انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير القرطبيالآيات 59–82

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير القرطبي.

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَٰسِقُونَ ۝٥٩ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَ أُو۟لَٰٓئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ۝٦٠

قوله تعالى: {قُلْ يَـۤأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ} قال ابن عباس رضي الله عنه: جاء نَفَر من اليهود ـ فيهم أبو ياسر بن أخطب ورافِع بن أبي رافع ـ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل عليهم السلام؛ فقال:

نؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} فلما ذكر عيسى عليه السلام جحدوا نبوّته وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم ولا دِيناً شراً من دينكم؛ فنزلت هذه الآية وما بعدها، وهي متصلة بما سبقها من إنكارهم الأذان؛ فهو جامع للشهادة لله بالتوحيد، ولمحمد بالنبوة، والمتناقض دِين من فرق بين أنبياء الله لا دِين من يؤمن بالكل. ويجوز إدغام اللام في التاء لقربها منها. و «تَنْقِمُونَ» معناه تسخطون، وقيل: تكرهون وقيل: تنكرون، والمعنى متقارب؛ يقال: نَقَم من كذا يَنْقِم ونَقِم يَنْقَم، والأول أكثر؛ قال عبد الله بن قيس الرُّقَيَّاتِ:

ما نَقَمُوا من بني أُمَيَّة إلاَّأنهم يَحلُمون إن غَضِبُوا

وفي التنزيل { { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ } } [البروج: 8] ويقال: نَقِمتُ على الرجل بالكسر فأنا ناقِم إذا عتبتَ عليه؛ يقال: ما نَقِمْتُ عَلَيْه الإحسان. قال الكسائي: نَقِمت بالكسر لغة، ونَقَمتُ الأمر أيضاً ونَقِمته إذا كرهته، وانتقم الله منه أي عاقبه، والاسم منه النّقمة، والجمع نَقِمات ونَقِم مثل كلمة وكَلِمات وكَلِمِ، وإن شئت سكّنت القاف ونقلت حركتها إلى النون فقلت: نِقْمة والجمع نِقَم؛ مثل نِعْمة ونِعم، {إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ} في موضع نصب بـ «تنقِمون» و «تَنْقِمُونَ» بمعنى تعِيبون، أي هل تنقِمون مِنا إلا إيماننا بالله وقد علمتم أنا على الحق. {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} أي في ترككم الإيمان، وخروجكم عن ٱمتثال أمر الله؛ فقيل هو مثل قول القائل: هل تنقم منّى إلا أنّي عفيفٌ وأنّك فاجر. وقيل: أي لأن أكثركم فاسقون تنقِمون منا ذلك.

قوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ} أي بشرٍّ من نقمكم علينا. وقيل: بشرّ ما تريدون لنا من المكروه؛ وهذا جواب قولهم: ما نعرف ديناً شرّاً من دينكم. {مَثُوبَةً} نصب على البيان؛ وأصلها مفعولة فألقيت حركة الواو على الثاء فسكنت الواو وبعدها واو ساكنة فحذفت إحداهما لذلك؛ ومثله مَقُولة ومَجُوزة ومَضُوفة على معنى المصدر؛ كما قال الشاعر:

وكنتُ إذا جارِي دَعَا لِمَضُوفةٍأشَمِّرُ حتى يَنْصُفَ السَّاقَ مِئْزَرِي

وقيل: مَفْعُلة كقولك مَكْرُمة وَمَعْقُلة. {مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ} «مَنْ» في موضع رفع؛ كما قال: { { بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ } } [الحج: 72] والتقدير: هو لعن من لعنه الله، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى: قل هل أنبئكم بشر من ذلك من لعنه الله، ويجوز أن يكون في موضع خفض على البدل من شر والتقدير: هل أنبئكم بمن لعنه الله؛ والمراد اليهود. وقد تقدم القول في الطاغوت، أي وجعل منهم من عَبَد الطاغوتَ، والموصول محذوف عند الفراء. وقال البصريون: لا يجوز حذف الموصول؛ والمعنى من لعنه الله وعَبَد الطاغوتَ.

وقرأ ٱبن وثّاب والنَّخَعيّ «أُنْبِئُكُمْ» بالتخفيف. وقرأ حمزة: «عَبُدَ الطَّاغُوت» بضم الباء وكسر التاء؛ جعله إسماً على فَعُل كعَضُد فهو بناء للمبالغة والكثرة؛ كيَقُظ ونَدُس وحَذُر، وأصله الصفة؛ ومنه قول النابغة.

مِن وَحْشِ وَجْرة مَوْشِيّ أَكَارِعُهطَاوِي المَصِيرِ كَسيف الصَّيْقَل الفَرُد

بضم الراء. ونصبه بـ «جعل»؛ أي جعل منهم عَبُداً للطاغوتِ، وأضاف عَبُد إلى الطاغوت فخفضه. وجَعَل بمعنى خلق، والمعنى: وجَعَل منهم من يبالغ في عِبادة الطاغوت. وقرأ الباقون بفتح الباء والتاء؛ وجعلوه فعلاً ماضياً، وعَطفوه على فعل ماض وهو غَضِب ولَعَن؛ والمعنى عندهم من لَعَنه الله ومن عَبَد الطاغوتَ، أو منصوباً بـ «جعل»؛ أي جَعَل منهم القِردة والخنازير وَعَبد الطاغوتَ. ووحد الضمير في عَبَد حملاً على لفظ «مَنْ» دون معناها. وقرأ أُبيّ وٱبن مسعود «وَعَبَدُوا الطاغوتَ» على المعنى. ٱبن عباس: «وعُبُدَ الطَّاغُوتِ»، فيجوز أن يكون جمع عَبْد كما يقال: رَهْن ورُهُن، وسَقْف وسُقُف، ويجوز أن يكون جمع عِباد كما يقال: مِثَال ومُثُل، ويجوز أن يكون جمع عَبِيد كرغيف ورُغُفٍ ويجوز أن يكون جمع عابد كبازِل وبُزُل؛ والمعنى: وخدم الطّاغوتِ. وعن ٱبن عباس أيضاً «وعُبَّدَ الطَّاغوتَ» جعله جمع عابد كما يقال: شَاهِد وشُهَّد وغَايب وغُيَّب. وعن أَبي واقد: وعُبَّاد الطاغوتِ للمبالغة، جمع عابد أيضاً؛ كعامل وعُمّال، وضارب وضُرّاب. وذكر محبوب أن البصريين قرءوا: «وعِبَادَ الطاغوتِ» جمع عابد أيضاً، كقائم وقيَام، ويجوز أن يكون جمع عَبْد. وقرأ أبو جعفر الرؤاسي «وعُبِدَ الطّاغُوتُ» على المفعول، والتقدير: وعُبِدَ الطاغوتُ فيهم. وقرأ عون العُقَيْليّ وٱبن بُرَيدة: «وعَابِدُ الطَّاغُوتِ» على التوحيد، وهو يؤدّي عن جماعة. وقرأ ٱبن مسعود أيضاً «وعُبَدَ الطَّاغُوتِ» وعنه أيضاً وأُبيّ «وعُبِدَتِ الطَّاغُوتُ» على تأنيث الجماعة؛ كما قال تعالى: { { قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ } } [الحجرات: 14]. وقرأ عبيد بن عمير: «وَأَعْبُدَ الطَّاغُوتِ» مثل كلب وأكلب. فهذه ٱثنا عشر وجهاً.

قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً} لأن مكانهم النار؛ وأما المؤمنون فلا شَرّ في مكانهم. وقال الزجاج: أُولئك شر مكاناً على قولكم. النحاس: ومن أحسن ما قيل فيه: أُولئك الذين لعنهم الله شر مكاناً في الآخرة من مكانكم في الدنيا لِما لحقكم من الشرّ. وقيل: أُولئك الذين لعنهم الله شر مكاناً من الذين نقموا عليكم. وقيل: أُولئك الذين نقموا عليكم شر مكاناً من الذين لعنهم الله. ولما نزلت هذه الآية قال المسلمون لهم: يا إخوة القِردة والخنازير فنكّسوا رؤوسَهم ٱفتضاحاً، وفيهم يقول الشاعر:

فلعنة الله على اليهودإن اليهود إخوة القرود

وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا۟ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا۟ بِهِۦ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْتُمُونَ ۝٦١ وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٦٢ لَوْلَا يَنْهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ۝٦٣

قوله تعالى: {وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا} الآية. هذه صفة المنافقين، والمعنى أنهم لم ينتفعوا بشيء مما سمِعوه، بل دخلوا كافرين وخرجوا كافرين. {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ} أي من نفاقهم. وقيل: المراد اليهود الذين قالوا: آمنوا بالذي أُنزِل على الذين آمنوا وجه النهار إذا دخلتم المدينة، وٱكفروا آخره إذا رجعتم إلى بيوتكم، يدل عليه ما قبله من ذكرهم وما يأتي. قوله تعالى: {وَتَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ} يعني من اليهود. {يُسَارِعُونَ فِي ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} أي يسابقون في المعاصي والظلم {وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.

قوله تعالى: {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ} «لولا» بمعنى أفلا. «ينهاهم» يزجرهم. «الرَّبَّانِيُّون» علماء النصارى. «والأحبار» علماء اليهود؛ قاله الحسن. وقيل: الكل في اليهود؛ لأن هذه الآيات فيهم. ثم وبّخ علماءهم في تركهم نهيهم فقال: {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} كما وبّخ من يسارع في الإثم بقوله: {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} ودلت الآية على أن تارك النهي عن المنكر كمرتكب المنكر؛ فالآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد مضى القول في هذا المعنى في «البقرة» و «آل عمران». وروى سفيان بن عيينة قال: حدّثني سفيان بن سعيد

عن مِسعر قال بلغني أن مَلَكاً أُمِر أن يخسف بقرية فقال: يا رب فيها فلان العابد فأوحى الله تعالى إليه: «أَنْ به فٱبدأ فإنه لم يَتَمَعَّر وجهه فيّ ساعة قط» . وفي صحيح الترمذي:إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده. وسيأتي. والصنع بمعنى العمل إلا أنه يقتضي الجودة؛ يقال: سيف صنيع إذا جُوِّد عمله.

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ كُلَّمَآ أَوْقَدُوا۟ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝٦٤

قوله تعالى: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ}. قال عِكْرمة: إنما قال هذا فنْحَاص بن عازُوراء لعنه الله وأصحابه، وكان لهم أموال فلما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم قَلّ مالهُم؛ فقالوا: إن الله بخيل، ويد الله مقبوضة عنا في العطاء؛ فالآية خاصة في بعضهم. وقيل: لما قال قوم هذا ولم ينكر الباقون صاروا كأنهم بأجمعهم قالوا هذا. وقال الحسن: المعنى يد الله مقبوضة عن عذابنا. وقيل: إنهم لما رأُوا النبي صلى الله عليه وسلم في فقر وقلة مال وسمعوا

{ { مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } } [البقرة: 245] ورأُوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يستعين بهم في الدّيات قالوا: إن إله محمد فقير، وربما قالوا: بخيل؛ وهذا معنى قولهم: {يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} فهو على التمثيل كقوله: { { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ } } [الإسراء: 29]. ويقال للبخيل: جَعْدُ الأنامل، ومقبوض الكفّ، وكَزُّ الأصابع، ومغلول اليد؛ قال الشاعر:

كانت خُراسان أرضاً إذْ يَزيدُ بهاوكلُّ باب من الخيرات مفتوح فاستبدلت بعده جَعْداً أناملهكأنّما وجهه بالخلِّ منضوح

واليد في كلام العرب تكون للجارحة كقوله تعالى: { { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً } } [صۤ: 44] وهذا محال على الله تعالى. وتكون للنعمة؛ تقول العرب: كم يدٌ لي عند فلان، أي كم من نعمة لي قد أسديتها له، وتكون للقوّة؛ قال الله عز وجل { { وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ } } [صۤ: 17] أي ذا القوّة وتكون للملِك والقدرة؛ قال الله تعالى { { قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ } } [آل عمران: 73]. وتكون بمعنى الصلة قال الله تعالى: { { مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً } } [يسۤ: 71] أي مما عملنا نحن. وقال: { { أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ } } [البقرة: 237] أي الذي له عقدة النكاح. وتكون بمعنى التأييد والنصرة، ومنه قوله عليه السلام:يد الله مع القاضي حتى يقضِي والقاسم حتى يَقسِم. وتكون لإضافة الفعل إلى المخبَر عنه تشريفاً له وتكريماً؛ قال الله تعالى: { { يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } } [صۤ: 75] فلا يجوز أن يحمل على الجارحة؛ لأن الباري جلّ وتعالى واحد لا يجوز عليه التبعيض، ولا على القوّة والمِلك والنعمة والصّلة، لأن الاشتراك يقع حينئذٍ بين وليه آدم وعدوّه إبليس، ويبطل ما ذكر من تفضيله عليه؛ لبطلان معنى التخصيص، فلم يبق إلا أن تُحمَل على صفتين تعلّقتا بخلق آدم تشريفاً له دون خلق إبليس تَعلُّق القدرة بالمقدور، لا من طريق المباشرة ولا من حيث المماسَّة؛ ومثله ما روى أنه عز اسمه وتعالى علاه وجده أنه كَتَب التّوراة بيده، وغَرَس دار الكرامة بيده لأهل الجنة، وغير ذلك تعلق الصفة بمقتضاها.

