انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير القرطبيالآيات 96–103

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير القرطبي.

أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ۝٩٦

فيه ثلاث عشرة مسألة:

الأُولى ـ قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ} هذا حكم بتحليل صيد البحر، وهو كل ما صيد من حيتانه. والصيد هنا يراد به المَصِيد، وأُضيف إلى البحر لما كان منه بسبب. وقد مضى القول في البحر في «البقرة» والحمد لله. و «مَتَاعاً» نصب على المصدر أي متعتم به متاعاً.

الثانية ـ قوله تعالى: {وَطَعَامُهُ} الطعام لفظ مشترك يطلق على كل ما يُطعَم ويُطلق على مطعوم خاص كالماء وحده، والبُرّ وحده، والتمر وحده، واللَّبن وحده، وقد يطلق على النوم كما تقدّم؛ وهو هنا عبارة عما قذف به البحر وطَفَا عليه؛ أسند الدَّارَقُطْنيّ عن ابن عباس في قول الله عز وجل: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} ـ الآية ـ صيده ما صِيد وطعامه ما لفظ البحر. وروي عن أبي هريرة مثله؛ وهو قول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين. وروي عن ابن عباس طعامه ميتته؛ وهو في ذلك المعنى. وروى عنه أنه قال: طعامه ما مُلِّح منه وبقي؛ وقاله معه جماعة. وقال قوم: طعامه مِلحه الذي ينعقد من مائِهِ وسائر ما فيه من نبات وغيره.

الثالثة ـ قال أبو حنيفة: لا يؤكل السمك الطافي، ويؤكل ما سواه من السمك، ولا يؤكل شيء من حيوان البحر إلا السمك؛ وهو قول الثوريّ في رواية أبي إسحاق الفَزَاريّ عنه. وكره الحسن أكل الطافي من السمك. وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كرهه، وروي عنه أيضاً أنه كره أكل الجِرِّيّ، وروي عنه أكل ذلك كله وهو أصح؛ ذكره عبد الرزاق عن الثوريّ عن جعفر بن محمد عن علي قال: الجراد والحِيتان ذَكِيٌّ؛ فعليّ مختلف عنه في أكل الطافي من السمك، ولم يختلف عن جابر أنه كرهه، وهو قول طاوس ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد، وٱحتجوا بعموم قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ}. وبما رواه أبو داود والدَّارَقُطْنِيّ عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

كُلُوا ما حَسَر عنه البحر وما ألقاه وما وجدتموه ميتاً أو طافياً فوق الماء فلا تأكلوه. قال الدَّارَقُطْنيّ: تفرد به عبد العزيز بن عُبيد الله، عن وهب بن كَيْسان عن جابر، وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به. وروى سفيان الثوريّ عن أبي الزُّبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه؛ قال الدَّارَقُطْنِيّ: لم يسنده عن الثوريّ غير أبي أحمد الزُّبيريّ وخالفه وكيع والعدنيان وعبد الرزاق ومُؤَمَّل وأبو عاصم وغيرهم؛ رووه عن الثوريّ موقوفاً وهو الصواب. وكذلك رواه أيوب السَّخْتِياني، وعُبيد الله بن عمر وابن جُرَيْج، وزُهير وحمّاد بن سَلَمة وغيرهم عن أبي الزّبير موقوفاً؛ قال أبو داود: وقد أسند هذا الحديث من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب عن أبي الزّبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال الدَّارَقُطْنيّ: وروي عن إسماعيل بن أُمية وابن أبي ذئب عن أبي الزّبير مرفوعاً، ولا يصح رفعه، رفعه يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أُمية ووقفه غيره. وقال مالك والشافعي وٱبن أبي ليلى والأُوزاعيّ والثوريّ في رواية الأشجعيّ: يؤكل كل ما في البحر من السمك والدّواب، وسائر ما في البحر من الحيوان، وسواء ٱصطيد أو وجد ميتاً؛ وٱحتج مالك ومن تابعه بقوله عليه الصلاة والسلام في البحر:هو الطَّهور ماؤُه الحِلُّ ميتته. وأصح ما في هذا الباب من جهة الإسناد حديث جابر في الحُوت الذي يقال له: «العَنْبَر» وهو من أثبت الأحاديث خرّجه الصحيحان. وفيه: فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا» فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله؛ لفظ مسلم. وأسند الدَّارَقُطْنيّ عن ٱبن عباس أنه قال أشهد على أبي بكر أنه قال: السمكة الطافية حلال لمن أراد أكلها. وأسند عنه أيضاً أنه قال: أشهد على أبي بكر أنه أكل السمك الطافي على الماء. وأَسند عن أبي أيوب أنه ركب البحر في رهط من أصحابه، فوجدوا سمكة طافية على الماء فسألوه عنها فقال: أطيبة هي لم تتغير؟ قالوا: نعم؛ قال: فكلُوها وٱرفعوا نصيبي منها؛ وكان صائماً. وأسند عن جَبَلة بن عطية أن أصحاب أبي طلحة أصابوا سمكة طافية فسألوا عنها أبا طلحة فقال: ٱهدوها إليّ. وقال عمر بن الخطاب: الحُوت ذكِيٌّ والجراد ذكِيٌّ كله؛ رواه عنه الدَّارَقُطْنِيّ. فهذه الآثار ترد قول من كره ذلك وتخصص عموم الآية، وهو حجة للجمهور؛ إلا أن مالكاً كان يكره خنزير الماء من جهة ٱسمه ولم يحرّمه وقال: أنتم تقولون خنزيراً! وقال الشافعي: لا بأس بخنزير الماء. وقال الليث: ليس بميتة البحر بأس، قال: وكذلك كلب الماء وفرس الماء. قال: ولا يؤكل إنسان الماء ولا خنزير الماء.

الرابعة ـ ٱختلف العلماء في الحيوان الذي يكون في البر والبحر هل يحل صيده للمحرم أم لا؟ فقال مالك وأبو مِجلَز وعطاء وسعيد بن جُبَير وغيرهم: كلّ ما يعيش في البر وله فيه حياة فهو صيد البر، إن قتله المحرم وَدَاه؛ وزاد أبو مِجْلَز في ذلك الضّفادع والسّلاحف والسّرَطان. الضفادع وأجناسها حرام عند أبي حنيفة، ولا خلاف عن الشافعي في أنه لا يجوز أكل الضّفدع، وٱختلف قوله فيما له شبه في البر مما لا يؤكل كالخنزير والكلب وغير ذلك. والصحيح أكل ذلك كله؛ لأنه نص على الخنزير في جواز أكله، وهو له شبه في البر مما لا يؤكل. ولا يؤكل عنده التمساح ولا القِرْش والدّلفين، وكل ما له ناب لنهيه عليه السلام عن أكل كل ذي ناب. قال ٱبن عطية: ومن هذه أنواع لا زوال لها من الماء فهي لا محالة من صيد البحر، وعلى هذا خرج جواب مالك في الضفادع في «المدوّنة» فإنه قال: الضفادع من صيد البحر. وروي عن عطاء بن أبي رَبَاح خلاف ما ذكرناه، وهو أنه يراعي أكثر عيش الحيوان؛ سئل عن ابن الماء أصيد بَر هو أم صيد بحر؟ فقال: حيث يكون أكثر فهو منه، وحيث يفرخ فهو منه؛ وهو قول أبي حنيفة. والصواب في ابن الماء أنه صيد بَرٍّ يرعى ويأكل الحب. قال ٱبن العربي: الصحيح في الحيوان الذي يكون في البر والبحر منعه؛ لأنه تعارض فيه دليلان، دليل تحليل ودليل تحريم، فيغلب دليل التحريم احتياطاً. والله أعلم.

