انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المجادلة

تفسير القرطبيالآيات 8–22

تفسير سورة المجادلة آية آية، من تفسير القرطبي.

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُوا۟ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَيَتَنَٰجَوْنَ بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِىٓ أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ۝٨

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ} قيل: إن هذا في اليهود والمنافقين حسب ما قدمناه. وقيل: في المسلمين. قال ٱبن عباس: نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم، وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم، فيقول المؤمنون: لعلهم بلغهم عن إخواننا وقرابتنا من المهاجرين والأنصار قتل أو مصيبة أو هزيمة، ويسوءهم ذلك فكثرت شكواهم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا فنزلت. وقال مقاتل: كان بين النبيّ صلى الله عليه وسلم وبين اليهود موادعة، فإذا مر بهم رجل من المؤمنين تناجوا بينهم حتى يظن المؤمن شرًّا، فيعرج عن طريقه، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينتهوا فنزلت. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان الرجل يأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم فيسأله الحاجة ويناجيه والأرض يومئذ حرب، فيتوهمون أنه يناجيه في حرب أو بلية أو أمر مهِمٍّ فيفزعون لذلك فنزلت.

الثانية:

روى أبو سعيد الخدري قال: كنا ذات ليلة نتحدّث إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما هذه النجوى ألم تُنهوا عن النجوى» فقلنا: تبنا إلى الله يا رسول الله؛ إنا كنا في ذكر المسيخ ـ يعني الدجال ـ فرقاً منه. فقال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عندي منه» قلنا: بلى يا رسول الله؛ قال: «الشرك الخفيّ أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل» ذكره الماوردي. وقرأ حمزة وخلف ورُوَيس عن يعقوب «وَيَنْتَجُونَ» في وزن يفتعلون وهي قراءة عبد الله وأصحابه. وقرأ الباقون «وَيَتَنَاجَوْنَ» في وزن يتفاعلون، وٱختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لقوله تعالى: {إِذَا تَنَاجَيْتُمْ} و {وَتَنَاجَوْاْ}. النحاس: وحكى سيبويه أن تفاعلوا وٱفتعلوا يأتيان بمعنى واحد، نحو تخاصموا وٱختصموا، وتقاتلوا وٱقتتلوا فعلى هذا «يَتَنَاجَوْنَ» و «يَنتجُون» واحد. ومعنى {بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} أي الكذب والظلم. {وَمَعْصِيَةِ ٱلرَّسُولِ} أي مخالفته. وقرأ الضحاك ومجاهد وحميد «وَمَعْصِيَاتِ الرَّسُول» بالجمع.

الثالثة: قوله تعالى: {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ} لا خلاف بين النقلة أن المراد بها اليهود؛ كانوا يأتون النبيّ صلى الله عليه وسلم فيقولون: السام عليك. يريدون بذلك السلام ظاهراً وهم يعنون الموت باطناً، فيقول النبيّ صلى الله عليه وسلم:

عليكمفي رواية، وفي رواية أخرىوعليكم. قال ٱبن العربي: وهي مشكلة. وكانوا يقولون: لو كان محمد نبيّاً لما أمهلنا الله بسبّه والاستخفاف به، وجهلوا أن الباري تعالى حليم لا يعاجل من سبّه، فكيف من سبّ نبيه. وقد ثبت أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:لا أحدَ أصبر على الأذى من الله يدعون له الصاحبة والولد وهو يعافيهم ويرزقهمفأنزل الله تعالى هذا كشفاً لسرائرهم، وفضحاً لبواطنهم، معجزةً لرسوله صلى الله عليه وسلم. وقد ثبت عن قتادة عن أنس: أن يهوديًّا أتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه فقال: السام عليكم. فرد عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال:«أتدرون ما قال هذا» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:« قال كذا ردوه عليّ» فردوه؛ قال: «قلت السام عليكم» قال: نعم. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا عليك ما قلت» فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ}

قلت: خرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح. وثبت عن عائشة أنها قالت:

جاء أناس من اليهود إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم. فقلت: السام عليكم وفعل الله بكم وفعل. فقال عليه السلام:«مَهْ يا عائشة فإن الله لا يحبّ الفُحْش ولا التّفحُّش» فقلت: يا رسول الله ألست ترى ما يقولون؟! فقال: «ألستِ ترين أرد عليهم ما يقولون أقول وعليكم» فنزلت هذه الآية {بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ} أي إن الله سلّم عليك وهم يقولون السام عليك، والسام الموت. خرجه البخاري ومسلم بمعناه. وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكمكذا الرواية «وعليكم» بالواو وتكلم عليها العلماء؛ لأن الواو العاطفة يقتضي التشريك فيلزم منه أن يدخل معهم فيما دعوا به علينا من الموت، أو من سآمة ديننا وهو الملال. يقال: شئم يسأم سآمةً وسآماً. فقال بعضهم: الواو زائدة كما زيدت في قول الشاعر:

* فَلَمَّا أَجَزْنَا ساحةَ الْحَيِّ وَانْتَحَى

أي لما أجزنا ٱنتحى فزاد الواو. وقال بعضهم: هي للاستئناف، كأنه قال: والسام عليكم. وقال بعضهم: هي على بابها من العطف ولا يضرنا ذلك؛ لأنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا؛ كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم. روي أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سلّم ناس من يهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقال: «وعليكم» فقالت عائشة وغضبت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: «بلى قد سمعت فرددت عليهم وإنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا» خرجه مسلم. ورواية الواو أحسن معنىً، وإثباتها أصح روايةً وأشهر.

وقد ٱختلف في رد السلام على أهل الذمة هل هو واجب كالرد على المسلمين، وإليه ذهب ٱبن عباس والشَّعبي وقتادة؛ للأمر بذلك. وذهب مالك فيما روى عنه أشهب وٱبن وهب إلى أن ذلك ليس بواجب فإن رددت فقل عليك. وقد ٱختار ٱبن طاوس أن يقول في الرد عليهم: علاك السلام أي ٱرتفع عنك. وٱختار بعض أصحابنا: السِّلام بكسر السين يعني الحجارة. وما قاله مالك أولى ٱتباعاً للسنة؛ والله أعلم. وروى مسروق عن عائشة قالت:

أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم ناس من اليهود، فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم؛ قال: «وعليكم» قالت عائشة: قلت بل عليك السَّامُ والذَّامُ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة لا تكوني فاحشة» فقالت: ما سمعت ما قالوا! فقال: «أو ليس قد رددتُ عليهم الذي قالوا قلتُ وعليكم» . وفي رواية قال: ففطنت بهم عائشة فسبّتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:مَهْ يا عائشة فإن الله لا يحبّ الفحش والتفحشوزاد فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ} إلى آخر الآية. الذام بتخفيف الميم هو العيب؛ وفي المثل (لا تَعْدَم الحسناءُ ذاماً) أي عيباً، ويهمز ولا يهمز؛ يقال: ذَأَمَهُ يَذْأُمه، مثل ذأب يذأب، والمفعول مذؤوم مهموزاً، ومنه { مَذْءُوماً مَّدْحُوراً }[الإسراء:18] ويقال: ذامَهُ يَذُومُه مخفَّفاً كرامه يرومه.

قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ} قالوا: لو كان محمد نبيًّا لعذّبنا الله بما نقول فهلاّ يعذبنا الله. وقيل: قالوا إنه يردّ علينا ويقول وعليكم السام والسام الموت، فلو كان نبيًّا لاستجيب له فينا ومتنا. وهذا موضع تعجُّب منهم؛ فإنهم كانوا أهل كتاب، وكانوا يعلمون أن الأنبياء قد يغُضَبون فلا يعاجل من يغضبهم بالعذاب. {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ} أي كافيهم جهنم عقاباً غداً {فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي المرجع.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَنَٰجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَٰجَوْا۟ بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَٰجَوْا۟ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ۝٩

قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ} نهى المؤمنين أي يتناجوا فيما بينهم كفعل المنافقين واليهود فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ} أي تساررتم. {فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ} هذه قراءة العامة. وقرأ يحيـى بن وثّاب وعاصم ورويس عن يعقوب «فلا تَنْتجُوا» من الانتجاء {بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَاجَوْاْ بِٱلْبِرِّ} أي بالطاعة {وَٱلتَّقْوَىٰ} بالعفاف عما نهى الله عنه. وقيل: الخطاب للمنافقين؛ أي يا أيها الذين آمنوا بزعمهم. وقيل: أي يا أيها الذين آمنوا بموسى. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي تجمعون في الآخرة.

إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْـًٔا إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ۝١٠

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ} أي من تزيين الشياطين {لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} إذ توهموا أن المسلمين أصيبوا في السرايا، أو إذا أجروا ٱجتماعهم على مكايدة المسلمين، وربما كانوا يناجون النبيّ صلى الله عليه وسلم فيظن المسلمون أنهم ينتقصونهم عند النبيّ صلى الله عليه وسلم {وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ} أي التناجي {شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي بمشيئته وقيل: بعلمه. وعن ٱبن عباس: بأمره. {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي يكِلون أمرهم إليه، ويفوّضون جميع شؤونهم إلى عونه، ويستعيذون به من الشيطان ومن كل شر؛ فهو الذي سلّط الشيطان بالوساوس ٱبتلاءً للعبد وٱمتحاناً ولو شاء لصرفه عنه.

