انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير القرطبيالآيات 46–58

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير القرطبي.

وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ۝٤٦ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ ۝٤٧

قوله تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} أي جعلنا عيسى يقفو آثارهم، أي آثار النبيين الذين أسلموا. {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} يعني التوراة؛ فإنه رأى التوراة حقاً، ورأى وجوب العمل بها إلى أن يأتي ناسخ. «مُصَدِّقاً» نصِب على الحال من عيسى. {فِيهِ هُدًى} في موضع رفع بالابتداء. {وَنُورٌ} عطف عليه. {وَمُصَدِّقاً} فيه وجهان؛ يجوز أن يكون لعيسى وتعطفه على مصدقاً الأوّل، ويجوز أن يكون حالاً من الإنجيل، ويكون التقدير: وآتيناه الإنجيل مستقراً فيه هدًى ونور ومصدقاً. {وَهُدًى وَمَوْعِظَةً} عطف على «مُصَدِّقاً» أي هادياً وواعظاً. {لِّلْمُتَّقِينَ} وخصهم لأنهم المنتفعون بهما. ويجوز رفعهما على العطف على قوله: {فِيهِ هُدًى وَنُورٌ}.

قوله تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ} قرأ الأعمش وحمزة بنصب الفعل على أن تكون اللام لام كي. والباقون بالجزم على الأمر؛ فعلى الأول تكون اللام متعلقة بقوله: «وَآتَيْنَاهُ» فلا يجوز الوقف؛ أي وآتيناه الإنجيل ليحكم أهله بما أنزل الله فيه. ومن قرأه على الأمر فهو كقوله: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ} فهو إلزام مستأنف يبتدأ به؛ أي ليحكم أهل الإنجيل أي في ذلك الوقت، فأما الآن فهو منسوخ. وقيل: هذا أمر للنصارى الآن بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن في الإنجيل وجوب الإيمان به، والنسخ إنما يتصور في الفروع لا في الأُصول. قال مكيّ: والاختيار الجزم؛ لأن الجماعة عليه؛ ولأن ما بعده من الوعيد والتهديد يدل على أنه إلزام من الله تعالى لأهل الإنجيل. قال النحاس: والصواب عندي أنهما قراءتان حسنتان؛ لأن الله عز وجل لم ينزِل كتاباً إلا ليعمل بما فيه، وآمر بالعمل بما فيه؛ فصحتا جميعاً.

وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ۝٤٨

قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم. و «الْكِتَاب» القرآن {بِٱلْحَقِّ} أي هو بالأمر الحق {مُصَدِّقاً} حال {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ} أي من جنس الكتب. {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} أي عالياً عليها ومرتفعاً. وهذا يدل على تأويل من يقول بالتفضيل أي في كثرة الثواب، على ما تقدّمت إليه الإشارة في «الفاتحة» وهو ٱختيار ٱبن الحصّار في كتاب شرح السنة له. وقد ذكرنا ما ذكره في كتابنا في شرح الأسماء الحسنى والحمد لله. وقال قَتَادة: المهيمِن معناه الشاهد. وقيل: الحافظ. وقال الحسن: المصدّق؛ ومنه قول الشاعر:

إن الكتاب مُهيمِن لنبيّناوالحق يعرفه ذوو الألباب

وقال ابن عباس: «وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ» أي مؤتمناً عليه. قال سعيد بن جُبَير: القرآن مؤتمَن على ما قبله من الكتب. وعن ٱبن عباس والحسن أيضاً: المهيمن الأمين. قال المبرّد: أصله مُؤَيْمن أبدل من الهمزة هاء؛ كما قيل في أرَقْت الماء هَرَقت، وقاله الزجاج أيضاً وأبو عليّ. وقد صرف فقيل: هَيْمَنَ يُهيمِن هَيْمَنةً، وهو مُهَيْمِن بمعنى كان أميناً. الجوهريّ: هو من آمن غيره من الخوف؛ وأصله أأْمَنَ فهو مُؤَأمن بهمزتين، قلبت الهمزة الثانية ياء كراهة لاجتماعهما فصار مُؤَيْمن، ثم صيرت الأُولى هاء كما قالوا: هَرَاق الماء وأرَاقه؛ يقال منه: هَيْمن على الشيء يُهيمِن إذا كان له حافظاً، فهو مُهيمن؛ عن أبي عُبيد. وقرأ مجاهد وابن مُحيصن: «وَمُهَيْمَناً عَلَيْهِ» بفتح الميم. قال مجاهد: أي محمد صلى الله عليه وسلم مؤتمن على القرآن.

قوله تعالى: {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} يوجِب الحكم؛ فقيل: هذا نسخ للتخيير في قوله:

{ { فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } } [المائدة: 42] وقيل: ليس هذا وجوباً، والمعنى: فاحكم بينهم إن شئت؛ إذ لا يجب علينا الحكم بينهم إذا لم يكونوا من أهل الذّمة. وفي أهل الذّمة تردّد وقد مضى الكلام فيه. وقيل: أراد فاحكم بين الخلق؛ فهذا كان واجباً عليه.

قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ}

فيه مسألتان:

الأُولى ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} يعني لا تعمل بأهوائهم ومرادهم على ما جاءك من الحق؛ يعني لا تترك الحكم بما بيّن الله تعالى من القرآن من بيان الحق وبيان الأحكام. والأهواء جمع هوًى؛ ولا يجمع أَهْوِية؛ وقد تقدّم في «البقرة». فنهاه عن أن يتّبعهم فيما يريدونه؛ وهو يدل على بطلان قول من قال: تقوَّم الخمر على من أتلفها عليهم؛ لأنها ليست مالاً لهم فتكون مضمونة على مُتلفها؛ لأن إيجاب ضمانها على مُتلفها حكم بموجب أهواء اليهود؛ وقد أُمرنا بخلاف ذلك. ومعنى {عَمَّا جَآءَكَ} على ما جاءك. {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} يدل على عدم التعلق بشرائع الأوّلين. والشِّرْعة والشَّرِيعة الطَّريقة الظاهرة التي يُتوصل بها إلى النجاة. والشّرِيعة في اللغة: الطريق الذي يُتوصل منه إلى الماء. والشّريعة ما شرع الله لعباده من الدِّين؛ وقد شَرَع لهم يَشْرَع شَرْعاً أي سنّ. والشّارع الطريق الأعظم. والشِّرْعة أيضاً الوَتَر، والجمع شِرَعٌ وشِرْعٌ وشِرَاعٌ جمع الجمع؛ عن أبي عُبيد؛ فهو مشترك. والمِنهاج الطريق المستمِر، وهو النَّهْجُ والمَنْهَج، أي البيّن؛ قال الراجز:

مَن يكُ ذا شَكٍّ فهذا فَلْجُماءٌ رَوَاءٌ وطريق نَهْجُ

وقال أبو العباس محمد بن يزيد: الشّريعة ابتداء الطريق، والمنهاج المستمر. وروي عن ابن عباس والحسن وغيرهما «شِرْعَة ومِنْهَاجاً» سنّة وسبيلاً. ومعنى الآية أنه جعل التوراة لأهلها؛ والإنجيل لأهله؛ والقرآن لأهله؛ وهذا في الشّرائع والعبادات؛ والأصل التوحيد لا اختلاف فيه؛ روي معنى ذلك عن قَتادة. وقال مجاهد: الشِّرْعة والمِنهاج دين محمد عليه السلام؛ وقد نسخ به كل ما سواه.

قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي لجعل شريعتكم واحدة فكنتم على الحق؛ فبين أنه أراد بالاختلاف إيمان قوم وكفر قوم. {وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم} في الكلام حذف تتعلق به لام كي؛ أي ولكن جعل شرائعكم مختلفة ليختبركم؛ والابتلاء الاختبار.

قوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} أي سارعوا إلى الطاعات؛ وهذا يدل على أن تقديم الواجبات أفضل من تأخيرها، وذلك لا اختلاف فيه في العبادات كلها إلا في الصلاة في أوّل الوقت؛ فإن أبا حنيفة يرى أن الأولى تأخيرها، وعموم الآية دليل عليه؛ قاله الكيا. وفيه دليل على أن الصوم في السفر أولى من الفِطر، وقد تقدّم جميع هذا في «البقرة». {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} أي بما ٱختلفتم فيه، وتزول الشكوك.

وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ۝٤٩

قوله تعالى: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} تقدم الكلام فيها، وأنها ناسخة للتخيير. قال ابن العربي: وهذه دعوى عريضة؛ فإن شروط النسخ أربعة: منها معرفة التاريخ بتحصيل المتقدّم والمتأخر، وهذا مجهول من هاتين الآيتين؛ فامتنع أن يدعى أن واحدة منهما ناسخة للأُخرى، وبقي الأمر على حاله.

قلت: قد ذكرنا عن أبي جعفر النحاس أن هذه الآية متأخرة في النزول؛ فتكون ناسخة إلا أن يقدّر في الكلام {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} إن شئت؛ لأنه قد تقدّم ذكر التخيير له، فآخر الكلام حُذف التخيير منه لدلالة الأوّل عليه؛ لأنه معطوف عليه، فحكم التخيير كحكم المعطوف عليه، فهما شريكان وليس الآخر بمنقطع مما قبله؛ إذ لا معنى لذلك ولا يصح، فلا بد من أن يكون قوله: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} معطوفاً على ما قبله من قوله:

{ { وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ } } [المائدة: 42] ومن قوله: { { فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } } [المائدة: 42] فمعنى {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} أي أحكم بذلك إن حكمت واخترت الحكم؛ فهو كله محكم غير منسوخ؛ لأن الناسخ لا يكون مرتبطاً بالمنسوخ معطوفاً عليه، فالتخيير للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك محكم غير منسوخ، قاله مكي رحمه الله. «وَأَنِ ٱحْكُمْ» في موضع نصب عطفاً على الكتاب؛ أي وأنزلنا إليك أن احكم بينهم بما أنزل الله، أي بحكم الله الذي أنزله إليك في كتابه. {وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ} «أَنْ» بدل من الهاء والميم في «وَاحْذَرْهُمْ» وهو بدل اشتمال، أو مفعول من أجله؛ أي من أجل أن يفتنوك. وعن ابن إسحاق قال ابن عباس: اجتمع قوم من الأحبار منهم ابن صُوريا وكعب بن أسد وابن صَلُوبَا وشَأس بن عديّ وقالوا: اذهبوا بنا إلى محمد فلعلنا نفتِنه عن دينه فإنما هو بشر؛ فأتوه فقالوا: قد عرفت يا محمد أنّا أحبار اليهود، وإن اتبعناك لم يخالفنا أحد من اليهود، وإن بيننا وبين قوم خصومة فنحاكمهم إليك، فٱقِض لنا عليهم حتى نؤمِن بك؛ فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية. وأصل الفتنة الاختبار حسبما تقدّم، ثم يختلف معناها؛ فقوله تعالى هنا «يَفْتِنُوكَ» معناه يصدّوك ويردّوك؛ وتكون الفتنة بمعنى الشِّرْك؛ ومنه قوله: { { وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ } } [البقرة: 217] وقوله: { { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } } [ البقرة: 193]. وتكون الفتنة بمعنى العِبرة؛ كقوله: { { لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ } } [الممتحنة: 5] و { { لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ } } [يونس: 85] وتكون الفتنة الصدّ عن السبيل كما في هذه الآية. وتكرير {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} للتأكيد، أو هي أحوال وأحكام أمره أن يحكم في كل واحد بما أنزل الله. وفي الآية دليل على جواز النسيان على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قال:أَنْ يَفْتِنُوكَوإنما يكون ذلك عن نسيان لا عن تعمد. وقيل: الخطاب له والمراد غيره. وسيأتي بيان هذا في «الأنعام» إن شاء الله تعالى. ومعنى {عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} عن كل ما أنزل الله إليك. والبعض يستعمل بمعنى الكل؛ قال الشاعر:

أو يَعْتَبِطْ بعضَ النّفوسِ حِمامُها

ويُروى «أو يَرتَبِطْ». أراد كل النفوس؛ وعليه حملوا قوله تعالى: { { وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ } } [الزخرف: 63] قال ابن العربي: والصحيح أن «بعض» على حالها في هذه الآية، وأن المراد به الرجم أو الحكم الذي كانوا أرادوه ولم يقصدوا أن يفتِنوه عن الكل. والله أعلم.

قوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي فإن أبوا حكمك وأعرضوا عنه {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} أي يعذبهم بالجلاء والجزية والقتل، وكذلك كان. وإنما قال: «ببعض» لأن المجازاة بالبعض كانت كافية في التدمير عليهم. {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ} يعني اليهود.

أَفَحُكْمَ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ۝٥٠

فيه ثلاث مسائل:

الأولى ـ قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} «أَفَحُكْمَ» نصب بـ «يَبْغُونَ» والمعنى: أن الجاهلية كانوا يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع؛ كما تقدم في غير موضع، وكانت اليهود تقيم الحدود على الضعفاء الفقراء، ولا يقيمونها على الأقوياء الأغنياء؛ فضارعوا الجاهلية في هذا الفعل.

