في سورة «البقرة» والحمد لله؛ وتقدّم فيها ذكر الخمر واشتقاقها والميسر. وقد مضى في صدر هذه السورة القول في الأنصاب والأزلام. والحمد لله.

الرابعة عشرة ـ قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ}. الآية. أعلم الله تعالى عباده أن الشيطان إنما يريد أن يوقع العداوة والبغضاء بيننا بسبب الخمر وغيره، فحذّرنا منها، ونهانا عنها. روى أن قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر وٱنتشوا، فعبث بعضهم ببعض، فلما صَحَوا رأى بعضهم في وجه بعض آثار ما فعلوا، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فجعل بعضهم يقول: لو كان أخي بي رحيماً ما فعل بي هذا، فحدثت بينهم الضغائن؛ فأنزل الله: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ} الآية.

الخامسة عشرة ـ قوله تعالى: {وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ} يقول: إذا سكِرتم لم تذكروا الله ولم تصلوا، وإن صليتم خلط عليكم كما فعل بعليّ، وروى: بعبد الرحمن كما تقدّم في «النساء». وقال عبيد الله بن عمر: سئل القاسم بن محمد عن الشِّطْرَنج أهي ميسر؟ وعن النّرد أهو ميسر؟ فقال: كلّ ما صدّ عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر. قال أبو عبيد: تأوّل قوله تعالى: {وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ}.

السادسة عشرة ـ قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} لما علم عمر رضي الله عنه أن هذا وعيد شديد زائد على معنى ٱنتهوا قال: ٱنتهينا. وأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم مناديه أن ينادي في سكك المدينة، ألاَ إنّ الخمر قد حُرّمت؛ فكسرت الدِّنان، وأُريقت الخمر حتى جرت في سِكك المدينة.

السابعة عشرة ـ قوله تعالى: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ} تأكيد للتحريم، وتشديد في الوعيد، وٱمتثال للأمر، وكفّ عن المنهيّ عنه، وحَسُن عطف «وَأَطِيعُوا اللَّهَ» لما كان في الكلام المتقدّم معنى ٱنتهوا. وكرر «وَأَطِيعُوا» في ذكر الرسول تأكيداً؛ ثم حذر في مخالفة الأمر، وتوعد من تولى بعذاب الآخرة؛ فقال: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أي خالفتم {أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} في تحريم ما أمر بتحريمه وعلى المرسِل أن يعاقب أو يثيب بحسب ما يُعصَى أو يطاع.

لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوٓا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحْسَنُوا۟ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٩٣

فيه تسع مسائل:

الأُولى ـ قال ٱبن عباس والبَرَاء بن عازب وأنس بن مالك إنه لما نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة: كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر؟ ـ ونحو هذا ـ فنزلت الآية. روى البخاريّ عن أنس قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة فنزل تحريم الخمر، فأمر منادياً ينادي، فقال أبو طلحة: ٱخرج فانظر ما هذا الصوت! قال: فخرجت فقلت: هذا منادٍ ينادي أَلاَ إنّ الخمر قد حُرّمت؛ فقال: ٱذهب فأَهرِقها ـ وكان الخمر من الفَضِيخ ـ قال: فجرت في سِكك المدينة؛ فقال بعض القوم: قُتِل قوم وهي في بطونهم فأنزل الله عز وجل: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} الآية.

الثانية ـ هذه الآية وهذا الحديث نظير سؤالهم عمن مات إلى القبلة الأُولى فنزلت

{ { وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } } [البقرة: 143]. ومن فعل ما أُبيح له حتى مات على فعله لم يكن له ولا عليه شيء؛ لا إثم ولا مؤاخذة ولا ذم ولا أجر ولا مدح؛ لأن المباح مستوي الطرفين بالنسبة إلى الشرع؛ وعلى هذا فما كان ينبغي أن يُتخوّف ولا يُسأل عن حال من مات والخمر في بطنه وقت إباحتها، فإما أن يكون ذلك القائل غَفَل عن دليل الإباحة فلم يخطر له، أو يكون لغلبة خوفه من الله تعالى، وشفقته على إخوانه المؤمنين تَوهَّم مؤاخذةً ومعاقبةً لأجل شرب الخمر المتقدّم؛ فرفع الله ذلك التوهم بقوله: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} الآية.

الثالثة ـ هذا الحديث في نزول الآية فيه دليل واضح على أن نبيذ التمر إذا أسكر خَمْر؛ وهو نصٌّ ولا يجوز الاعتراض عليه؛ لأن الصحابة رحمهم الله هم أهل اللسان، وقد عَقَلوا أن شرابهم ذلك خمر إذ لم يكن لهم شراب ذلك الوقت بالمدينة غيره؛ وقد قال الحَكَميّ:

لنا خَمرٌ وليست خمر كَرْمٍولكن مِن نِتاجِ الباسِقاتِ كِرامٌ في السماءِ ذهبن طُولاوفات ثِمارها أيدِي الجناةِ

ومن الدليل الواضح على ذلك ما رواه النَّسائي: أخبرنا القاسم بن زكريا، أخبرنا عبيد الله عن شيبان عن الأعمش عن مُحارِب بن دِثار عن جابر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:الزبيب والتمر هو الخمر. وثبت بالنقل الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ وحسبك به عالماً باللسان والشرع ـ خطب على منبر النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس؛ أَلاَ إنه قد نزل تحريم الخمر يوم نزل، وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير؛ والخمر ما خامر العقل. وهذا أبين ما يكون في معنى الخمر؛ يخطب به عمر بالمدينة على المنبر بمحضر جماعة الصحابة، وهم أهل اللسان ولم يفهموا من الخمر إلا ما ذكرناه. وإذا ثبت هذا بطل مذهب أبي حنيفة والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمراً ولا يتناوله ٱسم ٱلخمر، وإنما يسمى نبيذاً؛ وقال الشاعر:

تركتُ النَّبِيذ لأهل النبِيذِوصِرتُ حلِيفاً لِمن عابَه شَرابٌ يُدنِّس عِرْضَ الفَتَىويَفتحُ للشَّر أبوابَه

الرابعة ـ قال الإمام أبو عبد الله المازَرِيّ: ذهب جمهور العلماء من السلف وغيرهم إلى أنّ كل ما يسكر نوعه حرم شربه، قليلاً كان أو كثيراً نِيئا، كان أو مطبوخاً، ولا فرق بين المستخرج من العنب أو غيره، وأنّ من شرب شيئاً من ذلك حُدَّ؛ فأما المستخرج من العنب المسكر النِّيء فهو الذي ٱنعقد الإجماع على تحريم قليله وكثيره ولو نقطة منه. وأما ما عدا ذلك فالجمهور على تحريمه. وخالف الكوفيون في القليل مما عدا ما ذكر، وهو الذي لا يبلغ الإسكار؛ وفي المطبوخ المستخرج من العنب؛ فذهب قوم من أهل البصرة إلى قصر التحريم على عصير العنب، ونقيع الزّبيب النِّيء؛ فأما المطبوخ منهما، والنِّيء والمطبوخ مما سواهما فحلال ما لم يقع الإسكار. وذهب أبو حنيفة إلى قصر التحريم على المعتصَر من ثمرات النخيل والأعناب على تفصيل؛ فيرى أن سُلاَفة العنب يحرم قليلها وكثيرها إلا أن تطبخ حتى ينقص ثلثاها، وأما نقيع الزّبيب والتمر فيحل مطبوخهما وإن مسّته النَّارُ مسّاً قليلاً من غير ٱعتبار بحدّ؛ وأما النِّيء منه فحرام، ولكنه مع تحريمه إياه لا يوجب الحدّ فيه؛ وهذا كله ما لم يقع الإسكار، فإن وقع الإسكار ٱستوى الجميع. قال شيخنا الفقيه الإمام أبو العباس أحمد رضي الله عنه: العجب من المخالفين في هذه المسألة؛ فإنهم قالوا: إن القليل من الخمر المعتصَر من العنب حرام ككثيره، وهو مجمع عليه؛ فإذا قيل لهم: فلم حرم القليل من الخمر وليس مذهباً للعقل؟ فلا بدّ أن يقال: لأنه داعية إلى الكثير، أو للتعبد؛ فحينئذ يقال لهم: كلّ ما قدّرتموه في قليل الخمر هو بعينه موجود في قليل النبيذ فيحرم أيضاً، إذ لا فارق بينهما إلا مجرّد الاسم إذا سلم ذلك. وهذا القياس هو أرفع أنواع القياس؛ لأن الفرع فيه مساوٍ للأصل في جميع أوصافه؛ وهذا كما يقوله في قياس الأمة على العبد في سراية العتق. ثم العجب من أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله! فإنهم يتوغلون في القياس ويرجحونه على أخبار الآحاد، ومع ذلك فقد تركوا هذا القياس الجليّ المعضود بالكتاب والسنة وإجماع صدور الأُمة، لأحاديث لا يصح شيء منها على ما قد بيّن عِلَلها المحدّثون في كتبهم، وليس في الصحاح شيء منها. وسيأتي في سورة «النحل» تمام هذه المسألة إن شاء الله تعالى

