انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير القرطبيالآيات 7–26

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير القرطبي.

وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝٧

قوله تعالىٰ: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ}. قيل: هو الميثاق الذي في قوله عزّ وجلّ:

{ { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ آدَمَ } } [الأعراف: 172]؛ قاله مجاهد وغيره. ونحن وإن لم نذكره فقد أخبرنا الصَّادق به، فيجوز أن نؤمر بالوفاء به. وقيل: هو خطاب لليهود بحفظ ما أخذ عليهم في التوراة؛ والذي عليه الجمهور من المفسرين كابن عباس والسُّدّي هو العهد والميثاق الذي جرى لهم مع النبيّ صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المَنْشَط والمَكْرَه إذ قالوا: سمعنا وأطعنا، كما جرى ليلة العقبة وتحت الشجرة، وأضافه تعالىٰ إلى نفسه كما قال: { { إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } } [الفتح: 10] فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العَقَبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يرحل إليهم هو وأصحابه، وكان أوّل من بايعه البَرَاء بن مَعْرور، وكان له في تلك الليلة المقام المحمود في التوثق لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والشدّ لعقد أمره، وهو القائل: والذي بعثك بالحق لنَمنعنَّك مما نمنع منه أُزُرَنا، فبايِعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلْقة ورِثناها كابراً عن كابر. الخبر المشهور في سيرة ٱبن إسحاق. ويأتي ذكر بيعة الرّضوان في موضعها. وقد ٱتصل هذا بقوله تعالىٰ: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} فوفوا بما قالوا؛ جزاهم الله تعالى عن نبيهم وعن الإسلام خيراً، ورضي الله عنهم وأرضاهم. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي في مخالفته إنه عالم بكل شيء.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ۝٨ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ۝٩ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ ۝١٠

قوله تعالىٰ: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ} الآية تقدّم معناها في «النساء». والمعنى: أتممت عليكم نعمتي فكونوا قوّامين لله، أي لأجل ثواب الله؛ فقوموا بحقه، وٱشهدوا بالحق من غير ميل إلى أقاربكم، وحَيْف على أعدائكم، {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} على ترك العدل وإيثار العدوان على الحق. وفي هذا دليل على نفوذ حكم العدوّ على عدوّه في الله تعالىٰ ونفوذ شهادته عليه؛ لأنه أمر بالعَدْلِ وإن أبغضه، ولو كان حكمه عليه وشهادته لا تجوز فيه مع البغض له لما كان لأمره بالعدل فيه وجه. ودلّت الآية أيضاً على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه، وأن يقتصر بهم على المستحق من القتال والاسترقاق، وأن المُثْلة بهم غير جائزة وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا وغَمُّونا بذلك؛ فليس لنا أن نقتلهم بمُثْلةٍ قصداً لإيصال الغمّ والحزن إليهم؛ وإليه أشار عبد الله بن رواحة بقوله في القصة المشهورة؛ هذا معنى الآية. وتقدّم في صدر هذه السورة معنى قوله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ}. وقرِىء «وَلاَ يُجْرِمَنَّكُمْ» قال الكسَائيّ: هما لغتان. وقال الزّجاج: معنى «وَلاَ يُجْرِمَنَّكُمْ» لا يُدخلنكم في الجُرم، كما تقول آثمني أي أدخلني في الإثم. ومعنى {هو أقْربُ لِلتَّقَوىٰ} أي لأن تتقوا الله. وقيل: لأن تتقوا النار. ومعنى {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} أي قال الله في حق المؤمنين: «لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ» أي لا تعرف كنهه أفهام الخلق؛ كما قال:

{ { فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } } [السجدة: 17]. وإذا قال الله تعالىٰ: {أَجْرٌ عَظِيمٌ} و {أَجْرٌ كَرِيمٌ} و {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} فمن ذا الذي يقدر قدره؟. ولما كان الوعد من قبيل القول حسن إدخال اللام في قوله: «لَهُمْ مَغْفِرَةٌ» وهو في موضع نصب؛ لأنه وقع موقع الموعود به، على معنى وعدهم أنّ لهم مغفرة، أو وعدهم مغفرة إلاَّ أن الجملة وقعت موقع المفرد؛ كما قال الشاعر:

وَجَدْنا الصَّالحين لهم جزاءَوَجِنَّاتٍ وَعَيناً سَلْسَبِيَلا

وموضع الجملة نصب؛ ولذلك عطف عليها بالنصب. وقيل: هو في موضع رفع على أن يكون الموعود به محذوفاً؛ على تقدير لهم مغفرة وأجر عظيم فيما وعدهم به. وهذا المعنى عن الحسن. {وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ} نزلت في بني النَّضِير. وقيل: في جميع الكفار.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ۝١١

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ}. قال جماعة: نزلت بسبب فعل الأعرابيّ في غزوة ذات الرَّقَاع حين اخترط سيف النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال: من يعصمك مني يا محمد؟؛ كما تقدّم في «النساء». وفي البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس فاجتمعوا وهو جالس عند النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبه. وذكر الواقديّ وابن أبي حاتم أنه أسلم. وذكر قوم أنه ضرب برأسه في ساق شجرة حتى مات. وفي البخاري في غزوة ذات الرقاع أن ٱسم الرجل غَوْرَث بن الحارث (بالغين منقوطة مفتوحة وسكون الواو بعدها راء وثاء مثلثة) وقد ضم بعضهم الغين، والأوّل أصح. وذكر أبو حاتم محمد بن إدريس الرّازي، وأبو عبد الله محمد بن عمر الواقديّ أن ٱسمه دُعْثُور بن الحارث، وذكر أنه أسلم كما تقدّم. وذكر محمد بن إسحاق أن ٱسمه عمرو بن جِحاش وهو أخو بني النَّضِير. وذكر بعضهم أن قصة عمرو بن جِحاش في غير هذه القصة. والله أعلم. وقال قَتَادة ومجاهد وغيرهما: نزلت في قوم من اليهود جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية فهمّوا بقتله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله منهم. قال القُشَيري: وقد تنزل الآية في قصة ثم ينزل ذكرها مرة أُخرى لادّكار ما سبق. {أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} أي بالسوء {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} أي منعهم.

وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ۝١٢

قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً}.