الثانية ـ روى سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن طاوس قال: كان إذا سألوه عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض يقرأ هذه الآية {أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} فكان طاوس يقول: ليس لأحد أن يفضل بعض ولده على بعض، فإن فعل لم ينفذ وفِسخ؛ وبه قال أهل الظاهر. وروي عن أحمد بن حنبل مثله، وكرهه الثوري وابن المبارك وإسحاق؛ فإن فعل ذلك أحد نفذ ولم يردّ، وأجاز ذلك مالك والثوري والليث والشافعي وأصحاب الرأي؛ واستدلوا بفعل الصدّيق في نحله عائشة دون سائر ولده، وبقوله عليه السلام:

فارجعهوقولهفأشهِد على هذا غيري. واحتج الأولون بـ قوله عليه السلام لبشِير: «ألك ولد سوى هذا» قال نعم، فقال: «أَكلّهم وهبتَ له مثل هذا» فقال لا، قال: «فلا تُشهدني إذاً فإني لا أشهد على جَوْر» في روايةوإني لا أشهد إلا على حق. قالوا: وما كان جَوْراً وغير حق فهو باطل لا يجوز. وقوله:أشهِد على هذا غيريليس إذناً في الشهادة وإنما هو زجر عنها؛ لأنه عليه السلام قد سماه جَوْراً وامتنع من الشهادة فيه؛ فلا يمكن أن يشهد أحد من المسلمين في ذلك بوجه. وأما فعل أبي بكر فلا يعارض به قول النبي صلى الله عليه وسلم، ولعله قد كان نَحَل أولاده نُحلاً يعادل ذلك.

فإن قيل: الأصل تصرف الإنسان في ماله مطلقاً، قيل له: الأصل الكلي والواقعة المعينة المخالفة لذلك الأصل لا تَعَارض بينهما كالعموم والخصوص. وفي الأصول أن الصحيح بناء العام على الخاص؛ ثم إنه ينشأ عن ذلك العقوق الذي هو أكبر الكبائر، وذلك محرّم، وما يؤدي إلى المحرّم فهو ممنوع؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:

اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم. قال النعمان. فرجع أبي فرد تلك الصدقة، والصدقة لا يعتصرها الأب بالإنفاق وقوله:فارجعهمحمول على معنى فاردده، والرد ظاهر في الفسخ؛ كما قال عليه السلام:من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّأي مردود مفسوخ. وهذا كله ظاهر قوي، وترجيح جلي في المنع.

الثالثة ـ قرأ ابن وثَاب والنَخَعي «أَفَحُكْمُ» بالرفع على معنى يبغونه؛ فحذف الهاء كما حذفها أبو النجم في قوله:

قد أصبحت أُم الخِيار تَدَّعيعلي ذنباً كلّه لم أصْنِع

فيمن روى «كلّه» بالرفع. ويجوز أن يكون التقدير: أفحكمُ الجاهلية حكمٌ يبغونه، فحذف الموصوف.

وقرأ الحسن وقَتَادة والأعرج والأعمش «أفَحَكَمَ» بنصب الحاء والكاف وفتح الميم؛ وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة إذ ليس المراد نفس الحَكَم، وإنما المراد الحُكمْ؛ فكأنه قال: أفحُكمْ حَكَم الجاهلية يبغون. وقد يكون الحَكَم والحاكم في اللغة واحداً وكأنهم يريدون الكاهن وما أشبهه من حكام الجاهلية؛ فيكون المراد بالحكم الشيوع والجنس، إذ لا يراد به حاكم بعينه؛ وجاز وقوع المضاف جنساً كما جاز في قولهم: منعت مِصر إردبها، وشبهه.

وقرأ ٱبن عامر «تبغون» بالتاء الباقون بالياء.

وقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} هذا ٱستفهام على جهة الإنكار بمعنى: لا أحد أحسن؛ فهذا ٱبتداء وخبر. و «حكما» نصب على البيان. لقوله {لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي عند قوم يوقنون.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٥١

فيه مسألتان:

الأولى ـ {ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ} مفعولان لِـتَتَّخِذُوا؛ وهذا يدل على قطع الموالاة شرعاً، وقد مضى في «آل عمران» بيان ذلك. ثم قيل: المراد به المنافقون؛ المعنى يأيها الذين آمنوا بظاهرهم، وكانوا يوالون المشركين ويخبرونهم بأسرار المسلمين. وقيل: نزلت في أبي لبابة، عن عِكرمة. قال السدي: نزلت في قصة يوم أُحُد حين خاف المسلمون حتى همَّ قومٌ منهم أن يوالوا اليهود والنصارى. وقيل: نزلت في عُبَادة بن الصّامت وعبدالله بن أُبيّ بن سَلُول؛ فتبرأ عبادة رضي الله عنه من موالاة اليهود، وتمسك بها ٱبن أبي وقال: إني أخاف أن تدور الدوائر. {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} مبتدأ وخبره؛ وهو يدل على إثبات الشرع الموالاة فيما بينهم حتى يتوارث اليهود والنصارى بعضهم من بعض.

الثانية ـ قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ} أي يعضدهم على المسلمين «فَإنَهُ مِنْهُمْ» بيّن تعالى أن حُكمه كحُكمهم؛ وهو يمنع إثبات الميراث للمسلم من المرتد، وكان الذي تولاهم ٱبن أُبي ثم هذا الحُكم باق إلى يوم القيامة في قطع الموالاة؛ وقد قال تعالى:

{ { وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ } } [هود: 113] وقال تعالى في «آل عمران»: { { لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } } [آل عمران: 28] وقال تعالى: { { لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ } } [آل عمران: 118] وقد مضى القول فيه وقيل: إن معنى {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} أي في النُّصرة. {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} شرط وجوابه؛ أي لأنه قد خالف الله تعالى ورسوله كما خالفوا، ووجبت معاداته كما وجبت معاداتهم، ووجبت له النار كما وجبت لهم؛ فصار منهم أي من أصحابهم.

فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِۦ فَيُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ نَٰدِمِينَ ۝٥٢ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فَأَصْبَحُوا۟ خَٰسِرِينَ ۝٥٣

قوله تعالى: {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} شك ونفاق، وقد تقدّم في «البقرة» والمراد ابن أبي وأصحابه {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} أي في موالاتهم ومعاونتهم. {يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} أي يدور الدهر علينا إمّا بقحط فلا يَميروننا ولا يُفْضِلوا علينا، وإمّا أن يظفر اليهود بالمسلمين فلا يدوم الأمر لمحمد صلى الله عليه وسلم. وهذا القول أشبه بالمعنى؛ كأنه من دارت تدور، أي نخشى أن يدور الأمر؛ ويدل عليه قوله عز وجل: {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ}؛ وقال الشاعر:

يردّ عنك القَدَر المقدوراودائراتِ الدهر أن تَدورا

يعني دول الدهر الدائرة من قوم إلى قوم. وٱختلف في معنى الفتح؛ فقيل: الفتح الفصل والحكم؛ عن قَتَادة وغيره. قال ابن عباس: أتى الله بالفتح فقُتِلت مُقاتِلة بني قُرَيظة وسُبيت ذراريهم وأُجْلَي بنو النَّضِير. وقال أبو علي: هو فتح بلاد المشركين على المسلمين. وقال السّدي: يعني بالفتح فتحَ مكة. {أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} قال السّدي: هو الجزية. الحسن: إظهار أمر المنافقين والإخبار بأسمائهم والأمر بقتلهم. وقيل: الخصب والسّعة للمسلمين. {فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} أي فيصبحوا نادمين على توليهم الكفار إذا رأوا نصر الله للمؤمنين، وإذا عاينوا عند الموت فبُشّروا بالعذاب.