الخامسة ـ قوله تعالى: {طَعِمُوۤاْ} أصل هذه اللفظة في الأكل؛ يقال: طَعِمَ الطّعامَ وشَرِب الشَّرَاب، لكن قد تجوّز في ذلك فيقال: لم أطعم خُبزاً ولا ماء ولا نوماً؛ قال الشاعر:

نَعَاماً بِوَجْرة صُعْر الخُدودِ لا تَطْعَمُ النومَ إلاّ صِيَامَا

وقد تقدّم القول في «البقرة» في قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ} بما فيه الكفاية.

السادسة ـ قال ٱبن خُوَيْزِمَنْدَاد: تضمنت هذه الآية تناول المباح والشهوات، والانتفاع بكل لذيذ من مَطْعَم ومَشْرَب ومَنْكَح وإن بولغ فيه وتنوهي في ثمنه. وهذه الآية نظير قوله تعالى: {لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} ونظير قوله:

{ { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ } } [الأعراف: 32].

السابعة ـ قوله تعالى: {إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}. فيه أربعة أقوال: الأوّل ـ أنه ليس في ذكر التقوى تكرار؛ والمعنى ٱتقوا شربها، وآمنوا بتحريمها؛ والمعنى الثاني دام ٱتقاؤهم وإيمانهم؛ والثالث على معنى الإحسان إلى الاتقاء. والثاني ـ ٱتقوا قبل التحريم في غيرها من المحرّمات، ثم ٱتقوا بعد تحريمها شربَها، ثم ٱتقوا فيما بقي من أعمالهم، وأحسنوا العمل. الثالث ـ ٱتقوا الشرك وآمنوا بالله ورسوله، والمعنى الثاني ثم ٱتقوا الكبائر، وٱزدادوا إيماناً، ومعنى الثالث ثم اتقوا الصغائر وأحسنوا أي تَنَفَّلُوا. وقال محمد بن جَرير: الاتقاء الأوّل هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول، والتصديق والدينونة به والعمل، والاتقاء الثاني الاتقاء بالثبات على التصديق، والثالث الاتقاء بالإحسان، والتقرّب بالنوافل.

الثامنة ـ قوله تعالى: {ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} دليل على أن المتقي المحسن أفضل من المتقي المؤمن الذي عمل الصالحات؛ فضله بأجر الإحسان.

التاسعة ـ قد تأوّل هذه الآية قُدَامة بن مَظْعون الجُمَحِيّ من الصحابة رضي الله عنهم، وهو ممن هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه عثمان وعبد الله، ثم هاجر إلى المدينة وشهد بَدْراً وعُمِّر. وكان خَتَن عمر بن الخطاب، خال عبد الله وحفصة، وولاّه عمر بن الخطاب على البَحْرَين، ثم عزله بشهادة الجَارُود ـ سيّد عبد القيس ـ عليه بشرب الخمر. روى الدَّارَقُطْنيّ قال حدّثنا أبو الحسن عليّ بن محمّد المصري حدّثنا يحيى بن أيوب العلاّف حدّثني سعيد بن عُفَير حدّثني يحيى بن فُلَيْح بن سليمان قال حدّثني ثورْ بن زيد عن عِكْرمة عن ابن عباس: أن الشُّرَّاب كانوا يُضربون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأيدي والنِّعال والعِصيّ حتى تُوفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى تُوفّى، ثم كان عمر من بعده يجلدهم كذلك أربعين حتى أُتي برجل من المهاجرين الأوّلين وقد شرب فأمر به أن يجلد؛ فقال لِم تجلدني؟ بيني وبينك كتاب الله! فقال عمر: وفي أيّ كتاب الله تجد ألا أجلدك؟ فقال له: إن الله تعالى يقول في كتابه: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} الآية. فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم ٱتقوا وآمنوا، ثم ٱتقوا وأحسنوا؛ شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدْراً وأُحُداً والْخَندق والمشاهد كلها؛ فقال عمر: أَلاَ تردون عليه ما يقول؛ فقال ابن عباس: إنّ هؤلاء الآيات أنزلن عذراً لمن غَبَر وحُجّة على الناس؛ لأن الله تعالى يقول: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ} الآية؛ ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأُخرى؛ فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، الآية؛ فإن الله قد نهاه أن يشرب الخمر؛ فقال عمر: صدقت ماذا ترون؟ فقال عليّ رضي الله عنه: إنه إذا شرب سَكر وإذا سَكر هَذَى، وإذا هَذَى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة؛ فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة. وذكر الحميديّ عن أبي بكر البَرْقانيّ عن ابن عباس قال: لما قدم الجارُود من البحرين قال: يا أمير المؤمنين إنّ قُدَامة ابن مَظْعون قد شرب مُسْكِرا، وإني إذا رأيت حقاً من حقوق الله حق عليّ أن أرفعه إليك؛ فقال عمر: من يشهد على ما تقول؟ فقال: أبو هريرة؛ فدعا عمر أبا هريرة فقال: عَلاَمَ تشهد يا أبا هريرة؟ فقال: لم أره حين شرب، ورأيته سكران يَقيء، فقال عمر: لقد تَنَطَّعتَ في الشهادة؛ ثم كتب عمر إلى قُدَامة وهو بالبَحْرَين يأمره بالقدوم عليه، فلما قدم قُدَامة والجَارُود بالمدينة كلّم الجارود عمر؛ فقال: أقم على هذا كتاب الله؛ فقال عمر للجارود: أشهيد أنت أم خَصْم؟ فقال الجارود: أنا شهيد؛ قال: قد كنتَ أديتَ الشهادة؛ ثم قال لعمر: إني أنْشُدك الله! فقال عمر: أَمَا والله لتملكنّ لسانك أو لأسوءنّك؛ فقال الجارود: أما والله ما ذلك بالحق، أن يشرب ٱبن عمك وتسوءني! فأوعده عمر؛ فقال أبو هريرة وهو جالس: يا أمير المؤمنين إن كنت في شك من شهادتنا فسل بنت الوليد امرأة ٱبن مَظْعون، فأرسل عمر إلى هند يَنْشدها بالله، فأقامت هند على زوجها الشهادة؛ فقال عمر: يا قُدامة إني جالدك؛ فقال قُدامة: والله لو شربت ـ كما يقولون ـ ما كان لك أن تجلدني يا عمر. قال: ولم يا قُدامة؟ قال: لأن الله سبحانه يقول: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} الآية إلى «الْمُحْسِنِينَ». فقال عمر: أخطأت التأويل يا قُدامة؛ إذا اتقيت الله ٱجتنبت ما حرم الله، ثم أقبل عمر على القوم فقال: ما ترون في جلد قُدامة؟ فقال القوم: لا نرى أن تجلده ما دام وَجِعا؛ فسكت عمر عن جلده ثم أصبح يوماً فقال لأصحابه: ما ترون في جلد قُدَامة؟ فقال القوم: لا نرى أن تجلده مادام وَجِعا، فقال عمر: إنه والله لأن يلقى الله تحت السوط، أحب إليّ أن ألقى الله وهو في عنقي! واللَّهِ لأجلدنه؛ ٱئتوني بسوط، فجاءه مولاه أسلم بسوط رقيق صغير، فأخذه عمر فمسحه بيده ثم قال لأسلم: أخذتك دِقْرارة أهلك؛ ٱئتوني بسوط غير هذا، قال: فجاءه أسلم بسوط تام؛ فأمر عمر بقُدَامة فجلد؛ فغاضب قُدَامة عمر وهجره؛ فحجَّا وقُدَامة مهاجر لعمر حتى قَفَلوا عن حجهم ونزل عمر بالسُّقْيَا ونام بها فلما استيقظ عمر قال: عجلوا عليّ بقُدَامة، ٱنطلقوا فأتوني به، فوالله لأرى في النوم أنه جاءني آت فقال: سالم قُدامة فإنه أخوك، فلما جاءوا قُدامة أَبَى أن يأتيه، فأمر عمر بقُدامة أن يجر إليه جَرّاً حتى كلمه عمر وٱستغفر له، فكان أوّل صلحهما. قال أيوب ابن أبي تميمة: لم يحدّ أحد من أهل بدر في الخمر غيره. قال ٱبن العربيّ: فهذا يدلك على تأويل الآية، وما ذكِر فيه عن ٱبن عباس من حديث الدّارقطنيّ، وعمر في حديث البَرْقَاني وهو صحيح؛ وبسطه أنه لو كان من شرب الخمر واتقى الله في غيره ما حُدّ على الخمر أحد، فكان هذا من أفسد تأويل؛ وقد خفي على قُدامة؛ وعرفه من وفقه الله كعمر وابن عباس رضي الله عنهما؛ قال الشاعر:

وإنّ حراماً لا أرى الدهر باكياًعلى شَجْوه إلاّ بكيتُ على عُمر

وروي عن عليّ رضي الله عنه أن قوماً شربوا بالشام وقالوا: هي لنا حلال وتأوّلوا هذه الآية، فأجمع عليّ وعمر على أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا؛ ذكره الكِيَا الطَّبَري.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُۥٓ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلْغَيْبِ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٩٤

فيه ثمان مسائل:

الأُولى ـ قوله تعالى: {لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ} أي ليختبرنكم، والابتلاء الاختبار. وكان الصيد أحد معايش العرب العاربة، وشائعاً عند الجميع منهم، مستعملاً جداً، فابتلاهم الله فيه مع الإحرام والحرم، كما ابتلى بني إسرائيل في ألاّ يعتدوا في السبت. وقيل: إنها نزلت عام الحديبية؛ أحرم بعض الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحرم بعضهم، فكان إذا عرض صيدٌ اختلف فيه أحوالهم وأفعالهم، وٱشتبهت أحكامه عليهم، فأنزل الله هذه الآية بياناً لأحكام أحوالهم وأفعالهم، ومحظورات حجّهم وعُمرتهم.

الثانية ـ اختلف العلماء من المخاطب بهذه الآية على قولين: أحدهما ـ أنهم المُحِلّون؛ قاله مالك. الثاني ـ أنهم المحرمون قاله ابن عباس؛ وتعلق بقوله تعالى: {لَيَبْلُوَنَّكُمُ} فإن تكليف الامتناع الذي يتحقق به الابتلاء هو مع الإحرام. قال ابن العربي: وهذا لا يلزم؛ فإن التكليف يتحقق في المُحِّل بما شُرط له من أُمور الصيد، وما شُرع له من وصفه في كيفية الاصطياد. والصحيح أن الخطاب في الآية لجميع الناس مُحلّهم ومُحرمهم؛ لقوله تعالى: {لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ} أي ليكلفنكم، والتكليف كله ابتلاء وإن تفاضل في الكثرة والقلة، وتباين في الضّعف والشدّة.

الثالثة ـ قوله تعالى: {بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ} يريد ببعض الصيد، فمِن للتبعيض، وهو صيد البر خاصّة؛ ولم يعمّ الصيد كله لأن للبحر صيدا، قاله الطَّبَريّ وغيره. وأراد بالصيد المصيد؛ لقوله: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ}.

الرابعة ـ قوله تعالى: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} بيان لحكم صغار الصيد وكباره. وقرأ ٱبن وثّاب والنَّخَعيّ: «يناله» بالياء منقوطة من تحت. قال مجاهد: الأيدي تنال الفِراخ والبيض وما لا يستطيع أن يفِر، والرّماح تنال كبار الصيد. وقال ٱبن وهب قال مالك قال الله تعالى: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} وكل شيء يناله الإنسان بيده أو برمحه أو بشيء من سلاحه فقتله فهو صيد كما قال الله تعالى

الخامسة ـ خص الله تعالى الأيدي بالذكر لأنها عُظْم التصرف في الاصطياد؛ وفيها تدخل الجوارح والحِبالات، وما عمل باليد من فِخاخ وشِباك؛ وخص الرّماح بالذكر لأنها عُظْم ما يجرح به الصيد، وفيها يدخل السهم ونحوه؛ وقد مضى القول فيما يصاد به من الجوارح والسهام في أوّل السورة بما فيه الكفاية والحمد لله.

السادسة ـ ما وقع في الفخّ والحِبالة فلربّها، فإن ألجا الصيد إليها أحد ولولاها لم يتهيأ له أخذه فربها فيه شريكه. وما وقع في الجُبَحْ المنصوب في الجبل من ذباب النّحل فهو كالحِبالة والفخّ، وحمام الأبرجة تُردّ على أربابها إن ٱستطِيع ذلك، وكذلك نحل الجِباح؛ وقد روي عن مالك. وقال بعض أصحابه: إنه ليس على من حصل الحمام أو النحل عنده أن يردّه. ولو ألجأت الكلاب صيداً فدخل في بيت أحد أو داره فهو للصائد مرسِل الكلاب دون صاحب البيت، ولو دخل في البيت من غير ٱضطرار الكلاب له فهو لرب البيت.

السابعة ـ ٱحتج بعض الناس على أن الصيد للآخذ لا للمثير بهذه الآية؛ لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه بعدُ شيئاً، وهو قول أبي حنيفة.

الثامنة ـ كره مالك صيد أهل الكتاب ولم يحرمه، لقوله تعالى: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} يعني أهل الإيمان، لقوله تعالى في صدر الآية: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} فخرج عنهم أهل الكتاب. وخالفه جمهور أهل العلم، لقوله تعالى: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} وهو عندهم مثل ذبائحهم. وأجاب علماؤنا بأن الآية إنما تضمنت أكل طعامهم، والصيد باب آخر فلا يدخل في عموم الطعام، ولا يتناوله مطلق لفظه.

قلت: هذا بناء على أن الصيد ليس مشروعاً عندهم فلا يكون من طعامهم، فيسقط عنا هذا الإلزام؛ فأما إن كان مشروعاً عندهم في دينهم فيلزمنا أكله لتناول اللفظ له، فإنه من طعامهم. والله أعلم.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًۢا بَٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّٰرَةٌ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِۦ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ ۝٩٥

فيه ثلاثون مسألة:

الأولى ـ قوله تعالى: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} هذا خطاب عام لكل مسلم ذكر وأنثى، وهذا النهي هو الابتلاء المذكور في قوله تعالى: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ} الآية. وروى أن أبا اليَسر ـ واسمه عمرو بن مالك الأنصاري ـ كان مُحْرِما عام الحديبية بعُمْرة فقتل حمار وحش فنزلت فيه {لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}.

الثانية ـ قوله تعالى: {لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ} القتل هو كل فعل يفيت الروح، وهو أنواع: منها النحر والذبح والخنق والرضخ وشبهه؛ فحرم الله تعالى على المحرم في الصيد كل فعل يكون مفيتاً للروح.

الثالثة ـ من قتل صيداً أو ذبحه فأكل منه فعليه جزاء واحد لقتله دون أكله؛ وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: عليه جزاء ما أكل؛ يعني قيمته، وخالفه صاحباه فقالا: لا شيء عليه سوى الاستغفار؛ لأنه تناول الميتة كما لو تناول ميتةً أخرى؛ ولهذا لو أكلها محرِم آخر لا يلزمه إلا الاستغفار. وحجة أبي حنيفة أنه تناول محظور إحرامه؛ لأن قتله كان من محظورات الإحرام، ومعلوم أن المقصود من القتل هو التناول، فإذا كان ما يتوصل به إلى المقصود ـ محظور إحرامه ـ موجباً عليه الجـزاء فما هو المقصود كان أولى.