فيه ثلاث مسائل:

الأُولى ـ قال ٱبن عطية: هذه الآيات المتضمنة الخبر عن نقضهم مواثيق الله تعالى تقوّي أن الآية المتقدّمة في كفّ الأيدي إنما كانت في بني النَّضير؛ واختلف أهل التأويل في كيفية بعث هؤلاء النقباء بعد الإجماع على أن النَّقيب كبير القوم، القائم بأُمورهم الذي يُنَقِّب عنها وعن مصالحهم فيها. والنَّقَّاب: الرجل العظيم الذي هو في الناس على هذه الطريقة؛ ومنه قيل في عمر رضي الله عنه: إنه كان لنقَّابا. فالنُّقباء الضُّمان، واحدهم نقيب، وهو شاهد القوم وضمينهم؛ يقال: نَقَب عليهم، وهو حسن النَّقِيبة أي حسن الخليقة. والنَّقْب والنُّقْب الطريق في الجبل. وإنما قيل: نقِيب لأنه يعلم دخيلة أمر القوم، ويعرِف مناقِبهم وهو الطريق إلى معرفة أُمورهم. وقال قوم النُّقباء الأمناء على قومهم؛ وهذا كله قريب بعضه من بعض. والنَّقيب أكبر مكانة من العَريف. قال عطاء بن يَسار: حملة القرآن عرفاء أهل الجنة؛ ذكره الدَّارمِيّ في مسنده. قال قَتَادة ـ رحمه الله ـ وغيره: هؤلاء النقباء قوم كبار من كل سِبْط، تكفّل كل واحد بسِبْطه بأن يؤمنوا ويتقوا الله؛ ونحو هذا كان النّقباء ليلة العَقَبة؛ بايع فيها سبعون رجلاً وامرأتان، فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم من السبعين اثني عشر رجلاً، وسماهم النُّقباء اقتداء بموسى صلى الله عليه وسلم. وقال الرّبيع والسُّدي وغيرهما: إنما بعث النّقباء من بني إسرائيل أمناء على الاطلاع على الجبَّارين والسَّبْر لقوّتهم ومنعتهم؛ فساروا ليختبروا حال من بها، ويُعلِموه بما اطلعوا عليه فيها حتى ينظر في الغزو إليهم؛ فٱطلعوا من الجبّارين على قوّة عظيمة ـ على ما يأتي ـ وظنوا أنهم لا قبل لهم بها؛ فتعاقدوا بينهم على أن يُخفوا ذلك عن بني إسرائيل، وأن يُعلموا به موسى عليه السلام، فلما ٱنصرفوا إلى بني إسرائيل خان منهم عشرة فعرّفوا قراباتهم، ومن وثقوه على سرهم؛ ففشا الخبر حتى ٱعوج أمر بني إسرائيل فقالوا: {فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}.

الثانية ـ ففي الآية دليل على قبول خبر الواحد فيما يفتقر إليه المرء، ويحتاج إلى ٱطلاعه من حاجاته الدينية والدنيوية، فتركب عليه الأحكام، ويرتبط به الحلال والحرام؛ وقد جاء أيضاً مثله في الإسلام؛ قال صلى الله عليه وسلم لهَوَازِن:

ارجعوا حتى يَرفع إلينا عُرفاؤكم أمركم. أخرجه البخاري.

الثالثة ـ وفيها أيضاً دليل على ٱتخاذ الجاسوس. والتَّجسُّسُ: التَّبحّث. وقد: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسْبَسَة عينا؛ أخرجه مسلم. وسيأتي حكم الجاسوس في «الممتحنة» إن شاء الله تعالى. وأما أسماء نُقَباء بني إسرائيل فقد ذكر أسماءهم محمد بن حبيب في «المحبر» فقال: من سِبط روبيل شموع بن ركوب، ومن سبط شمعون شوقوط بن حورى، ومن سبط يهوذا كالب بن يوقنا، ومن سبط الساحر يوغول بن يوسف، ومن سبط أفراثيم بن يوسف يوشع بن النون، ومن سبط بنيامين يلظى بن روقو، ومن سبط ربالون كرابيل بن سودا ومن سبط منشا بن يوسف كدى بن سوشا، ومن سبط دان عمائيل بن كسل، ومن سبط شير ستور بن ميخائيل، ومن سبط نفتال يوحنا بن وقوشا، ومن سبط كاذ كوال بن موخى؛ فالمؤمنان منهم يوشع وكالب، ودعا موسى عليه السلام على الآخرين فهلكوا مسخوطاً عليهم؛ قاله المَاوَرْدِيّ. وأما نقباء ليلة العَقَبة فمذكورون في سيرة ٱبن إسحاق فلينظروا هناك.

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ} الآية. قال الرّبيع بن أنس: قال ذلك للنقباء. وقال غيره: قال ذلك لجميع بني إسرائيل. وكُسِرت «إنّ» لأنها مبتدأة. «مَعَكُمْ» منصوب لأنه ظرف، أي بالنصر والعون. ثم ابتدأ فقال: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ} إلى أن قال: {لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} أي إن فعلتم ذلك {وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ}. واللام في «لَئِنْ» لام توكيد ومعناها القسم؛ وكذا {لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ}، {وَلأُدْخِلَنَّكُمْ}. وقيل: المعنى لئِن أقمتم الصلاة لأكفرن عنكم سيئاتكم، وتضمن شرطاً آخر لقوله: {لأُكَفِّرَنَّ} أي إن فعلتم ذلك لأكفرن. وقيل: قوله {لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ} جزاء لقوله: {إِنِّي مَعَكُمْ} وشرط لقوله: {لأُكَفِّرَنَّ}. والتَّعْزير: التَّعظيم والتوقير؛ وأنشد أبو عُبيدة:

وكم من ماجِد لهم كريمٌومن ليثٍ يُعَزَّر في النَّديّ

أي يُعظَّم ويُوقَّر. والتّعزير: الضربُ دون الحدّ، والرّدُّ؛ تقول: عَزّرتُ فلاناً إذا أدَّبْتَه ورددته عن القبيح. فقوله: «عَزَّرْتُمُوهُمْ» أي رددتم عنهم أعداءهم. {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} يعني الصدقات؛ ولم يقل إقراضاً، وهذا مما جاء من المصدر بخلاف المصدر كقوله: { { وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً } } [نوح: 17]، { { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ } } [آل عمران: 37] وقد تقدّم. ثم قيل: «حَسَناً» أي طيّبة بها نفوسكم. وقيل: يبتغون بها وجه الله. وقيل: حلالاً. وقيل: «قرضاً» ٱسم لا مصدر. {فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْكُمْ} أي بعد الميثاق. {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} أي أخطأ قصد الطريق. والله أعلم.

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ لَعَنَّٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَٰسِيَةً يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُوا۟ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝١٣

قوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ} أي فبنقضهم ميثاقهم، «ما» زائدة للتوكيد، عن قَتَادة وسائر أهل العلم؛ وذلك أنها تؤكد الكلام بمعنى تمكنه في النفس من جهة حسن النظم، ومن جهة تكثيره للتوكيد؛ كما قال:

لِشيء ما يُسَوَّدُ مَنْ يَسودُ

فالتأكيد بعلامة موضوعة كالتأكيد بالتكرير. {لَعنَّاهُمْ} قال ٱبن عباس: عذّبناهم بالجِزية. وقال الحسن ومقاتل: بالمسخ. عطاء: أبعدناهم؛ واللعن الإبعاد والطرد من الرحمة. {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} أي صُلبة لا تَعِي خيراً ولا تفعله؛ والقاسية والعاتية بمعنى واحد. وقرأ الكِسائي وحمزة: «قَسِيَّة» بتشديد الياء من غير ألف؛ وهي قراءة ٱبن مسعود والنَّخَعِيّ ويحيى بن وثّاب. والعام القَسِيّ الشديد الذي لا مطر فيه. وقيل: هو من الدّراهم القَسِيّات أي الفاسدة الرديئة؛ فمعنى «قَسِيَّة» على هذا ليست بخالصة الإيمان، أي فيها نِفاق. قال النحاس: وهذا قول حسن؛ لأنه يقال: درهم قَسِيّ إذا كان مغشوشاً بنُحاس أو غيره. يقال: درهم قَسِيّ (مخفف السين مشدّد الياء) مثال شقِيّ أي زائف؛ ذكر ذلك أبو عبيد وأنشد:

لها صَوَاهِلُ في صُمِّ السِّلامِ كماصاح القَسِيَّاتُ في أيدِي الصيارِيفِ

يصف وقع المساحي في الحجارة. وقال الأصمعيّ وأبو عُبيد: درهم قَسِيّ كأنه معرّب قاشيّ. قال القُشَيْري: وهذا بعيد؛ لأنه ليس في القرآن ما ليس من لغة العرب، بل الدرهم القَسيّ من القسوة والشدّة أيضاً؛ لأن ما قلت نَقْرته يقسو ويصلب. وقرأ الأعمش: «قَسِيةَ» بتخفيف الياء على وزن فَعِلة نحو عَمِية وشَجِية؛ من قَسِيَ يَقْسَى لا من قسا يقسو. وقرأ الباقون على وزن فاعِلة؛ وهو ٱختيار أبي عبيد؛ وهما لغتان مثل العَلِيّة والعالية، والزّكِية والزاكية. قال أبو جعفر النّحاس: أولى ما فيه أن تكون قَسِيّة بمعنى قاسية، إلا أن فَعِيلة أبلغ من فاعلة. فالمعنى: جعلنا قلوبهم غليظة نابية عن الإيمان والتوفيق لطاعتي؛ لأن القوم لم يوصفوا بشيء من الإيمان فتكون قلوبهم موصوفة بأن إيمانها خالطه كفر، كالدراهم القَسِيّة التي خالطها غِش. قال الراجز:

قد قسوت وقست لِداتي

{يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} أي يتأوّلونه على غير تأويله، ويلقون ذلك إلى العوامّ. وقيل: معناه يبدّلون حروفه. و «يُحَرِّفُونَ» في موضع نصب، أي جعلنا قلوبهم قاسية محرّفين. وقرأ السُّلَمِيّ والنَّخَعِيّ «الكلام» بالألف؛ وذلك أنهم غيّروا صِفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم. {وَنَسُواْ حَظَّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} أي نسوا عهد الله الذي أخذه الأنبياء عليهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبيان نعته. {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ} أي وأنت يا محمد لا تزال الآن تقف {عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ} والخائنة الخيانة؛ قال قتادة. وهذا جائز في اللغة، ويكون مثل قولهم: قائلة بمعنى قيلولة. وقيل: هو نعت لمحذوف والتقدير فرقة خائنة. وقد تقع «خائنة» للواحد كما يقال: رجل نسّابة وعلاّمة؛ فخائنة على هذا للمبالغة؛ يقال: رجل خائنة إذا بالغت في وصفه بالخيانة. قال الشاعر:

حدّثت نفسك بالوفاءِ ولم تكنلِلغَدْرِ خائِنةً مُغِلَّ الإصْبَعِ

قال ٱبن عباس: «عَلَى خَائِنَةٍ» أي معصية. وقيل: كذب وفجور. وكانت خيانتهم نقضهم العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومظاهرتهم المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كيوم الأحزاب وغير ذلك من همهِم بقتله وسبه. {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} لم يخونوا؛ فهو ٱستثناء متصل من الهاء والميم اللتين في «خَائِنَةٍ مِنهم». {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ} في معناه قولان: فٱعف عنهم وٱصفح ما دام بينك وبينهم عهد وهم أهل ذمة. والقول الآخر ـ أنه منسوخ بآية السيف. وقيل: بقوله عز وجل: { { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً } } [الأنفال: 58].

وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذْنَا مِيثَٰقَهُمْ فَنَسُوا۟ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ۝١٤ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَٰبٌ مُّبِينٌ ۝١٥ يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝١٦

قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} أي في التوحيد والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو مكتوب في الإنجيل. {فَنَسُواْ حَظّاً} وهو الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام؛ أي لم يعملوا بما أُمِروا به، وجعلوا ذلك الهوى والتحريف سبباً للكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. ومعنى {أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} هو كقولك: أخذت من زيد ثوبه ودرهمه؛ قاله الأخفش. ورتبة {ٱلَّذِينَ} أن تكون بعد {أَخَذْنَا} وقبل الميثاق؛ فيكون التقدير: أخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم؛ لأنه في موضع المفعول الثاني لأخذنا. وتقديره عند الكوفيين: ومن الذين قالوا إنا نصارى مَن أخذنا ميثاقهم؛ فالهاء والميم تعودان على {ومَنَ} المحذوفة، وعلى القول الأوّل تعودان على {ٱلَّذِينَ}. ولا يجيز النحويون أخذنا ميثاقهم من الذين قالوا إنا نصارى، ولا ألْيَنَهَا لبستُ من الثياب؛ لئلا يتقدّم مضمر على ظاهر. وفي قولهم: {إِنَّا نَصَارَىٰ} ولم يقل من النصارى دليل على أنهم ٱبتدعوا النصرانية وتسمّوا بها؛ روي معناه عن الحسن.

قوله تعالى: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ} أي هيجنا. وقيل: ألصقنا بهم؛ مأخوذ من الغِراء وهو ما يلصق الشيء بالشيء كالصّمغ وشبهه. يقال: غَرِيَ بالشيء يَغْرَى غَراً «بفتح الغين» مقصوراً وغِرَاء «بكسر الغين» ممدوداً إذا أولع به كأنه التصق به. وحكى الرّماني: الإغراء تسليط بعضهم على بعض. وقيل: الإغراء التحريش، وأصله اللصوق؛ يقال: غَرِيتُ بالرَّجل غَراً ـ مقصور وممدود مفتوح الأول ـ إذا لصِقت به. وقال كُثَيّر:

إذا قيل مهلاً قالت العين بالبكاغِرَاء ومدّتها حوافِلُ نُهّل

وَأَغْرَيْتُ زيداً بكذا حتى غِريَ به؛ ومنه الغِراء الذي يُغرى به للصوقه؛ فالإغراء بالشيء الإلصاق به من جهة التّسليط عليه. وأَغْرَيْتُ الكلب أي أولعتُه بالصيد. {بَيْنَهُمُ} ظرف للعداوة. {وَٱلْبَغْضَآءَ} البغض. أشار بهذا إلى اليهود والنصارى لتقدم ذكرهما. عن السُّدي وقَتَادة: بعضهم لبعض عدوّ. وقيل: أشار إلى ٱفتراق النصارى خاصة؛ قاله الربيع بن أنس، لأنهم أقرب مذكور؛ وذلك أنهم ٱفترقوا إلى اليعاقِبةِ والنُّسطورية والمَلْكانية؛ أي كفّر بعضهم بعضاً. قال النحاس: ومن أحسن ما قيل في معنى {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ} أن الله عز وجل أمر بعداوة الكفار وإبغاضهم، فكل فرقة مأمورة بعداوة صاحبتها وإبغاضها لأنهم كفار. وقوله: {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ} تهديد لهم؛ أي سيلقون جزاء نقض الميثاق.

