انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير القرطبيالآيات 111–120

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير القرطبي.

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّـۧنَ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ۝١١١

قوله تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي} قد تقدّم القول في معاني هذه الآية. والوحي في كلام العرب معناه الإلهام ويكون على أقسام: وحي بمعنى إرسال جبريل إلى الرسل عليهم السلام. ووحي بمعنى الإلهام كما في هذه الآية؛ أي ألهمتهم وقذفت في قلوبهم؛ ومنه قوله تعالى:

{ { وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } } [النحل: 68] { { وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ } } [القصص: 7] ووحى بمعنى الإعلام في اليقظة والمنام. قال أبو عبيدة: أوحيت بمعنى أمرت، «وإلى» صلة؛ يقال: وحى وأوحى بمعنى؛ قال الله تعالى: { { بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا } } [الزلزلة: 5] وقال العجاج:

وَحَـى لها القرار فاستقرّت

أي أمرها بالقرار فاستقرّت. وقيل: «أوْحَيْتُ» هنا بمعنى أمرتهم. وقيل: بينت لهم. {وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} على الأصل؛ ومن العرب من يحذف إحدى النونين؛ أي واشهد يا رب. وقيل: يا عيسى بأننا مسلمون لله.

إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ قَالَ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝١١٢

قوله تعالى: {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ} على ما تقدّم من الإعراب. {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ}. قراءة الكسائيّ وعليّ وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد «هل تستطيع» بالتاء «ربَّك» بالنصب. وأدغم الكسائيّ اللام من «هل» في التاء. وقرأ الباقون بالياء، «رَبُّك» بالرفع، وهذه القراءة أشكل من الأولى؛ فقال السدي: المعنى هل يطيعك ربك إن سألته {أَن يُنَزِّلَ} فيستطيع بمعنى يطيع؛ كما قالوا: استجاب بمعنى أجاب، وكذلك استطاع بمعنى أطاع. وقيل المعنى: هل يقدر ربك، وكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله عز وجل؛ ولهذا قال عيسى في الجواب عند غلطهم وتجويزهم على الله ما لا يجوز: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} أي لا تشكوا في قدرة الله تعالى

قلت: وهذا فيه نظر؛ لأن الحواريين خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم كما قال:

{ { مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ } } [الصف: 14]. وقال عليه السلام:لكل نبيّ حواري وحواري الزبير. ومعلوم أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جاؤوا بمعرفة الله تعالى وما يجب له وما يجوز وما يستحيل عليه وأن يبلغوا ذلك أممهم؛ فكيف يخفى ذلك على من باطنهم وٱختص بهم حتى يجهلوا قدرة الله تعالى؟ إلا أنه يجوز أن يقال: إن ذلك صدر ممن كان معهم، كما قال بعض جهال الأعراب للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ٱجعل لنا ذات أنواطٍ كما لهم ذات أنواط، وكما قال من قال من قوم موسى: { { ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } } [الأعراف: 138] على ما يأتي بيانه في «الأعراف» إن شاء الله تعالى. وقيل: إن القوم لم يشكوا في استطاعة الباري سبحانه لأنهم كانوا مؤمنين عارفين عالمين، وإنما هو كقولك للرجل: هل يستطيع فلان أن يأتي وقد علمت أنه يستطيع، فالمعنى: هل يفعل ذلك؟ وهل يجيبني إلى ذلك أم لا؟ وقد كانوا عالمين باستطاعة الله تعالى لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر فأرادوا علم معاينة كذلك؛ كما قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم: { { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ } } [البقرة: 260] على ما تقدّم، وقد كان إبراهيم علم لذلك علم خبر ونظر، ولكن أراد المعاينة التي لا يدخلها ريب ولا شبهة، لأن علم النظر والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة لا يدخله شيء من ذلك، ولذلك قال الحواريون: {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} كما قال إبراهيم: {وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}.

قلت: وهذا تأويل حسن، وأحسن منه أن ذلك كان من قول من كان مع الحواريين؛ على ما يأتي بيانه. وقد أدخل ٱبن العربيّ المستطيع في أسماء الله تعالى، وقال: لم يرد به كتاب ولا سنة ٱسما وقد ورد فعلا، وذكر قول الحواريين: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ}. ورده عليه ٱبن الحصّار في كتاب شرح السنة له وغيره؛ قال ابن الحصار: وقوله سبحانه مخبرا عن الحواريين لعيسى: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} ليس بشك في الاستطاعة، وإنما هو تلطف في السؤال، وأدب مع الله تعالى؛ إذ ليس كل ممكن سبق في علمه وقوعه ولا لكل أحد، والحواريون هم كانوا خيرة من آمن بعيسى، فكيف يظنّ بهم الجهل باقتدار الله تعالى على كل شيء ممكن؟! وأما قراءة «التاء» فقيل: المعنى هل تستطيع أن تسأل ربك، هذا قول عائشة ومجاهد ـ رضي الله عنهما؛ قالت عائشة رضي الله عنها: كان القوم أعلم بالله عز وجل من أن يقولوا {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} قالت: ولكن «هل تستطيع ربّك». وروي عنها أيضاً أنها قالت: كان الحواريون لا يشكون أن الله يقدر على إنزال مائدة ولكن قالوا: «هل تستطيع ربك». وعن معاذ بن جبل قال: أقرأنا النبي صلى الله عليه وسلم