الرابعة ـ لا يجوز عندنا ذبح المحرم للصيد، لنهي الله سبحانه المحرم عن قتله؛ وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: ذبح المحرم للصيد ذكاة؛ وتعلق بأنه ذبح صدر من أهله وهو المسلم، مضاف إلى محله وهو الأنعام؛ فأفاد مقصوده من حِل الأكل؛ أصله ذبح الحلال. قلنا: قولكم ذبح صدر من أهله فالمحرم ليس بأهل لذبح الصيد؛ إذ الأهلية لا تستفاد عقلاً، وإنما يفيدها الشرع؛ وذلك بإذنه في الذبح، أو بنفيها وذلك بنهيه عن الذبح، والمحرم منهي عن ذبح الصيد؛ لقوله: {لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ} فقد ٱنتفت الأهلية بالنهي. وقولكم أفاد مقصوده فقد اتفقنا على أن المحرم إذا ذبح الصيد لا يحِل له أكله، وإنما يأكل منه غيره عندكم؛ فإذا كان الذبح لا يفيد الحِلّ للذابح فأولى وأَحْرى ألا يفيده لغيره، لأن الفرع تبع للأصل في أحكامه؛ فلا يصح أن يثبت له ما لا يثبت لأصله.

الخامسة ـ قوله تعالى: {ٱلصَّيْدَ} مصدر عومل معاملة الأسماء، فأوقع على الحيوان المَصِيد؛ ولفظ الصيد هنا عام في كل صيد بريٍّ وبحرِي حتى جاء قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} فأباح صيد البحر إباحة مطلقة؛ على ما يأتي بيانه في الآية بعد هذا إن شاء الله تعالى

السادسة ـ ٱختلف العلماء في خروج السباع من صيد البر وتخصيصها منه؛ فقال مالك: كل شيء لا يعدو من السباع مثل الهِرّ والثعلب والضّبع وما أشبهها فلا يقتله المحرم، وإن قتله فَدَاه. قال: وصغار الذئاب لا أرى أن يقتلها المحرِم، فإن قتلها فَدَاها؛ وهي مثل فراخ الغربان. ولا بأس بقتل كل ما عدا على الناس في الأغلب؛ مثل الأسد والذئب والنمر والفَهْد؛ وكذلك لا بأس عليه بقتل الحيات والعقارب والفأرة والغراب والحِدأة. قال إسماعيل: إنما ذلك لقوله عليه السلام:

خَمسٌ فَواسقُ يُقتلْن في الحِلّ والحرَمالحديث؛ فسماهنّ فسّاقاً؛ ووصفهن بأفعالهن؛ لأن الفاسق فاعل للفسق، والصغار لا فعل لهن، ووصف الكلب بالعقور وأولاده لا تعقِر؛ فلا تدخل في هذا النعت. قال القاضي إسماعيل: الكلب العَقُور مما يعظم ضرره على الناس. قال: ومن ذلك الحية والعقرب؛ لأنه يخاف منهما، وكذلك الحِدَأة والغراب؛ لأنهما يخطفان اللحم من أيدي الناس. قال ابن بُكَير: إنما أُذن في قتل العقرب لأنها ذات حُمَة؛ وفي الفأرة لقرضها السّقاء والحذاء اللذين بهما قوام المسافر. وفي الغراب لوقوعه على الظهر ونَقْبه عن لحومها؛ وقد روي عن مالك أنه قال: لا يقتل الغراب ولا الحِدَأة إلاَّ أن يضرا. قال القاضي إسماعيل: وٱختلف في الزُّنْبُور؛ فشبهه بعضهم بالحية والعقرب، قال: ولولا أن الزُّنْبُور لا يبتدىء لكان أغلظ على الناس من الحية والعقرب، ولكنه ليس في طبعه من العَدَاء ما في الحيّة والعقرب، وإنما يَحمي الزُّنْبُور إذا أُوذِي. قال: فإذا عرض الزُّنْبُور لأحد فدفعه عن نفسه لم يكن عليه شيء في قتله؛ وثبت عن عمر ابن الخطاب إباحة قتل الزُّنْبُور. وقال مالك: يُطعِم قاتله شيئاً؛ وكذلك قال مالك فيمن قتل البُرْغُوت والذّباب والنّمل ونحوه. وقال أصحاب الرأي: لا شيء على قاتل هذه كلها. وقال أبو حنيفة: لا يَقتل المحرمُ من السباع إلا الكلب العَقُور والذئب خاصة، سواء ٱبتدأه أو ٱبتدأهما؛ وإن قَتل غيره من السباع فدَاه. قال: فإن ابتدأه غيرهما من السباع فقتله فلا شيء عليه؛ قال: ولا شيء عليه في قتل الحية والعقرب والغراب والحِدَأة، هذه جملة قول أبي حنيفة وأصحابه إلا زُفَر؛ وبه قال الأوزاعي والثّوري والحسن؛ وٱحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم خص دوابّ بأعيانها وأرخص للمحرِم في قتلها من أجل ضررها؛ فلا وجه أن يزاد عليها إلا أن يجمعوا على شيء فيدخل في معناها.

قلت: العجب من أبي حنيفة رحمه الله يحمل التراب على البُرّ بِعلة الكيل، ولا يحمل السباع العادِية على الكلب بعلة الفِسْق والعَقْر، كما فعل مالك والشافعي رحمهما الله ٰ وقال زُفَر بن الهُذَيل: لا يقتل إلا الذئب وحده، ومن قتل غيره وهو مُحرِم فعليه الفِدية، سواء ٱبتدأه أو لم يبتدئه؛ لأنه عجماء فكان فِعله هَدَراً؛ وهذا ردّ للحديث ومخالفة له. وقال الشافعي: كل ما لا يؤكل لحمه فللمحرم أن يقتله؛ وصغار ذلك وكِباره سواء، إلاَّ السِّمْع وهو المتولد بين الذئب والضّبع، قال: وليس في الرَّخَمَة والخنافس والقِرْدَان والحَلَم وما لا يؤكل لحمه شيء؛ لأن هذا ليس من الصيد، لقوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} فدل أن الصيد الذي حُرّم عليهم ما كان لهم قبل الإحرام حلالاً؛ حكى عنه هذه الجملة المُزني والرّبيع؛ فإن قيل: فلم تُفدَى القملة وهي تؤذي ولا تؤكل؟ قيل له: ليس تُفدى إلا على ما يُفدَى به الشَّعر والظُّفر ولُبس ما ليس له لُبْسه؛ لأن في طرح القملة إماطة الأذى عن نفسه إذا كانت في رأسه ولحيته. فكأنه أماط بعض شعره؛ فأما إذا ظهرت فقتلت فإنها لا تؤذي. وقول أبي ثور في هذا الباب كقول الشافعي؛ قاله أبو عمر.

السابعة ـ روى الأئمة عن ٱبن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

خَمسٌ من الدواب ليس على المحرِم في قتلهنّ جناح الغراب والحِدَأة والعقرب والفأرة والكلب العَقُور. اللفظ للبخاري؛ وبه قال أحمد وإسحاق. وفي كتاب مسلم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:خمسٌ فَواسِقُ يُقتلْن في الحِلّ والحرَمَ الحية والغراب ٱلأَبقع والفأرة والكلب العَقُور وٱلحُدَيَّاوبه قالت طائفة من أهل العلم قالوا: لا يقتل من الغربان إلا الأبقع خاصة؛ لأنه تقييد مطلق. وفي كتاب أبي داود عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم:ويرمي الغراب ولا يقتله. وبه قال مجاهد. وجمهور العلماء على القول بحديث ٱبن عمر، والله أعلم. وعند أبي داود والترمذي: والسّبع العادي؛ وهذا تنبيه على العلة.

الثامنة ـ قوله تعالى ـ: {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} عامّ في النوعين من الرجال والنساء، الأحرار والعبيد يقال: رجل حرام وٱمرأة حرام، وجمع ذلك حُرُم كقولهم: قَذَال وقُذُل. وأَحرم الرجلُ دخل في الحرم؛ كما يقال: أَسْهَلَ دخل في السهل. وهذا اللفظ يتناول الزمان والمكان وحالة الإحرام بالإشتراك لا بالعموم. يقال: رجل حرام إذا دخل في الأشهر الحُرم أو في الحَرَم، أو تلبّس بالإحرام؛ إلا أن تحريم الزمان خرج بالإجماع عن أن يكون معتبراً، وبقي تحريم المكان وحالة الإحرام على أصل التكليف؛ قاله ابن العربي.