قوله تعالى: {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ} الكتاب ٱسم جنس بمعنى الكتب؛ فجميعهم مخاطبون. {قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا} محمد صلى الله عليه وسلم. {يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} أي من كتبكم؛ من الإيمان به، ومن آية الرجم، ومن قصة أصحاب السبت الذين مُسخوا قِردة؛ فإنهم كانوا يخفونها. {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} أي يتركه ولا يبينه، وإنما يبين ما فيه حجة على نبوتهِ، ودلالة على صدقه وشهادة برسالته، ويترك ما لم يكن به حاجة إلى تبيينه. وقيل: {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} يعني يتجاوز عن كثير فلا يخبركم به. وذكر أن رجلاً من أحبارهم جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: يا هذا عفوت عنا؟ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين؛ وإنما أراد اليهوديّ أن يظهر مناقضة كلامه، فلما لم يبيِّن له رسول الله صلى الله عليه وسلم قام من عنده فذهب وقال لأصحابه: أرى أنه صادق فيما يقول لأنه كان وجد في كتابه أنه لا يبيِّن له ما سأله عنه. {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ} أي ضياء؛ قيل: الإسلام. وقيل: محمد عليه السلام؛ عن الزجاج. {وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} أي القرآن؛ فإنه يبين الأحكام، وقد تقدّم. {يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} أي ما رضيه الله. {سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ} طرق السلامة الموصلة إلى دار السلام المنزَّهة عن كل آفة، والمؤمِّنة من كل مخافة؛ وهي الجنة وقال الحسن والسُّدي: {ٱلسَّلاَمِ} الله عزّ وجل؛ فالمعنى دين الله ـ وهو الإسلام ـ كما قال:

{ { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ } } [آل عمران: 19]. {وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} أي من ظلمات الكفر والجهالات إلى نور الإسلام والهدايات. {بِإِذْنِهِ} أي بتوفيقه وإرادته.

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝١٧

قوله تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} تقدّم في آخر «النساء» بيانه والقول فيه. وكفر النصارى في دلالة هذا الكلام إنما كان بقولهم: إن الله هو المسيح ابن مريم على جهة الدينونة به؛ لأنهم لو قالوه على جهة الحكاية منكرين له لم يكفروا. {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي من أمر الله. و «يَمْلِكُ» بمعنى يقدِر؛ من قولهم ملكت على فلان أمره أي ٱقتدرت عليه. أي فمن يقدِر أن يمنع من ذلك شيئاً؟ فأعلم الله تعالى أن المسيح لو كان إلهاً لقدر على دفع ما ينزل به أو بغيره، وقد أمات أُمه ولم يتمكن من دفع الموت عنها؛ فلو أهلكه هو أيضاً فمن يدفعه عن ذلك أو يرده. {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} والمسيح وأُمه بينهما مخلوقان محدودان محصوران، وما أحاط به الحدّ والنهاية لا يصلح للإلٰهيّة. وقال: {وَمَا بَيْنَهُمَا} ولم يقل وما بينهن؛ لأنه أراد النوعين والصنفين كما قال الراعي:

طَرَقَا فتلك هَمَاهِمي أقْرِيهماقُلُصا لَواقِحَ كالقِسِيّ وحُولا

فقال: «طرقاً» ثم قال: «فتلك هماهِمِي». {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} عيسى من أُم بلا أب آية لعباده.

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ۝١٨

قوله تعالى: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} قال ٱبن عباس: خوّف رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً من اليهود العقاب فقالوا: لا نخاف فإنا أبناء الله وأحِبّاؤه؛ فنزلت الآية. قال ٱبن إسحاق: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضا وبَحْرِيّ بن عَمرو وشَأسُ بن عَدِيّ فكلموه وكلمهم، ودعاهم إلى الله عز وجل وحذّرهم نقمته فقالوا: ما تُخوفنا يا محمد؟؛ نحن أبناء الله وأحِباؤه، كقول النصارى؛ فأنزل الله عز وجل فيهم {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} إلى آخر الآية قال لهم معاذ بن جبل وسعد بن عُبَادة وعقبة بن وهب: يا معشر يهود ٱتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله، ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مَبعثه، وتصفونه لنا بصفته؛ فقال رافع بن حُرَيْملة ووهب بن يهوذا: ما قلنا هذا لكم، ولا أنزل الله من كتاب بعد موسى، ولا أرسل بشيراً ولا نذيراً من بعده؛ فأنزل الله عز وجل: «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ» إلى قوله «وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». السُّدي: زعمت اليهود أن الله عز وجل أوحى إلى إسرائيل عليه السلام أن ولدك بِكري من الولد. قال غيره: والنصارى قالت نحن أبناء الله؛ لأن في الإنجيل حكاية عن عيسى «أذهبُ إلى أبي وأبيكم». وقيل المعنى: نحن أبناء رسل الله، فهو على حذف مضاف. وبالجملة فإنهم رأُوا لأنفسهم فضلاً؛ فردّ عليهم قولهم فقال: {فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} فلم يكونوا يخلون من أحد وجهين؛ إما أن يقولوا هو يعذبنا، فيقال لهم: فلستم إذاً أبناءه وأحباءه؛ فإن الحبيب لا يعذب حبيبه، وأنتم تقرّون بعذابه؛ فذلك دليل على كذبكم ـ وهذا هو المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف ـ أو يقولوا: لا يعذّبنا فيكذّبوا ما في كتبهم، وما جاءت به رسلهم، ويبيحوا المعاصي وهم معترفون بعذاب العصاة منهم؛ ولهذا يلتزمون أحكام كتبهم. وقيل: معنى {يُعَذِّبُكُم} عَذَّبكم؛ فهو بمعنى المُضِيّ؛ أي فلم مسخكم قردة وخنازير؟ ولم عذب من قبلكم من اليهود والنصارى بأنواع العذاب وهم أمثالكم؟ لأن الله سبحانه لا يحتج عليهم بشيء لم يكن بعد، لأنهم ربما يقولون لا نُعذَّب غداً، بل يحتج عليهم بما عرفوه. ثم قال: {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} أي كسائر خلقه يحاسبكم على الطاعة والمعصية، ويجازي كلا بما عمل. {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} أي لمن تاب من اليهود. {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} من مات عليها. {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فلا شريك له يعارضه. {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} أي يئول أمر العباد إليه في الآخرة.