الخامسة ـ قوله تعالى: {وَلِلسَّيَّارَةِ} فيه قولان: أحدهما للمقيم والمسافر كما جاء في حديث أبي عُبيدة أنهم أكلوه وهم مسافرون، وأكل النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقيم، فبيّن الله تعالى أنه حلال لمن أقام، كما أحله لمن سافر. الثاني ـ أن السيَّارة هم الذين يَركبونه، كما جاء في حديث مالك والنَّسائيّ:

أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «هو الطّهُورُ ماؤُه الحِلُّ ميْتتهُ» قال ابن العربيّ قال علماؤنا: فلو قال له النبي صلى الله عليه وسلمنعملما جاز الوضوء به إلاَّ عند خوف العطش؛ لأن الجواب مرتبط بالسؤال، فكان يكون محالاً عليه، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ تأسيس القاعدة، وبيان الشرع فقال:هو الطهور ماؤُه الحل ميتته ».

قلت: وكان يكون الجواب مقصوراً عليهم لا يتعدى لغيرهم، لولا ما تقرر من حكم الشريعة أن حكمه على الواحد حكمه على الجميع، إلاَّ ما نص بالتخصيص عليه، كقوله لأبي بُرْدة في العناق:

ضَحِّ بها ولن تُجزىء عن أحد غَيرك ».

السادسة ـ قوله تعالىٰ: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} التحريم ليس صفة للأعيان، وإنما يتعلق بالأفعال؛ فمعنى قوله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ} أي فعل الصيد، وهو المنع من الاصطياد، أو يكون الصيد بمعنى المصيد، على معنى تسمية المفعول بالفعل كما تقدّم، وهو الأظهر؛ لإجماع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم قبول صيد وُهِب له، ولا يجوز له شراؤه ولا اصطياده ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه، ولا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك؛ لعموم قوله تعالىٰ: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً}؛ ولحديث الصَّعْب بن جَثَّامة على ما يأتي.

السابعة ـ اختلف العلماء فيما يأكله المحرم من الصَّيد، فقال مالك والشافعيّ وأصحابهما وأحمد، وروي عن اسحاق، وهو الصحيح عن عثمان بن عفان: إنه لا بأس بأكل المحرم الصّيد إذا لم يُصَد له، ولا من أجله؛ لما رواه الترمذيّ والنَّسائيّ والدَّارَقُطْنِيّ عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

صيد البرّ لكم حلال ما لم تَصيدوه أو يُصَد لكمقال أبو عيسىٰ: هذا أحسن حديث في الباب؛ وقال النّسائيّ: عَمرو بن أبي عَمرو ليس بالقويّ في الحديث، وإن كان قد رَوى عنه مالك. فإن أكل من صيدٍ صِيد من أجله فداه. وبه قال الحسن بن صالح والأوزاعيّ، واختلف قول مالك فيما صيد لمحرم بعينه. والمشهور من مذهبه عند أصحابه أن المحرم لا يأكل مما صِيد لمحرم معيّن أو غير معيّن، ولم يأخذ بقول عثمان لأصحابه حين أُتي بلحم صيد وهو مُحرِم: كُلُوا فلستم مثلي لأنه صِيد من أجلي؛ وبه قالت طائفة من أهل المدينة، وروي عن مالك. وقال أبو حنيفة وأصحابه: أكل الصيد للمحرم جائز على كل حال إذا اصطاده الحلال، سواء صِيد من أجله أو لم يُصَد لظاهر قوله تعالىٰ: {لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} فحرّم صيده وقتله على المحرمين، دون ما صاده غيرهم. واحتجوا بحديث البَهْزِيّ ـ واسمه زيد بن كعب ـ: عن النبي صلى الله عليه وسلم في حمار الوحش العقِير أنه أمر أبا بكر فقسمه في الرّفاق؛ من حديث مالك وغيره. وبحديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه:إنما هي طُعْمة أطعمكموها الله. وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في رواية عنه، وأبي هريرة والزُّبير بن العوّام ومجاهد وعطاء وسعيد بن جُبير. ورُوي عن عليّ بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر أنه لا يجوز للمحرم أكل صيد على حال من الأحوال، سواء صِيد من أجله أو لم يُصَد؛ لعموم قوله تعالىٰ: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً}. قال ابن عباس: هي مبهمة، وبه قال طاوس وجابر بن زيد أبو الشعثاء، وروي ذلك عن الثّوريّ، وبه قال إسحاق. واحتجوا بـحديث الصَّعْب بن جَثَّامة الليثيّ: أنه أَهْدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً، وهو بالأَبْوَاء أو بوَدَّان فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: فلما أن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهي قال: «إنا لم نرده عليك إلاَّ إنا حُرُم» خرجه الأئمة واللفظ لمالك. قال أبو عمر: وروى ابن عباس من حديث سعيد بن جُبير ومقْسَم وعطاء وطاوس عنه: أن الصَّعْب بن جَثَّامة أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حمار وحشٍ؛ وقال سعيد بن جُبَير في حديثه: عَجُز حمار وحشٍ فردّه يقطر دماً كأنه صِيد في ذلك الوقت؛ وقال مِقْسَم في حديثه: رِجْل حمار وحشٍ. وقال عطاء في حديثه: أهدي له عَضُد صيد فلم يقبله وقال: «إنّا حُرُم» . وقال طاوس في حديثه: عَضُداً من لحم صيد؛ حدّث به إسماعيل عن عليّ بن المَدِينيّ، عن يحيى بن سعيد، عن ٱبن جُرَيْج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ٱبن عباس، إلاَّ أن منهم من يجعله عن ابن عباس عن زيد بن أرقم. قال إسماعيل: سمعت سليمان بن حرب يتأوّل هذا الحديث على أنه صِيد من أجل النبي صلى الله عليه وسلم، ولولا ذلك لكان أكله جائزاً؛ قال سليمان: ومما يدل على أنه صِيد من أجل النبي صلى الله عليه وسلم قولهم في الحديث: فردّه يقطر دماً كأنه صِيد في ذلك الوقت. قال إسماعيل: إنما تأوّل سليمان هذا الحديث؛ لأنه يحتاج إلى تأويل؛ فأما رواية مالك فلا تحتاج إلى التأويل؛ لأن المحرم لا يجوز له أن يُمسك صيداً حياً ولا يُذكِّيه؛ قال إسماعيل: وعلى تأويل سليمان بن حرب تكون الأحاديث المرفوعة كلها غير مختلفة فيها إن شاء الله تعالىٰ.

الثامنة ـ إذا أحرم وبيده صيد أو في بيته عند أهله فقال مالك: إن كان في يده فعليه إرساله، وإن كان في أهله فليس عليه إرساله. وهو قول أبي حنيفة وأحمد بن حنبل. وقال الشافعي في أحد قوليه: سواء كان في يده أو في بيته ليس عليه أن يرسله. وبه قال أبو ثور، وروي عن مجاهد وعبد الله بن الحرث مثله، وروي عن مالك. وقال ٱبن أبي ليلى والثوريّ والشافعيّ في القول الآخر: عليه أن يرسله، سواء كان في بيته أو في يده؛ فإن لم يرسله ضَمِن. وجه القول بإرساله قوله تعالىٰ: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} وهذا عام في المِلك والتصرف كله. ووجه القول بإمساكه: أنه معنى لا يمنع من ابتداء الإحرام فلا يمنع من استدامة ملِكه؛ أصله النكاح.