التاسعة ـ حَرَم المكان حَرَمان، حَرمُ المدينة وحَرَمُ مكة ـ وزاد الشافعي الطائف، فلا يجوز عنده قطع شجرهِ، ولا صيد صيده، ومن فعل ذلك فلا جزاء عليه ـ فأما حَرَم المدينة فلا يجوز فيه الاصطياد لأحد ولا قطع الشجر كحرم مكة، فإن فعل أثم ولا جزاء عليه عند مالك والشافعي وأصحابهما. وقال ٱبن أبي ذئب: عليه الجزاء. وقال سعد: جزاؤه أخذ سَلَبه، وروى عن الشافعي. وقال أبو حنيفة: صيد المدينة غير محرّم، وكذلك قطع شجرها. وٱحتج له بعض من ذهب مذهبه بحديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

من وجدتموه يصيد في حدود المدينة أو يقطع شجرها فخذوا سَلَبه. وأخذ سعد سَلَب من فعل ذلك. قال: وقد ٱتفق الفقهاء على أنه لا يؤخذ سَلَب من صاد في المدينة، فدل ذلك على أنه منسوخ. وٱحتج لهم الطحاوي أيضاً بحديث أنس: ما فعل النُّفَير؛ فلم ينكر صيده وإمساكه ـ وهذا كله لا حجة فيه، أما الحديث الأوّل فليس بالقويّ ولو صح لم يكن في نسخ أخذ السَّلَب ما يسقط ما صح من تحريم المدينة، فكم من محرّم ليس عليه عقوبة في الدنيا. وأما الحديث الثاني فيجوز أن يكون صيد في غير الحرم. وكذلك حديث عائشة: أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحَشْ فإذا خرج لَعِب واشتد وأَقبل وأَدبر، فإذا أَحس برسول الله صلى الله عليه وسلم ربض، فلم يَتَرَمْرَم كراهية أن يؤذيه. ودليلنا عليهم ما رواه مالك عن ٱبن شهاب عن سعيد بن المسيّب أن أبا هُريرة قال: لو رأيت الظّباء تَرتع بالمدينة ما ذَعَرتُها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بين لابتيها حرام» فقول أبي هريرة ما ذَعَرتُها دليل على أنه لا يجوز ترويع الصيد في حرم المدينة، كما لا يجوز ترويعه في حرم مكة. وكذلك نزع زيد بن ثابت النُّهسَ ـ وهو طائر ـ من يد شُرَحْبيل بن سعد كان صاده بالمدينة؛ دليل على أن الصحابة فهموا مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم صيد المدينة، فلم يجيزوا فيها الاصطياد ولا تملّك ما يصطاد. ومتعلق ٱبن أبي ذئب قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح:اللَّهُمَّ إنَّ إبراهيم حرّم مكة وإني أُحرم المدينة مثل ما حَرَم به مكة ومثله معه لا يُخْتلى خَلاَها ولا يُعضَد شجرُها ولا يُنفَّر صيدُهاولأنه حرم مُنِع الاصطياد فيه فتعلق الجزاء به كحرم مكة. قال القاضي عبد الوهاب: وهذا قول أقيس عندي على أُصولنا، لا سيما أن المدينة عند أصحابنا أفضل من مكة، وأن الصلاة فيها أفضل من الصلاة في المسجد الحرام. ومن حجة مالك والشافعي في ألاَّ يُحكم عليه بجزاء ولا أخذ سَلَب ـ في المشهور من قول الشافعي ـ عموم قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح:المدينة حَرَمٌ ما بين عَيْر إلى ثَوْر فمن أحدث فيها حَدَثاً أو آوىٰ مُحدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صَرْفا ولا عَدْلاًفأرسل صلى الله عليه وسلم الوعيد الشديد ولم يذكر كفّارة. وأما ما ذُكر عن سعد فذلك مذهب له مخصوص به؛ لما روي عنه في الصحيح: أنه ركب إلى قصره بالعَقِيق، فوجد عبداً يقطع شجراً ـ أو يخبطه ـ فسَلبه، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يردّ على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم؛ فقال: معاذ الله أن أردّ شيئاً نَفَّلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى أن يردّ عليهم؛ فقوله: «نَفَّلنيه» ظاهِرُهُ الخصوص. والله أعلم.

العاشرة ـ قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً} ذكر الله سبحانه المتعمد ولم يذكر المخطىء والناسي؛ والمتعمد هنا هو القاصد للشيء مع العلم بالإحرام. والمخطىء هو الذي يقصد شيئاً فيصيب صيداً، والناسي هو الذي يتعمد الصيد ولا يذكر إحرامه. وٱختلف العلماء في ذلك على خمسة أقوال: الأول ـ ما أسنده الدَّارَقُطْني عن ابن عباس قال: إنما التكفير في العمد، وإنما غلّظوا في الخطأ لئلا يعودوا. الثاني ـ أن قوله: «مُتَعَمِّداً» خرج على الغالب، فألحق به النادر كأصول الشريعة. الثالث ـ أنه لا شيء على المخطىء والناسي؛ وبه قال الطَّبَري وأحمد بن حنبل في إحدى روايتيه، وروي عن ابن عباس وسعيد بن جُبَير، وبه قال طاوس وأبو ثور، وهو قول داود. وتعلق أحمد بأن قال: لما خص الله سبحانه المتعمد بالذكر، دل على أن غيره بخلافه. وزاد بأن قال: الأصل براءة الذمة فمن ٱدعى شغلها فعليه الدليل. الرابع ـ أنه يحكم عليه في العمد والخطأ والنسيان؛ قاله ٱبن عباس، وروى عن عمر وطاوس والحسن وإبراهيم والزُّهري، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم. قال الزُّهري: وجب الجزاء في العمد بالقرآن، وفي الخطأ والنسيان بالسُّنة؛ قال ابن العربي: إن كان يريد بالسنة الآثار التي وردت عن ابن عباس وعمر فنعماً هي، وما أحسنها أسوة. الخامس ـ أن يقتله متعمداً لقتله ناسياً لإحرامه ـ وهو قول مجاهد ـ لقوله تعالى بعد ذلك: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ}. قال: ولو كان ذاكراً لإحرامه لوجبت عليه العقوبة لأوّل مرة، قال: فدل على أنه أراد متعمداً لقتله ناسياً لإحرامه؛ قال مجاهد: فإن كان ذاكراً لإحرامه فقد حل ولا حج له لارتكابه محظور إحرامه، فبطل عليه كما لو تكلم في الصلاة، أو أحدث فيها؛ قال: ومن أخطأ فذلك الذي يجزئه. ودليلنا على مجاهد أن الله سبحانه أوجب الجزاء ولم يذكر الفساد، ولا فرق بين أن يكون ذاكراً للإحرام أو ناسياً له، ولا يصح ٱعتبار الحج بالصلاة فإنهما مختلفان؛ وقد رُوِي عنه أنه لا حكم عليه في قتله متعمداً، ويستغفر الله، وحَجُّهُ تام؛ وبه قال ابن زيد. ودليلنا على داود

أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الضَّبع فقال: «هي صيد» وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشاً، ولم يقل عمداً ولا خطأ. وقال ٱبن بكير من علمائنا: قوله سبحانه: «مُتَعَمِّداً» لم يرد به التجاوز عن الخطأ، وإنما أراد «متعمداً» ليبين أنه ليس كٱبن آدم الذي لم يجعل في قتله متعمداً كفارة، وأن الصيد فيه كفّارة، ولم يرد به إسقاط الجزاء في قتل الخطأ. والله أعلم.

الحادية عشرة ـ فإن قتله في إحرامه مرة بعد مرة حُكم عليه كلما قتله في قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم؛ لقول الله تعالى: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ} فالنهي دائم مستمر عليه ما دام محرماً فمتى قتله فالجزاء لأجل ذلك لازم له. وروي عن ٱبن عباس قال: لا يحكم عليه مرتين في الإسلام، ولا يُحكم عليه إلا مرة واحدة، فإن عاد ثانية فلا يُحكم عليه، ويقال له: ينتقم الله منك؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ}. وبه قال الحسن وإبراهيم ومجاهد وشُرَيْح. ودليلنا عليهم ما ذكرناه من تَمَادي التحريم في الإحرام، وتوجه الخطاب عليه في دين الإسلام.