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُوا۟ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝١٩

قوله تعالىٰ: {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا}. يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. {يُبَيِّنُ لَكُمْ} ٱنقطاع حجتهم حتى لا يقولوا غداً ما جاءنا رسول. {عَلَىٰ فَتْرَةٍ مَّنَ ٱلرُّسُلِ} أي سكون؛ يُقال فَتَر الشيء سكن. وقيل: {عَلَىٰ فَتْرَةٍ} على ٱنقطاع ما بين النبيّين؛ عن أبي عليّ وجماعة أهل العلم، حكاه الرمّاني؛ قال: والأصل فيها ٱنقطاع العمل عما كان عليه من الجِدّ فيه، من قولهم: فَتَر عن عمله وفَتَّرته عنه. ومنه فَتَر الماءُ إذا ٱنقطع عما كان من السُّخُونة إلى البرد. وٱمرأة فاتِرة الطرف أي منقطعة عن حِدة النظر. وفتور البدن كفتور الماء. وٱلفِتْر ما بين السّبابة والإبهام إذا فتحتهما. والمعنى؛ أي مضت للرسل مدّة قبله. وٱختلِف في قدر مدّة تلك الفترة؛ فذكر محمد بن سعد في كتاب «الطبقات» عن ٱبن عباس قال: كان بين موسى بن عمِران وعيسى ابن مريم عليهما السَّلام ألف سنة وسبعمائة سنة، ولم يكن بينهما فترة، وأنه أرسل بينهما ألف نبيّ من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم. وكان بين ميلاد عيسىٰ والنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وتسع وسِتون سنة، بعث في أوّلها ثلاثة أنبياء؛ وهو قوله تعالىٰ:

{ { إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ } } [يۤس: 14] والذي عزز به «شمعون» وكان من الحواريين. وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولاً أربعمائة سنة وأربعاً وثلاثين سنة. وذكر الكلبيّ أن بين عيسى ومحمد عليهما السَّلام خمسمائة سنة وتسعاً وستين، وبينهما أربعة أنبياء؛ واحد من العرب من بني عَبْس وهو خالد بن سِنان. قال القُشيريّ: ومثل هذا مما لا يعلم إلاَّ بخبر صِدق. وقال قتادة: كان بين عيسى ومحمد عليهما السَّلام ستمائة سنة؛ وقاله مقاتل والضحاك ووهب بن منبه، إلاَّ أن وهبا زاد عشرين سنة. وعن الضحاك أيضاً أربعمائة وبضع وثلاثون سنة. وذكر ٱبن سعد عن عِكرمة قال: بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام. قال ٱبن سعد: أخبرنا محمد بن عمرو بن واقد الأسلميّ عن غير واحد قالوا: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين إبراهيم وموسى بن عِمران عشرة قرون، والقرن مائة سنة؛ فهذا ما بين آدم ومحمد عليهما السَّلام من القرون والسنين. والله أعلم. {أَن تَقُولُواْ} أي لئلا أو كراهية أن تقولوا؛ فهو في موضع نصب. {مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ} أي مبشر. {وَلاَ نَذِيرٍ} أي مُنذِر. ويجوز {مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} على الموضع. قال ابن عباس: قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود؛ يا معشر يهود ٱتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أن محمداً رسول الله، ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه بصفته؛ فقالوا: ما أنزل الله من كتاب بعد موسى ولا أرسل بعده من بشير ولا نذير؛ فنزلت الآية: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} على إرسال من شاء من خلقه. وقيل: قدير على إنجاز ما بَشّر به وأَنذر منه.

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٢٠ يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَٰسِرِينَ ۝٢١ قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ ۝٢٢ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُوا۟ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَٰلِبُونَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝٢٣ قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًا مَّا دَامُوا۟ فِيهَا فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ ۝٢٤ قَالَ رَبِّ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ ۝٢٥ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ ۝٢٦

قوله تعالىٰ: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}.

تبيين من الله تعالىٰ أن أسلافهم تمرّدوا على موسى وعصَوه؛ فكذلك هؤلاء على محمد عليه السَّلام، وهو تسلية له؛ أي يا أيها الذين آمنوا ٱذكروا نعمة الله عليكم، وٱذكروا قصة موسى. ورُوي عن عبد الله بن كَثير أنه قرأ «يَاقَوْمُ ٱذْكُرُواْ» بضم الميم، وكذلك ما أشبهه؛ وتقديره يا أيها القوم. {إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ} لم ينصرف؛ لأنه فيه ألف التأنيث. {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} أي تملكون أمركم لا يغلبكم عليه غالب بعد أن كنتم مملوكين لفرعون مقهورين، فأنقذكم منه بالغرق، فهم ملوك بهذا الوجه، وبنحوه فسر السّديّ والحسن وغيرهما. قال السُّدّيّ: ملك كل واحد منهم نفسه وأهله وماله. وقال قَتَادة: إنما قال: {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} لأنا كنا نتحدّث أنهم أوّل من خُدِم من بني آدم. قال ٱبن عطية: وهذا ضعيف؛ لأن القبط قد كانوا يستخدمون بني إسرائيل، وظاهر أمر بني آدم أن بعضهم كان يُسخّر بعضاً مذ تناسلوا وكثروا، وإنما ٱختلفت الأُمم في معنى التمليك فقط. وقيل: جعلكم ذوي منازل لا يُدخل عليكم إلاَّ بإذن؛ رُوي معناه عن جماعة من أهل العلم. قال ٱبن عباس: إنّ الرجل إذا لم يدخل أحد بيته إلاَّ بإذنه فهو ملِك. وعن الحسن أيضاً وزيد بن أسلم أن من كانت له دار وزوجة وخادم فهو ملِك؛ وهو قول عبد الله بن عمرو كما في صحيح مسلم عن أبي عبد الرّحمٰن الحُبُلِيّ قال سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك ٱمرأة تأوي إليها؟ قال نعم. قال: ألك منزل تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. قال: فإنّ لي خادماً. قال: فأنت من الملوك. قال ٱبن العربي: وفائدة هذا أن الرجل إذا وجبت عليه كفّارة ومَلَك داراً وخادماً باعهما في الكفّارة ولم يجز له الصيام، لأنه قادر على الرقبة والملوك لا يكفرون بالصيام، ولا يوصفون بالعجز عن الإعتاق. وقال ابن عباس ومجاهد: جعلهم ملوكاً بالمَنّ والسَّلوى والحَجَر والغَمَام، أي هم مخدومون كالملوك. وعن ابن عباس أيضاً يعني الخادم والمنزل؛ وقاله مجاهد وعِكرمة والحكم بن عُيَيْنة، وزادوا الزوجة؛ وكذا قال زيد بن أسلم ـ إلاَّ أنه قال فيما يعلم ـ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:

من كان له بيت ـ أو قال منزل ـ يأوي إليه وزوجة وخادم يخدمه فهو ملِك؛ ذكره النحاس. ويُقال: من استغنى عن غيره فهو ملِك؛ وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم:من أصبح آمناً في سِربه معافى في بدنه وله قوت يومه فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافِيرها».

قوله تعالىٰ: {وَآتَاكُمْ} أي أعطاكم {مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَالَمِينَ }. والخطاب من موسى لقومه في قول جمهور المفسرين؛ وهو وجه الكلام. مجاهد: والمراد بالإيتاء المنّ والسَّلْوى والحَجَر والغمام. وقيل: كثرة الأنبياء فيهم، والآيات التي جاءتهم. وقيل: قلوباً سليمة من الغِلّ والغِشّ. وقيل: إحلال الغنائم والانتفاع بها.