الثانية: في الصحيحين عن ٱبن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إذا كان ثلاثة فلا يتناجى ٱثنان دون الواحد. وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى ٱثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن يحزنهفبيّن في هذا الحديث غاية المنع وهي أن يجد الثالث من يتحدّث معه كما فعل ٱبن عمر؛ وذلك أنه كان يتحدّث مع رجل فجاء آخر يريد أن يناجيه فلم يناجه حتى دعا رابعاً، فقال له وللأوّل: تأخرا وناجى الرجل الطالب للمناجاة. خرجه الموطأ. وفيه أيضاً التنبيه على التعليل بقوله: «من أجل أن يحزنه» أي يقع في نفسه ما يحزن لأجله. وذلك بأن يقدّر في نفسه أن الحديث عنه بما يكره، أو أنه لم يروه أهلاً ليشركوه في حديثهم، إلى غير ذلك من أُلْقِيات الشيطان وأحاديث النفس. وحصل ذلك كله من بقائه وحده، فإذا كان معه غيره أَمِن ذلك؛ وعلى هذا يستوي في ذلك كل الأعداد، فلا يتناجى أربعة دون واحدٍ ولا عشرة ولا ألف مثلاً؛ لوجود ذلك المعنى في حقه؛ بل وجوده في العدد الكثير أمكن وأوقع، فيكون بالمنع أولى. وإنما خص الثلاثة بالذكر؛ لأنه أوّل عددٍ يتأتى ذلك المعنى فيه. وظاهر الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال، وإليه ذهب ٱبن عمر ومالك والجمهور. وسواء أكان التناجي في مندوبٍ أو مباح أو واجب فإنّ الحزن يقع به. وقد ذهب بعض الناس إلى أن ذلك كان في أوّل الإسلام؛ لأن ذلك كان في حال المنافقين فيتناجى المنافقون دون المؤمنين، فلما فشا الإسلام سقط ذلك. وقال بعضهم: ذلك خاص بالسفر في المواضع التي لا يأمن الرجل فيها صاحبه، فأما في الحضر وبين العمارة فلا؛ فإنه يجد من يعينه، بخلافِ السفر فإنه مظنة الاغتيال وعدم المغيث. والله أعلم.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا۟ فِى ٱلْمَجَٰلِسِ فَٱفْسَحُوا۟ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُوا۟ فَٱنشُزُوا۟ يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَٰتٍ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ۝١١

فيه سبع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ} لما بيّن أن اليهود يحيّونه بما لم يحيِّه به الله وذمهم على ذلك وصل به الأمر بتحسين الأدب في مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لا يضيقوا عليه المجلس، وأمر المسلمين بالتعاطف والتآلف حتى يفسح بعضهم لبعضٍ، حتى يتمكنوا من الاستماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم والنظر إليه. قال قتادة ومجاهد: كانوا يتنافسون في مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأمِروا أن يفسح بعضهم لبعض. وقاله الضحاك. وقال ٱبن عباس: المراد بذلك مجالس القتال إذا ٱصطفوا للحرب. قال الحسن ويزيد بن أبي حبيب: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا قاتل المشركين تشاح أصحابه على الصف الأوّل فلا يوسع بعضهم لبعض؛ رغبةً في القتال والشهادة فنزلت. فيكون كقوله:

{ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ }[آل عمران:121]. وقال مقاتل: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم في الصُّفَّة، وكان في المكان ضيق يوم الجمعة، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار؛ فجاء أناس من أهل بدر فيهم ثابت بن قيس بن شماس وقد سُبِقوا في المجلس، فقاموا حيال النبيّ صلى الله عليه وسلم على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفسحوا لهم، فشقّ ذلك على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال لمن حوله من غير أهل بدر:قم يا فلان وأنت يا فلانبعدد القائمين من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم، وعرف النبيّ صلى الله عليه وسلم الكراهية في وجوههم، فغمز المنافقون وتكلموا بأن قالوا: ما أنصف هؤلاء وقد أحبوا القرب من نبيّهم فسَبقوا إلى المكان؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية. {تَفَسَّحُواْ} أي توسعوا. وفَسَحَ فلان لأخيه في مجلسه يَفْسَح فَسْحاً أي وسع له؛ ومنه قولهم: بلد فَسِيح ولك في كذا فُسْحة، وفَسَح يَفْسَح مثل منع يَمْنَع، أي وسّع في المجلس؛ وفَسُح يَفْسُح فَسَاحةً مثل كَرُم يَكْرُمُ كرامةً أي صار واسعاً؛ ومنه مكان فسيح.

الثانية: قرأ السُّلَمي وزِرّ بن حُبَيش وعاصم «فِي الْمَجالِسِ». وقرأ قتادة وداود بن أبي هند والحسن بآختلاف عنه «إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَاسَحُوا» الباقون «تَفَسَّحُوا فيِ الْمَجْلِسِ» فمن جمع فلأن قوله: {تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ} ينبىء أن لكل واحد مجلساً. وكذلك إن أريد به الحرب. وكذلك يجوز أن يراد مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم وجمع لأن لكل جالس مجلساً. وكذلك يجوز إن أريد بالمجلس المفرد مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يراد به الجمع على مذهب الجنس؛ كقولهم: كثر الدينار والدرهم.

