انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المؤمنون

تفسير القرطبيالآيات 99–118

تفسير سورة المؤمنون آية آية، من تفسير القرطبي.

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ۝٩٩ لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَٰلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّآ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ۝١٠٠

قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ } عاد الكلام إلى ذكر المشركين؛ أي قالوا: «أئذا متنا ـ إلى قوله ـ إنْ هذا إلا أساطير الأوّلين». ثم احتج عليهم وذكّرهم قدرته على كل شيء، ثم قال هم مصرّون على ذلك حتى إذا جاء أحدهم الموت تيقَّن ضلالته وعاين الملائكة التي تقبض روحه؛ كما قال تعالى:

{ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ }[الأنفال: 50]. {قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ} تمنّى الرجعة كي يعمل صالحاً فيما ترك. وقد يكون القول في النفس؛ قال الله عز وجل: { وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ }[المجادلة: 8]. فأما قوله «ارْجِعُونِ» وهو مخاطب ربّه عز وجل ولم يقل «ارجعني» جاء على تعظيم الذكر للمخاطب. وقيل: استغاثوا بالله عز وجل أوّلاً، فقال قائلهم: ربّ، ثم رجع إلى مخاطبة الملائكة فقال: ارجعون إلى الدنيا؛ قاله ابن جُريج. وقيل: إن معنى «ارجعون» على جهة التكرير؛ أي ارجعني ارجعني ارجعني وهكذا. قال المُزَنِيّ في قوله تعالى: { أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ }[قۤ: 24] قال: معناه ألْقِ ألْقِ. قال الضحاك: المراد به أَهل الشرك.

قلت: ليس سؤال الرجعة مختصاً بالكافر فقد يسألها المؤمن كما في آخر سورة المنافقين على ما يأتي. ودلّت الآية على أن أحداً لا يموت حتى يعرف اضطراراً أهو من أولياء الله أم من أعداء الله، ولولا ذلك لما سأل الرجعة، فيعلموا ذلك قبل نزول الموت وذواقه. {لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً} قال ابن عباس: يريد أشهد أن لا إلٰه إلا الله. {فِيمَا تَرَكْتُ} أي فيما ضيّعت وتركت العمل به من الطاعات. وقيل: «فيما تركت» من المال فأتصدق. و«لعلّ» تتضمن تردداً؛ وهذا الذي يسأل الرجعة قد استيقن العذاب، وهو يوطّن نفسه على العمل الصالح قطعاً من غير تردد. فالتردد يرجع إما إلى رده إلى الدنيا، وإما إلى التوفيق؛ أي أعمل صالحاً إن وفقتني؛ إذ ليس على قطع من وجود القدرة والتوفيق لو رُدّ إلى الدنيا. {كَلاَّ} هذه كلمة رَدّ؛ أي ليس الأمر على ما يظنه من أنه يجاب إلى الرجوع إلى الدنيا، بل هو كلام يطيح في أدراج الريح. وقيل: لو أجيب إلى ما يطلب لما وَفَّى بما يقول: كما قال:

{ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ }[الأنعام: 28]. وقيل: {كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا} ترجع إلى الله تعالى؛ أي لا خلف في خبره، وقد أخبر أنه لن يؤخر نفساً إذا جاء أجلها، وأخبر بأن هذا الكافر لا يؤمن. وقيل: «إنها كلمة هو قائلها» عند الموت، ولكن لا تنفع. {وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ} أي ومن أمامهم وبين أيديهم. وقيل: من خلفهم. «بَرْزَخٌ» أي حاجز بين الموت والبعث؛ قاله الضحاك ومجاهد وابن زيد. وعن مجاهد أيضاً أن البرزخ هو الحاجز بين الموت والرجوع إلى الدنيا. وعن الضحاك: هو ما بين الدنيا والآخرة. ابن عباس: حجاب. السدي: أجل. قتادة: بقية الدنيا. وقيل: الإمهال إلى يوم القيامة؛ حكاه ابن عيسى. الكلبي: هو الأجل ما بين النفختين، وبينهما أربعون سنة. وهذه الأقوال متقاربة. وكلُّ حاجزٍ بين شيئين فهو بَرْزَخ. قال الجوهري: البرزخ الحاجز بين الشيئين. والبرزخ ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث؛ فمن مات فقد دخل في البرزخ. وقال رجل بحضرة الشَّعْبِيّ: رحم الله فلاناً فقد صار من أهل الآخرة! فقال: لم يَصِر من أهل الآخرة، ولكنه صار من أهل البرزخ، وليس من الدنيا ولا من الآخرة. وأضيف «يوم» إلى «يبعثون» لأنه ظرف زمان، والمراد بالإضافة المصدر.

فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ ۝١٠١

قوله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} المراد بهذا النفخ النفخةُ الثانية. {فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} قال ابن عباس: لا يفتخرون بالأنساب في الآخرة كما يفتخرون بها في الدنيا، ولا يتساءلون فيها كما يتساءلون في الدنيا؛ من أيّ قبيلة أنت ولا من أيّ نسب، ولا يتعارفون لهَوْل ما أذهلهم. وعن ابن عباس أن ذلك في النفخة الأولى حين يصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وسأل رجل ابن عباس عن هذه الآية وقوله:

{ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ }[الصافات: 50] فقال: لا يتساءلون في النفخة الأولى؛ لأنه لا يبقى على الأرض حيّ، فلا أنساب ولا تساؤل. وأما قوله: «فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون» فإنهم إذا دخلوا الجنة تساءلوا. وقال ابن مسعود: إنما عنى في هذه الآية النفخة الثانية. وقال أبو عمر زاذان: دخلت على ابن مسعود فوجدت أصحاب الخير واليمنة قد سبقوني إليه، فناديت بأعلى صوتي: يا عبد الله بن مسعود! من أجل أني رجل أعجميّ أدْنيت هؤلاء وأقصيتني! فقال: ادْنُهْ؛ فدنوت، حتى ما كان بيني وبينه جليس فسمعته يقول: يؤخذ بيد العبد أو الأَمَة يوم القيامة فينصب على رؤوس الأوّلين والآخرين ثم ينادي منادٍ: هذا فلان بن فلان، ومن كان له حق فليأت إلى حقه؛ فتفرح المرأة أن يدور لها الحق على أبيها أو على زوجها أو على أخيها أو على ابنها؛ ثم قرأ ابن مسعود: {فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} فيقول الربّ سبحانه وتعالى: «آت هؤلاء حقوقهم» فيقول: يا ربّ قد فنِيت الدنيا فمن أين أوتيهم؛ فيقول الرب للملائكة: «خذوا من حسناته فأعطوا كل إنسان بقدر طَلِبَتِه» فإن كان وليًّا لله فضلت من حسناته مثقال حبة من خردل فيضاعفها الله تعالى حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً }[النساء: 40]. وإن كان شقياً قالت الملائكة: رب فنِيت حسناته وبقي طالبون؛ فيقول الله تعالى: «خذوا من أعمالهم فأضيفوها إلى سيئاته وصُكُّوا له صَكًّا إلى جَهَنَّمَ».

فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝١٠٢ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ۝١٠٣

تقدم الكلام فيهما.

تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَٰلِحُونَ ۝١٠٤ أَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ۝١٠٥

قوله تعالى: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ} ويقال «تنفح» بمعناه؛ ومنه

{ وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ }[الأنبياء: 46]. إلا أن «تلفح» أبلغ بأساً؛ يقال: لفحته النار والسَّمُوم بحرها أحرقته. ولفحته بالسيف لفحة إذا ضربته به (ضربة) خفيفة. {وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} قال ابن عباس: عابسون. وقال أهل اللغة: الكُلوح تَكَشُّرٌ في عُبوس. والكالح: الذي قد تشمّرت شفتاه وبدت أسنانه. قال الأعشى:

وله المُقْدَمُ لا مِثْل لهساعةَ الشِّدْقِ عن النّاب كَلَحْ

وقد كَلَح الرجل كُلوحاً وكُلاَحاً. وما أقبح كَلْحَته؛ يراد به الفَمُ وما حواليه. ودهر كالح أي شديد. وعن ابن عباس أيضاً «وهم فيها كالحون» يريد كالذي كَلَح وتقلّصت شفتاه وسال صديده وقال ابن مسعود: ألم تر إلى رأس المُشَيَّط بالنار، وقد بدت أسنانه وقَلَصت شفتاه. وفي الترمذِيّ عن أبي سعيد الخُدْرِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:وهم فيها كالحون ـ قال ـ تشوِيه النار فتقلِصُ شَفَتُه العليا حتى تبلغ وَسَط رأسه وتسترخِي شَفَتُه السفلى حتى تضرب سُرّتهقال: هذا حديث صحيح غريب.

قَالُوا۟ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَآلِّينَ ۝١٠٦ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَٰلِمُونَ ۝١٠٧ قَالَ ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ۝١٠٨

قوله تعالى: {قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم «شِقوتنا» وقرأ الكوفيون إلا عاصماً «شقاوتنا». وهذه القراءة مروية عن ابن مسعود والحسن. ويقال: شقاء وشقاً؛ بالمد والقصر. وأحسن ما قيل في معناه: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا؛ فسمى اللّذات والأهواء شقوة، لأنهما يؤدّيان إليها، كما قال الله عز وجل:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً }[النساء: 10]؛ لأن ذلك يؤديهم إلى النار. وقيل: ما سبق في علمك، وكتب علينا في أمّ الكتاب من الشقاوة. وقيل: حسن الظن بالنفس وسوءُ الظن بالخلق. {وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ} أي كنا في فعلنا ضالين عن الهدى. وليس هذا اعتذار منهم إنما هو إقرار. ويدلّ على ذلك قولهم {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ } طلبوا الرجعة إلى الدنيا كما طلبوها عند الموت. {فَإِنْ عُدْنَا} إلى الكفر {فَإِنَّا ظَالِمُونَ} لأنفسنا بالعَوْد إليه فيجابون بعد ألف سنة: {ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} أي ابْعُدُوا في جهنم؛ كما يقال للكلب: اِخْسأ؛ أي ابْعُدْ. خسأت الكلب خَسْئاً طردته. وخسأ الكلبُ بنفسه خسوءاً؛ يتعدّى ولا يتعدى. وانخسأ الكلب أيضاً. وذكر ابن المبارك قال: حدّثنا سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة يذكره عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إن أهل جهنم يَدْعون مالكاً فلا يجيبهم أربعين عاماً، ثم يردّ عليهم: إنكم ماكثون. قال: هانت والله دعوتهم على مالك وربِّ مالك. قال: ثم يدعون ربهم فيقولون: {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ }. قال: فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين. قال: ثم يرد عليهم اخسؤوا فيها. قال: فوالله ما نَبَس القوم بعدها بكلمة، وما هو إلا الزَّفِير والشّهيق في نار جهنم. فشبّه أصواتهم بصوت الحمير، أوّلها زفير وآخرها شهيق. خرجه الترمذي مرفوعاً بمعناه من حديث أبي الدّرداء. وقال قتادة: صوت الكفار في النار كصوت الحمار، أوّله زفير وآخره شهيق. وقال ابن عباس: يصير لهم نُباح كنباح الكلاب. وقال محمد بن كعب القُرَظي: بلغني أو ذُكر لي أن أهل النار استغاثوا بالخَزَنة... الخبر بطوله، ذكره ابن المبارك، وقد ذكرناه بكماله في التّذكرة، وفي آخره: ثم مكث عنهم ما شاء الله، ثم ناداهم { أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ }[المؤمنون: 105] قال: فلما سمعوا صوته قالوا: الآن يرحمنا ربنا فقالوا عند ذلك {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} أي الكتاب الذي كتب علينا {وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ } فقال عند ذلك {ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء، وأقبل بعضهم على بعض ينبَحُ بعضهم في وجوه بعض، وأطبقت عليهم.

إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ۝١٠٩ فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ ۝١١٠ إِنِّى جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ۝١١١

قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا} الآية. قال مجاهد: هم بِلال وخَبّاب وصُهَيب، وفلان وفلان من ضعفاء المسلمين؛ كان أبو جهل وأصحابه يهزؤون بهم. {فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سُخْرِيّاً} بالضم قراءة نافع وحمزة والكسائي هاهنا وفي «صۤ». وكسر الباقون. قال النحاس: وفرّق أبو عمرو بينهما، فجعل المكسورة من جهة التهزّؤ، والمضمومة من جهة السُّخْرة، ولا يَعرف هذا التفريق الخليلُ ولا سيبويه ولا الكسائيّ ولا الفرّاء. قال الكسائيّ: هما لغتان بمعنًى واحد؛ كما يقال: عُصِيّ وعِصِيّ، ولُجِيّ ولِجِيّ. وحكى الثّعلبِيّ عن الكسائيّ والفرّاء الفرقَ الذي ذكره أبو عمرو، وأن الكسر بمعنى الاستهزاء والسخرية بالقول، والضَّمّ بمعنى التسخير والاستعباد بالفعل. وقال المبرد: إنما يؤخذ التفريق بين المعاني عن العرب، وأما التأويل فلا يكون. والكسر في سخريّ في المعنيين جميعاً؛ لأن الضمة تستثقل في مثل هذا. {حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي} أي حتى اشتغلتم بالاستهزاء بهم عن ذكري. {وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ} استهزاء بهم، وأضاف الإنْساء إلى المؤمنين لأنهم كانوا سبباً لاشتغالهم عن ذكره؛ وتعدّى شؤم استهزائهم بالمؤمنين إلى استيلاء الكفر على قلوبهم. {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ} على أذاكم، وصبروا على طاعتي. {أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ} قرأ حمزة والكسائيّ بكسر الهمزة على ابتداء المدح من الله تعالى لهم، وفتح الباقون؛ أي لأنهم هم الفائزون. ويجوز نصبه بوقوع الجزاء عليه، تقديره: إني جزيتهم اليوم الفوز بالجنة.

قلت: وينظر إلى معنى هذا قوله تعالى في آخر المُطَفِّفِين:

{ فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ }[المطففين: 34] إلى آخر السورة، على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى. ويستفاد من هذا: التحذيرُ من السّخريّة والاستهزاء بالضعفاء والمساكين والاحتقار لهم، والإزراء عليهم والاشتغال بهم فيما لا يعني، وأن ذلك مُبْعِد من الله عز وجل.

قَٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ۝١١٢ قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْـَٔلِ ٱلْعَآدِّينَ ۝١١٣ قَٰلَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝١١٤