قوله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. وقرأ أهل المدينة وأهل الشام: «يَقُولُ» بغير واو. وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق: «وَيَقُولَ» بالواو والنصب عطفاً على «أَنْ يَأَتي» عند أكثر النحويين، التقدير: فعسى الله أن يأتي بالفتح وأن يقول. وقيل: هو عطف على المعنى؛ لأن معنى {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ} وعسى أن يأتي الله بالفتح؛ إذ لا يجوز عسى زيد أن يأتي ويقومَ عمرو، لأنّه لا يصحّ المعنى إذا قلت: وعسى زيد أن يقوم عمرو، ولكن لو قلت: عسى أن يقوم زيد ويأتي عمرو كان جيداً. فإذا قدّرت التقديم في أن يأتي إلى جنب عسى حَسُن؛ لأنه يصير التقدير: عسى أن يأتي وعسى أن يقوم، ويكون من باب قوله:

ورأيت زوجك في الوغىمُتقلِّداً سيفاً ورُمحا

وفيه قول ثالث ـ وهو أن تعطفه على الفتح؛ كما قال الشاعر:

لَلُبْس عَباءةٍ وَتَقرّ عيني

ويجوز أن يجعل «أَنْ يَأْتِيَ» بدلاً من اسم الله جل ذكره؛ فيصير التقدير: عسى أن يأتي الله ويقول الذين آمنوا. وقرأ الكوفيون: «وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ» بالرفع على القطع من الأوّل. {أَهَـۤؤُلاۤءِ} إشارة إلى المنافقين. {أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ} حلفوا وٱجتهدوا في الإيمان. {إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} أي قالوا إنهم، ويجوز «أنهم» نصب بـ «أقسموا» أي قال المؤمنون لليهود على جهة التوبيخ: أهؤلاء الذي أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم يعينونكم على محمد. ويحتمل أن يكون من المؤمنين بعضهم لبعض؛ أي هؤلاء الذين كانوا يحلِفون أنهم مؤمنون فقد هتك الله اليوم سترهم {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} بطلت بنفاقهم. {فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ} أي خاسِرين الثواب. وقيل: خسِروا في موالاة اليهود فلم تحصل لهم ثمرة بعد قتل اليهود وإجلائهم.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ۝٥٤

فيه أربع مسائل:

الأولى ـ قوله تعالى: {مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} شرط وجوابه «فَسَوْفَ». وقراءة أهل المدينة والشام «مَنْ يَرْتَدِدْ» بدالين. الباقون «مَنْ يَرْتَدَّ». وهذا من إعجاز القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم: إذ أخبر عن ارتدادهم ولم يكن ذلك في عهده وكان ذلك غيباً، فكان على ما أخبر بعد مدّة، وأهل الرّدة كانوا بعد موته صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: لما قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب إلا ثلاثة مساجد؛ مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد جُؤَاثى، وكانوا في ردتهم على قسمين: قسم نبذ الشريعة كلها وخرج عنها، وقِسم نبذ وجوب الزكاة وٱعترف بوجوب غيرها؛ قالوا نصوم ونصلي ولا نزكي؛ فقاتل الصدّيق جميعهم، وبعث خالد بن الوليد إليهم بالجيوش فقاتلهم وسَبَاهم؛ على ما هو مشهور من أخبارهم.

الثانية ـ قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} في موضع النعت. قال الحسن وقَتَادة وغيرهما: نزلت في أبي بكر الصدّيق وأصحابه. وقال السّدي: نزلت في الأنصار. وقيل: هي إشارة إلى قوم لم يكونوا موجودين في ذلك الوقت، وأن أبا بكر قاتل أهل الردّة بقوم لم يكونوا وقت نزول الآية؛ وهم أحياء من اليمن من كندة وبَجِيلة، ومن أشجع. وقيل: إنها نزلت في الأشعريين؛ ففي الخبر أنها لما نزلت قدِم بعد ذلك بيسير سفائن الأشعريين، وقبائل اليمن من طريق البحر، فكان لهم بلاء في الإسلام في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت عامة فتوح العِراق في زمن عمر رضي الله عنه على يدي قبائل اليمن؛ هذا أصح ما قيل في نزولها. والله أعلم. وروى الحاكم أبو عبدالله في «المستدرك» بإسناده:

أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى أبي موسى الأشعري لما نزلت هذه الآية فقال: «هم قوم هذا» قال القُشَيري: فأتباع أبي الحسن من قومه؛ لأن كل موضع أضيف فيه قوم إلى نبي أريد به الأتباع.

الثالثة ـ قوله تعالى: {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} «أَذِلَّة» نعت لقوم، وكذلك {أَعِزَّةٍ} أي يرأفون بالمؤمنين ويرحمونهم ويلينون لهم؛ من قولهم: دابّة ذلول أي تنقاد سهلة، وليس من الذلّ في شيء. ويغلِظون على الكافرين ويعادونهم. قال ابن عباس: هم للمؤمنين كالوالد لِلولد والسيد للعبد، وهم في الغلظة على الكفار كالسبعُ على فريسته؛ قال الله تعالى:

{ { أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } } [الفتح: 29]. ويجوز «أَذِلَّة» بالنصب على الحال؛ أي يحبهم ويحبونه في هذا الحال، وقد تقدّمت معنى محبة الله تعالى لعباده ومحبتهم له.

الرابعة ـ قوله تعالى: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} في موضع الصفة أيضاً. {وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ} بخلاف المنافقين يخافون الدوائر؛ فدلّ بهذا على تثبيت إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم؛ لأنهم جاهدوا في الله عز وجل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقاتلوا المرتدين بعده، ومعلوم أن من كانت فيه هذه الصفات فهو ولي لله تعالى. وقيل: الآية عامة في كل من يجاهد الكفار إلى قيام الساعة. والله أعلم. {ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} ابتداء وخبر. {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي واسع الفضل، عليم بمصالح خلقه.