قلت: الصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس ٱجتمع المسلمون فيه للخير والأجر، سواء كان مجلس حربٍ أو ذكر أو مجلس يوم الجمعة؛ فإن كل واحد أحقّ بمكانه الذي سبق إليه قال صلى الله عليه وسلم:

من سَبق إلى ما لم يُسبق إليه فهو أحّق بهولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذّ بذلك فيخرجه الضيق عن موضعه. روى البخاري ومسلم عن ٱبن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:لا يُقِيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه. وعنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. أنه نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر، ولكن تفسحوا وتوسعوا. وكان ٱبن عمر يكره أن يقوم الرجل من مجلسه ثم يجلس مكانه. لفظ البخاري.

الثالثة: إذا قعد واحد من الناس في موضع من المسجد لا يجوز لغيره أن يقيمه حتى يقعد مكانه؛ لما روى مسلم عن أبي الزبير عن جابر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

لا يقيمنّ أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالف إلى مقعده فيقعد فيه ولكن يقول ٱفسحوا».

فرع: القاعد في المكان إذا قام حتى يقعد غيره موضعه نُظِر؛ فإن كان الموضع الذي قام إليه مثل الأوّل في سماع كلام الإمام لم يكره له ذلك، وإن كان أبعد من الإمام كره له ذلك؛ لأن فيه تفويت حظّه.

الرابعة: إذا أمر إنسان إنساناً أن يبكر إلى الجامع فيأخذ له مكاناً يقعد فيه لا يكره، فإذا جاء الآمر يقوم من الموضع؛ لما روي: أن ٱبن سيرين كان يرسل غلامه إلى مجلس له في يوم الجمعة فيجلس له فيه، فإذا جاء قام له منه.

فرع: وعلى هذا من أرسل بساطاً أو سجادةً فتُبسط له في موضع من المسجد.

الخامسة: روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إذا قام أحدكم ـ وفي حديث أبي عوانة من قام من مجلسه ـ ثم رجع إليه فهو أحق بهقال علماؤنا: هذا يدل على صحة القول بوجوب ٱختصاص الجالس بموضعه إلى أن يقوم منه؛ لأنه إذا كان أولى به بعد قيامه فقبله أولى به وأحرى. وقد قيل: إن ذلك على الندب؛ لأنه موضع غير متملَّك لأحد لا قبل الجلوس ولا بعده. وهذا فيه نظر؛ وهو أن يقال: سلمنا أنه غير متملك لكنه يختص به إلى أن يفرغ غرضه منه، فصار كأنه يملك منفعته؛ إذ قد منع غيره من يزاحمه عليه. والله أعلم.

السادسة: قوله تعالى: {يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ} أي في قبوركم. وقيل: في قلوبكم. وقيل: يوسّع عليكم في الدنيا والآخرة. {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ} قرأ نافع وٱبن عامر وعاصم بضم الشين فيهما. وكسر الباقون، وهما لغتان مثل {يَعْكِفُونَ} [الأعراف:138] و {يَعْرُشُونَ} [الأعراف:137] والمعنى ٱنهضوا إلى الصلاة والجهاد وعمل الخير؛ قاله أكثر المفسرين. وقال مجاهد والضحاك: إذا نودي للصلاة فقوموا إليها. وذلك أن رجالاً تثاقلوا عن الصلاة فنزلت. وقال الحسن ومجاهد أيضاً: أي ٱنهضوا إلى الحرب. وقال ٱبن زيد: هذا في بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم، كان كل رجل منهم يحبّ أن يكون آخر عهده بالنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ} عن النبيّ صلى الله عليه وسلم {فَانشُزُواْ} فإنه له حوائج فلا تمكثوا. وقال قتادة: المعنى أجيبوا إذا دعيتم إلى أمر بمعروف. وهذا هو الصحيح؛ لأنه يعم. والنشز الارتفاع، مأخوذ من نشز الأرض وهو ٱرتفاعها؛ يقال نَشَزَ يَنشُز ويَنْشِز إذا ٱنتحى من موضعه؛ أي ٱرتفع منه. وٱمرأة ناشز منتحية عن زوجها. وأصل هذا من النَّشَز، والنَّشز هو ما ارتفع من الأرض وتنحى؛ ذكره النحاس.