التاسعة ـ فإن صاده الحلال في الحِلّ فأدخله الحرم جاز له التصرف فيه بكل نوع من ذبحه، وأكل لحمه. وقال أبو حنيفة: لا يجوز. ودليلنا أنه معنًى يُفعلَ في الصيد فجاز في الحرم للحلال، كالإمساك والشراء ولا خلاف فيها.

العاشرة ـ إذا دل المحرم حِلاَّ على صيد فقتله الحلال اختلف فيه؛ فقال مالك والشافعي وأبو ثور: لا شيء عليه؛ وهو قول ابن الماجِشُون. وقال الكوفيون وأحمد وإسحاق وجماعة من الصحابة والتابعين: عليه الجزاء؛ لأن المحرم التزم بإحرامه ترك التعرّض؛ فيضمن بالدلالة كالمودع إذا دل سارقاً على سرقة.

الحادية عشرة ـ واختلفوا في المحرم إذا دل محرماً آخر؛ فذهب الكوفيون وأشهب من أصحابنا إلى أن على كل واحد منهما جزاء. وقال مالك والشافعي وأبو ثور: الجزاء على المحرم القاتل؛ لقوله تعالىٰ: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً} فعلق وجوب الجزاء بالقتل، فدل على انتفائه بغيره؛ ولأنه دالّ فلم يلزمه بدلالته غُرْم، كما لو دل الحلال في الحرم على صيد في الحرم. وتعلق الكوفيون وأشهب بقوله عليه السَّلام في حديث أبي قَتَادة:

هل أَشرتم أو أَعنتم؟ وهذا يدل على وجوب الجزاء. والأوّل أصح. والله أعلم.

الثانية عشرة ـ إذا كانت شجرة نابتة في الحل وفرعها في الحرم فأصيب ما عليه من الصيد ففيه الجزاء؛ لأنه أخذ في الحرم. وإن كان أصلها في الحرم وفرعها في الحل فاختلف علماؤنا فيما أُخذ عليه على قولين: الجزاء نظراً إلى الأصل، ونفيه نظراً إلى الفرع.

الثالثة عشرة ـ قوله تعالىٰ: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} تشديد وتنبيه عقب هذا التحليل والتحريم، ثم ذكر بأمر الحشر والقيامة مبالغة في التحذير. والله أعلم.

جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَٰمًا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَٰٓئِدَ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ۝٩٧

فيه خمس مسائل:

الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ} جعل هنا بمعنى خلق وقد تقدّم. وقد سُمْيت الكَعْبة كعبة؛ لأنها مربّعة وأكثر بيوت العرب مُدوّرة. وقيل: إنما سُمّيت كعبة لنتوئها وبروزها، فكلّ ناتىء بارز كَعْب، مستديراً كان أو غير مستدير. ومنه كَعْب القَدَم وكُعُوب القناة. وكَعَبَ ثديُ المرأة إذا ظهر في صدرها. والبيت سُمّي بذلك لأنها ذات سقف وجدار، وهي حقيقة البيتية وإن لم يكن بها ساكن. وسماه سبحانه حراماً بتحريمه إياه؛ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

إن مكة حَرَّمها الله ولم يُحرِّمها الناسوقد تقدم أكثر هذا مستوفى والحمد لله.

الثانية ـ قوله تعالىٰ: {قِيَاماً لِّلنَّاسِ} أي صلاحاً ومعاشاً، لأمن الناس بها؛ وعلى هذا يكون «قِيَاماً» بمعنى يقومون بها. وقيل: «قِيَاماً» أي يقومون بشرائعها.

وقرأ ٱبن عامر وعاصم «قيماً» وهما من ذوات الواو فقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها. وقد قيل: «قِوام». قال العلماء: والحكمة في جَعْلِ الله تعالىٰ هذه الأشياء قياماً للناس، أن الله سبحانه خلق الخلق على سليقة الآدمية من التحاسد والتنافس والتقاطع والتدابر، والسلب والغارة والقتل والثأر، فلم يكن بدّ في الحكمة الإلٰهية، والمشيئة الأوّلية من كافّ يدوم معه الحال، ووازِعٍ يُحمَد معه المآل. قال الله تعالىٰ:

{ { إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً } } [البقرة: 30] فأمرهم الله سبحانه بالخلافة، وجعل أُمورهم إلى واحد يزَعُهم عن التّنازع، ويحملهم على التآلف من التقاطع، ويردّ الظالم عن المظلوم، ويقرر كلّ يد على ما تستولي عليه. روى ٱبن القاسم قال حدّثنا مالك أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يقول: ما يَزَع الإمامُ أكثر مما يَزَع القرآن؛ ذكره أبو عمر رحمه الله. وجَوْر السلطان عاماً واحداً أقل أذاية من كون الناس فوضى لحظة واحدة؛ فأنشأ الله سبحانه الخليفة لهذه الفائدة، لتجري على رأيه الأُمور، ويكفّ الله به عادية الجمهور؛ فعظّم الله سبحانه في قلوبهم البيت الحرام، وأوقع في نفوسهم هيبته، وعظّم بينهم حرمته، فكان من لجأ إليه معصوماً به، وكان من ٱضطُهِد محميّاً بالكون فيه. قال الله تعالىٰ: { { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ } } [العنكبوت: 67]. قال العلماء: فلما كان موضعاً مخصوصاً لا يدركه كل مظلوم، ولا يناله كل خائف جعل الله الشهر الحرام ملجأ آخر وهي:

الثالثة ـ وهو ٱسم جنس، والمراد الأشهر الثلاثة بإجماع من العرب، فقرر الله في قلوبهم حرمتها، فكانوا لا يُروّعون فيها سِرْباً ـ أي نفساً ـ ولا يطلبون فيها دماً، ولا يتوقعون فيها ثأراً، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه وٱبنه وأخيه فلا يؤذيه. وٱقتطعوا فيها ثلث الزمان، ووصلوا منها ثلاثة متوالية، فسحة وراحة ومجالاً للسياحة في الأمن والاستراحة، وجعلوا منها واحداً منفرداً في نصف العام دَرَكاً للإحترام، وهو شهر رجب الأصَمّ ويسمى مُضَر، وإنما قيل له: رجب الأصَمّ؛ لأنه كان لا يُسمع فيه صوت الحديد، ويسمى مُنْصِل الأَسِنّة؛ لأنهم كانوا ينزعون فيه الأسِنّة من الرماح، وهو شهر قريش، وله يقول عوف بن الأَحْوَص:

وشهر بني أُميّة والهَدَاياإذا سيقت مُضرِّجها الدّماءُ

وسماه النبي صلى الله عليه وسلم شهر الله؛ أي شهر آلِ الله، وكان يُقال لأهل الحرم: آلُ الله، ويحتمل أن يريد شهر الله؛ لأن الله مَتّنه وشدّده إذ كان كثير من العرب لا يراه. وسيأتي في «براءة» أسماء الشهور إن شاء الله. ثم يَسّر لهم الإلهام، وشَرَع على ألسنة الرسل الكرام الهدي والقلائد، وهي:

الرابعة ـ فكانوا إذا أخذوا بعيراً أشعروه دماً، أو علّقوا عليه نعلاً، أو فعل ذلك الرجل بنفسه من التقليد ـ على ما تقدّم بيانه أوّل السورة ـ لم يرُوّعه أحد حيث لقيه، وكان الفَيْصل بينه وبين من طلبه أو ظلمه؛ حتى جاء الله بالإسلام وبيّن الحق بمحمد عليه السَّلام، فانتظم الدين في سِلكه، وعاد الحق إلى نصابه، فأُسندت الأمامةُ إليه، وٱنبنى وجوبها على الخلق عليه وهو قوله سبحانه:

{ { وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ } } [النور: 55] الآية. وقد مضى في «البقرة» أحكام الإمامة فلا معنى لإعادتها.