هل تستطيع ربكقال معاذ: وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم مراراً يقرأ بالتاءهل تستطيع ربك. وقال الزجاج: المعنى هل تستدعي طاعة ربك فيما تسأله. وقيل: هل تستطيع أن تدعو ربك أو تسأله؛ والمعنى متقارب، ولا بد من محذوف؛ كما قال: {وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} وعلى قراءة الياء لا يحتاج حذف. {قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي اتقوا معاصيه وكثرة السؤال؛ فإنكم لا تدرون ما يحل بكم عند ٱقتراح الآيات؛ إذ كان الله عز وجل إنما يفعل الأصلح لعباده. {إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} أي إن كنتم مؤمنين به وبما جئت به، فقد جاءكم من الآيات ما فيه غِنًى.

قَالُوا۟ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ۝١١٣

قوله تعالى: {قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا} نصب بأن. {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ} عطف كله، بيّنوا به سبب سؤالهم حين نهوا عنه. وفي قولهم: {نَّأْكُلَ مِنْهَا} وجهان: أحدهما ـ أنهم أرادوا الأكل منها للحاجة الداعية إليها؛ وذلك أن عيسى عليه السلام كان إذا خرج ٱتبعه خمسة آلاف أو أكثر، بعضهم كانوا أصحابه، وبعضهم كانوا يطلبون منه أن يدعو لهم لمرض كان بهم أو عِلّة، إذ كانوا زَمْنى أو عميانا، وبعضهم كانوا ينظرون ويستهزئون، فخرج يوماً إلى موضع فوقعوا في مفازة، ولم يكن معهم نفقة فجاعوا وقالوا للحواريين: قولوا لعيسى حتى يدعو بأن تنزل علينا مائدة من السماء؛ فجاءه شمعون رأس الحواريين وأخبره أن الناس يطلبون بأن تدعو بأن تنزل عليهم مائدة من السماء، فجاء شمعون رأس الحواريين وأخبره أن الناس يطلبون بأن تدعو بأن تنزل عليهم مائدة من السماء فقال عيسى لشمعون: قل لهم {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فأخبر بذلك شمعون القوم فقالوا له: قل له: {نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا} الآية. الثاني ـ {نَّأْكُلَ مِنْهَا} لننال بركتها لا لحاجة دعتهم إليها، قال الماورديّ: وهذا أشبه؛ لأنهم لو احتاجوا لم ينهوا عن السؤال وقولهم: {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها ـ تطمئن إلى أن الله تعالى بعثك إلينا نبياً. الثاني ـ تطمئن إلى أن الله تعالى قد ٱختارنا لدعوتنا. الثالث ـ تطمئن إلى أن الله تعالى قد أجابنا إلى ما سألنا؛ ذكرها الماورديّ. وقال المهدويّ: أي تطمئن بأن الله قد قبل صومنا وعملنا. قال الثعلبيّ: نستيقن قدرته فتسكن قلوبنا. {وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا} بأنك رسول الله. {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ} لله بالوحدانية، ولك بالرسالة والنبوّة. وقيل: {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ} لك عند من لم يرها إذا رجعنا إليهم.

قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةً مِّنكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ۝١١٤

قوله تعالى: {قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ} الأصل عند سيبويه يا الله، والميمان بدل من «يا». «رَبَّنَا» نداء ثان، لا يجيز سيبويه غيره، ولا يجوز أن يكون نعتا، لأنه قد أشبه الأصوات من أجل ما لحقه. {أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً} المائدة الخوان الذي عليه الطعام، قال قُطْرُب: لا تكون المائدة مائدة حتى يكون عليها طعام، فإن لم يكن قيل: خوان، وهي فاعلة من مَادَ عبده إذا أطعمه وأعطاه، فالمائدة تميد ما عليها أي تعطي، ومنه قول رؤبة ـ أنشده الأخفش:

تُهدي رؤوس المترَفين الأندادإلى أمير المؤمنين الممتَاد

أي المستعطَى المسؤول، فالمائدة هي المطعمة والمعطية الآكلين الطعام. ويسمى الطعام أيضاً مائدة تجوزاً، لأنه يؤكل على المائدة، كقولهم للمطر سماء. وقال أهل الكوفة: سميت مائدة لحركتها بما عليها، من قولهم: مَادَ الشيء إذا مال وتحرّك، قال الشاعر:

لعلك باكٍ إنْ تَغنّتْ حمامُةيَميدُ بها غُصْن من الأيْكِ مائلُ

وقال آخر:

وأقلقني قتلُ الكنانيّ بعدهفكادَتْ بي الأرضُ الفضاءُ تَميدُ

ومنه قوله تعالى: { { وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ } } [النحل: 15]. وقال أبو عبيدة: مائدة فاعلة بمعنى مفعولة، مثل { { عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } } [الحاقة: 21 والقارعة: 7] بمعنى مرضية و { { مَّآءٍ دَافِقٍ } } [الطارق: 7] أي مدفوق. قوله تعالى: {تَكُونُ لَنَا عِيداً} «تكون» نعت لمائدة وليس بجواب.