السابعة: قوله تعالى: {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} أي في الثواب في الآخرة وفي الكرامة في الدنيا، فيرفع المؤمن على من ليس بمؤمن والعالم على من ليس بعالم. وقال ٱبن مسعود: مدح الله العلماء في هذه الآية. والمعنى أنه يرفع الله الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم «دَرَجاتٍ» أي درجات في دينهم إذا فعلوا ما أُمِروا به. وقيل: كان أهل الغنى يكرهون أن يزاحمهم من يلبس الصوف فيسْتَبِقون إلى مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم فالخطاب لهم.

ورأى عليه الصلاة والسلام رجلاً من الأغنياء يقبض ثوبه نفوراً من بعض الفقراء أراد أن يجلس إليه فقال: «يا فلان خشيتَ أن يتعدّى غناكَ إليه أو فقره إليك» وبين في هذه الآية أن الرفعة عند الله تعالى بالعلم والإيمان لا بالسبق إلى صدور المجالس. وقيل: أراد بالذين أوتوا العلم الذين قرؤوا القرآن. وقال يحيـى بن يحيـى عن مالك: {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ} الصحابة {وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} يرفع الله بها العالم والطالب للحق.

قلت: والعموم أوقع في المسألة وأولى بمعنى الآية؛ فيرفع المؤمن بإيمانه أولاً ثم بعلمه ثانياً. وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقدّم عبد الله بن عباس على الصحابة، فكلموه في ذلك فدعاهم ودعاه، وسألهم عن تفسير

{ إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ }[النصر:1] فسكتوا، فقال ٱبن عباس: هو أَجَلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله إياه. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم. وفي البخاري عن عبد الله بن عباس قال: قدم عُيَينة بن حصن بن حذيفة بن بدرٍ فنزل على ٱبن أخيه الحُرِّ بن قيس بن حصن، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القرّاء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كُهولاً كانوا أو شباناً. الحديثَ وقد مضى في آخر «الأعراف». وفي صحيح مسلم أن نافع بن عبد الحرث لقي عمر بِعُسْفَان وكان عمر يستعمله على مكة فقال: من ٱستعملته على أهل الوادي؟ فقال: ٱبن أبزى. فقال: ومن ٱبن أبزى؟ قال: مَوْلىً من موالينا. قال: فاستخلفتَ عليهم مولى قال: إنه قارىء لكتاب الله وإنه عالم بالفرائض. قال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال:إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرينوقد مضى أول الكتاب. ومضى القول في فضل العلم والعلماء في غير موضع من هذا الكتاب (والحمد لله). وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين حَضْر الجواد المُضَمَّر سبعين سنة. وعنه صلى الله عليه وسلم:فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب. وعنه عليه الصلاة والسلام:يشفع يوم القيامة ثلاثةٌ الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداءفأعظم بمنزلة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن ٱبن عباس: خُيِّر سليمان عليه السلام بين العلم والمال والملك فاختار العلم فأعطي المال والملك معه.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝١٢

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ} «ناجيتم» ساررتم. قال ٱبن عباس: نزلت بسبب أن المسلمين كانوا يكثرون المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقّوا عليه؛ فأراد الله عز وجل أن يخفف عن نبيّه صلى الله عليه وسلم، فلما قال ذلك كفّ كثير من الناس. ثم وسّع الله عليهم بالآية التي بعدها. وقال الحسن: نزلت بسبب أن قوماً من المسلمين كانوا يستخلون النبيّ صلى الله عليه وسلم ويناجونه، فظن بهم قوم من المسلمين أنهم ينتقصونهم في النجوى، فشقّ عليهم ذلك فأمرهم الله تعالى بالصدقة عند النجوى ليقطعهم عن ٱستخلائه. وقال زيد بن أسلم: نزلت بسبب أن المنافقين واليهود كانوا يناجون النبيّ صلى الله عليه وسلم ويقولون: إنه أُذن يسمع كل ما قيل له، وكان لا يمنع أحداً مناجاته. فكان ذلك يشقّ على المسلمين؛ لأن الشيطان كان يلقي في أنفسهم أنهم ناجَوْه بأن جموعاً ٱجتمعت لقتاله. قال: فأنزل الله تبارك وتعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ ٱلرَّسُولِ} الآية، فلم ينتهوا فأنزل الله هذه الآية، فآنتهى أهل الباطل عن النجوى؛ لأنهم لم يقدموا بين يدي نجواهم صدقة، وشقّ ذلك على أهل الإيمان وٱمتنعوا من النجوى؛ لضعف مقدرة كثير منهم عن الصدقة فخفف الله عنهم بما بعد الآية.

الثانية: قال ٱبن العربي: وفي هذا الخبر عن زيد ما يدل على أن الأحكام لا تترتب بحسب المصالح، فإن الله تعالى قال: {ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ} ثم نسخه مع كونه خيراً وأطهر. وهذا رَدٌّ على المعتزلة عظيم في التزام المصالح، لكن راوي الحديث عن زيد ٱبنه عبد الرحمن وقد ضعفه العلماء. والأمر في قوله تعالى: {ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ} نص متواتر في الرد على المعتزلة. والله أعلم.