قوله تعالى: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} حُذفت الضّمة من الياء لثقلها؛ أي غُلّت في الآخرة، ويجوز أن يكون دعاء عليهم،

وكذا {وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} والمقصود تعليمنا كما قال:

{ { لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ } } [الفتح: 27]؛ علمنا الاستثناء كما علّمنا الدعاء على أبي لهب بقوله: { { تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ } } [المسد: 1] وقيل: المراد أنهم أبخل الخلق؛ فلا ترى يهودياً غير لئيم. وفي الكلام على هذا القول إضمار الواو؛ أي قالوا: يد الله مغلولة وغلت أيديهم. واللعن الإبعاد، وقد تقدّم.

قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} ابتداء وخبر؛ أي بل نعمته مبسوطة؛ فاليد بمعنى النعمة. قال بعضهم: هذا غلط؛ لقوله: «بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ» فنِعَم الله تعالى أكثر من أن تحصى فكيف تكون بل نعمتاه مبسوطتان؟ وأُجيب بأنه يجوز أن يكون هذا تثنية جنس لا تثنية واحد مفرد؛ فيكون مثل قوله عليه السلام:

مَثَلُ المنافِق كالشاة العائرة بين الغنمين. فأحد الجنسين نعمة الدنيا، والثاني نعمة الآخرة. وقيل نعمتا الدنيا النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة؛ كما قال: { { وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً } } [لقمان: 20]. وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه:النعمة الظاهرة ما حسن من خلقك، والباطنة ما سَتَر عليك من سيّء عملك. وقيل: نعمتاه المطر والنبات اللتان النعمة بهما ومنهما. وقيل: إنّ النعمة للمبالغة؛ كقول العرب: «لبيك وسعديك» وليس يريد الاقتصار على مرتين؛ وقد يقول القائل: مالي بهذا الأمر يد أي قوّة. قال السديّ؛ معنى قوله «يداه» قوتاه بالثواب والعقاب، بخلاف ما قالت اليهود: إن يده مقبوضة عن عذابهم. وفي صحيح مسلم عن أبي هُريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:إنّ الله تعالى قال لي أَنفِق أُنفِق عليك. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يَمينُ الله مَلأَى لا يَغِيضُها سَحَّاءُ الليلَ والنهارَ أرأيتم ما أنفق مذ خَلَقَ السمواتِ والأرضَ فإنه لم يَغِض ما في يمينَه ـ قال ـ وعَرشُه على الماء وبِيده الأُخرى القَبْض يرفع ويَخْفِض. السَّح الصَّب الكثير. ويَغيض ينقص؛ ونظير هذا الحديث قوله جل ذِكره: { { وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ } } [البقرة: 245]. وأما هذه الآية ففي قراءة ٱبن مسعود «بَلْ يَدَاهُ بُسْطَانِ» حكاه الأخفش، وقال يقال: يد بُسطَةٌ، أي منطلقة منبسطة. {يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} أي يرزق كما يريد. ويجوز أن تكون اليد في هذه الآية بمعنى القدرة؛ أي قدرته شاملة، فإن شاء وسع وإن شاء قتر. {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم} لام قسم. {مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} أي بالذي أنزِل إليك. {طُغْيَاناً وَكُفْراً} أي إذا نزل شيء من القرآن فكفروا ٱزداد كفرهم. {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ} قال مجاهد: أي بين اليهود والنصارى؛ لأنه قال قبل هذا {لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ}. وقيل: أي ألقينا بين طوائف اليهود، كما قال: { { تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ } } [الحشر: 14] فهم متباغضون غير متفقين؛ فهم أبغض خلق الله إلى الناس. {كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ} يريد اليهود. و «كلما» ظرف؛ أي كلما جمعوا وأعدّوا شتت الله جمعهم. وقيل: إن اليهود لما أفسدوا وخالفوا كتاب الله ـ التوراة ـ أرسل الله عليهم بُختنَصَّر، ثم أفسدوا فأرسل عليهم بطرس الروميّ، ثم أفسدوا فأرسل عليهم المجوس، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين؛ فكانوا كلما استقام أمرهم شتتهم الله؛ فكلما أوقدوا ناراً أي أهاجوا شرّاً، وأجمعوا أمرهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم {أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ} وقهرهم ووهّن أمرهم فذِكْر النار مستعار. قال قتادة: أذلهم الله جل وعز؛ فلقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم وهم تحت أيدي المجوس، ثم قال جلّ وعزّ: {وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً} أي يسعون في إبطال الإسلام، وذلك من أعظم الفساد، وٱللَّه أعلم. وقيل: المراد بالنار هنا نار الغضب، أي كلما أوقدوا نار الغضب في أنفسهم وتجمعوا بأبدانهم وقوة النفوس منهم باحتِدام نار الغضب أطفأها الله حتى يضعفوا؛ وذلك بما جعله من الرّعب نصرة بين يدي نبيّه صلى الله عليه وسلم.