قلت: وهذا القول مردود؛ فإن الغنائم لم تحِل لأحد إلاَّ لهذه الأُمة على ما ثبت في الصحيح؛ وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالىٰ. وهذه المقالة من موسى توطئة لنفوسهم حتى تُعَزَّز وتأخذ الأمر بدخول أرض الجبارين بقوة، وتنفُذ في ذلك نفوذ من أعزه الله ورفع من شأنه. ومعنى {مِّن ٱلْعَالَمِينَ} أي عالَمي زمانكم؛ عن الحسن. وقال ٱبن جُبير وأبو مالك: الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ وهذا عدول عن ظاهر الكلام بما لا يحسن مثله. وتظاهرت الأخبار أن دِمشق قاعدة الجبارين. و {المُقَدَّسَةَ} معناه المطهرة. مجاهد: المباركة؛ والبركة التطهير من القحوط والجوع ونحوه. قَتَادة: هي الشام. مجاهد: الطُّور وما حوله. ٱبن عباس والسُّديّ وٱبن زيد: هي أريحاء. قال الزّجاج: دِمشق وفلسطِين وبعض الأرْدُنّ. وقول قَتَادة يجمع هذا كله. {الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} أي فَرَض دخولها عليكم ووعدكم دخولها وسكناها لكم. ولما خرجت بنو إسرائيل من مصر أمرهم بجهاد أهل أرِيحاء من بلاد فلسطِين فقالوا: لا علم لنا بتلك الديار؛ فبعث بأمر الله ٱثني عشر نقيباً، من كل سِبط رجل يتجسسون الأخبار على ما تقدم، فرأوا سكانها الجبارين من العمالقة، وهم ذوو أجسام هائلة؛ حتى قيل: إن بعضهم رأى هؤلاء النقباء فأخذهم في كُمّه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه وجاء بهم إلى الملِك فنثرهم بين يده وقال: إن هؤلاء يريدون قِتالنا؛ فقال لهم الملِك: ٱرجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا؛ على ما تقدم. وقيل: إنهم لما رجعوا أخذوا من عِنب تلك الأرض عنقوداً فقيل: حمله رجل واحد، وقيل: حمله النقباء الاثنا عشر.

قلت: وهذا أشبه؛ فإنه يُقال: إنهم لما وصلوا إلى الجبارين وجدوهم يدخل في كُمّ أحدهم رجلان منهم، ولا يحمل عنقود أحدهم إلاَّ خمسة منهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبه خمسة أنفس أو أربعة.

قلت: ولا تعارض بين هذا والأول؛ فإن ذلك الجبار الذي أخذهم في كُمّه ـ ويُقال: في حجره ـ وهو عُوج بن عناق وكان أطولهم قامة وأعظمهم خَلْقاً؛ على ما يأتي من ذكره إن شاء الله تعالىٰ. وكان طول سائرهم ستة أذرع ونصف في قول مقاتل. وقال الكَلْبيّ: كان طول كل رجل منهم ثمانين ذراعاً، والله أعلم. فلما أذاعوا الخبر ما عدا يوشع وكالب بن يوقنا، وامتنعت بنو إسرائيل من الجهاد عوقبوا بالتيه أربعين سنة إلى أن مات أُولئك العصاة ونشأ أولادهم، فقاتلوا الجبارين وغلبوهم.

قوله تعالىٰ: {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ} أي لا ترجعوا عن طاعتي وما أمرتكم به من قتال الجبارين. وقيل: لا ترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته، والمعنى واحد.

قوله تعالىٰ: {قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ} أي عظام الأجسام طوالٌ، وقد تقدّم؛ يُقال: نخلة جبارة أي طويلة. والجبار المتعظم الممتنع من الذلّ والفقر. وقال الزجاج: الجبار من الآدميين العاتي، وهو الذي يجبِر الناس على ما يريد؛ فأصله على هذا من الإجبار وهو الإكراه؛ فإنه يجبِر غيره على ما يريده؛ وأجبره أي أكرهه. وقيل: هو مأخوذ من جبر العظم؛ فأصل الجبار على هذا المصلح أمر نفسه، ثم استعمل في كل من جرّ لنفسه نفعاً بحق أو باطل. وقيل: إنّ جبر العظم راجع إلى معنى الإكراه. قال الفرّاء: لم أسمع فعّالاً من أفعل إلاَّ في حرفين؛ جَبّار من أجبر ودرّاك من أدرك. ثم قيل: كان هؤلاء من بقايا عاد. وقيل: هم من ولد عِيصو بن إسحاق، وكانوا من الروم، وكان معهم عوج الأعنق، وكان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعاً؛ قاله ٱبن عمر، وكان يحتجِن السحاب أي يجذبه بمحجنه ويشرب منه، ويتناول الحوت من قاع البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله. وحضر طوفان نوح عليه السَّلام ولم يجاوز ركبتيه وكان عمره ثلاثة آلاف وستمائة سنة، وأنه قلع صخرة على قدر عسكر موسى ليرضخهم بها، فبعث الله طائراً فنقرها ووقعت في عنقه فصرعته. وأقبل موسى عليه السَّلام وطوله عشرة أذرع؛ وعصاه عشرة أذرع وترقى في السماء عشرة أذرع فما أصاب إلاَّ كعبه وهو مصروع فقتله. وقيل: بل ضربه في العِرق الذي تحت كعبه فصرعه فمات ووقع على نيل مصر فجسَرهم سنة. ذكر هذا المعنى باختلاف ألفاظ محمد بن إسحاق والطَّبريّ ومكيّ وغيرهم. وقال الكَلْبيّ: عوج من ولد هاروت وماروت حيث وقعا بالمرأة فحملت. والله أعلم.

قوله تعالىٰ: {وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا} يعني البلدة إيلياء، ويُقال: أَرِيحاء {حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا} أي حتى يسلموها لنا من غير قتال. وقيل: قالوا ذلك خوفاً من الجبارين ولم يقصِدوا العِصيان؛ فإنهم قالوا: {فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ}.

قوله تعالىٰ: {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ} قال ٱبن عباس وغيره: هما يوشع وكالب بن يوقنا ويُقال ٱبن قانيا، وكانا من الاثني عشر نقيباً. و {يَخَافُونَ} أي من الجبارين. قَتادَة: يخافون الله تعالىٰ. وقال الضحاك: هما رجلان كانا في مدينة الجبارين على دين موسى؛ فمعنى {يَخَافُونَ} على هذا أي من العمالقة من حيث الطبع لئلا يطلعوا على إيمانهم فيفتنوهم ولكن وثقا بالله. وقيل: يخافون ضعف بني إسرائيل وجُبنهم. وقرأ مجاهد وٱبن جُبير «يُخَافُونَ» بضم الياء، وهذا يقوّي أنهما من غير قوم موسى. {أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا} أي بالإسلام أو باليقين والصلاح. {ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} قالا لبني إسرائيل لا يهولنّكم عظم أجسامهم فقلوبهم مُلئت رعباً منكم، فأجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة، وكانوا قد علموا أنهم إذا دخلوا من ذلك الباب كان لهم الغَلب. ويحتمل أن يكونا قالا ذلك ثقة بوعد الله. ثم قالا: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} مصدّقين به؛ فإنه ينصركم. ثم قيل على القول الأوّل: لما قالا هذا أراد بنو إسرائيل رجمهما بالحجارة، وقالوا: نصدّقكما وندع قول عشرة! ثم قالوا لموسىٰ: {إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا} وهذا عِناد وحَيْد عن القتال، وإياس من النصر. ثم جهلوا صفة الربّ تبارك وتعالىٰ فقالوا: {فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ} وصفوه بالذهاب والانتقال، والله متعالى عن ذلك. وهذا يدل على أنهم كانوا مُشَبِّهة؛ وهو معنى قول الحسن؛ لأنه قال: هو كفر منهم بالله، وهو الأظهر في معنى هذا الكلام. وقيل: أي إن نصرة ربك لك أحق من نصرتنا، وقتاله معك ـ إن كنت رسوله ـ أولى من قتالنا؛ فعلى هذا يكون ذلك منهم كفر؛ لأنهم شَكُّوا في رسالته. وقيل المعنى: ٱذهب أنت فقاتل ولْيُعِنك ربّك. وقيل: أرادوا بالرب هارون؛ وكان أكبر من موسى وكان موسى يطيعه. وبالجملة فقد فسقوا بقولهم؛ لقوله تعالىٰ: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} أي لا تحزن عليهم. {إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} أي لا نبرح ولا نقاتل. ويجوز {قَاعِدُونَ} على الحال؛ لأن الكلام قد تمّ قبله.