الثالثة: روى الترمذي عن عليّ بن علقمة الأنماري عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال:

لما نزلت {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} سألته قال لي النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما ترى ديناراً»؟ قلت لا يطيقونه. قال: «فنصف دينار» قلت: لا يطيقونه. قال: «فكم» قلت: شعيرة. قال: «إنك لزهيد» قال فنزلت: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} الآية. قال: فَبِي خفّف الله عن هذه الأمة. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه، ومعنى قوله: شعيرة يعني وزن شعيرة من ذهب. قال ٱبن العربي: وهذا يدل على مسألتين حسنتين أصوليتين: الأولى ـ نسخ العبادة قبل فعلها. والثانية ـ النظر في المقدّرات بالقياس؛ خلافاً لأبي حنيفة.

قلت: الظاهر أن النسخ إنما وقع بعد فعل الصدقة. وقد روي عن مجاهد: أن أوّل من تصدّق في ذلك عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وناجى النبيّ صلى الله عليه وسلم. روي أنه تصدّق بخاتم. وذكر القشيري وغيره عن عليّ بن أبي طالب أنه قال: «في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، وهي: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} كان لي دينار فبعته، فكنت إذا ناجيت الرسول تصدّقت بدرهم حتى نفد؛ فنسخت بالآية الأخرى {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ}. وكذلك قال ٱبن عباس: نسخها الله بالآية التي بعدها. وقال ٱبن عمر: لقد كانت لعليّ رضي الله عنه ثلاثة لو كانت لي واحدة منهن كانت أحبّ إليّ من حُمُر النَّعم: تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى. {ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي من إمساكها {وَأَطْهَرُ} لقلوبكم من المعاصي {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ} يعني الفقراء {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَٰتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا۟ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ۝١٣

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ} ٱستفهام معناه التقرير. قال ٱبن عباس: {أَأَشْفَقْتُمْ} أي أبخلتم بالصدقة؛ وقيل: خفتم، والإشفاق الخوف من المكروه. أي خفتم وبخلتم بالصدقة وشق عليكم {أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ}. قال مقاتل بن حيان: إنما كان ذلك عشر ليالٍ ثم نسخ. وقال الكلبي: ما كان ذلك إلا ليلة واحدة. وقال ٱبن عباس: ما بقي إلا ساعة من النهار حتى نسخ. وكذا قال قتادة. والله أعلم.

الثانية: قوله تعالى: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} أي نسخ الله ذلك الحكم. وهذا خطاب لمن وجد ما يتصدّق به {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} فنسخت فرضية الزكاة هذه الصدقة. وهذا يدل على جواز النسخ قبل الفعل، وما روي عن عليّ رضي الله عنه ضعيف؛ لأن الله تعالى قال: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ} وهذا يدل على أن أحداً لم يتصدّق بشيء. والله أعلم. {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ} في فرائضه {وَرَسُولَهُ} في سننه {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ قَوْمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۝١٤ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١٥ ٱتَّخَذُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ۝١٦

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} قال قتادة: هم المنافقون توَّلُوا اليهود {مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ} يقول: ليس المنافقون من اليهود ولا من المسلمين بل هم مذبذبون بين ذلك، وكانوا يحملون أخبار المسلمين إليهم. قال السّدي ومقاتل: نزلت في عبد الله بن أبيّ وعبد الله بن نَبْتَل المنافقَيْن؛ كان أحدهما يجالس النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم يرفع حديثه إلى اليهود،

فبينا النبيّ صلى الله عليه وسلم في حجرة من حجراته إذ قال:«يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان»فدخل عبد الله بن نبتل ـ وكان أزرق أسمر قصيراً خفيف اللحية ـ فقال عليه الصلاة والسلام: «علام تشتمني أنت وأصحابك» فحلف بالله ما فعل ذلك. فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «فعلت»فآنطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه؛ فنزلت هذه الآية . وقال معناه ٱبن عباس. روى عِكرمة عنه؛ قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم جالساً في ظل شجرة قد كاد الظل يتقلص عنه إذ قال: «يجيئكم الساعة رجل أزرق ينظر إليكم نظر شيطان» فنحن على ذلك إذ أقبل رجل أزرق، فدعا به النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «علام تشتمني أنت وأصحابك» قال: دعني أجيئك بهم. فمرّ فجاء بهم فحلفوا جميعاً أنه ما كان من ذلك شيء؛ فأنزل الله عز وجل: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً} إلى قوله: {هُمُ الخَاسِرُونَ} واليهود مذكورون في القرآن بـ {غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم}. {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ} أي لهؤلاء المنافقين {عَذَاباً شَدِيداً} في جهنم وهو الدرك الأسفل. {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي بئس الأعمال أعمالهم {ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} يستجِنُّون بها من القتل. وقرأ الحسن وأبو العالية «إِيمَانَهُمْ» بكسر الهمزة هنا وفي «الْمُنَافقون». أي إقرارهم ٱتخذوه جنة، فآمنت ألسنتهم من خوف القتل، وكفرت قلوبهم {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار.والصدّ المنع {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي عن الإسلام. وقيل: في قتلهم بالكفر لما أظهروه من النفاق. وقيل: أي بإلقاء الأراجيف وتثبيط المسلمين عن الجهاد وتخويفهم.