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَٰهُمْ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ۝٦٥ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ ۝٦٦

قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ} «أَنَّ» في موضع رفع، وكذا {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ}. {آمَنُواْ} صدّقوا. {وَٱتَّقَوْاْ} أي الشرك والمعاصي. {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ} اللام جواب «لو» وكفّرنا غطّينا، وقد تقدم. وإقامة التوراة والإنجيل العمل بمقتضاهما وعدم تحريفهما؛ وقد تقدّم هذا المعنى في «البقرة» مستوفى. {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ} أي القرآن. وقيل: كتب أنبيائهم. {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} قال ٱبن عباس وغيره: يعني المطر والنبات: وهذا يدل على أنهم كانوا في جَدْب. وقيل: المعنى لوسعنا عليهم في أرزاقهم وأكلوا أكلاً متواصلاً؛ وذكر فوق وتحت للمبالغة فيما يفتح عليهم من الدنيا؛ ونظير هذه الآية

{ { وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } } [الطلاق: 2-3] { { وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً } } [الجن: 16] { { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ } } [الأعراف: 96] فجعل تعالى التُّقى من أسباب الرزق كما في هذه الآيات، ووعد بالمزيد لمن شَكَر فقال: { { لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ } } [إبراهيم: 7] ثم أخبر تعالى أن منهم مقتصداً ـ وهم المؤمنون منهم كالنجاشي وسَلمْان وعبدالله بن سلام ـ اقتصدوا فلم يقولوا في عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام إلا ما يليق بهما. وقيل: أراد بالاقتصاد قوماً لم يؤمنوا، ولكنهم لم يكونوا من المؤذين المستهزئين، والله أعلم. والاقتصاد الاعتدال في العمل؛ وهو من القصد، والقصد إتيان الشيء؛ تقول: قصدته وقصدت له وقصدت إليه بمعنى. {سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ} أي بئس شيء عَمِلوه؛ كذبوا الرسل، وحَرّفوا الكتب وأَكَلوا السّحت.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٦٧

فيه مسئلتان:

الأولى ـ قوله تعالى: {يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}. قيل: معناه أَظهِر التبليغ؛ لأنه كان في أوّل الإسلام يخفيه خوفاً من المشركين، ثم أمر بإظهاره في هذه الآية، وأعلمه الله أنه يَعصِمه من الناس. وكان عمر رضي الله عنه أوّل من أظهر إسلامه وقال: لا نَعبد الله سِراً؛ وفي ذلك نزلت:

{ { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } } [الأنفال: 64] فدلت الآية على ردّ قول من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً من أمر الدين تَقِيَّة، وعلى بطلانه، وهم الرَّافضة، ودّلت على أنه صلى الله عليه وسلم لم يُسِرَّ إلى أحد شيئاً من أمر الدِّين؛ لأن المعنى بَلِّغ جميع ما أُنزل إليك ظاهراً، ولولا هذا ما كان في قوله عز وجل: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} فائدة. وقيل: بلغ ما أنزل إليك من ربك في أمر زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها. وقيل غير هذا، والصحيح القول بالعموم؛ قال ابن عباس: المعنى بَلِّغ جميع ما أنزل إليك من ربك، فإن كتمتَ شيئاً منه فما بلَّغتَ رِسالته؛ وهذا تأديب للنبي صلى الله عليه وسلم، وتأديب لحملة العِلم من أمته ألاّ يكتموا شيئاً من أمر شريعته، وقد علِم الله تعالى من أمرِ نبيه أنه لا يكتم شيئاً من وَحْيه؛ وفي صحيح مسلم عن مسروق عن عائشة أنها قالت: من حدثك أن محمداً صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً من الوحي فقد كذب؛ والله تعالى يقول: {يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} وقبّح الله الروافض حيث قالوا: إنه صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً مما أوحى الله إليه كان بالناس حاجة إليه.

الثانية ـ قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} دليل على نبوّته؛ لأن الله عزّ وجلّ أخبر أنه معصوم، ومن ضمن سبحانه له العِصمة فلا يجوز أن يكون قد ترك شيئاً مما أَمَره الله به. وسبب نزول هذه الآية:

أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نازلاً تحت شجرة فجاء أعرابي فاخْتَرَطَ سيفه وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: من يمنعك مني؟ فقال: «الله»؛ فذُعِرت يدُ الأعرابي وسقط السيف من يدِه، وضرب برأسه الشجرة حتى ٱنتثر دِماغه؛ ذكره المهدوي. وذكره القاضي عِياض في كتاب الشّفاء قال: وقد رُوِيت هذه القصة في الصحيح، وأن غَوْرَث بن الحارث صاحب القصة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عنه؛ فرجع إلى قومه وقال: جئتكم من عند خير الناس. وقد تقدّم الكلام في هذا المعنى في هذه السورة عند قوله: { { إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ } } [المائدة: 11] مستوفى، وفي «النساء» أيضاً في ذِكر صلاة الخوف. وفي صحيح ومسلم عن جابر بن عبدالله قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة قِبلَ نَجْدٍ فأدركَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في وادٍ كثير العِضَاهِ فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلَّق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي يَستظِلُّون بالشجر، قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن رجلاً أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فٱستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف صَلْتاً في يده فقال لي: من يمنعك مني ـ قال ـ قلت الله ثم قال في الثانية من يمنعك مني ـ قال ـ قلت: الله قال: فشام السيفَ فها هو ذا جالس» ثم لَمْ يعرِض له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ٱبن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم:لمّا بعثني الله برسالته ضِقت بها ذَرعاً وعرفت أن من الناس من يكذبني فأنزل الله هذه الآيةوكان أبو طالب يرسل كل يوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالاً من بني هاشم يحرسونه حتى نزل: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} فقال النبي صلى الله عليه وسلم:يا عماه إن الله قد عَصَمني من الجن والإنس فلا أحتاج إلى من يَحرسنيقلت: وهذا يقتضي أن ذلك كان بمكة، وأن الآية مكية وليس كذلك، وقد تقدّم أنّ هذه السورة مدنية بإجماع؛ ومما يدل على أنّ هذه الآية مدنية ما رواه مسلم في الصحيح عن عائشة قالت: سهِر رسول الله صلى الله عليه وسلم مَقْدَمه المدينَة ليلةً فقال:«ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة» قالت: فبينا نحن كذلك سمعنا خَشْخَشة سِلاح؛ فقال: «من هذا»؟ قال: سعد بن أبي وقاص فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما جاء بك»؟ فقال: وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه؛ فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام. وفي غير الصحيح قالت: فبينما نحن كذلك سمعت صوت السلاح؛ فقال: «من هذا»؟ فقالوا: سعد وحُذَيْفة جئنا نحرسك؛ فنام صلى الله عليه وسلم حتى سمعتُ غَطيطهُ ونزلت هذه الآية؛ فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من قُبَّة أدَمَ وقال: «ٱنصرفوا أيها الناس فقد عَصَمني الله».