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَٰكِعُونَ ۝٥٥

فيه مسألتان:

الأُولى ـ قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} قال جابر بن عبد الله قال عبد الله بن سَلاَم للنبي صلى الله عليه وسلم: إن قومنا من قُرَيظة والنَّضِير قد هجرونا وأقسموا ألا يجالسونا، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل، فنزلت هذه الآية؛ فقال: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء. «وَالَّذِينَ» عام في جميع المؤمنين. وقد سئِل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم عن معنى {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} هل هو عليّ بن أبي طالب؟ فقال: عليّ من المؤمنين؛ يذهب إلى أن هذا لجميع المؤمنين. قال النحاس: وهذا قول بيّن؛ لأن «الذين» لجماعة. وقال ٱبن عباس: نزلت في أبي بكر رضي الله عنه. وقال في رواية أُخرى: نزلت في عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه؛ وقاله مجاهد والسدّيّ، وحملهم على ذلك قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} وهي:

المسألة الثانية ـ وذلك. أن سائلاً سأل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعطِه أحد شيئاً، وكان عليّ في الصلاة في الركوع وفي يمينه خاتم، فأشار إلى السائل بيده حتى أخذه. قال الكيا الطبريّ: وهذا يدل على أن العمل القليل لا يبطل الصلاة؛ فإن التصدّق بالخاتم في الركوع عمل جاء به في الصلاة ولم تبطل به الصلاة. وقوله: {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} يدل على أن صدقة التطوع تسمى زكاة؛ فإن عليّاً تصدّق بخاتمه في الركوع، وهو نظير قوله تعالى:

{ { وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ } } [الروم: 39] وقد انتظم الفرض والنفل، فصار ٱسم الزكاة شاملاً للفرض والنفل، كاسم الصدقة وكاسم الصلاة ينتظم الأمرين.

قلت: فالمراد على هذا بالزكاة التصدّق بالخاتم، وحمل لفظ الزكاة على التصدّق بالخاتم فيه بُعد؛ لأن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها وهو الزكاة المفروضة على ما تقدّم بيانه في أول سورة «البقرة». وأيضاً فإن قبله «يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ» ومعنى يقيمون الصلاة يأتون بها في أوقاتها بجميع حقوقها، وٱلمراد صلاة الفرض. ثم قال: «وَهُمْ رَاكِعُونَ» أي النفل. وقيل: أفرد الركوع بالذكر تشريفاً. وقيل: المؤمنون وقت نزول الآية كانوا بين مُتمّ للصلاة وبين راكع. وقال ٱبن خُوَيْزِمَنْدَاد قوله تعالى: {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} تضمنت جواز العمل اليسير في الصلاة؛ وذلك أن هذا خرج مخرج المدح، وأقل ما في باب المدح أن يكون مباحاً؛ وقد رُوِي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أعطى السائل شيئاً وهو في الصلاة، وقد يجوز أن يكون هذه صلاة تطوّع، وذلك أنه مكروه في الفرض. ويحتمل أن يكون المدح متوجهاً على اجتماع حالتين؛ كأنه وصف من يعتقد وجوب الصلاة والزكاة؛ فعبر عن الصلاة بالركوع، وعن الاعتقاد للوجوب بالفعل؛ كما تقول: المسلمون هم المُصَلّون، ولا تريد أنهم في تلك الحال مُصَلُّون ولا يوجه المدح حال الصلاة؛ فإنما يريد من يفعل هذا الفعل ويعتقده.

وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَٰلِبُونَ ۝٥٦

قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي من فوّض أمره إلى الله، وامتثل أمر رسوله، ووالى المسلمين، فهو من حزب الله. وقيل: أي ومن يتولى القيام بطاعة الله ونصرة رسوله والمؤمنين. {فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَالِبُونَ} قال الحسن: حِزب الله جند الله. وقال غيره: أنصار الله؛ قال الشاعر:

وكيف أَضْوَى وبِلال حِزْبي

أي ناصري. والمؤمنون حِزْب الله؛ فلا جَرَم غلبوا اليهود بالسبي والقتل والإجلاء وضرب الجزية. والحِزْب الصنف من الناس؛ وأصله من النائبة من قولهم: حَزَبه كذا أي نَابَه؛ فكأنّ المحتزبين مجتمعون كاجتماع أهل النائبة عليها وحزْب الرجل أصحابه. والحِزب الوِرْد؛ ومنه الحديث:فمن فاته حِزْبه من الليل. وقد حَزَّبْتُ القرآن. والحِزب الطائفة. وتَحزَّبوا اجتمعوا. والأحزاب: الطوائف التي تجتمع على محاربة الأنبياء. وحَزَبه أمرٌ أي أصابه.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝٥٧

فيه مسألتان:

الأُولى ـ روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن قوماً من اليهود والمشركين ضحِكوا من المسلمين وقت سجودهم فأنزل الله تعالى: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً} إلى آخر الآيات. وتقدّم معنى الهزؤ في «البقرة». {مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ} «»قرأه أبو عمرو والكِسائيّ بالخفض بمعنى ومن الكفار. قال الكسائيّ: وفي حرف أُبيّ رحمه الله «وَمِنَ الْكُفَّارِ»، و «مِنْ» هٰهنا لبيان الجنس؛ والنصب أوضح وأبين. قاله النحاس. وقيل: هو معطوف على أقرب العامليْن منه وهو قوله: {مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} فنهاهم الله أن يتخِذوا اليهود والمشركين أولياء، وأعلمهم أن الفريقين اتخذوا دين المؤمنين هزواً ولعِباً. ومن نَصَب عَطف على «الذين» الأوّل في قوله: {لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ} أي لا تتخذوا هؤلاء وهؤلاء أولياء؛ فالموصوف بالهزؤ واللعِب في هذه القراءة اليهود لا غير. والمنهى عن ٱتخاذهم أولياء اليهود والمشركون، وكلاهما في القراءة بالخفض موصوف بالهزؤ واللعب. قال مكيّ: ولولا اتفاق الجماعة على النصب لاخترت الخفض؛ لقوّته في الإعراب وفي المعنى والتفسير والقرب من المعطوف عليه. وقيل: المعنى لا تتَّخذوا المشركين والمنافقين أولياء؛ بدليل قولهم:

{ { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } } [البقرة: 14] والمشركون كلهم كفار، لكن يطلق في الغالب لفظ الكفار على المشركين؛ فلهذا فَصَل ذكر أهل الكتاب من الكافرين.

الثانية ـ قال ٱبن خُوَيْزِ مَنْدَاد: هذه الآية مثل قوله تعالى:

{ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ }[المائدة: 51]، و { { لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ } } [آل عمران: 118] تضمنت المنع من التأييد والانتصار بالمشركين ونحو ذلك. وروى جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الخروج إلى أحد جاءه قوم من اليهود فقالوا: نسِير معك؛ فقال عليه الصلاة والسلام:إنا لا نستعين على أمرِنا بالمشركينوهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي. وأبو حنيفة جوّز الانتصار بهم على المشركين للمسلمين؛ وكتاب الله تعالى يدل على خلاف ما قالوه مع ما جاء من السنة في ذلك. والله أعلم.

وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ۝٥٨

فيه ٱثنتا عشرة مسألة:

الأُولى ـ قال الكلبيّ: كان إذا أذن المؤذن وقام المسلمون إلى الصلاة قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا؛ وكانوا يضحكون إذا ركع المسلمون وسجدوا وقالوا في حق الأذان: لقد ٱبتدعت شيئاً لم نسمع به فيما مضى من الأُمم، فمِن أين لك صِياح مثل صِياح العير؟ فما أقبحه من صوت، وما أسمجه من أمر. وقيل: إنهم كانوا إذا أذن المؤذن للصلاة تضاحكوا فيما بينهم وتغامزوا على طريق السخف والمجون؛ تجهيلاً لأهلها، وتنفيراً للناس عنها وعن الداعي إليها. وقيل: إنهم كانوا يرون المنادي إليها بمنزلة اللاعب الهازِىء بفعلها، جهلاً منهم بمنزلتها؛ فنزلت هذه الآية، ونزل قوله سبحانه:

{ { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً } } [فصّلت: 33] والنداء الدعاء برفع الصوت، وقد يضم مثل الدُّعاء والرُّغاء. وناداه مناداة ونِداء أي صاح به. وتنادوا أي نادى بعضهم بعضاً. وتَنَادوا أي جلسوا في النادي، وناداه جالسَه في النادي. وليس في كتاب الله تعالى ذكر الأذان إلا في هذه الآية، أمَا أنه ذُكر في الجمعة على الاختصاص.

الثانية ـ قال العلماء: ولم يكن الأذان بمكة قبل الهجرة، وإنما كانوا ينادون «الصلاة جامِعة» فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وصُرِفت القِبلة إلى الكعبة أمر بالأذان، وبقي «الصلاة جامِعة» للأمْر يَعْرِض. وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أهمه أمر الأذان حتى أُرِيَه عبد الله بن زيد، وعمر ابن الخطاب، وأبو بكر الصديق رضي الله عنهم. وقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم سمع الأذان ليلة الإسراء في السماء، وأما رؤيا عبد الله بن زيد الخزرجيّ الأنصاريّ وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما فمشهورة؛

وأن عبد الله بن زيد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ليلاً طرقه به، وأن عمر (رضي الله عنه) قال: إذا أصبحت أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً فأذّن بالصلاة أذان الناس اليوم. وزاد بلال في الصبح «الصلاة خير من النوم» فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وليست فيما أُرِي الأنصاريّ؛ ذكره ٱبن سعد عن ٱبن عمر. وذكر الدَّارَقُطْنِيّ رحمه الله أن الصدّيق رضي الله عنه أرِي الأذان، وأنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بلالاً بالأذان قبل أن يخبره الأنصاريّ؛ ذكره في كتاب «المديج» له في حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر الصدّيق وحديث أبي بكر عنه.

الثالثة ـ وٱختلف العلماء في وجوب الأذان والإقامة؛ فأما مالك وأصحابه فإن الأذان عندهم إنما يجب في المساجد للجماعات حيث يجتمع الناس؛ وقد نص على ذلك مالك في موطئه. وٱختلف المتأخرون من أصحابه على قولين: أحدهما ـ سنة مؤكدة واجبة على الكِفاية في المِصر وما جرى مجرى مِصر من القرى. وقال بعضهم: هو فرض على الكِفاية. وكذلك ٱختلف أصحاب الشافعيّ، وحكى الطَّبَري عن مالك قال: إن تَركَ أهل مصر الأذان عامدين أعادوا الصلاة؛ قال أبو عمر: ولا أعلم ٱختلافاً في وجوب الأذان جملة على أهل المصر؛ لأن الأذان هو العلامة الدالة المفرقة بين دار الإسلام ودار الكفر؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سَرِيّة قال لهم:

إذا سمعتم الأذان فأَمسِكوا وكُفّوا وإن لم تسمعوا الأذان فأغيروا ـ أو قال ـ فشنوا الغارة. وفي صحيح مسلم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير إذا طلع الفجر، فإن سمع أذاناً أمسك وإلا أغار؛ الحديث وقال عطاء ومجاهد والأُوزاعيّ وداود: الأذان فرض، ولم يقولوا على الكفاية. وقال الطَّبَريّ: الأذان سنة وليس بواجب. وذكر عن أشهب عن مالك؛ إن ترك الأذان مسافر عمداً فعليه إعادة الصلاة. وكره الكوفيون أن يصلي المسافر بغير أذان ولا إقامة؛ قالوا: وأما ساكن المِصر فيستحب له أن يؤذّن ويقيم؛ فإن ٱستجزأ بأذان الناس وإقامتهم أجزأه. وقال الثوريّ تجزئه الإقامة عن الأذان في السفر، وإن شئت أذّنت وأقمت. وقال أحمد بن حنبل: يؤذِّن المسافر على حديث مالك بن الحُوَيرِث. وقال داود: الأذان واجب على كل مسافر في خاصته والإقامة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحُوَيرِث ولصاحبه:إذا كنتما في سفر فأَذِّنا وأَقِيما وليؤمكما أكبركماأخرجه البخاري وهو قول أهل الظاهر. قال ٱبن المنذِر ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمالك بن الحويرث ولابن عم له: «إذا سافرتما فأذنا وأقِيما وليؤمكما أكبركما» . قال ٱبن المنذِر فالأذان والإقامة واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأذان وأمره على الوجوب. قال أبو عمر: وٱتفق الشافعيّ وأبو حنيفة وأصحابهما والثوريّ وأحمد وإسحاق وأبو ثور والطَّبَريّ على أن المسافر إذا ترك الأذان عامداً أو ناسياً أجزأته صلاته؛ وكذلك لو ترك الإقامة عندهم، وهم أشد كراهة لتركه الإقامة. وٱحتج الشافعيّ في أن الأذان غير واجب (وليس) فرضاً من فروض الصلاة بسقوط الأذان للواحد عند الجمع بَعَرَفة والمزدلفة، وتحصيل مذهب مالك في الأذان في السفر كالشافعيّ سواء.