الخامسة ـ قوله تعالىٰ: {ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوۤاْ} «ذَلِكَ» إشارة إلى جعل الله هذه الأُمور قياماً؛ والمعنى فعل الله ذلك لتعلموا أن الله يعلم تفاصيل أُمور السَّمٰوات والأرض، ويعلم مصالحكم أيها الناس قبل وبعد، فانظروا لطفه بالعباد على حال كفرهم.

ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٩٨

قوله تعالىٰ: {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} تخويف {وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ترجية. وقد تقدّم هذا المعنى.

مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ۝٩٩

قوله تعالىٰ: {مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} أي ليس له الهداية والتوفيق ولا الثواب، وإنما عليه البلاغ. وفي هذا ردّ على القَدَرية كما تقدّم. وأصل البلاغ البلوغ وهو الوصول. بَلَغ يَبلغُ بُلوغاً، وأَبلَغه إبلاغاً، وتَبلَّغ تَبلُّغاً، وبَالغَه مبالغةً، وبَلَّغه تَبلِيغاً، ومنه البلاغة؛ لأنها إيصال المعنى إلى النفس في حسن صورة من اللفظ. وتَبالَغ الرجلُ إذا تعاطى البلاغة وليس ببليغ، وفي هذا بلاغٌ أي كفاية؛ لأنه يبلغ مقدار الحاجة. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} أي تظهرونه يُقال: بدا السِّرُّ وأبداه صاحبه يُبديه. {وَمَا تَكْتُمُونَ} أي ما تسرونه وتخفونه في قلوبكم من الكفر والنفاق.

قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝١٠٠

قوله تعالىٰ: {قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ}. فيه ثلاث مسائل:

الأُولىٰ ـ قال الحسن: «الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ» الحلال والحرام. وقال السُّديّ: المؤمن والكافر. وقيل: المطيع والعاصي. وقيل: الرديء والجيد؛ وهذا على ضرب المثال. والصحيح أن اللفظ عام في جميع الأُمور، يُتصوَّر في المكاسب والأعمال، والناس، والمعارف من العلوم وغيرها؛ فالخبيث من هذا كله لا يُفلح ولا يُنْجِب، ولا تَحسن له عاقبة وإن كثر، والطيّب وإن قلّ نافع جميل العاقبة. قال الله تعالىٰ:

{ { وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً } } [الأعراف: 58]. ونظير هذه الآية قوله تعالىٰ: { { أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ } } [صۤ: 28] وقوله: { { أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ } } [الجاثية: 21]؛ فالخبيث لا يساوي الطيّب مقداراً ولا إنفاقاً، ولا مَكاناً ولا ذَهَاباً، فالطيّب يأخذ جهة اليمين، والخبيث يأخذ جهة الشّمال، والطيّب في الجنّة، والخبيث في النار. وهذا بيّن. وحقيقة الاستواء الاستمرار في جهة واحدة، ومثله الاستقامة وضدّها الاعوجاج. ولما كان هذا وهي:

الثانية ـ قال بعض علمائنا: إنّ البيع الفاسد يُفسَخ ولا يُمضَى بحَوالة سُوق، ولا بتغير بدن، فيستوي في إمضائه مع البيع الصحيح، بل يُفْسخ أبداً، ويُردّ الثمن على المبتاع إن كان قبضه، وإن تلف في يده ضمنه؛ لأنه لم يقبضه على الأمانة، وإنما قبضه بشبهة عقد. وقيل: لا يُفسَخ نظراً إلى أن البيع إذا فُسخ وردّ بعد الفوت يكون فيه ضرر وغَبْن على البائع، فتكون السلعة تساوي مائة وتردّ عليه وهي تساوي عشرين، ولا عقوبة في الأموال. والأوّل أصح لعموم الآية، ولقوله عليه السَّلام:

من عَمِل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ ».

قلت: وإذا تُتبع هذا المعنى في عدم الاستواء في مسائل الفقه تعدّدت وكثرت، فمن ذلك الغاصب وهي:

الثالثة ـ إذا بنى في البقعة المغصوبة أو غَرَس فإنه يلزمه قلع ذلك البناء والغرس؛ لأنه خبيث، ورَدّها؛ خلافاً لأبي حنيفة في قوله: لا يَقلع ويأخذ صاحبها القيمة. وهذا يَرده قوله عليه السَّلام:

ليس لِعْرقٍ ظالمٍ حقٌّ. قال هشام: العرق الظَّالم أن يَغْرِس الرجل في أرض غيره ليستحقّها بذلك. قال مالك: العِرْق الظالم كل ما أخذ وٱحتفر وغُرس في غير حق. قال مالك: من غَصَب أرضاً فزرعها، أو أَكْرَاها، أو داراً فسكنها أو أَكْرَاها، ثم استحقها ربها أن على الغاصب كراء ما سكن وردّ ما أخذ في الكِراء. واختلف قوله إذا لم يسكنها أو لم يزرع الأرض وعطّلها؛ فالمشهور من مذهبه أنه ليس عليه فيه شيء؛ وقد روي عنه أنه عليه كِراء ذلك كله. واختاره الوَقَّار، وهو مذهب الشافعي؛ لقوله عليه السَّلام:ليس لِعرقٍ ظالمٍ حقٌّوروى أبو داود عن أبي الزُّبير أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: غَرَس أحدهما نخلاً في أرض الآخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال: فلقد رأيتها، وإنها لتضرب أُصولها بالفُؤس حتى أخرجت منها وإنّها لنخل عُمٌّ. وهذا نص. قال ابن حبيب: والحكم فيه أن يكون صاحب الأرض مخيّراً على الظالم، إن شاء حبس ذلك في أرضه بقيمته مقلوعاً، وإن شاء نزعه من أرضه؛ وأجر النزع على الغاصب. وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:من بنى في رِباع قوم بإذنهم فله القيمة ومن بنى بغير إذنهم فله النقض. قال علماؤنا: إنما تكون له القيمة؛ لأنه بنى في موضع يملك منفعته. وذلك كمن بنى أو غرس بشبهة فله حقّ؛ إن شاء رب المال أن يدفع إليه قيمته قائماً، وإن أبى قيل للذي بنى أو غرس: ٱدفع إليه قيمة أرضه بَرَاحاً؛ فإن أبى كانا شريكين. قال ٱبن الماجِشون: وتفسير ٱشتراكهما أن تُقوَّم الأرض بَراحا، ثم تُقوّم بعمارتها فما زادت قيمتها بالعمارة على قيمتها بَرَاحاً كان العامل شريكاً لربّ الأرض فيها، إن أَحبّا قَسَما أو حَبَسا. قال ابن الجَهْم: فإذا دفع رب الأرض قيمة العمارة وأخذ أرضه كان له كِراؤها فيما مضى من السنين. وقد روي عن ابن القاسم وغيره أنه إذا بنى رجل في أرض رجل بإذنه ثم وجب له إخراجه، فإنه يعطيه قيمة بنائه مقلوعاً. والأوّل أصح لقوله عليه السَّلام:فله القيمةوعليه أكثر الفقهاء.

الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ} قيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعجبه الخبيث. وقيل: المراد به النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، وإعجابه له أنه صار عنده عجباً مما يشاهده من كثرة الكفار والمال الحرام، وقلة المؤمنين والمال الحلال. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تقدّم معناه.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَسْـَٔلُوا۟ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْـَٔلُوا۟ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ۝١٠١ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا۟ بِهَا كَٰفِرِينَ ۝١٠٢

فيه عشر مسائل:

الأُولىٰ روى البخاريّ ومسلم وغيرهما ـ واللفظ للبخاريّ ـ عن أنَس قال:

قال رجل يا نبيّ الله من أَبِي؟ قال: «أبوك فلان» قال فنزلت {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} الآية. وخرّج أيضاً عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: «فواللَّهِ لا تسألوني عن شيء إلاَّ أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا» فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟ قال: «النار». فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبِي يا رسول الله فقال: «أبوك حُذَافة» وذكر الحديث قال ابن عبد البر: عبد الله بن حُذَافة أسلم قديماً، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بَدْراً وكانت فيه دُعَابة، وكان رسولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أرسله إلى كسرى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولما قال من أبي يا رسول الله؛ قال: «أَبوكَ حُذافة» قالت له أُمُّه: ما سمعتُ بابن أعقّ منك آمنتَ أن تكون أُمك قَارَفْت ما يُقارِف نساء الجاهلية فتفضحها على أعين الناس!. فقال: والله لو ألحقنى بعبد أسود للحقت به. وروى الترمذيّ والدَّارَقُطْنِيّ عن عليّ رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97] قالوا: يا رسول الله أفي كلّ عام؟ فسكت، فقالوا: أفي كلّ عام؟ قال: «لا ولو قلتُ نعم لَوَجَبَت» فأنزل الله تعالىٰ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} إلى آخر الآية. واللفظ للدَّارَقُطْنِيّ سِئل البخاريّ عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن إلاَّ أنه مُرسَل؛ أبو البَخْتَرِيّ لم يُدرك علياً، واسمه سعيد. وأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ أيضاً عن أبي عِياض عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأيها الناس كتب عليكم الحج» فقام رجل فقال: في كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه، ثم عاد فقال: في كل عام يا رسول الله؟ فقال: «ومن القائل» قالوا: فلان؛ قال: «والذي نفسي بيده لو قلت نَعَم لَوَجَبت ولو وَجَبت ما أطقتموها ولو لم تُطيقوها لكفَرتم» فأنزل الله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} الآية. وقال الحسن البصري في هذه الآية: سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور الجاهلية التي عفا الله عنها، ولا وجه للسؤال عما عفا الله عنه. ورَوى مجاهد عن ابن عباس أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البَحِيرة والسَّائبة والوَصِيلة والحَام؛ وهو قول سعيد بن جُبَير؛ وقال: ألا ترى أن بعده { مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ } [المائدة:103] قلت: وفي الصحيح والمسند كفاية. ويحتمل أن تكون الآية نزلت جواباً للجميع، فيكون السؤال قريباً بعضه من بعض. والله أعلم. و «أشياء» وزنه أفعال؛ ولم يصرف لأنه مشبه بحمراء؛ قاله الكسائي. وقيل: وزنه أَفْعلاء؛ كقولك: هَيْن وأَهْوِناء؛ عن الفرّاء والأخفش ويُصغّر فيقال: «أُشَيَّاء؛ قال المازِني: يجب أن يُصغَر شُيَيْآت كما يصغر أصدقاء؛ في المؤنث صُدَيْقات وفي المذكر صُدَيْقون.

الثانية ـ قال ابن عون: سألت نافعاً عن قوله تعالى: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} فقال: لم تزل المسائل منذ قطّ تكره. روى مسلم عن المغيرة بن شُعْبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إنّ الله حرّم عليكم عُقوق الأمهات وَوَأْد البنات وَمَنْعاً وهات وكرِه لكم ثلاثاً قِيلَ وقالَ وكثرةَ السّؤالِ وإضاعة المالِ. قال كثير من العلماء: المراد بقوله «وكثرة السؤال» التكثير من السؤال في المسائل الفقهية تَنطُّعاً، وتكلفاً فيما لم ينزل، والأغلوطات وتشقيق المولدات، وقد كان السّلف يكرهون ذلك ويرونه من التكليف ويقولون؛ إذا نزلت النازلة وُفِّق المسؤولُ لها. قال مالك: أدركت أهل هذا البلد وما عندهم علم غير الكتاب والسنة، فإذا نزلت نازلة جمع الأمير لها من حضر من العلماء فما اتفقوا عليه أنفذه، وأنتم تكثرون المسائل وقد كرهها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل المُرَاد بكثرة المسائل كثرة سؤال الناس الأموال والحوائج إلحاحاً واستكثاراً؛ وقاله أيضاً مالك. وقيل: المراد بكثرة المسائل السؤال عما لا يعني من أحوال الناس بحيث يؤدّي ذلك إلى كشف عوراتهم والاطلاع على مساوئهم. وهذا مثل قوله تعالى: { { وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً } } [الحجرات: 12] قال آبن خُوَيْزِ مَنْدَاد: ولذلك قال بعض أصحابنا متى قُدِّم إليه طعام لم يسأل عنه من أين هذا أو عُرض عليه شيء يشتريه لم يسأل من أين هو، وحَمَل أمور المسلمين على السلامة والصحة.

قلت: والوجه حمل الحديث على عمومه فيتناول جميع تلك الوجوه كلها. والله أعلم.

الثالثة ـ قال ابن العربي: اعتقد قوم من الغافلين تحريم أسئلة النوازل حتى تقع تعلقاً بهذه الآية وليس كذلك؛ لأن هذه الآية مصرّحة بأن السؤال المنهي عنه إنما كان فيما تقع المسَاءةُ في جوابه، ولا مَسَاءَة في جواب نوازل الوقت فافترقا.

قلت: قوله اعتقد قوم من الغافلين فيه قبح، وإنما كان الأولى به أن يقول: ذهب قوم إلى تحريم أسئلة النوازل، لكنه جرى على عادته، وإنما قلنا كان أولى به؛ لأنه قد كان قوم من السلف يكرهها. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلعن من سأل عما لم يكن؛ ذكره الدَّارِمي في مسنده؛ وذكر عن الزهري قال: بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم قد كان حدّث فيه بالذي يَعلم، وإن قالوا: لم يكن قال فذروه حتى يكون. وأسند عن عَمَار بن يَاسِر وقد سئل عن مسئلة فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا؛ قال: دعونا حتى يكون، فإذا كان تجشَّمناها لكم. قال الدَّارِمي: حدّثنا عبدالله بن محمد بن أبي شيبة، قال حدثنا ابن فُضَيل عن عطاء عن ابن عباس قال: ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسئلة حتى قُبض، كلهن في القرآن؛ منهن

{ { يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ } } [البقرة: 217]، { { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ } } [البقرة: 222] وشبهه ما كانوا يسألون إلا عمّا ينفعهم.