وقرأ الأعمش «تكن» على الجواب، والمعنى: يكون يوم نزولها {عِيداً لأَوَّلِنَا} أي لأوّل أمتنا وآخرها، فقيل: إن المائدة نزلت عليهم يوم الأحد غدوة وعشية، فلذلك جعلوا الأحد عيداً. والعيد واحد الأعياد، وإنما جمع بالياء وأصله الواو للزومها في الواحد، ويقال: للفرق بينه وبين أعواد الخشب، وقد عيَّدوا أي شهدوا العيد، قاله الجوهريّ. وقيل: أصله من عاد يعود أي رجع فهو عِود بالواو، فقلبت ياء لانكسار ما قبلها، مثل الميزان والميقات والميعاد، فقيل ليوم الفطر والأضحى: عيداً لأنهما يعودان كل سنة. وقال الخليل: العيد كل يوم يجمع كأنهم عادوا إليه. وقال ابن الأنباريّ: سُمّي عيدا للعود في المَرَح والفَرَح، فهو يوم سرور الخلق كلهم، ألا ترى أن المسجونين في ذلك اليوم لا يطالبون ولا يعاقبون، ولا يصاد الوحش ولا الطيور، ولا تنفذ الصبيان إلى المكاتب. وقيل: سمي عيدا لأن كل إنسان يعود إلى قدر منزلته، ألا ترى إلى اختلاف ملابسهم وهيئاتهم ومآكلهم فمنهم من يضيف ومنهم من يضاف، ومنهم من يرحَم ومنهم من يُرحَم. وقيل: سمي بذلك لأنه يوم شريف تشبيهاً بالعيد: وهو فحل كريم مشهور عند العرب وينسبون إليه، فيقال: إبل عيدية، قال:

عِيـدِيَّـة أُرهِنَـتْ فيهـا الدنانِيـرُ

وقد تقدّم. وقرأ زيد بن ثابت «لأولاَنَا وأُخْرَانَا» على الجمع. قال ابن عباس: يأكل منها آخر الناس كما يأكل منها أوّلهم. {وَآيَةً مِّنْكَ} يعني دلالة وحجة. {وَٱرْزُقْنَا} أي أعطنا. {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} أي خير من أعطى ورزق، لأنك الغنيّ الحميد.

قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١١٥

قوله تعالى: {قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} هذا وعد من الله تعالى أجاب به سؤال عيسى كما كان سؤال عيسى إجابة للحواريين، وهذا يوجب أنه قد أنزلها ووعده الحق، فجحد القوم وكفروا بعد نزولها فمسخوا قردة وخنازير. قال ابن عمر: إن أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون، قال الله تعالى: {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ}. واختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لا؟ فالذي عليه الجمهور ـ وهو الحق ـ نزولها، لقوله تعالى: {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ}. وقال مجاهد: ما نزلت وإنما هو ضرب مَثَل ضَرَبه الله تعالى لخلقه فنهاهم عن مسألة الآيات لأنبيائه. وقيل: وعدهم بالإجابة فلما قال لهم: {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ} ـ الآية ـ استعفوا منها، واستغفروا الله وقالوا: لا نريد هذا، قاله الحسن. وهذا القول والذي قبله خطأ، والصواب أنها نزلت. قال ابن عباس: إن عيسى ابن مريم قال لبني إسرائيل: «صُوموا ثلاثين يوماً ثم سلوا الله ما شئتم يعطكم» فصاموا ثلاثين يوماً وقالوا: يا عيسى لو عملنا لأحد فقضينا عملنا لأطعمنا، وإنا صُمْنا وجعنا فادع الله أن ينزّل علينا مائدة من السماء، فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحْوات، فوضعوها بين أيديهم فأكل منها آخر الناس كما أكل أوّلهم. وذكر أبو عبدالله محمد بن عليّ الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» له: حدّثنا عمر بن أبي عمر قال حدّثنا عمّار بن هارون الثقفي عن زكرياء بن حكيم الحنظليّ عن عليّ بن زيد بن جدعان عن أبي عثمان النهديّ عن سلمان الفارسيّ قال: لما سألت الحواريون عيسى ابن مريم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ المائدة قام فوضع ثياب الصوف، ولبس ثياب المسوح ـ وهو سربال من مسوح أسود ولِحَاف أسود ـ فقام فألزق القدم بالقدم، وألصق العقب بالعقب، والإبهام بالإبهام، ووضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم طأطأ رأسه، خاشعاً لله، ثم أرسل عينيه يبكي حتى جرى الدمع على لحيته، وجعل يقطر على صدره ثم قال: {ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } {قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} الآية، فنزلت سفرة حمراء مدوّرة بين غمامتين، غمامة من فوقها وغَمامة من تحتها، والناس ينظرون إليها، فقال عيسى: «اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها فتنة إلهي أسألك من العجائب فتعطي» فهبطت بين يدي عيسى عليه السلام وعليها منديل مغطّى، فخرَّ عيسى ساجداً والحواريون معه، وهم يجدون لها رائحة طيبة لم يكونوا يجدون مثلها قبل ذلك، فقال عيسى: «أيكم أعبد لله وأجرأُ على الله وأوثق بالله فليكشف عن هذه السفرة حتى نأكل منها ونذكر اسم الله عليها ونحمد الله عليها» فقال الحواريون: يا روح الله أنت أحقُّ بذلك، فقام عيسى ـ صلوات الله عليه - فتوضأ وضوءاً حسناً، وصلّى صلاة جديدة، ودعا دعاء كثيراً، ثم جلس إلى السفرة، فكشف عنها، فإذا عليها سمكة مشوية ليس فيها شوك تسيل سيلان الدّسم، وقد نُضّد حولها من كل البقول ما عدا الكراث، وعند رأسها ملح وخَلّ، وعند ذنبها خمسة أرغفة على واحد منها خمس رمّانات، وعلى الآخر تمرات، وعلى الآخر زيتون. قال الثعلبيّ: على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث بيض، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قَديد. فبلغ ذلك اليهود فجاءوا غماً وكمدا ينظرون إليه فرأوا عجباً، فقال شمعون ـ وهو رأس الحواريون ـ يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الجنة؟ فقال عيسى صلوات الله عليه: «أما افترقتم بعد عن هذه المسائل ما أخوفني أن تعذّبوا». فقال شمعون: وإله بني إسرائيل ما أردت بذلك سوءاً. فقالوا: يا روح الله لو كان مع هذه الآية آية أخرى، قال عيسى عليه السلام: «يا سمكة احْيَيْ بإذن الله» فاضطربت السمكة طريّة تبص عيناها، ففزع الحواريون فقال عيسى: «مالي أراكم تسألون عن الشيء فإذا أعطيتموه كرهتموه ما أخوفني أن تعذبوا» وقال: «لقد نزلت من السماء وما عليها طعام من الدنيا ولا من طعام الجنة ولكنه شيء ابتدعه الله بالقدرة البالغة فقال لها كوني فكانت» فقال عيسى: «يا سمكة عودي كما كنت» فعادت مشوية كما كانت، فقال الحواريون: يا روح الله كن أوّل من يأكل منها، فقال عيسى: «معاذ الله إنما يأكل منها من طلبها وسألها» فأبت الحواريون أن يأكلوا منها خشية أن تكون مَثُلَة وفتنة، فلما رأى عيسى ذلك دعا عليها الفقراء والمساكين والمرضى والزمني والمجذَّمين والمقعدين والعميان وأهل الماء الأصفر، وقال: «كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم واحمدوا الله عليه» وقال: «يكون المهنأ لكم والعذاب على غيركم» فأكلوا حتى صدروا عن سبعة آلاف وثلثمائة يتجشئون فبرىء كل سقيم أكل منه، واستغنى كل فقير أكل منه حتى الممات، فلما رأى ذلك الناس ازدحموا عليه فما بقي صغير ولا كبير ولا شيخ ولا شاب ولا غني ولا فقير إلا جاءوا يأكلون منه، فضغط بعضهم بعضاً فلما رأى ذلك عيسى جعلها نوبا بينهم، فكانت تنزل يوماً ولا تنزل يوماً، كناقة ثمود ترعى يوماً وتشرب يوماً، فنزلت أربعين يوماً تنزل ضُحاً فلا تزال هكذا حتى يفيء الفيء موضعه. وقال الثعلبيّ: فلا تزال منصوبة يؤكل منها حتى إذا فاء الفيء طارت صُعُداً فيأكل منها الناس، ثم ترجع إلى السماء والناس ينظرون إلى ظلّها حتى تتوارى عنهم، فلما تمّ أربعون يوماً أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام «يا عيسى اجعل مائدتي هذه للفقراء دون الأغنياء» فتمارى الأغنياء في ذلك وعادوا الفقراء وشكّوا وشكّكوا الناس، فقال الله يا عيسى: «إني آخذ بشرطي»، فأصبح منهم ثلاثة وثلاثون خنزيراً يأكلون العَذِرة يطلبونها بالأكباء، والأكباء ـ هي الكُناسة واحدها كبا ـ بعدما كانوا يأكلون الطعام الطيّب وينامون على الفرش اللينة، فلما رأى الناس ذلك اجتمعوا على عيسى يبكون، وجاءت الخنازير فجثوا على ركبهم قدّام عيسى، فجعلوا يبكون وتقطر دموعهم فعرفهم عيسى فجعل يقول: «ألست بفلان»؟ فيومىء برأسه ولا يستطيع الكلام، فلبثوا كذلك سبعة أيام ـ ومنهم من يقول: أربعة أيام ـ ثم دعا الله عيسى أن يقبض أرواحهم، فأصبحوا لا يدري أين ذهبوا؟ الأرض ابتلعتهم أو ما صنعوا؟!

قلت: في هذا الحديث مقال ولا يصح من قبل إسناده. وعن ٱبن عباس وأبي عبد الرحمن السُّلَمي كان طعام المائدة خبزاً وسمكاً. وقال ابن عطية: كانوا يجدون في السمك طيب كل طعام؛ وذكره الثعلبي. وقال عمّار بن ياسر وقَتَادة: كانت مائدة تنزل من السماء وعليها ثمار من ثمار الجنة. وقال وهب بن مُنَبِّه: أنزل الله تعالى أقرصة من شعير وحيتاناً. وخرّج التِّرمذي في أبواب التفسير عن عمّار بن ياسر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أنزلت المائدةُ من السماء خبزاً ولحماً وأُمِروا ألا يَخونوا ولا يَدّخِروا لغدٍ فخانوا وادّخروا ورفعوا لغدٍ فَمُسِخوا قِرَدة وخنازيرقال أبو عيسى: هذا حديث قد رواه أبو عاصم وغير واحد عن سعيد بن أبي عَرُوَبة عن قَتَادة عن خِلاَسٍ عن عمّار بن ياسِرٍ موقوفاً ولا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث الحسن بن قَزَعة؛ حدّثنا حُمَيد بن مَسْعدة قال حدّثنا سفيان بن حبيب عن سعيد بن أبي عروبة نحوه ولم يرفعه، وهذا أصح من حديث الحسن بن قزعة، ولا نعلم للحديث المرفوع أصلاً. وقال سعيد بن جُبَير: أُنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم وقال عطاء: نزل عليها كلّ شيء إلا السمك واللحم وقال كعب: نزلت المائدة منكوسة من السماء تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل طعام إلا اللحم.