الرابعة ـ وٱتفق مالك والشافعيّ وأصحابهما على أن الأذان مثنى والإقامة مرة مرة، إلا أن الشافعي يربع التكبير الأول؛ وذلك محفوظ من روايات الثقات في حديث أبي محذورة، وفي حديث عبد الله بن زيد؛ قال: وهي زيادة يجب قبولها. وزعم الشافعي أن أذان أهل مكة لم يزل في آل أبي مَحْذُورة كذلك إلى وقته وعصره. قال أصحابه: وكذلك هو الآن عندهم؛ وما ذهب إليه مالك موجود أيضاً في أحاديث صحاح في أذان أبي مَحْذُورة، وفي أذان عبد الله ابن زيد، والعمل عندهم بالمدينة على ذلك في آل سعد القُرَظِيّ إلى زمانهم. وٱتفق مالك والشافعي على الترجيع في الأذان؛ وذلك رجوع المؤذّن إذا قال: «أشهد أن لا إله إلا الله مرتين أشهد أن محمداً رسول الله مرتين» رَجَّع فمدّ من صوته جهده. ولا خلاف بين مالك والشافعي في الإقامة إلا قوله: «قد قامت الصلاة» فإن مالكاً يقولها مرة، والشافعي مرتين؛ وأكثر العلماء على ما قال الشافعي، وبه جاءت الآثار. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوريّ والحسن بن حيّ: الأذان والإقامة جميعاً مثنى مثنى، والتكبير عندهم في أول الأذان وأوّل الإقامة «الله أكبر» أربع مرات، ولا ترجيع عندهم في الأذان؛ وحجتهم في ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم

أن عبد الله بن زيد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله رأيت في المنام كأن رجلاً قام وعليه بردان أخضران على جِذْمِ حائط فأذّن مَثْنى وأقام مَثْنَى وقعد بينهما قعدة، فسمع بِلال بذلك فقام وأذن مَثْنَى وقعد قعدة وأقام مَثْنَى؛ رواه الأعمش وغيره عن عمرو بن مرة عن ٱبن أبي ليلى، وهو قول جماعة التابعين والفقهاء بالعراق. قال أبو إسحاق السَّبِيعيّ: كان أصحاب عليّ وعبد الله يشفعون الأذان والإقامة؛ فهذا أذان الكوفيين، متوارث عندهم به العمل قرناً بعد قرن أيضاً، كما يتوارث الحجازيون؛ فأذانهم تربِيع التكبير مثل المكيين. ثم الشهادة بأن لا إله إلا الله مرة واحدة، وأشهد أن محمداً رسول الله مرة واحدة، ثم حيّ على الصلاة مرة، ثم حيّ على الفلاح مرة، ثم يرجع المؤذن فيمدّ صوته ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله ـ الأذان كله ـ مرتين مرتين إلى آخره. قال أبو عمر: ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن رَاهْوَيْه وداود بن عليّ ومحمد بن جرِير الطَّبَريّ إلى إجازة القول بكل ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحملوه على الإباحة والتخيير، قالوا: كل ذلك جائز؛ لأنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع ذلك، وعَمِل به أصحابه، فمن شاء قال: الله أكبر مرتين في أول الأذان، ومن شاء قال ذلك أربعاً، ومن شاء رجّع في أذانه، ومن شاء لم يرجّع، ومن شاء ثَنَّى الإقامة، ومن شاء أفردها، إلاَّ قوله؛ «قد قامت الصلاة» فإن ذلك مرتان مرتان على كل حال.

الخامسة ـ وٱختلفوا في التَّثْويب لصلاة الصبح ـ وهو قول المؤذّن: الصلاة خير من النوم ـ فقال مالك والثوريّ والليث: يقول المؤذن في صلاة الصبح ـ بعد قوله: حيّ على الفلاح مرتين ـ الصلاة خير من النوم مرتين؛ وهو قول الشافعيّ بالعراق، وقال بمصر: لا يقول ذلك. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقوله بعد الفراغ من الأذان إن شاء، وقد روى عنهم أن ذلك في نفس الأذان؛ وعليه الناس في صلاة الفجر. قال أبو عمر: روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي مَحْذُورة: أنه أمره أن يقول في أذان الصبح

الصلاة خير من النوم. وروى عنه أيضاً ذلك من حديث عبد الله بن زيد. وروي عن أنس أنه قال: من السنة أن يقال في الفجرالصلاة خير من النوم. وروى عن ٱبن عمر أنه كان يقوله؛ وأما قول مالك في «الموطأ» أنه بلغه أن المؤذن جاء إلى عمر بن الخطاب يُؤْذِنه بصلاة الصبح فوجده نائماً فقال: الصلاة خير من النوم؛ فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح فلا أعلم أن هذا روي عن عمر من جهة يُحتج بها وتُعلم صحتها؛ وإنما فيه حديث هشام بن عروة عن رجل يقال له «إسماعيل» فٱعرفه؛ ذكر ٱبن أبي شيبة حدّثنا عَبْدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن رجل يقال له «إسماعيل» قال: جاء المؤذّن يُؤْذِن عمر بصلاة الصبح فقالالصلاة خير من النومفأُعجِب به عمر وقال للمؤذّن: «أقرّها في أذانك». قال أبو عمر: والمعنى فيه عندي أنه قال له: نداء الصبح موضع القول بها لا هٰهنا، كأنه كرِه أن يكون منه نداء آخر عند باب الأمير كما أحدثه الأُمراء بعد. قال أبو عمر: وإنما حملني على هذا التأويل وإن كان الظاهر من الخبر خلافه؛ لأن التثويب في صلاة الصبح أشهر عند العلماء، والعامة من أن يظنّ بعمر رضي الله عنه أنه جَهِل شيئاً سَنّهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر به مؤذّنيه، بالمدينة بِلالا؛ وبمكة أبا مَحْذُورة؛ فهو محفوظ معروف في تأذين بلال، وأذان أبي مَحْذورة في صلاة الصبح للنبي صلى الله عليه وسلم؛ مشهور عند العلماء. روى وَكِيع عن سفيان عن عِمران بن مسلم عن سُوَيد بن غَفَلَة أنه أرسل إلى مؤذّنه إذا بلغت «حيّ على الفلاح» فقل: الصلاة خير من النوم؛ فإنه أذان بلال؛ ومعلوم أن بِلالاً لم يؤذّن قط لعمر، ولا سمِعه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة بالشام إذ دخلها.

السادسة ـ وأجمع أهل العلم على أن من السنة ألا يؤذّن للصلاة إلا بعد دخول وقتها إلا الفجر، فإنه يؤذّن لها قبل طلوع الفجر في قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور؛ وحجتهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن بلالاً يؤذّن بليل فكُلُوا وٱشربوا حتى ينادي ٱبن أُمِّ مَكتوم. وقال أبو حنيفة والثوريّ ومحمد بن الحسن: لا يؤذن لصلاة الصبح حتى يدخل وقتها؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحُويرث وصاحبه:إذا حضرت الصلاة فأذّنا ثم أَقيما وليؤمكما أكبركماوقياساً على سائر الصلوات. وقالت طائفة من أهل الحديث؛ إذا كان للمسجد مؤذّنان أذّن أحدهما قبل طلوع الفجر، والآخر بعد طلوع الفجر.