الثانية عشرة ـ قوله تعالى: {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ} فيه أربع قراءات؛ «فَجَزَاءٌ مِثْلُ» برفع جزاء وتنوينه، و «مِثْلُ» على الصفة. والخبر مضمر، التقدير فعليه جزاء مماثل واجب أو لازم من النَّعم. وهذه القراءة تقتضي أن يكون المِثل هو الجزاء بعينه. و «جَزَاءُ» بالرفع غير منون و «مِثْلِ» بالإضافة أي فعليه جزاءُ مثل ما قتل، و «مثل» مقحمة كقولك أنا أكرم مثلك، وأنت تقصد أنا أكرمك. ونظير هذا قوله تعالى:

{ { أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَاتِ } } [الأنعام: 122] التقدير كمن هو في الظلمات، وقوله: { { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } } [الشورى: 11] أي ليس كهو شيء. وهذه القراءة تقتضي أن يكون الجزاء غير المثل؛ إذ الشيء لا يضاف إلى نفسه. وقال أبو علي: إنما يجب عليه جزاء المقتول، لا جزاء مثل المقتول، والإضافة توجب جزاء المثل لا جزاء المقتول. وهو قول الشافعي على ما يأتي. وقوله: «مِنَ النَّعَمِ» صفة لجزاء على القراءتين جميعاً. وقرأ الحسن «مِن النَّعْمِ» بإسكان العين وهي لغة. وقرأ عبد الرحمن «فَجَزَاءٌ» بالرفع والتنوين «مِثْلَ» بالنصب؛ قال أبو الفتح: «مِثْلَ» منصوبة بنفس الجزاء؛ والمعنى أن يجزى مثل ما قتل. وقرأ ابن مسعود والأعمش «فجزاؤه مِثل» بإظهار «هاء»؛ ويحتمل أن يعود على الصيد أو على الصائد القاتل.

الثالثة عشرة ـ الجزاء إنما يجب بقتل الصيد لا بنفس أخذه كما قال تعالى. وفي «المدونة»: من ٱصطاد طائراً فنتف ريشه ثم حبسه حتى نَسَل ريشه فطار، قال: لا جزاء عليه. قال وكذلك لو قطع يد صيد أو رجله أو شيئاً من أعضائه وسلِمت نفسه وصح ولحق بالصيد فلا شيء عليه. وقيل: عليه من الجزاء بقدر ما نقصه. ولو ذهب ولم يدر ما فعل فعليه جزاؤه. ولو زَمِن الصيد ولم يلحق بالصيد، أو تركه مَحُوفاً عليه فعليه جزاؤه كاملاً.

الرابعة عشرة ـ ما يُجزى من الصيد شيئان: دوابٌ وطيرٌ فيُجزَى ما كان من الدواب بنظيره في الخلقة والصّورة، ففي النّعامة بَدنَة، وفي حمار الوحش وبقرة الوحش بقرة، وفي الظبي شاة؛ وبه قال الشافعي. وأقل ما يَجزى عند مالك ما استيسر من الهدي وكان أضحية؛ وذلك كالجَذَع من الضأن والثنيّ مما سواه، وما لم يبلغ جزاؤه ذلك ففيه إطعام أو صيام. وفي الحمام كله قيمته إلا حمام مكة؛ فإن في الحمامة منه شاة ٱتباعاً للسّلف في ذلك. والدُّبْسي والفَوَاخِت والقُمْريّ وذوات الأطواق كلّه حمام. وحكى ٱبن عبد الحَكَمْ عن مالك أن في حمام مكة وفراخها شاة؛ قال: وكذلك حمام الحرم؛ قال: وفي حمام الحِلّ حكومة. وقال أبو حنيفة: إنما يعتبر المثل في القيمة دون الخِلْقة، فيقوم الصيد دراهم في المكان الذي قتله فيه، أو في أقرب موضع إليه إن كان لا يباع الصيد في موضع قتله؛ فيشتري بتلك القيمة هديا إن شاء، أو يشتري بها طعاماً ويُطْعم المساكين كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر. وأما الشافعي فإنه يرى المثل من النعم ثم يقوِّم المثل كما في المتلفات يقوّم المثل، وتؤخذ قيمة المثل كقيمة الشيء فإن المثل هو الأصل في الوجوب؛ وهذا بيّن وعليه تخرج قراءة الإضافة «فَجَزَاءُ مِثْلِ». ٱحتج أبو حنيفة فقال: لو كان الشبه من طريق الخلقة معتبراً. في النّعامة بَدَنة، وفي الحمار بقرة، وفي الظبي شاة، لما أوقفه على عَدلين يحكمان به؛ لأن ذلك قد علم فلا يحتاج إلى الإرتياء والنظر؛ وإنما يفتقر إلى العدول والنظر ما تشكل الحال فيه، ويضطرب وجه النظر عليه. ودليلنا عليه قول الله تعالى: {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ} الآية. فالمثل يقتضي بظاهره المثل الخِلْقي الصّوري دون المعنى؛ ثم قال: {مِنَ ٱلنَّعَمِ} فبين جنس المثل؛ ثم قال: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} وهذا ضمير راجع إلى مثل من النعم؛ لأنه لم يتقدم ذكر لسواه يرجع الضمير عليه، ثم قال: {هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} والذي يتصور فيه الهَدْي مثل المقتول من النَّعم، فأما القيمة فلا يتصوّر أن تكون هديا، ولا جرى لها ذكر في نفس الآية، فصح ما ذكرناه. والحمد لله. وقولهم: لو كان الشبه معتبراً لما أوقفه على عَدلين؛ فالجواب أن ٱعتبار العدلين إنما وجب للنظر في حال الصيد من صغر وكبر، وما لا جنس له مما له جنس، وإلحاق ما لم يقع عليه نص بما وقع عليه النص.

الخامسة عشرة ـ من أحرم من مكة فأغلق باب بيته على فراخ حمام فماتت فعليه في كل فرخ شاة. قال مالك: وفي صغار الصيد مثل ما في كباره؛ وهو قول عطاء. ولا يُفدَى عند مالك شيء بعنَاقٍ ولا جَفْرة؛ قال مالك. وذلك مثل الدية، الصغير والكبير فيها سواءٌ. وفي الضّب عنده واليَرْبُوع قيمتهما طعاماً. ومن أهل المدينة من يخالفه في صغار الصيد، وفي ٱعتبار الجَذَع والثَّني، ويقول بقول عمر: في الأرنب عَنَاق وفي اليَرْبوع جَفْرة؛ رواه مالك موقوفاً. وروى أبو الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

في الضبع إذا أصابه المحرم كبش وفي الظبي شاة وفي الأرنب عَنَاق وفي اليَرْبوع جَفْرةقال: والجَفرة التي قد ٱرْتَعتْ. وفي طريق آخر قلت لأبي الزبير: وما الجَفْرة؟ قال: التي قد فُطِمَت ورَعَت. خرجه الدَّارَقُطْنيّ. وقال الشافعي: في النعامة بَدَنة، وفي فرخها فَصِيل، وفي حمار الوحش بقرة، وفي سَخْلهِ عجل؛ لأن الله تعالى حكم بالمِثلية في الخلقة، والصغر والكبر متفاوتان فيجب ٱعتبار الصغير فيه والكبير كسائر المتلفَات. قال ٱبن العربيّ: وهذا صحيح وهو ٱختيار علمائنا؛ قالوا: ولو كان الصيد أعور أو أعرج أو كسِيراً لكان المثل على صفته لتتحقق المِثلية، فلا يلزم المتلِف فوق ما أتلف. ودليلنا قوله تعالى: {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ} ولم يفصل بين صغير وكبير. وقوله: «هَدْياً» يقتضي ما يتناوله ٱسم الهدي لحقّ الإطلاق. وذلك يقتضي الهدي التام. والله أعلم.