قلت: هذه الثلاثة أقوال مخالفة لحديث التِّرمذي وهو أولى منها؛ لأنه إن لم يصح مرفوعاً فصح موقوفاً عن صحابي كبير. والله أعلم. والمقطوع به أنها نزلت وكان عليها طعام يؤكل والله أعلم بتعيينه. وذكر أبو نعيم عن كعب أنها نزلت ثانية لبعض عُبَاد بني إسرائيل، قال كعب: ٱجتمع ثلاثة نفر من عباد بني إسرائيل فاجتمعوا في أرض فَلاَةٍ مع كل رجل منهم ٱسم من أسماء الله تعالى؛ فقال أحدهم: سَلُوني فأدعوَ الله لكم بما شئتم؛ قالوا: نسألك أن تدعو الله أن يظهر لنا عيناً ساحّة بهذا المكان؛ ورياضاً خُضراً وعَبْقرياً، قال: فدعا الله فإذا عين ساحّة ورياض خُضر وعَبْقري. ثم قال أحدهم: سَلُوني فأدعوَ الله لكم بمَا شئتم؛ فقالوا: نسألك أن تدعو الله أن يطعمنا شيئاً من ثمار الجنة فدعا الله فنزلت عليهم بَسْرة فأكلوا منها لا تقلب إلا أكلوا منها لوناً ثم رفعت؛ ثم قال أحدهم: سَلُوني فأدعوَ الله لكم بمَا شئتم؛ فقالوا: نسألك أن تدعو الله أن ينزل علينا المائدة التي أنزلها على عيسى؛ قال: فدعا فنزلت فقضوا منها حاجتهم ثم رفعت؛ وذكر تمام الخبر.

مسألة ـ جاء في حديث سلمان المذكور بيان المائدة وأنها كانت سُفْرة لا مائدة ذات قوائم، والسُّفْرة مائدة النبي صلى الله عليه وسلم وموائد العرب؛ خرّج أبو عبدالله التِّرمذي الحكيم: حدّثنا محمد بن بَشَّار، قال حدّثنا مُعاذ بن هِشام، قال حدّثني أبي، عن يونس، عن قَتَادة، عن أنَس قال:

ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خُوان قَطُّ ولا في سُكُرُّجَة ولا خُبِز له مُرَقّقٌ. قال قلت لأنس: فعلامَ كانوا يأكلون؟ قال: على السُّفَرْ؛ قال محمد بن بشار: يونس هذا هو أبو الفرات الإسْكَاف.

قلت: هذا حديث صحيح ثابت اتفق على رجاله؛ البخاري ومسلم، وخرجه التِّرمذي قال: حدّثنا محمد بن بشّار قال حدّثنا معاذ بن هِشام فذكره وقال فيه: حسن غريب. قال التِّرمذي أبو عبدالله: الخُوان هو شيء محدث فعلته الأعاجم، وما كانت العرب لتمتهنها، وكانوا يأكلون على السُّفَر واحدها سُفْرة وهي التي تتخذ من الجلود ولها معاليق تنضم وتنفرج، فبالإنفراج سُميت سُفْرة؛ لأنها إذا حُلّت معاليقها ٱنفرجت فأسفرت عما فيها فقيل لها السُّفْرة وإنما سمي السَّفَر سَفَرا لإسفار الرجل بنفسه عن البيوت. وقوله: ولا في سُكُرُّجة؛ لأنها أوعية الأَصْباغ، وإنما الأصباغ للألوان ولم تكن من سِماتهم الألوان، وإنما كان طعامهم الثَّريد عليه مقطّعات اللحم. وكان يقول:

ٱنْهسُوا الّلحم نَهْساً فإنه أَشْهى وأَمْرأْ ». فإن قيل: فقد جاء ذكر المائدة في الأحاديث؛ من ذلك حديث ابن عباس قال: لو كان الضَّب حراماً ما أُكل على مائدة النبي صلى الله عليه وسلم؛ خرّجه مسلم وغيره. وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:تُصلّي الملائكة على الرجل ما دامت مائدته موضوعةخرجه الثّقات؛ وقيل: إن المائدة كل شيء يُمدُّ ويُبسَط مثل المِنْديل والثّوب، وكان من حقه أن تكون مادة الدال مضعَّفة، فجعلوا إحدى الدالين ياء فقيل: مائدة؛ والفعل واقع به فكان ينبغي أن تكون ممدودة؛ ولكن خرجت في اللغة مخرج فاعل كما قالوا: سِرُّ كاتم وهو مكتوم، وعيشة راضية وهي مرضية، وكذلك خرج في اللغة ما هو فاعل على مخرج مفعول فقالوا: رجل مشئوم، وإنما هو شائم، وحجاب مستور وإنما هو ساتر، فالخوان هو المرتفع عن الأرض بقوائمه، والمائدة ما مُدّ وبُسط، والسُّفْرة ما أسفر عما في جوفه، وذلك لأنها مضمومة بمعاليقها. وعن الحسن قال: الأكل على الخُوان فعل الملوك، وعلى المْنديل فعل العجم، وعلى السُّفْرة فعل العرب وهو السنة والله أعلم.

وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُۥ فَقَدْ عَلِمْتَهُۥ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ ۝١١٦

قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ}. ٱختلف في وقت هذه المقالة؛ فقال قَتَادة وابن جُرَيْج وأكثر المفسرين: إنما يقول له هذا يوم القيامة. وقال السّدي وقُطْرُب. قال له ذلك حين رفعه إلى السماء وقالت النصارى فيه ما قالت؛ وٱحتجوا بقوله:

{ { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } } [المائدة: 118] فإنّ «إذْ» في كلام العرب لما مضى. والأول أصح؛ يدل عليه ما قبله من قوله: { { يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ } } [المائدة: 109] ـ الآية ـ وما بعده { { هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ } } [المائدة: 119]. وعلى هذا تكون«إذ» بمعنى «إذا» كقوله تعالى: { { وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ } } [سبأ: 51] أي إذا فَزِعوا. وقال أبو النجم:

ثم جزاه الله عنِّي إذ جَزَى جنّاتِ عَدْنٍ في السّموات العُلاَ

يعني إذا جزى. وقال الأسود بن جعفر الأزدي:

فالآن إذْ هازَلْتُهُنّ فإنّمايَقُلْنَ أَلاَ لَمْ يذهبِ الشَّيخ مَذهباً

يعني إذا هازلتهنّ، فعبر عن المستقبل بلفظ الماضي؛ لأنه لتحقيق أمره، وظهور برهانه، كأنه قد وقع. وفي التنزيل { { وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ } } [الأعراف: 50] ومثله كثير وقد تقدم. وٱختلف أهل التأويل في معنى هذا السؤال ـ وليس هو باستفهام وإن خرج مخرج الاستفهام ـ على قولين: أحدهما ـ أنه سأله عن ذلك توبيخاً لمن ٱدعى ذلك عليه ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ في التكذيب، وأشد في التوبيخ والتقريع. الثاني ـ قصد بهذا السؤال تعريفه أن قومه غَيَّروا بعده، وٱدَّعوا عليه ما لم يقله. فإن قيل: فالنصارى لم يتخذوا مريم إلهاً فكيف قال ذلك فيهم؟ فقيل: لما كان من قولهم أنها لم تلد بشراً وإنما ولدت إلهاً لزمهم أن يقولوا إنها لأجل البعضية بمثابة من ولدته، فصاروا حين لزمهم ذلك بمثابة القائلين له.

قوله تعالى: {قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} خرّج الترمذي عن أبي هُريرة قال: تَلَقَّى عيسى حجَّته وَلقَّاهْ الَّلَهُ في قوله: {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} قال أبو هُريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:

«فَلَقّاه الله» {سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} الآية كلها. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وبدأ بالتسبيح قبل الجواب لأمرين أحدهما ـ تنزيهاً له عما أضيف إليه. الثاني ـ خضوعاً لعزته، وخوفاً من سَطْوته. ويقال: إن الله تعالى لما قال لعيسى: {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أخذته الرّعدة من ذلك القول حتى سمع صوت عظامه في نفسه فقال: {سُبْحَانَكَ} ثم قال: {مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} أي أن أدّعي لنفسي ما ليس من حقها، يعني أنني مربوب ولست برب، وعابد ولست بمعبود. ثم قال: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} فردّ ذلك إلى علمه، وقد كان الله عالماً به أنه لم يقله، ولكنه سأله عنه تقريعاً لمن ٱتخذ عيسى إلٰهاً. ثم قال: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} أي تعلم ما في غَيْبي ولا أعلم ما في غَيْبك. وقيل: المعنى تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم. وقيل: تعلمْ ما أخفيه ولا أعلم ما تُخفيه. وقيل: تعلم ما أريد ولا أعلم ما تُريد. وقيل: تعلم سِرّي ولا أعلم سِرّك؛ لأن السرّ موضعه النفس. وقيل: تعلم ما كان مني في دار الدنيا، ولا أعلم ما يكون منك في دار الآخرة.

قلت: والمعنى في هذه الأقوال متقارب؛ أي تعلم سرّي وما ٱنطوى عليه ضميري الذي خلقته، ولا أعلم شيئاً مما ٱستأثرت به من غَيْبك وعلمك. {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} ما كان وما يكون، وما لم يكن وما هو كائن.

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ۝١١٧

قوله تعالى: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ} يعني في الدنيا بالتوحيد. {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} «أَنْ» لا موضع لها من الإعراب وهي مفسرة مثل

{ { وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ } } [صۤ: 6] ويجوز أن تكون في موضع نصب؛ أي ما ذكرت لهم إلا عبادة الله. ويجوز أن تكون في موضع خفض؛ أي بأن ٱعبدوا الله؛ وضم النون أولى؛ لأنهم يستثقلون كسرة بعدها ضمة، والكسر جائز على أصل التقاء الساكنين.