قوله تعالى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} قيل: يعني في القبور. وقيل: هو سؤال لهم عن مدّة حياتهم في الدنيا. وهذا السؤال للمشركين في عَرَصات القيامة أو في النار. {عَدَدَ سِنِينَ} بفتح النون على أنه جمع مسلّم، ومن العرب من يخفضها وينوّنها. {قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} أنساهم شدّةُ العذاب مدّةَ مكثهم في القبور. وقيل: لأن العذاب رفع عنهم بين النفختين فنسوا ما كانو فيه من العذاب في قبورهم. قال ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب من النفخة الأولى إلى الثانية؛ وذلك أنه ليس من أحد قَتَلَه نبيّ أو قتل نبيًّا أو مات بحضرة نبيّ إلا عُذب من ساعة يموت إلى النفخة الأولى، ثم يُمْسَك عنه العذاب فيكون كالماء حتى يُنفخ الثانية. وقيل: استقصروا مدّة لَبثهم في الدنيا وفي القبور ورأوه يسيرا بالنسبة إلى ما هم بصدده. {فَاسْأَلِ ٱلْعَآدِّينَ} أي سلِ الحُسّاب الذين يعرفون ذلك فإنا قد نسيناه، أو فاسأل الملائكة الذين كانوا معنا في الدنيا؛ الأوّل قول قتادة، والثاني قول مجاهد. وقرأ ابن كَثير وحمزة والكسائي «قل كم لبِثتم في الأرضِ» على الأمر. ويحتمل ثلاثة معانٍ: أحدها: قولوا كم لبثتم؛ فأخرج الكلام مخرج الأمر للواحد والمرادُ الجماعة؛ إذ كان المعنى مفهوماً. الثاني: أن يكون أمراً للمَلَك ليسألهم يوم البعث عن قدر مكثهم في الدنيا. أو أراد قل أيها الكافر كم لبثتم، وهو الثالث. الباقون «قال كم» على الخبر؛ أي قال الله تعالى لهم، أو قالت الملائكة لهم كم لبثتم. وقرأ حمزة والكسائيّ أيضاً {قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} الباقون «قال» على الخبر، على ما ذكر من التأويل في الأوّل؛ أي ما لبثتم في الأرض إلا قليلاً؛ وذلك أن مكثهم في القبور وإن طال كان متناهياً. وقيل: هو قليل بالنسبة إلى مكثهم في النار؛ لأنه لا نهاية له. {لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ذلك.

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَٰكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ۝١١٥

قوله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} أي مهملين كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب عليها؛ مثل قوله تعالى:

{ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى }[القيامة: 36] يريد كالبهائم مهملاً لغير فائدة. قال الترمذيّ الحكيم أبو عبد الله محمد بن عليّ: إن الله تعالى خلق الخلق عبيداً ليعبدوه، فيثيبهم على العبادة ويعقابهم على تركها، فإن عبدوه فهم اليوم له عبيد أحرار كرام من رق الدنيا، ملوك في دار السّلام؛ وإن رفضوا العبوديّة فهم اليوم عبيد أُبّاق سُقّاط لئام، وغداً أعداء في السجون بين أطباق النيران. و«عَبَثاً» نصب على الحال عند سيبويه وقُطْرُب. وقال أبو عبيدة: هو نصب على المصدر أو لأنه مفعول له. {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} فتجازون بأعمالكم. قرأ حمزة والكسائيّ «تَرْجِعون» بفتح التاء وكسر الجيم من الرجوع.

فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ ۝١١٦

قوله تعالى: {فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} أي تنزّه وتقدّس الله الملِك الحق عن الأولاد والشركاء والأنداد، وعن أن يخلق شيئاً عبثاً أو سفهاً؛ لأنه الحكيم. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} ليس في القرآن غيرها. وقرأ ابن مُحَيْصِن وروي عن ابن كثير «الكرِيمُ» بالرفع نعتاً لله.

وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرْهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَٰفِرُونَ ۝١١٧ وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ۝١١٨

قوله تعالى: {وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} أي لا حجة له عليه {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ} أي هو يعاقبه ويحاسبه. {إِنَّهُ} الهاء ضمير الأمر والشأن. {لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ} وقرأ الحسن وقتادة «لا يَفْلَح» ـ بالفتح ـ من كذب وجحد ما جئت به وكفر نعمتي. ثم أمر نبيّه عليه الصلاة والسلام بالاستغفار لتقتدي به الأمة. وقيل: أمره بالاستغفار لأمته. وأسند الثعلبيّ من حديث ابن لَهِيعة عن عبد الله بن هُبيرة عن حَنَش بن عبد الله الصنعانيّ

عن عبد الله بن مسعود أنه مر بمصاب مبتلًى فقرأ في أذنه «أفحسِبتم أنما خلقناكم عَبَثاً» حتى ختم السورة فبرأ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ماذا قرأت في أذنه؟» فأخبره، فقال: «والذي نفسي بيده لو أن رجلاً موقناً قرأها على جبل لزال»»
الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