الرابعة ـ قال ابن عبد البر: السؤال اليوم لا يُخاف منه أن ينزل تحريم ولا تحليل من أجله، فمن سأل مستفهماً راغباً في العلم ونَفى الجهل عن نفسه، باحثاً عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه، فلا بأس به، فشفاء العِي السؤال؛ ومن سأل متعنتاً غير متفقه ولا متعلم فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره؛ قال ابن العربي: الذي ينبغي للعالم أن يشتغل به هو بسط الأدلة، وإيضاح سُبُل النظر، وتحصيل مقدّمات الاجتهاد، وإعداد الآلة المعينة على الاستمداد؛ فإذا عرضت نازلة أُتيت من بابها، ونُشدت في مظانها، والله يفتح في صوابها.

الخامسة ـ قوله تعالى: {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} فيه غموض، وذلك أن في أوّل الآية النهي عن السؤال، ثم قال: {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} فأباحه لهم؛ فقيل: المعنى وإن تسألوا عن غيرها فيما مست الحاجة إليه، فحذف المضاف، ولا يصح حمله على غير الحذف. قال الجُرْجاني: الكناية في «عنها» ترجع إلى أشياء أخر؛ كقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} يعني آدم، ثم قال:

{ { ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً } } [المؤمنون: 13] أي ابن آدم؛ لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين، لكن لما ذكر الإنسان وهو آدم دلّ على إنسان مثله، وعُرف ذلك بقرينة الحال؛ فالمعنى وإن تسألوا عن أشياء حين يُنزَّل القرآن من تحليل أو تحريم أو حُكْم، أو مسّت حاجتكم إلى التفسير، فإذا سألتم فحينئذٍ تُبد لكم؛ فقد أباح هذا النوع من السؤال: ومثاله أنه بيّن عِدّة المطلقة والمتوفى عنها زوجها والحامل، ولم يجر ذكر عِدّةِ التي ليست بذات قُرء ولا حامل، فسألوا عنها فنزل { { وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ } } [الطلاق: 4]. فالنهي إذا في شيء لم يكن بهم حاجة إلى السؤال فيه؛ فأما ما مسّت الحاجة إليه فلا.

السادسة ـ قوله تعالى: {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا} أي عن المسئلة التي سلفت منهم. وقيل: عن الأشياء التي سألوا عنها من أمور الجاهلية وما جرى مجراها. وقيل: العفو بمعنى الترك؛ أي تركها ولم يُعرف بها في حلال ولا حرام فهو معفو عنها فلا تبحثوا عنه فلعله إن ظهر لكم حكمه ساءكم. وكان عُبيد بن عُمير يقول: إن الله أحل وحرّم فما أحلّ فاستحلوه، وما حرّم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحلّلها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله، ثم يتلو هذه الآية. وخرّج الدَّارقُطْني عن أبي ثَعْلبة الخُشَني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن الله تعالى فرض فرائض فلا تُضيعوها وحَرّم حُرُمات فلا تَنتهكوها وحَدّد حدوداً فلا تعتدوها وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنهاوالكلام على هذا التقدير فيه تقديم وتأخير؛ أي لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم، أي أمسك عن ذكرها فلم يوجب فيها حُكماً. وقيل: ليس فيه تقديم ولا تأخير؛ بل المعنى قد عفا الله عن مسألتكم التي سلفت، وإن كرهها النبي صلى الله عليه وسلم، فلا تعودوا لأمثالها. فقوله: «عنها» أي عن المسئلة، أو عن السؤالات كما ذكرناه.

السابعة ـ قوله تعالى: {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ} أخبر تعالى أن قوماً من قبلنا قد سألوا آياتٍ مثلها، فلما أعطوها وفرضت عليهم كفروا بها، وقالوا: ليست من عند الله؛ وذلك كسؤال قوم صالح الناقة، وأصحاب عيسى المائدة؛ وهذا تحذير ممّا وقع فيه من سبق من الأمم. والله أعلم.

الثامنة ـ إن قال قائل: ما ذكرتم من كراهية السّؤال والنّهي عنه، يعارضه قوله تعالى:

{ { فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } } [النحل: 43 والأنبياء: 7] فالجواب؛ أن هذا الذي أمر الله به عباده هو ما تقرّر وثبت وجوبه مما يجب عليهم العمل به، والذي جاء فيه النهي هو ما لم يتعبد الله عباده به؛ ولم يذكره في كتابه. والله أعلم.

التاسعة ـ روى مسلم عن عامر بن سعد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنّ أعظم المسلمين في المسلمين جُرماً من سأل عن شيء لم يُحرَّم على المسلمين فحُرم عليهم من أجل مسئلته، قال القُشَيْري أبو نصر: ولو لم يسأل العَجْلاني عن الزِّنى لما ثبت اللِّعَان. قال أبو الفرج الجَوْزي: هذا محمول على من سأل عن الشيء عَنَتاً وعَبثاً فعوقب بسوء قصده بتحريم ما سأل عنه؛ والتحريم يَعمّ.

العاشرة ـ قال علماؤنا: لا تعلق للقَدَرية بهذا الحديث في أن الله تعالى يفعل شيئاً من أجل شيء وبسببه، تعالى الله عن ذلك؛ فإنّ الله على كل شيء قدير، وهو بكل شيء عليم؛ بل السبب والداعي فعل من أفعاله، لكن سبق القضاء والقدر أن يحرم الشيء المسئول عنه إذا وقع السؤال فيه؛ لا أن السؤال موجب للتحريم، وعلّة له. ومثله كثير

{ { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } } [الأنبياء: 23].

مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍ وَلَا سَآئِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ۝١٠٣

فيه سبع مسائل:

الأُولى ـ قوله تعالى: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ}. جعل هنا بمعنى سَمَى، كما قال تعالى:

{ { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً } } [الزخرف: 3] أي سميّناه. والمعنى في هذه الآية ما سَمَى الله، ولا سَنّ ذلك حكماً، ولا تَعبّد به شرعاً، بَيْد أنه قَضَى به علماً، وأوجده بقدرته وإرادته خَلْقاً؛ فإن الله خالق كل شيء من خير وشر، ونفع وضرّ، وطاعة ومعصية.