وقرأ أهل المدينة: «رِسَالاَتِهِ» على الجمع. وأبو عمرو وأهل الكوفة: «رِسَالَتَهُ» على التوحيد ـ؛ قال النحاس: والقراءتان حسنتان والجمع أبْيَن؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي شيئاً فشيئاً ثم يُبيِّنهُ؛ والإفراد يدل على الكثرة؛ فهي كالمصدر والمصدر في أكثر الكلام لا يجمع ولا يثنى لدلالته على نوعه بلفظه كقوله:

{ { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } } [إبراهيم: 34]. { { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ } } أي لا يرشدهم وقد تقدّم. وقيل: أَبْلغ أنت فأما الهِداية فإلينا. نظيره { { مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ } } [المائدة: 99] والله أعلم.

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٦٨

فيه ثلاث مسائل:

الأولى ـ قال ابن عباس:

جاء جماعة من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ألست تُقِرّ أنّ التوراة حقّ من عند الله؟ قال: «بلى». فقالوا: فإنا نؤمن بها ولا نؤمن بما عَدَاها؛ فنزلت الآية؛ أي لستم على شيء من الدِّين حتى تعملوا بما في الكتابين من الإيمان بمحمد عليه السلام، والعمل بما يوجبه ذلك منهما؛ وقال أبو علي: ويجوز أن يكون ذلك قبل النّسخ لهما.

الثانية ـ قوله تعالى: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} أي يكفرون به فيزدادون كفراً على كفرهم. والطغيان تجاوز الحدّ في الظلم والغُلو فيه. وذلك أن الظلم منه صغيرة ومنه كبيرة، فمن تجاوز منزلة الصغيرة فقد طغى. ومنه قوله تعالى

{ { كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ } } [العلق: 6] أي يتجاوز الحدّ في الخروج عن الحق.

الثالثة ـ قوله تعالى: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} أي لا تحزن عليهم. أَسِيَ يَأَسَى أسىً إذا حزِن. قال:

وَانْحَلبتْ عيناه من فَرْطِ الأَسَى

وهذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وليس بنهي عن الحزن؛ لأنه لا يقدر عليه ولكنه تسلية ونهي عن التّعرض للحزن. وقد مضى هذا المعنى في آخر «آل عمران» مستوفى.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝٦٩

تقدم الكلام في هذا كله فلا معنى لإعادته. {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} معطوف، وكذا {وَٱلصَّابِئُونَ} معطوف على المضمر في «هَادُوا» في قول الكسائي والأخفش. قال النحاس: سمعت الزجاج يقول ـ وقد ذكر له قول الأخفش والكسائي: هذا خطأ من جهتين؛ إحداهما أن المضمر المرفوع يقبح العطف عليه حتى يؤكَّد. والجهة الأُخرى أن المعطوف شريك المعطوف عليه فيصير المعنى أن الصابئين قد دخلوا في اليهودية وهذا محال. وقال الفرّاء: إنما جاز الرفع في «وَالصَّابِئُونَ» لأن «إنّ» ضعيفة فلا تؤثر إلا في الاسم دون الخبر؛ و «الَّذِين» هنا لا يتبيّن فيه الإعراب فجرى على جهة واحدة الأمران، فجاز رفع الصابئين رجوعاً إلى أصل الكلام. قال الزّجاج: وسبيل ما يتبيّن فيه الإعراب وما لا يتبيّن فيه الإعراب واحد. وقال الخليل وسيبويه: الرفع محمول على التقديم والتأخير؛ والتقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون والنصارى كذلك. وأنشد سيبويه وهو نظيره:

وإلاّ فٱعلموا أَنَّا وأنتمبُغَاةٌ ما بَقِيْنَا في شِقَاقِ

وقال ضَابِىء البُرْجُمي:

فمن يكُ أمسى بالمدينةِ رَحْلُهفإنّى وَقَيَّارٌ بِها لَغَريبُ

وقيل: «إنّ» بمعنى «نَعَم» فالصابئون مرتفع بالإبتداء، وحذف الخبر لدلالة الثاني عليه، فالعطف يكون على هذا التقدير بعد تمام الكلام وٱنقضاء الاسم والخبر. وقال قيس الرقيات:

بَكرَ العواذِلُ في الصَّباحِ يَلُمْنَني وأَلُومُهُنَّهْ ويَقُلْنَ شَيْبٌ قد عَلاَكَ وقد كبِرت فقلت إنّهْ

قال الأخفش: «إنَّه» بمعنى «نَعَم»، وهذه «الهاء» أدخلت للسكت.

لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا۟ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ۝٧٠

قوله تعالى: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً}. قد تقدّم في «البقرة» معنى الميثاق وهو ألا يعبدوا إلاَّ الله، وما يتصل به. والمعنى في هذه الآية لا تأس على القوم الكافرين فإنا قد أعذرنا إليهم، وأرسلنا الرسل فنقضوا العهود. وكل هذا يرجع إلى ما افتتحت به السورة وهو قوله: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ}. {كُلَّمَا جَآءَهُمْ} أي اليهود {رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ} لا يوافق هواهم {فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} أي كذبوا فريقاً وقتلوا فريقاً؛ فمن كذبوه عيسى ومن مثله من الأنبياء، وقتلوا زكريا ويحيى وغيرهما من الأنبياء. وإنما قال: «يقتلون» لمراعاة رأس الآية. وقيل: أراد فريقاً كذبوا، وفريقاً قتلوا، وفريقاً يكذبون وفريقاً يقتلون، فهذا دأبهم وعادتهم فاختصر. وقيل فريقاً كذبوا لم يقتلوهم وفريقاً قتلوهم فكذبوا. و «يقتلون» نعت لفريق. والله أعلم.

وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ۝٧١

قوله تعالى: {وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ}. المعنى ظن هؤلاء الذين أخذ عليهم الميثاق أنه لا يقع من الله عز وجل ابتلاء واختبار بالشدائد، اغتراراً بقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وإنما اغتروا بطول الإمهال. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي «تَكُونُ» بالرفع؛ ونصب الباقون؛ فالرفع على أن حَسِب بمعنى عَلِمَ وتَيقن. و «أنْ» مخففّة من الثقيلة ودخول «لا» عوض من التخفيف، وحذف الضمير لأنهم كرهوا أن يليها الفعل وليس من حكمها أن تدخل عليه؛ ففصلوا بينهما بـ «لا». ومن نصب جعل «أَنْ» ناصبة للفعل، وبقي حَسِب على بابه من الشك وغيره. قال سيبويه: حسبت ألاّ يقولُ ذلك؛ أي حسبت أنه قال ذلك. وإن شئت نصبت؛ قال النحاس: والرفع عند النحويين في حَسِب وأخواتها أجود كما قال:

أَلاَ زعمتْ بَسْبَاسَةُ اليومَ أنّنيكَبِرتُ وألاّ يَشْهَدُ اللّهْو أمثالي

وإنما صار الرفع أجود؛ لأن حسِب وأخواتها بمنزلة العلم لأنه شيء ثابت.