قوله تعالى: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} أي حفيظاً بما أمرتهم، {مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} «ما» في موضع نصب أي وقت دوامي فيهم. {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} قيل: هذا يدل على أن الله عز وجل توفاه قبل أن يرفعه؛ وليس بشيء؛ لأن الأخبار تظاهرت برفعه، وأنه في السماء حي، وأنه ينزل ويقتل الدَّجَّال ـ على ما يأتي بيانه ـ وإنما المعنى فلما رفعتني إلى السماء. قال الحسن: الوفاة في كتاب الله عز وجل على ثلاثة أوجه: وفاة الموت. وذلك قوله تعالى:

{ { ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا } } [الزمر: 42] يعني وقت انقضاء أجلها. ووفاة النوم؛ قال الله تعالى: { { وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ } } [الأنعام: 60] يعني الذي ينيمكم. ووفاة الرفع، قال الله تعالى: { { يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ } } [آل عمران: 55].وقوله {كُنتَ أَنتَ} «أنت هنا» توكيد {الرَّقِيبَ} خبر {كُنتَ} ومعناه الحافظ عليهم، والعالم بهم والشاهد على أفعالهم؛ وأصله المراقبة أي المراعاة؛ ومنه المَرْقَبة لأنها في موضع الرقيب من علوّ المكان. {وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي من مقالتي ومقالتهم. وقيل: على من عصى وأطاع؛ خرّج مسلم عن ٱبن عباس قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً بموعظة فقال: «يأيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حُفاة عُرَاةً غُرْلاً» {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104] أَلاَ وإن أوّل الخلائق يُكْسى يوم القيامة إبراهيمُ ـ عليه السلام؛ أَلاَ وإنه سيُجاءُ برجال من أُمتي فيؤخذ بهم ذاتَ الشمال فأقول يا ربّ أصحابي فيقال إنك لا تَدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} قال: «فيقال لي إنّهم لم يزالوا مدبرين مرتدين على أعقابهم منذ فارقتَهم»

إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝١١٨

قوله تعالى: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} شرط، وجوابه {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} مثله. روَى النَّسائي عن أبي ذَرّ قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية ليلةً حتى أَصبح، والآية {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }.

وٱختلف في تٱويله فقيل: قاله على وجه الاستعطاف لهم، والرأفة بهم، كما يستَعطف السيد لعبده؛ ولهذا لم يقل: فإنهم عَصَوك. وقيل: قاله على وجه التسليم لأمره، والاستجارة من عذابه، وهو يعلم أنه لا يغفر لكافر. وقيل الهاء والميم في {إِن تُعَذِّبْهُمْ}. لمن مات منهم على الكفر، والهاء والميم في {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ} لمن تاب منهم قبل الموت؛ وهذا حسن. وأما قول من قال: إن عيسى عليه السلام لم يعلم أن الكافر لا يغفر له فقول مجترىء على كتاب الله عز وجل؛ لأن الأخبار من الله عز وجل لا تُنْسَخ. وقيل: كان عند عيسى أنهم أحدثوا معاصي، وعملوا بعده بما لم يأمرهم به، إلا أنهم على عَمُود دينه، فقال: وإن تغفِر لهم ما أحدثوا بعدي من المعاصي. وقال: {فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} ولم يقل: فإنك أنت الغفور الرحيم على ما تقتضيه القصة من التسليم لأمره، والتفويض لحكمه. ولو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم لأوهم الدعاء بالمغفرة لمن مات على شِرْكه وذلك مستحيل؛ فالتقدير إن تبقِهم على كفرهم حتى يموتوا وتعذّبهم فإنهم عبادك، وإن تَهدهم إلى توحيدك وطاعتك فتغفر لهم فإنك أنت العزيز الذي لا يمتنع عليك ما تريده؛ الحكيم فيما تفعله؛ تضل من تشاء وتهدي من تشاء. وقد قرأ جماعة: «فإنك أنت الغفور الرحيم» وليست من المصحف. ذكره القاضي عِياض في كتاب «الشّفا» وقال أبو بكر الأنْبَاري: وقد طعن على القرآن من قال إن قوله: {فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} ليس بمُشاكِل لقوله: {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ}؛ لأن الذي يُشاكل المغفرة فإنك أنت الغفور الرحيم ـ والجواب ـ أنه لا يحتمل إلا ما أنزله الله، ومتى نقل إلى الذي نقله إليه ضَعُف معناه؛ فإنه ينفرد الغفور الرحيم بالشرط الثاني فلا يكون له بالشرط الأوّل تعلّق، وهو على ما أنزله الله عز وجل، وٱجتمع على قراءته المسلمون مَقْرُونٌ بالشرطين كليهما أوّلهما وآخرهما؛ إذ تلخيصه إن تعذبهم فإنك أنت عزيز حكيم، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم في الأمرين كليهما من التّعذيب والغفران، فكان العزيز الحكيم أليق بهذا المكان لعمومه؛ فإنه يجمع الشرطين، ولم يصلح الغفور الرحيم إذ لم يحتمل من العموم ما ٱحتمله العزيز الحكيم، وما شهد بتعظيم الله تعالى وعدله والثناء عليه في الآية كلها والشرطين المذكورين أولى وأثبت معنى في الآية مما يصلح لبعض الكلام دون بعض. خرّج مسلم من غير طريق عن عبد الله بن عمرو بن العاص:

أنّ النبي صلى الله عليه وسلم تلا قوله عز وجل في إبراهيم: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [إبراهيم: 36] وقال عيسى عليه السلام: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} فرفع يديه وقال: «اللهم أمتي» وبكى فقال الله عز وجل: «يا جبريل ٱذهب إلى محمد ـ وربك أعلم ـ فسَلْه ما يُبكيك» فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال ـ وهو أعلم ـ فقال الله: «يا جبريل ٱذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نَسوءك». وقال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير، ومعناه إن تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم وإن تغفر لهم فإنهم عبادك، ووجه الكلام على نسَقِهِ أولى لما بيّناه. وبالله التوفيق.

قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ۝١١٩

قوله تعالى: {قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} أي صدقهم في الدنيا فأما في الآخرة فلا ينفع فيها الصدق، وصدقهم في الدنيا يحتمل أن يكون صدقهم في العمل لله، ويحتمل أن يكون تركهم الكذب عليه وعلى رسله، وإنما ينفعهم الصدق في ذلك اليوم وإن كان نافعاً في كل الأيام لوقوع الجزاء فيه. وقيل: المراد صدقهم في الآخرة وذلك في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ، وفيما شهدوا به على أنفسهم من أعمالهم ويكون وجه النفع فيه أن يُكفوَا المؤاخذة بتركهم كتم الشهادة، فيغفر لهم بإقرارهم لأنبيائهم وعلى أنفسهم. والله أعلم. وقرأ نافع وٱبن مُحَيْصِن «يَوْمَ» بالنصب، ورفع الباقون وهي القراءة البيّنة على الابتداء والخبر، فيوم ينفع خبر لـ «هذا» والجملة في موضع نصب بالقول. وأما قراءة نافع وٱبن مُحَيْصِن فحكى إبراهيم بن حميد عن محمد بن يزيد أن هذه القراءة لا تجوز، لأنه نصب خبر الإبتداء، ولا يجوز فيه البناء. وقال إبراهيم بن السَّري: هي جائزة بمعنى قال الله هذا لعيسى ابن مريم يوم ينفع الصادقين صدقهم؛ فـ «يوم» ظرف للقول، و «هذا» مفعول القول والتقدير؛ قال الله هذا القول في يوم ينفع الصادقين. وقيل: التقدير قال الله عز وجل هذه الأشياء تنفع يوم القيامة. وقال الكسائي والفَرّاء: بني يوم ها هنا على النصب؛ لأنه مضاف إلى غير ٱسم؛ كما تقول: مضى يومئذ؛ وأنشد الكِسائي:

على حينَ عاتبتُ المِشيبَ على الصِّبَاوقلتُ أَلَمَّاً أَصْحُ والشَّيْبُ وازِعُ

الزّجاج: ولا يجيز البصريون ما قالاه إذا أضفت الظرف إلى فعل مضارع. فإن كان إلى ماض كان جيداً كما مرّ في البيت، وإنما جاز أن يضاف الفعل إلى ظروف الزمان؛ لأن الفعل بمعنى المصدر. وقيل: يجوز أن يكون منصوباً ظرفاً ويكون خبر الابتداء الذي هو «هذا» لأنه مشارٌ به إلى حَدثٍ، وظروف الزمان تكون أخباراً عن الأحداث، تقول: القتالُ اليوم، والخروج الساعة، والجملة في موضع نصب بالقول. وقيل: يجوز أن يكون «هذا» في موضع رفع بالابتداء و «يوم» خبر الابتداء والعامل فيه محذوف، والتقدير: قال الله هذا الذي قصصناه يقع يوم ينفع الصادقين صدقهم. وفيه قراءة ثالثة {يَوْمُ يَنفَعُ} بالتنوين {ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} في الكلام حذف تقديره «فيه» مثل قوله: { { وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً } } [البقرة: 48] وهي قراءة الأعمش.

قوله تعالى: {لَهُمْ جَنَّاتٌ} ابتداء وخبر. {تَجْرِي} في موضع الصفة. {مِن تَحْتِهَا} أي من تحت غُرَفها وأشجارها وقد تقدّم. ثم بيّن تعالى ثوابهم، وأنه راض عنهم رضاً لا يغضب بعده أبداً. {وَرَضُواْ عَنْهُ} أي عن الجزاء الذي أثابهم به. {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ} أي الظفر {ٱلْعَظِيمُ} أي الذي عظم خيره وكثر، وارتفعت منزلة صاحبه وشَرُف.

لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌۢ ۝١٢٠

قوله تعالى: {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية جاء هذا عقب ما جرى من دعوى النصارى في عيسى أنه إله، فأخبر تعالى أن ملك السموات والأرض له دون عيسى ودون سائر المخلوقين. ويجوز أن يكون المعنى أن الذي له ملك السموات والأرض يعطي الجنات المتقدّم ذكرها للمطيعين من عباده؛ جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه. تمت سورة «المائدة» بحمد الله تعالى

الخميس، 5 نوفمبر 2026 25 جمادى الأولى 1448 هـ