الثانية ـ قوله تعالى: {مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ} «مِن» زائدة. والبحيرة فعِيلة بمعنى مفعولة، وهي على وزن النَّطِيحة والذَّبيحة. وفي الصحيح عن سعيد بن المسيّب: البحِيرة هي التي يمنع دَرُّها للطواغيت، فلا يَحتلبها أحدٌ من الناس. وأما السّائبة فهي التي كانوا يُسيبونها لآلهتهم. وقيل: البحِيرة لغة هي الناقة المشقوقة الأذن؛ يقال: بحَرتُ أذن الناقة أي شققتها شقاً واسعاً، والناقة بَحِيرة ومبحورة، وكان البحر علامة التخلية. قال ابن سيده: يقال البحيرة هي التي خُلّيت بلا راع، ويقال للناقة الغَزِيرة بَحِيرة. قال ابن إسحاق: البحيرة هي ابنة السائبة، والسائبة هي الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس بينهنّ ذَكر، لم يُركَب ظهرها ولم يُجزَّ وبرها، ولم يَشرب لبنها إلا ضيفٌ، فما نُتِجت بعد ذلك من أنثى شُقّت أذنها، وخُلّي سبيلها مع أُمها، فلم يُركَب ظهرُها ولم يجزَّ وبرها ولم يشرب لبنُها إلا ضيف كما فُعِل بأمّها فهي البحيرة أبنة السّائبة. وقال الشافعي: إذا نُتِجت الناقة خمسة أبطن إناثاً بُحرت أذنها فحرمت؛ قال:

محرّمة لا يَطعم الناس لحمهاولا نحن في شيء كذاك البحائر

وقال ابن عُزيز: البحيرة الناقة إذا نُتِجَت خمسة أبطن فإذا كان الخامس ذكراً نحروه فأكله الرجال والنساء، وإن كان الخامس أنثى بحروا أذنها ـ أي شقوه ـ وكانت حراماً على النساء لحمها ولبنها ـ وقاله عِكْرمة ـ فإذا ماتت حلّت للنساء. والسائبة البعير يُسيّب بنذر يكون على الرجل إن سلّمه الله من مرض، أو بلّغه منزلة أن يفعل ذلك، فلا تُحبَس عن رعي ولا ماء، ولا يركبها أحد؛ وقال به أبو عبيد: قال الشاعر:

وسائبة للَّه تَنْمِي تشكُّراًإن الِّلَهُ عافى عامراً أو مُجاشَعاً

وقد يُسيّبون غير الناقة، وكانوا إذا سيبوا العبد لم يكن عليه وَلاء، وقيل: السّائبة هي المخلاّة لا قيد عليها، ولا راعي لها؛ فاعل بمعنى مفعول، نحو «عيشة راضية» أي مرضية. من سابت الحيةُ وانسابت؛ قال الشاعر:

عقرتم ناقة كانت لرّبيوسائبةً فقوموا للعِقاب

وأما الوصيلة والحام؛ فقال ابن وهب قال مالك: كان أهل الجاهلية يعتقون الإبل والغنم يُسيّبونها؛ فأمّا الحام فمن الإبل؛ كان الفحل إذا انقضى ضِرابه جعلوا عليه من ريش الطواويس وسيبوه؛ وأما الوصِيلة فمن الغنم إذا ولدت أنثى بعد أنثٰى سيّبوها. وقال ابن عُزيز: الوصيلة في الغنم؛ قال: كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا؛ فإذا كان السابع ذكراً ذُبح وأَكل منه الرجال والنساء، وإن كان أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكراً وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم تُذبح لمكانها، وكان لحمها حراماً على النساء، ولبن الأنثى حراماً على النساء إلا أن يموت منهما شيء فيأكله الرجال والنساء. والحامي الفحل إذا رُكب ولد ولده. قال:

حَماها أبو قابُوسَ في عزِّ مُلْكهكما قد حَمَى أولادَ أولاده الفحلُ

ويقال: إذا نُتِج من صُلبْه عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهرَه فلا يُركب ولا يُمنع من كَلاَءٍ ولا ماء. وقال ابن إسحاق: الوصيلة الشاة إذا أتْأَمَتْ عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس بينهن ذكر، قالوا: وصلت؛ فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون الإناث، إلا أن يموت شيء منها فيشترك في أكله ذكورهم وإناثهم.

الثالثة ـ روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

رأيت عمرو بن عامر الخِزاعي يَجرّ قُصْبه في النار وكان أوّل من سيّب السوائبوفي روايةعمرو بن لُحَي بن قَمَعة بن خِنْدِف أخا بني كعب هؤلاء يجرّ قُصْبه في النار ». وروى أبو هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجُون: «رأيت عمرو بن لُحَي بن قمعة بن خندف يجرّ قُصْبه في النار فما رأيت رجلاً أشبه برجل منك به ولا به منك» فقال أكثم: أخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؛ قال: «لا إنك مؤمن وهو كافر إنه أوّل من غيَّر دين إسماعيل وبَحّر البحيرة وسيّب السائبة وحَمى الحامي» وفي روايةرأيته رجلاً قصيراً أشعر له وَفْرة يجرّ قُصْبه في النار. وفي رواية ابن القاسم وغيره عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:إنه يؤذي أهل النار بريحه. مرسل ذكره ابن العربي. وقيل: إن أوّل من ابتدع ذلك جناده بن عوف. والله أعلم. وفي الصحيح كفاية. وروى ابن إسحاق: أن سبب نصب الأوثان، وتغيير دين إبراهيم ـ عليه السلام ـ عمرو بن لُحَي خرج من مكة إلى الشام، فلما قدم مآب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق أولاد عَمليق ـ ويُقال عِملاق ـ بن لاوِذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا: هذه أصنام نستمطر بها فنمطر، ونستنصر بها فننصر؛ فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنماً أسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوه صنماً يقال له: «هُبل» فقدم به مكة فنصبه، وأخذ الناس بعبادته وتعظيمه؛ فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم أنزل الله عليه {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ} {وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني من قريش وخُزاعة ومشركي العرب {يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} بقولهم: إن الله أمر بتحريمها، ويزعمون أنهم يفعلون ذلك لرضا ربهم في طاعة الله، وطاعة الله إنما تعلم من قوله، ولم يكن عندهم من الله بذلك قول، فكان ذلك مما يفترونه على الله. وقالوا: { { مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا } } [الأنعام: 139] يعني من الولد والألبان {وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً} يعني إن وضعته ميتاً اشترك فيه الرجال والنساء؛ فذلك قوله عز وجل: {فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} أي بكذبهم العذاب في الآخرة { { إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } } [الأنعام: 139] أي بالتحريم والتحليل. وأنزل عليه: { { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ } } [يونس: 59] وأنزل عليه: { { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } } [الأنعام: 143] الآية، وأنزل عليه: { { وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ } } [الأنعام: 138] الآية.

الرابعة ـ تعلق أبو حنيفة رضي الله عنه في منعه الأحباس وردّه الأوقاف؛ بأن الله تعالى عاب على العرب ما كانت تفعل من تسيِيب البهائم وحمايتها وحبس أنفاسها عنها، وقاس على البحيرة والسائبة؛ والفرق بَينٌ. ولو عَمِد رجل إلى ضيعة له فقال: هذه تكون حبساً، لا يُجْتَنى ثمرُها، ولا تُزرع أرضُها، ولا يُنتفع منها بنفع، لجاز أن يشبّه هذا بالبحيرة والسائبة. وقد قال علقمة لمن سأله عن هذه الأشياء: ما تريد إلى شيء كان من عمل أهل الجاهلية وقد ذهب. وقال نحوَه ابن زيد. وجمهور العلماء على القول بجواز الأحباس والأوقاف ما عدا أبا حنيفة وأبا يوسف وزُفَر؛ وهو قول شُرَيْح إلاّ أن أبا يوسف رجع عن قول أبي حنيفة في ذلك لما حدّثه ابن عُلَيّة عن ابن عون عن نافع