قوله تعالى: {فَعَمُواْ} أي عن الهدى. {وَصَمُّواْ} أي عن سماع الحق؛ لأنهم لم ينتفعوا بما رأوه ولا سمعوه. {ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} في الكلام إضمار، أي أوقعت بهم الفتنة فتابوا فتاب الله عليهم بكشف القحط، أو بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم يخبرهم بأن الله يتوب عليهم إن آمنوا؛ فهذا بيان {تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي يتوب عليهم إن آمنوا وصدّقوا لا أنهم تابوا على الحقيقة. {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} أي عمي كثير منهم وصَمّ بعد تبيّن الحق لهم بمحمد عليه الصلاة والسلام؛ فارتفع «كثير» على البدل من الواو. وقال الأخفش سعيد: كما تقول رأيت قومك ثلثيهم. وإن شئت كان على إضمار مبتدأ أي العُمْيُ والصُّمُّ كثيرٌ منهم. وإن شئت كان التقدير العُمْيُ والصُّمُّ منهم كثيرٌ. وجواب رابع أن يكون على لغة من قال: «أكلوني البراغيثُ» وعليه قول الشاعر:

ولكِن دِيَافيٌّ أبوه وأمُّهبِحَوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أقارِبُه

ومن هذا المعنى قوله: { { وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } } [الأنبياء: 3]. ويجوز في غير القرآن «كثيراً» بالنصب يكون نعتاً لمصدر محذوف.

لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ۝٧٢

قوله تعالى:

{لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ}. هذا قول اليعقوبية فردّ الله عليهم ذلك بحجة قاطعة مما يقرّون به؛ فقال: {وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَابَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} أي إذا كان المسيح يقول: يا رب ويا الله فكيف يدعو نفسه أم كيف يسألها؟ هذا محال. {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} قيل: وهو من قول عيسى. وقيل: ابتداء كلام من الله تعالى. والإشراك أن يعتقد معه موجداً. وقد مضى في «آل عمران» القول في اشتقاق المسيح فلا معنى لإعادته. {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}.

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا۟ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٧٣ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُۥ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٧٤

قوله تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ}. أي أحد ثلاثة. ولا يجوز فيه التنوين؛ عن الزجاج وغيره. وفيه للعرب مذهب آخر؛ يقولون: رابع ثلاثة؛ فعلى هذا يجوز الجر والنصب؛ لأن معناه الذي صير الثلاثة أربعة بكونه منهم. وكذلك إذا قلت: ثالث ٱثنين؛ جاز التنوين. وهذا قول فرق النصارى من المَلْكِية والنُّسْطُورِيّة واليعقوبية؛ لأنهم يقولون أب وٱبن وروح القدس إلٰه واحد؛ « ولا يقولون ثلاثة آلهة وهو معنى مذهبهم، وإنما يمتنعون من العبارة وهي لازمة لهم. وما كان هكذا صح أن يحكى بالعبارة اللازمة؛ وذلك أنهم يقولون: إن الابن إله والأب إله وروح القدس إله. وقد تقدّم القول في هذا في «النساء» فأكفرهم الله بقولهم هذا، وقال: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أي أنّ الإله لا يتعدد وهم يلزمهم القول بثلاثة آلهة كما تقدم، وإن لم يصرحوا بذلك لفظاً؛ وقد مضى في «البقرة» معنى الواحد. و «مِن» زائدة. ويجوز في غير القرآن «إلهاً واحداً» على الإستثناء. وأجاز الكسائي الخفض على البدل.

قوله تعالى: {وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ} أي يكفّوا عن القول بالتثليث ليمسنهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة. «أَفَلاَ يَتُوبُونَ» تقرير وتوبيخ، أي فليتوبوا إليه وليسألوه ستر ذنوبهم؛ والمراد الكفرة منهم. وإنما خص الكفرة بالذكر لأنهم القائلون بذلك دون المؤمنين.

مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْـَٔايَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ۝٧٥

قوله تعالى: {مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} ابتداء وخبر؛ أي ما المسيح وإن ظهرت الآيات على يديه فإنما جاء بها كما جاءت بها الرسل؛ فإن كان إلٰهاً فليكن كل رسول إلٰهاً؛ فهذا ردّ لقولهم واحتجاج عليهم، ثم بالغ في الحجة فقال: {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} ابتداء وخبر {كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ} أي أنه مولود مربوب، ومن ولدته النساء وكان يأكل الطعام مخلوق محدث كسائر المخلوقين؛ ولم يدفع هذا أحد منهم، فمتى يصلح المربوب لأن يكون رباً؟! وقولهم: كان يأكل بناسوتِهِ لا بِلاهوته فهذا منهم مصير إلى الاختلاط، ولا يتصور ٱختلاط إلٰه بغير إله، ولو جاز ٱختلاط القديم بالمحدث لجاز أن يصير القديم محدثاً، ولو صح هذا في حق عيسى لصح في حق غيره حتى يُقال: اللاهوت مخالط لكل محدث. وقال بعض المفسرين في قوله: {كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ} إنه كناية عن الغائط والبول. وفي هذا دلالة على أنهما بشران. وقد ٱستدل من قال: إن مريم عليها السلام لم تكن نبية بقوله تعالى: {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ}.

قلت: وفيه نظر، فإنه يجوز أن تكون صِدّيقة مع كونها نبية كإدريس عليه السلام؛ وقد مضى في «آل عمران» ما يدل على هذا. والله أعلم. وإنما قيل لها صدّيقة لكثرة تصديقها بآيات ربها وتصديقها ولدها فيما أخبرها به؛ عن الحسن وغيره. والله أعلم.

قوله تعالى {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلآيَاتِ} أي الدلالات. {ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} أي كيف يصرفون عن الحق بعد هذا البيان؛ يقال: أَفَكَه يأفِكُه إذا صرفه. وفي هذا رد على القَدَرية والمعتزلة.

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝٧٦

قوله تعالى: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} زيادة في البيان وإقامة حجة عليهم؛ أي أنتم مقرون أن عيسى كان جَنِيناً في بطن أُمه، لا يملك لأحد ضرّاً ولا نفعاً، وإذ أقررتم أن عيسى كان في حال من الأحوال لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا ينفع ولا يضر، فكيف اتخذتموه إلۤهاً؟. {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي لم يزل سميعاً عليماً يملك الضرّ والنّفع، ومن كانت هذه صفته فهو الإلۤه على الحقيقة. والله أعلم.