قوله تعالىٰ: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي} لأنه كان يطيعه. وقيل المعنى: إني لا أملك إلاَّ نفسي، ثم ٱبتدأ فقال: {وَأَخِي} أي وأخي أيضاً لا يملك إلاَّ نفسه؛ فأخي على القول الأوّل في موضع نصب عطفاً على نفسي، وعلى الثاني في موضع رفع، وإن شئت عطفت على ٱسم إنّ وهي الياء؛ أي إني وأخي لا نملك إلاَّ أنفسنا. وإن شئت عطفت على المضمر في أملك كأنه قال: لا أملك أنا وأخي إلاَّ أنفسنا. {فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} يُقال: بأي وجه سأله الفرق بينه وبين هؤلاء القوم؟ ففيه أجوبة؛ الأوّل ـ بما يدل على بعدهم عن الحق، وذهابهم عن الصواب فيما ارتكبوا من العصيان؛ ولذلك ألقوا في التّيه. الثاني ـ بطلب التمييز أي ميزنا عن جماعتهم وجملتهم ولا تلحقنا بهم في العقاب، وقيل المعنى: فاقضِ بيننا وبينهم بعصمتك إيانا من العصيان الذي ابتليتهم به؛ ومنه قوله تعالىٰ:

{ { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } } [الدخان: 4] أي يقضى. وقد فعل لما أماتهم في التّيه. وقيل: إنما أراد في الآخرة، أي اجعلنا في الجنة ولا تجعلنا معهم في النار؛ والشاهد على الفرق الذي يدل على المباعدة في الأحوال قول الشاعر:

يا ربِّ فافرق بينه وبينيأشدّ ما فَرَّقتَ بين ٱثنين

وروىٰ ٱبن عُيَيْنة عن عمرو بن دِينار عن عبيد بن عمير أنه قرأ: «فَٱفْرِقْ» بكسر الراء.

قوله تعالىٰ: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ} ٱستجاب الله دعاءه وعاقبهم في التّيه أربعين سنة. وأصل التّيه في اللغة الحَيرة؛ يُقال منه: تَاهَ يتِيه تَيْهاً وتَوْهاً إذا تَحيّر. وتيهته وتَوَّهْتُه بالياء والواو، والياء أكثر. والأرض التَّيْهاء التي لا يهتدى فيها؛ وأرض تِيهٌ وتَيْهاء ومنها قال:

تِيـهٌ أَتَـاوِيهُ علـى السُّقَّـاطِ

وقال آخـر:

بِتَيْهَاء قَفْرٍ وَالمَطِيُّ كأنّهاقَطَا الحَزْن قد كانت فِراخاً بُيُوضها

فكانوا يسيرون في فراسخ قليلة ـ قيل: في قدر ستة فراسخ ـ يومهم وليلتهم فيُصبحون حيث أمسوا ويُمسون حيث أصبحوا؛ فكانوا سَيَّارَةً لا قرار لهم. وٱختلف هل كان معهم موسى وهارون؟ فقيل: لا؛ لأن التّيه عقوبة، وكانت سِنوّ التّيه بعدد أيام العجل، فقوبلوا على كل يوم سنة؛ وقد قال: {فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ}. وقيل: كانا معهم لكن سهل الله الأمر عليهما كما جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم. ومعنى {مُحَرَّمَةٌ} أي أنهم ممنوعون من دخولها؛ كما يُقال: حرّم الله وجهك على النار، وحرّمت عليك دخول الدار؛ فهو تحريم منع لا تحريم شرع، عن أكثر أهل التفسير؛ كما قال الشاعر:

جَالَتْ لتصرعني فقلتُ لها اقصرِيإنّي ٱمرؤٌ صَرْعِي عليكِ حرامُ

أي أنا فارس فلا يمكنكِ صرعي. وقال أبو عليّ: يجوز أن يكون تحريم تعبُّد. ويُقال: كيف يجوز على جماعة كثيرة من العقلاء أن يسيروا في فراسخ يسيرة فلا يهتدوا للخروج منها؟ فالجواب ـ قال أبو عليّ: قد يكون ذلك بأن يحول الله الأرض التي هم عليها إذا ناموا فيردّهم إلى المكان الذي ٱبتدؤوا منه. وقد يكون بغير ذلك من الاشتباه والأسباب المانعة من الخروج عنها على طريق المعجزة الخارجة عن العادة. {أَرْبَعِينَ} ظرف زمان للتّيه؛ في قول الحسن وقَتَادة؛ قالا: ولم يدخلها أحد منهم؛ فالوقف على هذا على {عَلَيْهِمْ}. وقال الرّبيع بن أنس وغيره: إن {أَرْبَعِينَ سَنَةً} ظرف للتحريم، فالوقف على هذا على {أَرْبَعِينَ سَنَةً}؛ فعلى الأوّل إنما دخلها أولادهم؛ قاله ٱبن عباس. ولم يبق منهم إلاَّ يوشع وكالب، فخرج منهم يوشع بذرياتهم إلى تلك المدينة وفتحوها. وعلى الثاني ـ فمن بقي منهم بعد أربعين سنة دخلوها. وروي عن ٱبن عباس أن موسى وهارون ماتا في التّيه. قال غيره: ونبأ الله يوشع وأمره بقتال الجبارين، وفيها حبست عليه الشمس حتى دخل المدينة، وفيها أحرق الذي وجد الغُلُول عنده، وكانت تنزل من السماء إذا غنِموا نارٌ بيضاء فتأكل الغنائم؛ وكان ذلك دليلاً على قبولها، فإن كان فيها غلول لم تأكله، وجاءت السباع والوحوش فأكلته؛ فنزلت النار فلم تأكل ما غنِموا فقال: إن فيكم الغُلُول فلتبايعني كلّ قبيلة فبايعته، فلصقت يد رجل منهم بيده فقال: فيكم الغُلُول فليبايعني كل رجل منكم فبايعوه رجلاً رجلاً حتى لصقت يد رجل منهم بيده فقال: عندك الغُلُول فأخرج مثل رأس البقرة من ذهب، فنزلت النار فأكلت الغنائم. وكانت ناراً بيضاء مثل الفضة لها حفيف أي صوت مثل صوت الشجر وجناح الطائر فيما يذكرون؛ فذكروا أنه أحرق الغَالّ ومتاعه بغَوْر يُقال له الآن غَوْر عاجز، عُرِف باسم الغالّ؛ وكان ٱسمه عاجزاً.