السادسة عشرة ـ في بيض النعامة عُشْر ثمن البَدَنة عند مالك. وفي بيض الحمامة المكية عنده عُشْر ثمن الشاة. قال ٱبن القاسم: وسواء كان فيها فرخ أو لم يكن ما لم يستهل الفرخ بعد الكسر؛ فإن ٱستهل فعليه الجزاء كاملاً كجزاء الكبير من ذلك الطير. قال ٱبن المواز: بحكومة عَدلين. وأكثر العلماء يرون في بيض كل طائر القيمة. روى عِكرمة عن ٱبن عباس عن كعب بن عُجْرَة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قضى في بيض نعام أصابه محرِم بقدر ثمنه؛ خرجه الدَّارَقُطْنيّ. وروى عن أبي هُريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

في كل بيضة نعام صيام يوم أو إطعام مسكين.

السابعة عشرة ـ وأما ما لا مثل له كالعصافير والفِيلة فقيمة لحمه أو عَدله من الطعام، دون ما يراد له من الأغراض؛ لأن المراعَى فيما له مثلٌ وجوبُ مثله، فإن عُدم المثل فالقيمة قائمة مقامه كالغصب وغيره. ولأن الناس قائلان ـ أي على مذهبين ـ معتبر للقيمة في جميع الصيد؛ ومقتصر بها على ما لا مثل له من النَّعم؛ فقد تضمن ذلك الإجماع على ٱعتبار القيمة فيما لا مثل له. وأما الفيل فقيل: فيه بَدَنة من الهجان العظام التي لها سنامان؛ وهي بيض خراسانية، فإذا لم يوجد شيء من هذه الإبل فينظر إلى قيمته طعاماً، فيكون عليه ذلك؛ والعمل فيه أن يجعل الفيل في مَرْكب، وينظر إلى منتهى ما ينزل المركَب في الماء، ثم يخرج الفيل ويجعل في المركب طعام حتى ينزل إلى الحد الذي نزل والفيل فيه، وهذا عَدْله من الطعام. وأما أن ينظر إلى قيمته فهو يكون له ثمن عظيم لأجل عظامه وأنيابه فيكثر الطعام وذلك ضرر.

الثامنة عشرة ـ قوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} روى مالك عن عبد الملك ابن قُرَيْب عن محمد بن سيرين أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجريت أنا وصاحب لي فرسين نستبق إلى ثَغْرة ثَنِيّة، فأصبنا ظبياً ونحن محرمان فماذا ترى؟ فقال عمر لرجل إلى جنبه: تعال حتى أحكم أنا وأنت؛ فحكما عليه بعنز؛ فولى الرجل وهو يقول: هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي حتى دعا رجلاً يحكم معه، فسمع عمر بن الخطاب قول الرجل فدعاه فسأله؛ هل تقرأ سورة «المائدة»؟ فقال: لا؛ قال: هل تعرف الرجل الذي حكم معي؟ فقال: لا؛ فقال عمر رضي الله عنه: لو أخبرتني أنك تقرأ سورة «المائدة» لأوجعتك ضرباً، ثم قال: إن الله سبحانه يقول في كتابه {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} وهذا عبد الرحمن بن عوف.

التاسعة عشرة ـ إذا ٱتفق الحَكَمان لزم الحكم؛ وبه قال الحسن والشافعي. وإن ٱختلفا نظر في غيرهما. وقال محمد بن المواز: لا يأخذ بأرفع من قوليْهما؛ لأنه عمل بغير تحكيم. وكذلك لا ينتقل عن المِثل الخِلْقي إذا حكما به إلى الطعام؛ لأنه أمر قد لزم؛ قاله ٱبن شعبان. وقال ٱبن القاسم: إن أمرَهما أن يحكما بالجزاء من المِثل ففعلا، فأراد أن ينتقل إلى الطعام جاز. وقال ٱبن وهب رحمه الله في «العتبية»: من السنة أن يُخيِّر الحَكَمان من أصاب الصيد، كما خيّره الله في أن يخرج «هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً» فإن ٱختار الهدي حَكَما عليه بما يريانه نظيراً لما أصاب ما بينهما وبين أن يكون عَدْل ذلك شاة لأنها أدنى الهدي؛ وما لم يبلغ شاة حَكَما فيه بالطعام ثم خُيّر في أن يطعمه، أو يصوم مكان كل مُدّ يوماً؛ وكذلك قال مالك في «المدوّنة».

الموفية عشرين ـ ويستأنف الحكم في كل ما مضت فيه حكومة أو لم تمض، ولو ٱجتزأ بحكومة الصحابة رضي الله عنهم فيما حكموا به من جزاء الصيد كان حسناً. وقد روي عن مالك أنه ما عدا حمام مكة وحمار الوحش والظّبي والنّعامة لا بدّ فيه من الحكومة، ويُجتزأ في هذه الأربعة بحكومة من مضى من السلف رضي الله عنهم.

الحادية والعشرون ـ لا يجوز أن يكون الجاني أحد الحكَمين؛ وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي في أحد قوليه: يكون الجاني أحد الحكمين؛ وهذا تسامح منه؛ فإن ظاهر الآية يقتضي جانياً وحَكَمين فحذف بعض العدد إسقاط للظاهر، وإفساد للمعنى؛ لأن حكم المرء لنفسه لا يجوز، ولو كان ذلك جائزاً لاستغنى بنفسه عن غيره؛ لأنه حكم بينه وبين الله تعالى فزيادة ثان إليه دليل على ٱستئناف الحكم برجلين.

الثانية والعشرون ـ إذا ٱشترك جماعة محرِمون في قتل صيد فقال مالك وأبو حنيفة: على كل واحد جزاء كامل. وقال الشافعي: عليهم كلهم كفارة واحدة لقضاء عمر وعبد الرحمن. وروى الدَّارَقُطْنيّ: أن موالي لابن الزبير أحرموا إذ مرت بهم ضبع فحذفوها بعصيهم فأصابوها، فوقع في أنفسهم، فأتوا ٱبن عمر فذكروا له فقال: عليكم كلكم كبش؛ قالوا: أو على كل واحد منا كبش؛ قال: إنكم لَمُعَزّزٌ بكم، عليكم كلكم كبش. قال اللغويون: لَمُعَزَّزٌ بكم أي لمشدّد عليكم. ورُوي عن ٱبن عباس في قوم أصابوا ضبعاً قال: عليهم كبش يتخارجونه بينهم. ودليلنا قول الله سبحانه: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ} وهذا خطاب لكل قاتل. وكل واحد من القاتلين للصيد قاتل نفساً على التمام والكمال، بدليل قتل الجماعة بالواحد، ولولا ذلك ما وجب عليهم القصاص، وقد قلنا بوجوبه إجماعاً منا ومنهم؛ فثبت ما قلناه.

الثالثة والعشرون ـ قال أبو حنيفة: إذا قتل جماعة صيدا في الحرم وكلهم مُحِلَون، عليهم جزاء واحد، بخلاف ما لو قتله المحرمون في الحلّ والحرم؛ فإن ذلك لا يختلف. وقال مالك: على كل واحد منهم جزاء كامل، بناء على أن الرجل يكون محرماً بدخوله الحرم، كما يكون محرماً بتلبيته بالإحرام، وكل واحد من الفعلين قد أكسبه صفة تعلق بها نهي، فهو هاتك لها في الحالتين. وحجة أبي حنيفة ما ذكره القاضي أبو زيد الدَّبُوسيّ قال: السِّرّ فيه أن الجناية في الإحرام على العبادة، وقد ٱرتكب كل واحد منهم محظور إحرامه. وإذا قتل المحِلّون صيدا في الحرم فإنما أتلفوا دابة محرّمة بمنزلة ما لو أتلف جماعة دابة؛ فإن كل واحد منهم قاتل دابة، ويشتركون في القيمة. قال ٱبن العربي: وأبو حنيفة أقوى منا، وهذا الدليل يستهين به علماؤنا وهو عسير الانفصال علينا.

الرابعة والعشرون ـ قوله تعالى: {هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} المعنى أنهما إذا حكما بالهدي فإنه يُفعل به ما يُفعل بالهدي من الإشعار والتقليد، ويُرسل من الحِلّ إلى مكة، ويُنحرْ ويُتصدّق به فيها؛ لقوله: {هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} ولم يرد الكعبة بعينها فإن الهدْي لا يبلغها، إذ هي في المسجد، وإنما أراد الحرم ولا خلاف في هذا. وقال الشافعي: لا يحتاج الهدي إلى الحِلّ بناء على أن الصغير من الهدي يجب في الصغير من الصيد، فإنه يُبتاع في الحرم ويهدى فيه.