لَّن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝١٧ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَٰذِبُونَ ۝١٨ ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَٰنُ فَأَنسَىٰهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ حِزْبُ ٱلشَّيْطَٰنِ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱلشَّيْطَٰنِ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ۝١٩

قوله تعالى: {لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي من عذابه شيئاً. وقال مقاتل: قال المنافقون إن محمداً يزعم أنه يُنصَر يوم القيامة، لقد شقينا إذا! فوالله لننصرنّ يوم القيامة بأنفسنا وأولادنا وأموالنا إن كانت قيامة. فنزلت: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهِ جَمِيعاً} أي لهم عذاب مهين يوم يبعثهم {فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ} اليوم. وهذا أمر عجيب وهو مغالطتهم باليمين غداً، وقد صارت المعارف ضرورية. وقال ٱبن عباس: هو قولهم

{ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }[الأنعام:23]. {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ} بإنكارهم وحَلفِهم. قال ٱبن زيد: ظنوا أنهم ينفعهم في الآخرة. وقيل: {وَيَحْسَبُونَ} في الدنيا {أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ} لأنهم في الآخرة يعلمون الحق بٱضطرار. والأوّل أظهر. وعن ٱبن عباس قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:ينادي منادٍ يوم القيامة أين خصماء الله فتقوم القَدَرية مسودّة وجوههم مزرقّة أعينهم مائل شدقهم يسيل لعابهم فيقولون والله ما عبدنا من دونك شمساً ولا قمراً ولا صنماً ولا وثَناً، ولا ٱتخذنا من دونك إلۤهاً. قال ٱبن عباس: صدقوا والله! أتاهم الشرك من حيث لا يعلمون؛ ثم تلا {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} هم والله القَدَرية. ثلاثاً.

قوله تعالى: {ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ} أي غلب وٱستعلى؛ أي بوسوسته في الدنيا. وقيل: قَوي عليهم. وقال المفضّل: أحاط بهم. ويحتمل رابعاً أي جمعهم وضمهم. يقال: أحوذ الشيء أي جمعه وضم بعضه إِلى بعض، وإذا جمعهم فقد غلبهم وقوي عليهم وأحاط بهم. {فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ} أي أوامره في العمل بطاعته. وقيل: زواجره في النهي عن معصيته. والنسيان قد يكون بمعنى الغفلة، ويكون بمعنى الترك، والوجهان محتملان هنا. {أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ} طائفته ورهطه {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ} في بيعهم؛ لأنهم باعوا الجنة بجهنم، وباعوا الهدي بالضلالة.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ٱلْأَذَلِّينَ ۝٢٠ كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِىٓ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ ۝٢١

قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تقدم أوّل السورة. {أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ} أي من جملة الأذلاء لا أذلّ منهم {كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ} أي قضى الله ذلك. وقيل: كتب في اللوح المحفوظ؛ عن قتادة. الفراء: كتب بمعنى قال. {أَنَاْ} توكيد {وَرُسُلِيۤ} من بُعث منهم بالحرب فإنه غالب بالحرب، ومن بُعث منهم بالحجة فإنه غالب بالحجة. قال مقاتل قال المؤمنون: لئن فتح الله لنا مكة والطائف وخيبر وما حولهن رجَوْنا أن يظهرنا الله على فارس والروم؛ فقال عبد الله بن أُبيّ بن سَلُول: أتظنون الروم وفارس مثل القرى التي غلبتم عليها؟! والله إنهم لأكثر عدداً، وأشد بطشاً من أن تظنوا فيهم ذلك؛ فنزلت: {لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ}. نظيره:

{ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ }[الصافات:171-173].

لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓا۟ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُو۟لَٰٓئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ أُو۟لَٰٓئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝٢٢

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ} أي يحبون ويوالون {مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تقدّم

{وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ} قال السدي: نزلت في عبد الله بن عبد الله بن أبيّ، جلس إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فشرب النبيّ صلى الله عليه وسلم ماء؛ فقال له: بالله يا رسول الله ما أبقيت من شرابك فضلةً أسقيها أبي؛ لعل الله يُطهّر بها قلبه؟ فأفضل له فأتاه بها؛ فقال له عبد الله: ما هذا؟ فقال: هي فضلة من شراب النبيّ صلى الله عليه وسلم جئتك بها تشربها لعل الله يطهّر قلبك بها. فقال له أبوه: فهلا جئتني ببول أمك فإنه أطهر منها. فغضب وجاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله! أما أذنت لي في قتل أبي؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «بل ترفق به وتحسن إليه». وقال ٱبن جريج: حُدِّثت أن أبا قُحافة سب النبيّ صلى الله عليه وسلم فصكّه أبو بكر ٱبنه صكةً فسقط منها على وجهه، ثم أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلَك له، فقال: «أو فعلته، لا تعد إليه» فقال: والذي بعثك بالحق نبيّاً لو كان السيف مني قريباً لقتلته. وقال ٱبن مسعود: نزلت في أبي عبيدة بن الجراح؛ قتل أباه عبد الله ابن الجراح يوم أُحد وقيل: يوم بدر. وكان الجراح يتصدّى لأبي عبيدة وأبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر قصد إليه أبو عبيدة فقتله؛ فأنزل الله حين قتل أباه: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} الآية. قال الواقدي: كذلك يقول أهل الشام. ولقد سألت رجالاً من بني الحرث بن فهر فقالوا: توفي أبوه من قبل الإسلام. {أَوْ أَبْنَآءَهُمْ} يعني أبا بكر دعى ٱبنه عبد الله إلى البراز يوم بدر، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:مَتِّعْنَا بنفسك يا أبا بكر أما تعلم أنك عندي بمنزلة السمع والبصر. {أَوْ إِخْوَانَهُمْ} يعني مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم بدر. {أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} يعني عمر بن الخطاب قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر، وعليّاً وحمزة قتلا عُتبة وشيبة والوليد يوم بدر. وقيل: إن الآية نزلت في حاطب بن أبي بَلْتَعة، لما كتب إلى أهل مكة بمسير النبيّ صلى الله عليه وسلم عام الفتح؛ على ما يأتي بيانه أوّل سورة «الممتحنة» إن شاء الله تعالى. بيّن أن الإيمان يفسد بموالاة الكفار وإن كانوا أقارب.

الثانية: ٱستدل مالك رحمه الله من هذه الآية على معاداة القَدَرية وترك مجالستهم. قال أشهب عن مالك: لا تجالس القَدَرية وعادِهم في الله؛ لقوله تعالى: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}.

قلت: وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظلم والعدوان. وعن الثوري أنه قال: كانوا يرون أنها نزلت في مَن كان يصحب السلطان. وعن عبد العزيز بن أبي داود أنه لقي المنصور في الطواف فلما عرفه هرب منه وتلاها. وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول:

اللّهم لا تجعل لفاجر عندي نعمة فإني وجدت فيما أوحيت {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} ـ إلى قوله ـ {أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ} أي خلق في قلوبهم التصديق؛ يعني من لم يوال من حاد الله. وقيل: كتب أثبت؛ قاله الربيع بن أنس. وقيل: جعل؛ كقوله تعالى: { فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ }[آل عمران:53] أي ٱجعلنا. وقوله: { فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ }[الأعراف:156] وقيل: «كَتَبَ» أي جمع، ومنه الكَتيبة؛ أي لم يكونوا ممن يقول نؤمن ببعض ونكفر ببعض. وقراءة العامة بفتح الكاف من «كَتَبَ» ونصب النون من «الإيمان» بمعنى كَتَبَ الله وهو الأجود؛ لقوله تعالى: {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} وقرأ أبوالعالية وزِرّ بن حُبيش والمفضل عن عاصم «كُتِبَ» على ما لم يسمّ فاعله «الإيمَانُ» برفع النون. وقرأ زِرّ بن حُبيش «وَعَشِيرَاتِهِمْ» بألف وكسر التاء على الجمع، ورواها الأعمش عن أبي بكر عن عاصم. وقيل: كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ» أي على قلوبهم، كما في قوله {فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} وخص القلوب بالذكر لأنها موضع الإيمان. «وَأَيَّدَهُمْ» قوّاهم ونصرهم بروح منه؛ قال الحسن: وبنصر منه. وقال الربيع بن أنس: بالقرآن وحججه. وقال ٱبن جريج: بنور وإيمان وبرهان وهدى. وقيل: برحمة من الله. وقال بعضهم: أيدهم بجبريل عليه السلام. {وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ} أي قبل أعمالهم {وَرَضُواْ عَنْهُ} فرحوا بما أعطاهم {أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} قال سعيد بن أبي سعيد الجرجاني عن بعض مشايخه، قال داود عليه السلام: إلٰهي! مَن حزبك وحول عرشك؟ فأوحى الله إليه: «يا داود الغاضّةُ أبصارهم، النقية قلوبهم، السليمة أكفهم؛ أولئك حزبي وحول عرشي».
السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