قلت: ويستفاد من هذا عقوبة الغالّ قبلنا، وقد تقدّم حكمه في مِلتنا. وبيان ما ٱنبهم من ٱسم النبي والغالّ في الحديث الصحيح عن أبي هُرَيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

«غزا نبيّ من الأنبياء» الحديث أخرجه مسلم وفيه قال: «فغزا فأدنى للقرية حين صلاة العصر أو قريباً من ذلك فقال للشمس أنتِ مأمورة وأنا مأمور اللهم ٱحبسها عليّ شيئاً فحبِست عليه حتى فتح الله عليه ـ قال: فجمعوا ما غنِموا فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تَطعمه فقال: فيكم غُلُول فليبايعني من كل قبيلة رجل فبايعوه ـ قال ـ فلصِقت يده بيد رجلين أو ثلاثة فقال فيكم الغُلُول» وذكر نحو ما تقدّم. قال علماؤنا: والحكمة في حبس الشمس على يوشع عند قتاله أهل أرِيحاء وإشرافه على فتحها عَشِيّ يوم الجمعة، وإشفاقه من أن تغرب الشمس قبل الفتح أنه لو لم تُحبس عليه حرم عليه القتال لأجل السبت، ويعلم به عدوّهم فيعمل فيهم السيف ويجتاحهم؛ فكان ذلك آية له خُصّ بها بعد أن كانت نبوّته ثابتة بخبر موسى عليه الصَّلاة والسَّلام، على ما يُقال. والله أعلم. وفي هذا الحديث يقول عليه السَّلام:فلم تحِل الغنائم لأحد من قبلناذلك بأنّ الله عز وجل رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا. وهذا يردّ قول من قال في تأويل قوله تعالى: {وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَالَمِينَ} إنه تحليل الغنائم والآنتفاع بها. وممن قال إن موسى عليه الصلاة والسلام مات بالتيه عمرو بن ميمون الأَوِدي، وزاد: وهارون؛ وكانا خرجا في التّيه إلى بعض الكهوف فمات هارون فدفنه موسى وانصرف إلى بني إسرائيل؛ فقالوا: ما فعل هارون؟ فقال: مات: قالوا: كذبت ولكنك قتلته لحبنا له، وكان مُحَبّاً في بني إسرائيل؛ فأوحى الله تعالى إليه أن انطلق بهم إلى قبره فإني باعثه حتى يخبرهم أنه مات موتاً ولم تقتله؛ فٱنطلق بهم إلى قبره فنادى يا هارون فخرج من قبره ينفض رأسه فقال: أنا قاتلك؟ قال: لا؛ ولكني مت؛ قال: فعد إلى مَضْجَعك؛ وانصرف. وقال الحسن: إن موسى لم يمت بالتّيه. وقال غيره: إن موسى فتح أريحاء، وكان يوشع على مقدّمته فقاتل الجبابرة الذين كانوا بها، ثم دخلها موسى ببني إسرائيل فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم، ثم قبضه الله تعالى إليه لا يعلم بقبره أحد من الخلائق. قال الثعلبي: وهو أصح الأقاويل.

قلت: قد رَوى مسلم عن أبي هُرَيرة قال:

أُرْسِل ملَك الموت إلى موسى عليه الصلاة و السلام فلما جاءه صَكَّه ففقأ عينه فرجع إلى ربه فقال: «أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت» قال: فردّ الله إليه عَينَه وقال: «ارجع إليه فقل له يضع يده على مَتْن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة» قال: أي رب ثم مَهْ»، قال: «ثم الموت» قال: «فالاۤن» فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدّسة رمية بحجر؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلو كنتُ ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر» فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قد علم قبره ووصف موضعه، ورآه فيه قائماً يصلى كما في حديث الإسراء، إلا أنه يحتمل أن يكون أخفاه الله عن الخلق سواه ولم يجعله مشهوراً عندهم؛ ولعل ذلك لئلا يُعبد، والله أعلم. ويعني بالطريق طريق بيت المقدس. ووقع في بعض الروايات إلى جانب الطُّور مكان الطريق. وٱختلف العلماء في تأويل لَطْم موسى عين ملك الموت وفَقْئها على أقوال؛ منها: أنها كانت عينا متخيلة لا حقيقة، وهذا باطل؛ لأنه يؤدّي إلى أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة له.

ومنها: أنها كانت عينا معنوية وإنما فقأها بالحجة، وهذا مجاز لا حقيقة. ومنها: أنه عليه السلام لم يعرف مَلَك الموت، وأنّهُ رأى رجلاً دخل منزله بغير إذنه يريد نفسه فدافع عن نفسه فلطم عينه ففقأها؛ وتجب المدافعة في هذا بكل ممكن. وهذا وجه حسن؛ لأنه حقيقة في العين والصّك؛ قاله الإمام أبو بكر ابن خزيمة، غير أنه ٱعترض عليه بما في الحديث؛ وهو أن مَلَك الموت لما رجع إلى الله تعالى قال: «يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت» فلو لم يعرفه موسى لما صَدَق القول من مَلَك الموت؛ وأيضاً قوله في الرواية الأخرى: «أجب ربك» يدّل على تعريفه بنفسه. والله أعلم. ومنها: أن موسى عليه الصلاة والسلام كان سريع الغضب، إذا غضِب طلع الدّخان من قَلَنْسُوته ورفع شعرُ بدنه جبته، وسرعة غضبه كانت سبباً لصَكِّه مَلَك الموت. قال ٱبن العربي: وهذا كما ترى، فإن الأنبياء معصومون أن يقع منهم ٱبتداء مثل هذا في الرضا والغضب. ومنها وهو الصحيح من هذه الأقوال: أن موسى عليه الصلاة و السلام عرف ملك الموت، وأنه جاء ليقبض روحه لكنه جاء مجيء الجازم بأنه قد أُمِر بقبض روحه من غير تخيير، وعند موسى ما قد نص عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من:

أن الله لا يقبض روح نبي حتى يخيِّرهفلما جاءه على غير الوجه الذي أُعلم بادر بشهامته وقوّة نفسه إلى أدبه، فلطمه ففقأ عينه ٱمتحاناً لمَلك الموت؛ إذ لم يصرح له بالتخيير. ومما يدل على صحة هذا، أنه لما رجع إليه مَلَك الموت فخيّره بين الحياة والموت ٱختار الموت وٱستسلم. والله بغيبه أحكم وأعلم. هذا أصح ما قيل في وفاة موسى عليه السلام. وقد ذكر المفسرون في ذلك قصصاً وأخباراً الله أعلم بصحتها. وفي الصحيح غُنْيَة عنها. وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة؛ فيروى أن يوشع رآه بعد موته في المنام فقال له: كيف وجدت الموت؟ فقال: «كشاة تسلخ وهي حية». وهذا صحيح معنى؛ قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:إن للموت سكراتعلى ما بيناه في كتاب «التذكرة». وقوله: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} أي لا تحزن. والأسى الحزن؛ أسِيَ يَأَسَى أَسىً أي حزِن؛ قال:

يقولـون لا تـهلِك أسـىً وَتحمَّـلِ

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