عن ابن عمر أنه أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يتصدق بسهمه بخيبر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احبس الأصل وسبِّل الثمرة» . وبه يحتج كل من أجاز الأحباس؛ وهو حديث صحيح قاله أبو عمر. وأيضاً فإن المسئلة إجماع من الصحابة وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وعائشة وفاطمة وعمرو بن العاص وابن الزبير وجابراً كلهم وقفوا الأوقاف، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة مشهورة. وروى أن أبا يوسف قال لمالك بحضرة الرشيد: إن الحبس لا يجوز؛ فقال له مالك: هذه الأحباس أحباس رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر وفَدَك وأحباس أصحابه. وأما ما احتج به أبو حنيفة من الآية فلا حجة فيه؛ لأن الله سبحانه إنما عاب عليهم أن تصرفوا بعقولهم بغير شرع تَوَجه إليهم، أو تكليف فُرِض عليهم في قطع طريق الانتفاع، وإذهاب نعمة الله تعالى، وإزالة المصلحة التي للعباد في تلك الإبل. وبهذا فارقت هذه الأمور الأحباس والأوقاف. ومما احتج به أبو حنيفة وزُفَر ما رواه عطاء عن ابن المسيب قال: سألت شريحاً عن رجل جعل داره حبساً على الآخِر من ولده فقال: لا حبس عن فرائض الله؛ قالوا: فهذا شُرَيْح قاضي عمر وعثمان وعلي الخلفاء الراشدين حكم بذلك. واحتج أيضاً بما رواه ابن لهِيعة عن أخيه عيسى، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعدما أنزلت سورة «النساء» وأنزل الله فيها الفرائض: ينهى عن الحبس. قال الطبري: الصدقة التي يمضيها المتصدّق في حياته على ما أذِن الله به على لسان نبيه وعمِل به الأئمة الراشدون رضي الله عنهم ليس من الحبس عن فرائض الله؛ ولا حجة في قول شريح ولا في قول أحد يُخالف السنة، وعمل الصحابة الذين هم الحجة على جميع الخلق؛ وأما حديث ابن عَباس فرواه ابن لهِيعة، وهو رجل اختلط عقله في آخر عمره، وأخوه غير معروف فلا حُجّة فيه؛ قاله ابن القصار.

فإن قيل: كيف يجوز أن تخرج الأرض بالوقف عن ملك أربابها لا إلى ملك مالك؟ قال الطحاوي يقال لهم: وما ينكر من هذا وقد اتفقت أنت وخصمك على الأرض يجعلها صاحبها مسجداً للمسلمين، ويخلّي بينهم وبينها، وقد خرجت بذلك من مِلك إلى غير مالك، ولكن إلى الله تعالى؛ وكذلك السقايات والجسور والقناطر، فما ألزمت مخالفك في حجتك عليه يلزمك في هذا كله. والله أعلم.

الخامسة ـ اختلف المجيزون للحبس فيما للمحبِس من التصرف؛ فقال الشافعي: ويحرم على الموقِف ملكه كما يحرم عليه ملك رقبة العبد، إلا أنه جائز له أن يتولّى صدقته، وتكون بيده ليفرقها ويسبلها فيما أخرجها فيه؛ لأن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ لم يزل يلي صدقته ـ فيما بلغنا ـ حتى قبضه الله عز وجل. قال: وكذلك علي وفاطمة رضي الله عنهما كان يليان صدقاتهما؛ وبه قال أبو يوسف. وقال مالك: من حبس أرضاً أو نخلاً أو داراً على المساكين وكانت بيده يقوم بها ويكريها ويقسمها في المساكين حتى مات والحبس في يديه، أنه ليس بحبس ما لم يُجِزه غيره وهو ميراث؛ والرّبع عنده والحوائط والأرض لا ينفذ حبسها، ولا يتم حوزها، حتى يتولاه غير من حبّسه، بخلاف الخيل والسلاح؛ هذا محصل مذهبه عند جماعة أصحابه؛ وبه قال ابن أبي ليلى.

السادسة ـ لا يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه؛ لأنه أخرجه لله وقطعه عن ملكه، فانتفاعه بشيء منه رجوع في صدقته؛ وإنما يجوز له الإنتفاع إن شرط ذلك في الوقف، أو أن يفتقر المحبِّسُ، أو ورثتُه فيجوز لهم الأكل منه. ذكر ابن حبيب عن مالك قال: من حبس أصلاً تجري غلته على المساكين فإن ولده يعطون منه إذا افتقروا ـ كانوا يوم حبَّس أغنياء أو فقراء ـ غير أنهم لا يعطون جميع الغلة مخافة أن يندرس الحبس، ولكن يبقى منه سهم للمساكين ليبقى عليه اسم الحبس؛ ويكتب على الولد كتاب أنهم إنما يعطون منه ما أُعطوا على سبيل المسكنة، وليس على حق لهم دون المساكين.

السابعة ـ عِتْقُ السائبة جائز؛ وهو أن يقول السيد لعبده أنت حر وينوي العتق، أو يقول: أعتقتك سائبة؛ فالمشهور من مذهب مالك عند جماعة أصحابه أن ولاءه لجماعة المسلمين، وعتقه نافذ؛ هكذا روى عنه ابن القاسم وابن عبد الحَكَم وأشهب وغيرهم، وبه قال ابن وهب؛ وروى ابن وهب عن مالك قال: لا يعتق أحد سائبة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وعن هبته؛ قال ابن عبدالبر: وهذا عند كل من ذهب مذهبه، إنما هو محمول على كراهة عتق السائبة لا غير؛ فإن وقع نفذ وكان الحكم فيه ما ذكرناه. وروى ابن وهب أيضاً وابن القاسم عن مالك أنه قال: أنا أكره عتق السائبة وأنهى عنه؛ فإن وقع نفذ وكان ميراثاً لجماعة المسلمين، وعَقْلُه عليهم. وقال أصبغ: لا بأس بعتق السائبة ابتداء؛ ذهب إلى المشهور من مذهب مالك؛ وله احتج إسماعيل القاضي ابن إسحاق وإياه تقلد. ومن حجته في ذلك أن عتق السائبة مستفيض بالمدينة لا ينكره عالم، وأن عبدالله بن عمر وغيره من السلف أعتقوا سائبة. وروي عن ابن شهاب وربيعة وأبي الزِّناد وهو قول عمر بن عبدالعزيز وأبي العالية وعطاء وعمرو بن دينار وغيرهم.

قلت: أبو العالية الرياحِي البصريّ التميميّ ـ رضي الله عنه ـ ممن أُعتِق سائبة؛ أعتقته مولاة له من بني رِياح سائبة لوجه الله تعالى، وطافت به على حِلق المسجد، وٱسمه رفيع بن مِهران، وقال ابن نافع: لا سائبة اليوم في الإسلام، ومن أعتق سائبة كان ولاؤه له؛ وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وابن الماجِشون، ومال إليه ابن العربيّ؛ واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم:

من أعتق سائبة فولاؤه لهوبقوله:إنما الولاء لمن اعتق. فنفى أن يكون الولاء لغير معتِق؛ واحتجوا بقوله تعالى: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ} وبالحديث:لا سائبة في الإسلاموبما رواه أبو قيس عن هُزَيْل بن شَرَحْبِيل قال قال رجل لعبد الله: إني أعتقت غلاماً لي سائبة فماذا ترى فيه؟ فقال عبد الله: إن أهل الإسلام لا يسيِّبون، إنما كانت تسيّب الجاهلية؛ أنت وارثه وولِيّ نعمته.
الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026 23 جمادى الأولى 1448 هـ