السابعة ـ وٱختلفوا في المؤذّن يؤذّن ويقيم غيره؛ فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إلى أنه لا بأس بذلك؛ لحديث محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره إذ رأى النداء في النوم أن يلقِيه على بلال؛ فأذّن بلال، ثم أمر عبد الله بن زيد فأقام. وقال الثوريّ والليث والشافعي: من أذّن فهو يقيم؛ لحديث عبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم عن زياد بن نُعَيم

عن زياد بن الحرث الصُّدَائيّ قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان أول الصبح أمرني فأذّنت، ثم قام إلى الصلاة فجاء بلال ليقيم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أخا صُدَاءَ أذّن ومن أذّن فهو يُقِيم» . قال أبو عمر: عبد الرحمن بن زياد هو الإفريقيّ، وأكثرهم يضعِّفونه، وليس يروى هذا الحديث غيره؛ والأول أحسن إسناداً إن شاء الله تعالى. وإن صح حديث الإفريقي فإن من أهل العلم من يوثقه ويثني عليه؛ فالقول به أولى لأنه نصّ في موضع الخلاف، وهو متأخر عن قصة عبد الله بن زيد مع بلال، والآخر؛ فالآخر من أمرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى أن يتبع، ومع هذا فإني أستحب إذا كان المؤذِّن واحداً راتباً أن يتولى الإقامة؛ فإن أقامها غيره فالصلاة ماضية بإجماع، والحمد لله.

الثامنة ـ وحكم المؤذّن أن يَتَرسّل في أذانه، ولا يُطَرِّب به كما يفعله اليوم كثير من الجهال، بل وقد أخرجه كثير من الطَّغَام والعوامّ عن حدّ الإطراب؛ فيرجّعون فيه التّرجيعات، ويكثرون فيه التقطيعات حتى لا يفهم ما يقول، ولا بما به يصول. روى الدَّارَقُطْنيّ من حديث ابن جُرَيج عن عطاء عن ٱبن عباس قال:

كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذّن يُطَرِّب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأذان سهل سمح فإن كان أذانك سهلاً سمحا وإلا فلا تؤذّن» . ويستقبل في أذانه القبلة عند جماعة من العلماء، ويلوي رأسه يميناً وشمالاً في «حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح» عند كثير من أهل العلم. قال أحمد: لا يدور إلا أن يكون في منارة يريد أن يُسمِع الناس؛ وبه قال إسحاق، والأفضل أن يكون متطهراً.

التاسعة ـ ويستحب لسامع الأذان أن يحكيه إلى آخر التشهدين وإن أتمه جاز؛ لحديث أبي سعيد؛ وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن لا إله إلا الله ثم قال أشهد أن محمداً رسول الله قال أشهد أن محمداً رسول الله ثم قال حيّ على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال حيّ على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال الله أكبر الله أكبر قال الله أكبر الله أكبر ثم قال لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة. وفيه عن سعد بن أبي وقّاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبدهُ ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً غُفِر له ما تقدّم من ذنبه ».

العاشرة ـ وأما فضل الأذان والمؤذّن فقد جاءت فيه أيضاً آثار صحاح؛ منها ما رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضُرَاط حتى لا يَسمع التَّأذينالحديث. وحسبك أنه شِعار الإسلام، وعَلمٌ على الإيمان كما تقدّم. وأما المؤذّن فروى مسلم عن معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:المؤذّنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة. وهذه إشارة إلى الأمن من هول ذلك اليوم. والله أعلم. والعرب تُكْنى بطول العنق عن أشراف القوم وساداتهم؛ كما قال قائلهم:

طوال أنْضِيَةِ الأعْناق واللِّمَمِ

وفي الموطأ عن أبي سعيد الخدري سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:لا يَسمع مَدَى صوت المؤذّن جِنٌّ ولا إنس ولا شيء إلا شهِد له يوم القيامة. وفي سنن ابن ماجه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:من أذن مُحتسباً سبع سنين كُتبت له براءة من الناروفيه عن ٱبن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:من أذّن ثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة وكتب له بتأذينه في كل يوم سِتون حسنة ولكل إقامة ثلاثون حسنة. قال أبو حاتم: هذا الإسناد منكر والحديث صحيح. وعن عثمان بن أبي العاص قال: كان آخر ما عَهِد إليّ النبي صلى الله عليه وسلمألاَّ أَتَّخِذ مؤذّناً يأخذ على أذانه أجراًحديث ثابت.

الحادية عشرة ـ وٱختلفوا في أخذ الأُجرة على الأذان؛ فكره ذلك القاسم بن عبد الرحمن وأصحاب الرأي، ورخص فيه مالك، وقال: لا بأس به. وقال الأوزاعيّ: ذلك مكروه، ولا بأس بأخذ الرزق على ذلك من بيت المال. وقال الشافعي: لا يرزق المؤذّن إلا من خُمْس الخُمْس سهم النبي صلى الله عليه وسلم. قال ٱبن المنذِر: لا يجوز أخذ الأُجرة على الأذان. وقد ٱستدل علماؤنا بأخذ الأجرة بحديث أبي محذورة، وفيه نظر؛ أخرجه النسائيّ وٱبن ماجه وغيرهما قال:

خرجت في نفر فكنا ببعض الطريق فأذّن مؤذّن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعنا صوت المؤذّن ونحن عنه مُتَنكّبون فصرخنا نحكيه نهزأ به؛ فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلينا قوماً فأقعدونا بين يديه فقال:«أيكم الذي سمعت صوته قد ٱرتفع» فأشار إليّ القوم كلهم وصدقوا؛ فأرسل كلهم وحبسني وقال لي: «قم فأذن» فقمت ولا شيء أكره إليّ من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألقى عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين هو بنفسه فقال: «قل ٱلله أكبر ٱلله أكبر ٱلله أكبر ٱلله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله» ثم قال لي: «ٱرفع فمد صوتك أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول ٱلله أشهد أن محمداً رسول الله حيّ على الصلاة حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح حيّ على الفلاح ٱلله أكبر ٱلله أكبر لا إله إلا ٱلله» ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صُرَّة فيها شيء من فضّة، ثم وضع يده على ناصية أبي مَحْذُورة ثم أَمَرَّها على وجهه، ثم على ثدييه، ثم على كبده حتى بلغت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم سُرّة أبي مَحْذُورة؛ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بارك الله لك وبارك عليك» فقلت: يا رسول الله مُرني بالتّأذين بمكة، قال: «قد أمرتك». فذهب كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهية، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقدمت على عَتّاب بن أَسِيد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأذّنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لفظ ابن ماجه.

الثانية عشرة ـ قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} أي أنهم بمنزلة من لا عقل له يمنعه من القبائح. رُوي أن رجلاً من النّصارى وكان بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول: «أشهد أن محمداً رسول الله» قال: حُرِق الكاذب؛ فسقطت في بيته شرارة من نار وهو نائم فتعلقت بالبيت فأحرقته وأحرقت ذلك الكافر معه؛ فكانت عِبرة للخلق «والبلاءُ مُوَكَّلٌ بالمنطِق» وقد كانوا يُمهَلون مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى يَستفتحوا، فلا يُؤخّروا بعد ذلك؛ ذكره ابن العربيّ.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