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓا۟ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا۟ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا۟ كَثِيرًا وَضَلُّوا۟ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ۝٧٧

قوله تعالى: {قُلْ يَـۤأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ} أي لا تُفْرطوا كما أفرطت اليهود والنصارى في عيسى؛ غُلُوّ اليهود قولهم في عيسى، ليس ولد رِشْدَة، وغلو النصارى قولهم: إنه إله. والغلُوّ مجاوزة الحدّ؛ وقد تقدم في «النساء» بيانه.

قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ} الأهواء جمع هوًى وقد تقدّم في «البقرة». وسُمّي الهوى هوًى لأنه يَهْوِي بصاحبه في النار. {قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ} قال مجاهد والحسن: يعني اليهود. {وَأَضَلُّواْ كَثِيراً} أي أضلوا كثِيراً من الناس. {وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} أي عن قصد طريق محمد صلى الله عليه وسلم. وتكرير ضلوا على معنى أنهم ضلوا من قبل وضلوا من بعد؛ والمراد الأسلاف الذين سنوا الضلالة وعملوا بها من رؤساء اليهود والنصارى.

لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ ۝٧٨

قوله تعالى: {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} فيه مسألة واحدة: وهي جواز لعن الكافرين وإن كانوا من أولاد الأنبياء، وأن شرف النسب لا يمنع إطلاق اللعنة في حقهم. ومعنى {عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} أي لعنوا في الزبور والإنجيل؛ فإن الزبور لسان داود، والإنجيل لسان عيسى أي لعنهم الله في الكتابين. وقد تقدّم اشتقاقهما. قال مجاهد وقَتَادة وغيرهما. لعنهم مسخهم قردة وخنازير. قال أبو مالك: الذين لعنوا على لسان داود مُسِخوا قردة، والذين لعنوا على لسان عيسى مُسِخوا خنازير. وقال ابن عباس: الذين لعنوا على لسان داود أصحاب السبت، والذين لعنوا على لسان عيسى الذين كفروا بالمائدة بعد نزولها. وروى نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: لُعِن الأسلافُ والأخلافُ ممن كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم على لسان داود وعيسى؛ لأنهما أَعلما أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم نبي مبعوث فَلَعَنَا من يكفر به.

قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا}. ذلك في موضع رفع بالابتداء أي ذلك اللعن بما عصوا؛ أي بعصيانهم. ويجوز أن يكون على إضمار مبتدإ؛ أي الأمر ذلك. ويجوز أن يكون في موضع نصب أي فعلنا ذلك بهم لعصيانهم واعتدائهم.

كَانُوا۟ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ۝٧٩

قوله تعالى: {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ}. فيه مسألتان:

الأُولى ـ قوله تعالى: {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ} أي لا ينهى بعضهم بعضاً: {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} ذمٌّ لتركهم النهي، وكذا من بعدهم يذمّ من فعل فعلهم. خرّج أبو داود عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«إن أوّل ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل أول ما يلقى الرجل فيقول يا هذا اتّقِ الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكِيلَه وشرِيبه وقعِيدَه فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } إلى قوله «فَاسِقُونَ» ثم قال: «كلاّ والله لتأمرُنّ بالمعروف ولَتَنْهُونّ عن المنكر ولتأخذُنّ على يدي الظالم ولتأطُرنّه على الحق ولتقصرنه على الحق قصراً أو ليضربنّ الله بقلوب بعضكم على بعض وليلعنَنّكم كما لعنهم» وخرجه الترمذيّ أيضاً. ومعنى لتأطُرنه لتردنه.

الثانية ـ قال ابن عطية: والإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه وأَمِن الضرر على نفسه وعلى المسلمين؛ فإن خاف فينكر بقلبه ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه. وقال حذّاق أهل العلم: وليس من شرط الناهي أن يكون سليماً عن معصية بل ينهى العصاة بعضهم بعضاً. وقال بعض الأُصوليين: فرض على الذين يتعاطون الكئوس أن ينهى بعضهم بعضاً واستدلوا بهذه الآية؛ قالوا: لأن قوله: {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ} يقتضي اشتراكهم في الفعل وذمهم على ترك التناهي. وفي الآية دليل على النهي عن مجالسة المجرمين وأمر بتركهم وهجرانهم. وأكّد ذلك بقوله في الإنكار على اليهود: {تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} «وما» من قوله: «ما كانوا» يجوز أن تكون في موضع نصب وما بعدها نعت لها؛ التقدير لبئس شيئاً كانوا يفعلونه. أو تكون في موضع رفع وهي بمعنى الذي.

تَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَٰلِدُونَ ۝٨٠

قوله تعالى: {تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ} أي من اليهود؛ قيل: كعب بن الأشرف وأصحابه. وقال مجاهد: يعني المنافقين {يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي المشركين؛ وليسوا على دينهم. {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ} أي سولت وزينت. وقيل: المعنى لبئس ما قدموا لأنفسهم ومعادهم. {أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} «أَنْ» في موضع رفع على إضمار مبتدأ كقولك: بئس رجلاً زيدٌ. وقيل: بدل من «ما» في قوله «لبِئس» على أن تكون «ما» نكرة فتكون رفعاً أيضاً. ويجوز أن تكون في موضع نصب بمعنى لأن سخط الله عليهم: {وَفِي ٱلْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} ابتداء وخبر.

وَلَوْ كَانُوا۟ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِىِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَ ۝٨١

قوله تعالى: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ} يدل بهذا على أن من ٱتخذ كافراً ولياً فليس بمؤمن إذا اعتقد اعتقاده ورضي أفعاله. {وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} أي خارجون عن الإيمان بنبيهم لتحريفهم، أو عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لنفاقهم.

لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَٰرَىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ۝٨٢

قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ} اللام لام قسم ودخلت النون على قول الخليل وسيبويه فرقاً بين الحال والمستقبل. «عَدَاوَةً» نصب على البيان وكذا {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ} وهذه الآية نزلت في النجاشيّ وأصحابه لما قدم عليهم المسلمون في الهِجرة الأُولى ـ حسب ما هو مشهور في سيرة ابن إسحاق وغيره ـ خوفاً من المشركين وفتنتهم؛ وكانوا ذوي عدد. ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد ذلك فلم يقدروا على الوصول إليه، حالت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرب. فلما كانت وقعة بدر وقتل الله فيها صناديد الكفار، قال كفار قريش: إنّ ثأركم بأرض الحبشة، فاهدوا إلى النجاشيّ وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم لعله يعطيكم مَن عنده فتقتلونهم بمن قُتِل منكم ببدر، فبعث كُفار قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعه بهدايا، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أُمَيّة الضَّمْرِيّ، وكتب معه إلى النجاشيّ، فقدم على النجاشيّ، فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين، وأرسل إلى الرهبان والقِسّيسين فجمعهم. ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة «مريم» فقاموا تفيض أعينهم من الدمع، فهم الذين أنزل الله فيهم {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ} وقرأ «إلى الشاهِدِين» رواه أبو داود. قال: حدّثنا محمد بن سلمة المراديّ قال حدّثنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أبي بكر ابن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، وعن سعيد بن المسيّب وعن عروة بن الزبير، أن الهجرة الأُولى هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة، وساق الحديث بطوله. وذكر البيهقي عن ابن إسحاق قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم عشرون رجلاً وهو بمكة أو قريب من ذلك، من النصارى حين ظهر خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد فكلموه وسألوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة فلما فرغوا من مسألتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا، دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل، وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقالوا: خَيَّبَكم اللَّهُ من رَكْب! بعثكم مَنْ وَرَاءَكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل، فلم تظهر مجالستكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدّقتموه بما قال لكم، ما نعلم ركباً أحمق منكم ـ أو كما قال لهم ـ فقالوا: سلام عليكم لا نُجاهلكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا نألوا أنفسنا خيراً. فيقال: إن النفر النصارى من أهل نَجْران، ويقال: إن فيهم نزلت هؤلاء الآيات {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} إلى قوله: {لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ} وقيل: إن جعفراً وأصحابه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلاً عليهم ثياب الصوف، فيهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام وهم بحيراء الراهب وإدريس وأشرف وأبرهة وثُمَامة وقُثَم ودُريد وأيمن، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة «يسۤ» إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا، وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى فنزلت فيهم {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ} يعني وفد النجاشيّ وكانوا أصحاب الصوامع. وقال سعيد بن جبير: وأنزل الله فيهم أيضاً {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} إلى قوله {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} إلى آخر الآية. وقال مقاتل والكلبيّ: كانوا أربعين رجلاً من أهل نَجْران من بني الحرث بن كعب، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية وستون من أهل الشام. وقال قتَادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم آمنوا به فأثنى الله عليهم.

قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً} واحد «القِسِّيسين» قسٌّ وقِسّيس؛ قاله قُطْرُب. والقِسّيس العالم؛ وأصله من قَس إذا تتبع الشيء فطلبه؛ قال الراجز:

يُصْبِحْنَ عن قَسِّ الأذى غَوَافِلا

وتَقَسَّست أصواتَهم بالليل تَسمَّعتها. والقسّ النّميمة. والقسّ أيضاً رئيس من رؤساء النّصارى في الدين والعلم، وجمعهُ قسوس، وكذلك القِسِّيس مثل الشّر والشّرير فالقِسّيسون هم الذين يتبعون العلماء والعبّاد. ويقال في جمع قِسّيس مُكَسَّراً: قَسَاوِسَة أُبدل من إحدى السينين واواً وقَسَاوسة أيضاً كَمَهالبة. والأصل قَسَاسِسَة فأبدلوا إحدى السينات واواً لكثرتها. ولفظ القِسّيس إما أن يكون عربياً، وإما أن يكون بلغة الروم ولكن خلطته العرب بكلامهم فصار من لغتهم إذ ليس في الكتاب ما ليس من لغة العرب كما تقدّم. وقال أبو بكر الأنباريّ: حدّثنا أبي حدّثنا نصر بن داود حدّثنا أبو عبيد، قال: حدثت عن معاوية ابن هشام عن نصير الطائيّ عن الصَّلْت عن حامية بن رباب قال: قلت لسلمان {بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً} فقال: دع القِسّيسين في الصوامع والمحراب أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم «بِأَنَّ مِنْهُمْ صِدِّيقِينَ وَرُهْبَاناً». وقال عُروة بن الزّبير: ضَيّعت النّصارى الإنجيل، وأدخلوا فيه ما ليس منه؛ وكانوا أربعة نَفَر الذين غيّروه؛ لوقاس ومرقوس ويُحنَّس ومقبوس، وبقي قِسّيس على الحق وعلى الاستقامة، فمن كان على دينه وهديه فهو قِسّيس.

قوله تعالى: {وَرُهْبَاناً} الرهبان جمع راهب كرُكْبان وراكب. قال النابغة:

لو أنّها عَرضتْ لإشْمطَ راهِبٍعَبَدَ الإلۤه صَرُورَةٍ متعبِّدِ لَرَنا لِرؤيتها وحُسنِ حديثهاولَخالَه رَشَداً وإن لم يَرْشُدِ

والفعل منه رَهِبَ الله يَرْهبه أي خافه رَهْباً وَرَهَباً وَرَهْبَةً. والرّهبانية والتَّرهب التَّعبد في صومعة؛ قال أبو عبيد: وقد يكون «رُهْبان» للواحد والجمع؛ قال الفرّاء: ويجمع «رُهْبان» إذا كان للمفرد رَهَابِنة ورَهَابِين كقُرْبان وقَرَابين؛ قال جرير في الجمع:

رُهْبَانَ مَدْينَ لو رأُوكِ تَنَزَّلُواوالعُصْمُ من شَعَفِ العُقُولِ الفَادِرُ

الفَادِرُ المسنُّ من الوُعُول. ويقال: العظيم، وكذلك الفَدُور والجمع فدْر وفُدُور وموضعها المَفْدَرة؛ قاله الجوهري. وقال آخر في التوحيد:

لو أبْصَرَتْ رُهْبانَ دَيْرٍ في الجَبَلْلانْحَدَرَ الرُّهبانُ يَسعى ويُصَلْ

من الصلاة. والرَّهابة على وزن السّحابة عَظْم في الصدر مُشرِف على البطن مثل اللسان. وهذا المدح لمن آمن منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم دون من أصرّ على كفره ولهذا قال: {وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} أي عن الانقياد إلى الحق.
الأربعاء، 4 نوفمبر 2026 24 جمادى الأولى 1448 هـ