الخامسة والعشرون ـ قوله تعالى: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} الكفارة إنما هي عن الصيد لا عن الهدي. قال ٱبن وهب قال مالك: أحسن ما سمعت في الذي يقتل الصيد فيحكم عليه فيه، أنه يقوّم الصيد الذي أصاب، فينظر كم ثمنه من الطعام، فيطعم لكل مسكين مُدّا، أو يصوم مكان كل مدّ يوماً. وقال ٱبن القاسم عنه: إن قوّم الصيد دراهم ثم قوّمها طعاماً أجزأه؛ والصواب الأوّل. وقال عبد الله بن عبد الحكم مثله؛ قال عنه: وهو في هذه الثلاثة بالخيار؛ أيّ ذلك فعل أجزأه موسراً كان أو معسراً. وبه قال عطاء وجمهور الفقهاء؛ لأن «أو» للتخيير. قال مالك: كل شيء في كتاب الله في الكفّارات كذا أو كذا فصاحبه مخيَّر في ذلك، أيّ ذلك أحب أن يفعل فعل. ورُوِي عن ٱبن عباس أنه قال: إذا قتل المحرم ظبياً أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة؛ فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد فعليه صيام ثلاثة أيام؛ وإن قتل إيَّلا أو نحوه فعليه بقرة، فإن لم يجد أطعم عشرين مسكيناً، فإن لم يجد صام عشرين يوماً؛ وإن قتل نعامة أو حماراً فعليه بَدَنة، فإن لم يجد فإطعام ثلاثين مسكيناً، فإن لم يجد فصيام ثلاثين يوماً. والطعام مدّ مدّ لشبعهم. وقاله إبراهيم النَّخَعيّ وحماد بن سلمة، قالوا: والمعنى {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ} إن لم يجد الهدْي. وحكى الطبريّ عن ٱبن عباس أنه قال: إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه بجزائه، فإن وجد جزاءه ذبحه وتصدّق به، وإن لم يكن عنده جزاؤه قُوّم جزاؤه بدراهم، ثم قوّمت الدراهم حِنطة، ثم صام مكان كل نصف صاع يوماً؛ وقال: إنما أُريد بالطعام تبيين أمر الصيام، فمن لم يجد طعاماً، فإنه يجد جزاءه. وأسنده أيضاً عن السديّ. ويُعترض هذا القول بظاهر الآية فإنه ينافره.

السادسة والعشرون ـ ٱختلف العلماء في الوقت الذي يعتبر فيه المتلَف؛ فقال قوم: يوم الإتلاف. وقال آخرون: يوم القضاء. وقال آخرون: يلزم المتلف أكثر القيمتين، من يوم الإتلاف إلى يوم الحكم. قال ٱبن العربي: وٱختلف علماؤنا كاختلافهم، والصحيح أنه تلزمه القيمة يوم الإتلاف؛ والدليل على ذلك أن الوجود كان حقاً للمتلَف عليه، فإذا أعدمه المتلِفُ لزمه إيجاده بمثله، وذلك في وقت العدم.

السابعة والعشرون ـ أما الهدْيُ فلا خلاف أنه لا بدّ له من مكة؛ لقوله تعالى: {هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ}. وأما الإطعام فٱختلف فيه قولُ مالك هل يكون بمكة أو بموضع الإصابة؛ وإلى كونه بمكة ذهب الشافعي. وقال عطاء: ما كان من دم أو طعام فبمكة ويصوم حيث يشاء؛ وهو قول مالك في الصوم، ولا خلاف فيه. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: ولا يجوز إخراج شيء من جزاء الصيد بغير الحرم إلا الصيام. وقال حمّاد وأبو حنيفة: يُكفِّر بموضع الإصابة مطلقاً. وقال الطَّبَريّ: يُكفِّر حيث شاء مطلقاً، فأما قول أبي حنيفة فلا وجه له في النظر، ولا أثر فيه. وأما من قال يصوم حيث شاء؛ فلأن الصوم عبادة تختص بالصائم فتكون في كل موضع كصيام سائر الكفارات وغيرها. وأما وجه القول بأن الطعام يكون بمكة؛ فلأنه بدل عن الهدي أو نظير له، والهدي حق لمساكين مكة، فلذلك يكون بمكة بدله أو نظيره. وأما من قال إنه يكون بكل موضع؛ فٱعتبار بكل طعام وفدية، فإنها تجوز بكل موضع. والله أعلم.

الثامنة والعشرون ـ قوله تعالى: {أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً} العدل والعِدل بفتح العين وكسرها لغتان وهما المِثل؛ قاله الكسائيّ. وقال الفرّاء: عِدْل الشيء بكسر العين مثله من جنسه، وبفتح العين مثله من غير جنسه، ويؤثر هذا القول عن الكِسائيّ، تقول: عندي عِدْل دراهمك من الدارهم، وعندي عَدْل دراهمك من الثياب؛ والصحيح عن الكسائيّ أنهما لغتان، وهو قول البصريين. ولا يصح أن يماثل الصيام الطعام في وجه أقرب من العدد. قال مالك: يصوم عن كل مُدّ يوماً، وإن زاد على شهرين أو ثلاثة؛ وبه قال الشافعيّ. وقال يحيى بن عمر من أصحابنا: إنما يقال كم من رجل يشبع من هذا الصيد فيعرف العدد، ثم يقال: كم من الطعام يشبع هذا العدد؛ فإن شاء أخرج ذلك الطعام، وإن شاء صام عدد أمداده. وهذا قول حسن ٱحتاط فيه؛ لأنه قد تكون قيمة الصيد من الطعام قليلة، فبهذا النظر يكثر الإطعام. ومن أهل العلم من لا يرى أن يتجاوز في صيام الجزاء شهرين؛ قالوا: لأنها أعلى الكفّارات. وٱختاره ٱبن العربيّ. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يصوم عن كل مدّين يوماً ٱعتباراً بفدية الأذى.

التاسعة والعشرون ـ قوله تعالى: {لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} الذوق هنا مستعار كقوله تعالى:

{ { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } } [الدخان: 49]. وقال: { { فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ } } [النحل: 112]. وحقيقة الذوق إنما هي في حاسة اللسان، وهي في هذا كله مستعارة. ومنه الحديث:ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربّاً. الحديث والوبال سوء العاقبة. والمرعى الوبيل هو الذي يُتأذّى به بعد أكله. وطعام وبِيل إذا كان ثقيلاً؛ ومنه قوله:

عقِيلةُ شيخ كالوَبِيلِ يَلَنْدَدِ

وعبر بأمره عن جميع حاله.

الموفية ثلاثين ـ قوله تعالى: {عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف} يعني في جاهليتكم من قتلكم الصيد؛ قاله عطاء بن أبي رَبَاح وجماعة معه. وقيل: قبل نزول الكفّارة. {وَمَنْ عَادَ} يعني للمنهى {فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ} أي بالكفّارة. وقيل: المعنى «فينتقِم الله مِنه» يعني في الآخرة إن كان مستحلاً؛ ويكفر في ظاهر الحكم. وقال شُرَيْح وسعيد بن جُبَير: يحكم عليه في أوّل مرة، فإذا عاد لم يحكم عليه، وقيل له: ٱذهب ينتقم الله منك؛ أي ذنبك أعظم من أن يُكفَّر، كما أن اليمين الفاجرة لا كفّارة لها عند أكثر أهل العلم لعظم إثمها. والمتورّعون يتقون النقمة بالتكفير. وقد رُوِي عن ٱبن عباس: يملأ ظهره سوطاً حتى يموت. وروي عن زيد بن أبي المُعَلَّى: أن رجلاً أصاب صيداً وهو محرم فتجوز عنه، ثم عاد فأنزل الله عز وجل ناراً من السماء فأحرقته؛ وهذه عبرة للأُمّة وكفٌّ للمعتدين عن المعصية.

قوله سبحانه: {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} «عَزِيزٌ» أي منيع في ملكه، ولا يمتنع عليه ما يريده. «ذُو انْتِقَام» ممن عصاه إن شاء.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