انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المؤمنون

تفسير القرطبيالآيات 42–98

تفسير سورة المؤمنون آية آية، من تفسير القرطبي.

ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قُرُونًا ءَاخَرِينَ ۝٤٢ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ ۝٤٣ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَٰهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ ۝٤٤

قوله تعالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ} أي من بعد هلاك هؤلاء. {قُرُوناً} أي أمماً. {آخَرِينَ} قال ابن عباس: يريد بني إسرائيل؛ وفي الكلام حذف: فكذبوا أنبياءهم فأهلكناهم. {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} «من» صلة؛ أي ما تسبق أمة الوقت المؤقت لها ولا تتأخره؛ مثل قوله تعالى:

{ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }[الأعراف: 34]. ومعنى {تَتْرَى} تتواتر، ويتبع بعضهم بعضاً ترغيباً وترهيباً. قال الأصمعي: واترتُ كتبي عليه أتبعت بعضها بعضاً؛ إلا أن بين كل واحد منها وبين الآخر مهلة. وقال غيره: المواترة التتابع بغير مهلة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «تترًى» بالتنوين على أنه مصدر أدخل فيه التنوين على فتح الراء؛ كقولك: حَمْداً وشكراً؛ فالوقف على هذا على الألف المعوّضة من التنوين. ويجوز أن يكون ملحقاً بجعفر، فيكون مثل أرْطًى وعَلْقًى؛ كما قال:

يَسْـتَـنّ فـي عَلْـقًـى وفـي مُكُـورِ

فإذا وقف على هذا الوجه جازت الإمالة، على أن ينوِي الوقف على الألف الملحقة. وقرأ ورْشٌ بين اللفظتين؛ مثل سكرى وغضبى، وهو اسم جمع؛ مثل شَتّى وأسرى. وأصله وَتْرى من المواترة والتواتر، فقلبت الواو تاء؛ مثل التقوى والتّكلان وتُجاه ونحوها. وقيل: هو من الوتر وهو الفرد؛ فالمعنى أرسلناهم فَرْداً فرداً. النحاس: وعلى هذا يجوز «تِتْراً» بكسر التاء الأولى، وموضعها نصب على المصدر؛ لأن معنى «ثم أرسلنا» واترنا. ويجوز أن يكون في موضع الحال أي متواترين. {فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً} أي بالهلاك. {وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} جمع أحدوثة وهي ما يتحدّث به؛ كأعاجيب جمع أعجوبة، وهي ما يتعجّب منه. قال الأخفش: إنما يقال هذا في الشر «جعلناهم أحاديث» ولا يقال في الخير؛ كما يقال: صار فلان حديثاً أي عِبرة ومثلاً؛ كما قال في آية أخرى: { فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ }[سبأ: 19].

قلت: وقد يقال فلانٌ حديثٌ حَسَن، إذا كان مقيَّدا بذكر ذلك؛ ومنه قول ابن دُريد:

وإنما المرء حديث بعدهفكن حديثاً حسناً لمن وَعَى

ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَٰرُونَ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ ۝٤٥ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا عَالِينَ ۝٤٦ فَقَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَٰبِدُونَ ۝٤٧ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ ۝٤٨

قوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ } تقدم. ومعنى {عَالِينَ } متكبرين قاهرين لغيرهم بالظلم؛ كما قال تعالى:

{ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ }[القصص: 4]. {فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} الآية، تقدم أيضاً. ومعنى {مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ} أي بالغرق في البحر.

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ۝٤٩

قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ} يعني التوراة؛ وخصّ موسى بالذكر لأن التوراة أنزلت عليه في الطور، وهارون خليفة في قومه. ولو قال: «ولقد آتيناهما» جاز؛ كما قال:

{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ }[الأنبياء: 48].

وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةً وَءَاوَيْنَٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ۝٥٠

قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} تقدم في «الأنبياء» القول فيه {وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} الربوة المكان المرتفع من الأرض؛ وقد تقدم في «البقرة». والمراد بها هاهنا في قول أبي هريرة فلسطين. وعنه أيضاً الرملة؛ وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس وابن المسيِّب وابن سَلاَم: دمشق. وقال كعب وقتادة: بيت المقدس. قال كعب: وهي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر مِيلاً. قال:

فكنت هَمِيداً تحت رَمْس برَبْوَةتَعاوَرُني ريحٌ جنوبٌ وشَمْألُ

وقال ابن زيد: مصر. وروى سالم الأفطس عن سعيد بن جُبير «وآويناهما إلى ربوة» قال: النَّشز من الأرض. {ذَاتِ قَرَارٍ} أي مستوية يُستقر عليها. وقيل: ذات ثمار، ولأجل الثمار يَستقر فيها الساكنون. {وَمَعِينٍ } ماء جارٍ ظاهر للعيون. يقال: مَعِين ومُعُن؛ كما يقال: رغيف ورُغُف؛ قاله علي بن سليمان. وقال الزجاج: هو الماء الجاري في العيون؛ فالميم على هذا زائدة كزيادتها في مبيع، وكذلك الميم زائدة في قول من قال إنه الماء الذي يرى بالعين. وقيل: إنه فعيل بمعنى مفعول. قال علي بن سليمان: يقال مَعَن الماء إذا جرى فهو معين ومَعْيُون. ابن الأعرابي: معن الماء يَمْعَن مُعونا إذا جرى وسَهُل، وأمعن أيضاً وأمعنته، ومياه مُعْنان.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعْمَلُوا۟ صَٰلِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ۝٥١

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: روى الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أيّها الناس إن الله طيّب لا يَقْبَل إلا طيباً وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } وقال تعالى: {يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} ـ ثم ذكر ـ الرجلَّ يُطيل السّفر أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السماء يا رب يا ربِّ ومَطْعَمُه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغُذِيَ بالحرام فأنَّى يستجاب لذلك».

الثانية: قال بعض العلماء: والخطاب في هذه الآية للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنه أقامه مقام الرسل؛ كما قال:

{ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ }[آل عمران: 173] يعني نُعيم بن مسعود. وقال الزجاج: هذه مخاطبة للنبيّ صلى الله عليه وسلم، ودلّ الجمع على أن الرسل كلهم كذا أمروا؛ أي كلوا من الحلال. وقال الطبريّ: الخطاب لعيسى عليه السلام؛ روي أنه كان يأكل من غزل أمه. والمشهور عنه أنه كان يأكل من بقل البَرِّيّة. ووجه خطابه لعيسى ما ذكرناه من تقديره لمحمد صلى الله عليه وسلم تشريفاً له. وقيل: إن هذه المقالة خوطب بها كل نبيّ؛ لأن هذه طريقتهم التي ينبغي لهم الكون عليها. فيكون المعنى: وقلنا يا أيها الرسل كلوا من الطيبات؛ كما تقول لتاجر: يا تجار ينبغي أن تجتنبوا الربا؛ فأنت تخاطبه بالمعنى. وقد اقترن بذلك أن هذه المقالة تصلح لجميع صنفه، فلم يخاطبوا قطّ مجتمعين صلوات الله عليهم أجمعين، وإنما خوطب كل واحد في عصره. قال الفرّاء: هو كما تقول للرجل الواحد: كُفُّوا عنا أذاكم.

الثالثة: سوّى الله تعالى بين النبيّين والمؤمنين في الخطاب بوجوب أكل الحلال وتجنب الحرام، ثم شمل الكل في الوعيد الذي تضمنه قوله تعالى: {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} صلى الله على رسله وأنبيائه. وإذا كان هذا معهم فما ظن كل الناس بأنفسهم. وقد مضى القول في الطيبات والرزق في غير موضع، والحمد لله. وفي قوله عليه السلام: «يمد يديه» دليل على مشروعية مدّ اليدين عند الدعاء إلى السماء؛ وقد مضى الخلاف في هذا والكلام فيه والحمد لله. وقوله عليه السلام «فأنَّى يستجاب لذلك» على جهة الاستبعاد؛ أي أنه ليس أهلاً لإجابة دعائه لكن يجوز أن يستجيب الله له تفضلاً ولطفاً وكرماً.

وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ ۝٥٢ فَتَقَطَّعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍۭ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ۝٥٣ فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ ۝٥٤

فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} المعنى: هذا الذي تقدم ذكره هو دينكم وملتكم فالتزموه. والأمّة هنا الدِّين؛ وقد تقدم محامله؛ ومنه قوله تعالى:

{ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ }[الزخرف: 23] أي على دين. وقال النابغة:

حلفتُ فلم أترك لنفسك رِيبةًوهل يَأْثَمَنْ ذو أمّةٍ وهو طائع

الثانية: قرىء «وإن هذه» بكسر «إنّ» على القطع، وبفتحها وتشديد النون. قال الخليل: هي في موضع نصب لمّا زال الخافض؛ أي أنا عالم بأن هذا دينكم الذي أمرتكم أن تؤمنوا به. وقال الفرّاء: «أنّ» متعلقة بفعل مضمر تقديره: واعلموا أن هذه أمتكم. وهي عند سيبويه متعلقة بقوله: «فاتقون»؛ والتقدير فاتقون لأن أمتكم واحدة. وهذا كقوله تعالى: { وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً }[الجن: 18]؛ أي لأن المساجد لله فلا تدعوا معه غيره. وكقوله: «لإِيلاَفِ قُرَيشٍ»؛ أي فليعبدوا ربّ هذا البيت لإيلاف قريش.

الثالثة: وهذه الآية تقوّي أن قوله تعالى: «يأيها الرسل» إنما هو مخاطبة لجميعهم، وأنه بتقدير حضورهم. وإذا قدرت «يأيها الرسل» مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم فَلَق اتصالَ هذه الآية واتصالَ قوله: «فتقطعوا». أما أنّ قوله: {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ} وإن كان قيل للأنبياء فأممهم داخلون فيه بالمعنى؛ فيحسن بعد ذلك اتصال. {فَتَقَطَّعُوۤاْ} أي افترقوا، يعني الأمم، أي جعلوا دينهم أدياناً بعد ما أمروا بالاجتماع. ثم ذكر تعالى أن كلاً منهم معجب برأيه وضلالته وهذا غاية الضلال.

الرابعة: هذه الآية تنظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم:

ألاَ إنّ مَن قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملّة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعةالحديث. خرّجه أبو داود، ورواه الترمذي وزاد: قالوا ومن هي يا رسول الله؟ قال:ما أنا عليه وأصحابيخرّجه من حديث عبد الله بن عمرو. وهذا يبيّن أن الافتراق المحذر منه في الآية والحديث إنما هو في أصول الدين وقواعده، لأنه قد أطلق عليها مِلَلاً، وأخبر أن التمسك بشيء من تلك الملل موجب لدخول النار. ومثل هذا لا يقال في الفروع، فإنه لا يوجب تعديد الملل ولا عذاب النار؛ قال الله تعالى: { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً }[المائدة: 48].

قوله تعالى: {زُبُراً} يعني كتباً وضعوها وضلالات ألّفوها؛ قاله ابن زيد. وقيل: إنهم فرّقوا الكتب فاتبعت فرقةٌ الصحفَ وفرقة التوراة وفرقة الزبور وفرقة الإنجيل، ثم حرف الكلّ وبدّل؛ قاله قتادة. وقيل: أخذ كل فريق منهم كتاباً آمن به وكفر بما سواه. و«زُبُراً» بضم الباء قراءة نافع، جمع زبور. والأعمش وأبو عمرو بخلافٍ عنه «زُبَراً» بفتح الباء، أي قطعاً كقطع الحديد؛ كقوله تعالى:

{ آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ }[الكهف: 96]. {كُلُّ حِزْبٍ} أي فريق ومِلّة. {بِمَا لَدَيْهِمْ} أي عندهم من الدين. {فَرِحُونَ } أي معجبون به. وهذه الآية مثال لقريش خاطب محمداً صلى الله عليه وسلم في شأنهم متصلاً بقوله: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ} أي فذر هؤلاء الذين هم بمنزلة من تقدم، ولا يضيق صدرك بتأخير العذاب عنهم؛ فلكل شيء وقت. والغَمرة في اللغة ما يَغْمُرك ويعلوك؛ وأصله الستر؛ ومنه الغِمْر الحقد لأنه يغطّي القلب. والغَمْر الماء الكثير لأنه يغطي الأرض. وغَمْرُ الرداء الذي يشمل الناس بالعطاء؛ قال:

غَمْرُ الرداء إذا تبسّم ضاحكاغَلِقتْ لضَحْكته رِقابُ المالِ

المراد هنا الحَيْرة والغفلة والضلالة. ودخل فلان في غمار الناس، أي في زحمتهم. وقوله تعالى: {حَتَّىٰ حِينٍ} قال مجاهد: حتى الموت، فهو تهديد لا توقيت؛ كما يقال: سيأتي لك يوم.

أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ۝٥٥ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ ۝٥٦

قوله تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } «ما» بمعنى الذي؛ أي أيحسبون يا محمد أن الذي نعطيهم في الدنيا من المال والأولاد هو ثواب لهم، إنما هو استدراج وإملاء، ليس إسراعاً في الخيرات. وفي خبر «أنّ» ثلاثة أقوال، منها أنه محذوف. وقال الزجاج: المعنى نسارع لهم به في الخيرات، وحذفت به. وقال هشام الضرير قولاً دقيقاً، قال: «أنما» هي الخيرات؛ فصار المعنى: نسارع لهم فيه، ثم أظهر فقال «في الخيرات»، ولا حذف فيه على هذا التقدير. ومذهب الكسائي أن «أنما» حرف واحد فلا يحتاج إلى تقدير حذف، ويجوز الوقف على قوله: «وبنين». ومن قال: «أنما» حرفان فلا بدّ من ضمير يرجع من الخبر إلى اسم «أنّ» ولم يتم الوقف على «وبنين». وقال السِّخْتِيانيّ: لا يحسن الوقف على «وبنين»؛ لأن «يحسبون» يحتاج إلى مفعولين، فتمام المفعولين «في الخيرات». قال ابن الأنباري: وهذا خطأ؛ لأن «أنّ» كافية من اسم أن وخبرها ولا يجوز أن يؤتى بعد «أن» بمفعول ثان. وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ وعبد الرحمن بن أبي بكرة «يسارِع» بالياء، على أن يكون فاعله إمدادنا. وهذا يجوز أن يكون على غير حذف؛ أي يسارع لهم الأمداد. ويجوز أن يكون فيه حذف، ويكون المعنى يسارع الله لهم. وقرىء «يُسارَعُ لهم في الخيرات» وفيه ثلاثة أوجه: أحدها على حذف به. ويجوز أن يكون يُسارَع الأمدادَ. ويجوز أن يكون «لهم» اسم ما لم يسم فاعله؛ ذكره النحاس. قال المهدوِيّ: وقرأ الحرّ النحوي «نسرع لهم في الخيرات» وهو معنى قراءة الجماعة. قال الثعلبي: والصواب قراءة العامة؛ لقوله «نمدهم». {بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} أن ذلك فتنة لهم واستدراج.

إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ ۝٥٧ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ۝٥٨ وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ۝٥٩ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ ۝٦٠

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ } لما فرغ من ذكر الكفرة وتوعّدهم عقّب ذلك بذكر المؤمنين المسارعين في الخيرات ووعدهم، وذكر ذلك بأبلغ صفاتهم. و{مُّشْفِقُونَ} خائفون وجِلون مما خوّفهم الله تعالى. {وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} قال الحسن: يؤتون الإخلاص ويخافون ألا يقبل منهم. وروى الترمذي

عن عائشة رضي الله عنها زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: «لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدّقون وهم يخافون ألا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات». وقال الحسن: لقد أدركنا أقواماً كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذبوا عليها. وقرأت عائشة رضي الله عنها وابنُ عباس والنَّخَعِيّ «والذين يأتون ما أتوا» مقصوراً من الإتيان. قال الفرّاء: ولو صحت هذه القراءة عن عائشة لم تخالف قراءة الجماعة؛ لأن الهمز من العرب من يلزم فيه الألف في كل الحالات إذا كتب؛ فيكتب سُئل الرجل بألف بعد السين، ويستهزئون بألف بين الزاي والواو، وشيءٌ وشيٍ بألف بعد الياء، فغير مستنكر في مذهب هؤلاء أن يكتب «يؤتون» بألف بعد الياء، فيحتمل هذا اللفظ بالبناء على هذا الخط قراءتين «يؤتون ما آتوا» و«يأتون ما أتوا». وينفرد ما عليه الجماعة باحتمال تأويلين: أحدهما: والذين يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقة وقلوبهم خائفة. والآخر: والذين يؤتون الملائكة الذين يكتبون الأعمال على العباد ما آتوا وقلوبهم وجلة؛ فحُذِف مفعولٌ في هذا الباب لوضوح معناه؛ كما حذف في قوله عز وجل: { فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ }[يوسف: 49] والمعنى يعصرون السمسم والعنب؛ فاختزِل المفعول لوضوح تأويله. ويكون الأصل في الحرف على هجائه الموجود في الإمام «يأتون» بألف مبدلة من الهمزة فكتبت الألف واواً لتآخي حروف المد واللين في الخفاء؛ حكاه ابن الأنباري. قال النحاس: المعروف من قراءة ابن عباس «والذين يأتون ما أتوا» وهي القراءة المروية عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وعن عائشة رضي الله عنها، ومعناها يعملون ما عملوا؛ كما رُوي في الحديث. والوجَل نحو الإشفاق والخوف؛ فالتقِيّ والتائب خوْفه أمر العاقبة وما يطلع عليه بعد الموت. وفي قوله: {أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} تنبيه على الخاتمة. وفي صحيح البخاري:وإنما الأعمال بالخواتيموأما المخلِّط فينبغي له أن يكون تحت خوفٍ من أن ينفَّذ عليه الوعيد بتخليطه. وقال أصحاب الخواطر: وَجَل العارف مِن طاعته أكثر وجلاً من وجله من مخالفته؛ لأن المخالفة تمحوها التوبة، والطاعة تطلب بتصحيح الغرض. {أَنَّهُمْ} أي لأنهم، أو من أجل «أنهم إلى ربهم راجعون».

أُو۟لَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَٰبِقُونَ ۝٦١

قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} أي في الطاعات، كي ينالوا بذلك أعلى الدرجات والغرفات. وقرىء «يُسْرِعون» في الخيرات، أي يكونون سراعاً إليها. ويسارعون على معنى يسابقون من سابقهم إليها؛ فالمفعول محذوف. قال الزجاج: يسارعون أبلغ من يسرعون.

{وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} أحسن ما قيل فيه: أنهم يسبقون إلى أوقاتها. ودلّ بهذا أن الصلاة في أوّل الوقت أفضل؛ كما تقدم في «البقرة». وكل من تقدم في شيء فهو سابق إليه، وكل من تأخر عنه فقد سبقه وفاته؛ فاللام في «لها» على هذا القول بمعنى إلى؛ كما قال:

{ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا } } [الزلزلة: 5] أي أوحى إليها. وأنشد سيبويه:

تَجَانَفُ عن جَوّ اليمامة ناقتيوما قصدَتْ من أهلها لسَوائكا

وعن ابن عباس فى معنى «وهم لها سابقون» سبقت لهم من الله السعادة؛ فلذلك سارعوا في الخيرات. وقيل: المعنى وهم من أجل الخيرات سابقون.

وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَٰبٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ۝٦٢

قوله تعالى: {وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} قد مضى في «البقرة» وأنه ناسخ لجميع ما ورد في الشرع من تكليف ما لا يطاق. {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ} أظهر ما قيل فيه: إنه أراد كتاب إحصاء الأعمال الذي ترفعه الملائكة؛ وأضافه إلى نفسه لأن الملائكة كتبت فيه أعمال العباد بأمره، فهو ينطق بالحق. وفي هذا تهديد وتأييس من الحَيْف والظلم. ولفظ النطق يجوز في الكتاب؛ والمراد أن النبيين تنطق بما فيه. والله أعلم. وقيل: عنى اللوح المحفوظ، وقد أثبت فيه كل شيء، فهم لا يجاوزون ذلك. وقيل: الإشارة بقوله «ولدينا كتاب» القرآن، فالله أعلم، وكل محتمل والأوّل أظهر.

بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مِّنْ هَٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَٰلٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَٰمِلُونَ ۝٦٣ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْـَٔرُونَ ۝٦٤ لَا تَجْـَٔرُوا۟ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ ۝٦٥

قوله تعالى: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا} قال مجاهد: أي في غِطاء وغفلة وعَماية عن القرآن. ويقال: غمره الماء إذا غطاه. ونهر غَمْر يغطّي من دخله. ورجل غمر يغمره آراء الناس. وقيل: «غمرة» لأنها تغطّي الوجه. ومنه دخل في غُمار الناس وخُمارهم، أي فيما يغطيه من الجمع. وقيل: «بل قلوبهم في غمرة» أي في حَيْرة وعَمًى؛ أي مما وصف من أعمال البر في الآيات المتقدمة؛ قاله قتادة. أو من الكتاب الذي ينطق بالحق. {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} قال قتادة ومجاهد: أي لهم خطايا لا بدّ أن يعملوها من دون الحق. وقال الحسن وابن زيد: المعنى ولهم أعمال رديئة لم يعملوها من دون ما هم عليه، لا بدّ أن يعملوها دون أعمال المؤمنين، فيدخلون بها النار، لما سبق لهم من الشِّقوة. ويحتمل ثالثاً: أنه ظلم الخلق مع الكفر بالخالق؛ ذكره الماوردي. والمعنى متقارب. {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ} يعني بالسيف يوم بدر؛ قاله ابن عباس. وقال الضحاك: يعني بالجوع حين قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

اللَّهُمَّ اشدد وطأتك على مُضَرَ اللَّهُمَّ اجعلها عليهم سنينَ كسِنِيّ يوسف. فابتلاهم الله بالقحط والجوع حتى أكلوا العظام والميتة والكلاب والجِيف، وهلك الأموال والأولاد. {إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} أي يضجّون ويستغيثون. وأصل الجُؤار رفع الصوت بالتضرع كما يفعل الثور. وقال الأعشى يصف بقرة:

فطافت ثلاثاً بين يوم وليلةوكان النكير أن تُضِيف وتجأرا

قال الجوهري: الجؤار مثل الخوار؛ يقال: جأر الثور يجأر أي صاح. وقرأ بعضهم «عِجْلاً جَسَداً لَهُ جؤار» حكاه الأخفش. وجأر الرجل إلى الله عز وجل تضرع بالدعاء. قتادة: يَصْرُخون بالتوبة فلا تقبل منهم. قال:

يراوح من صلوات المَلِيكفطَوْراً سجوداً وطَوْراً جؤارا

وقال ابن جريج: {حتّى إذَا أخذنا مُتْرَفِيهِمْ بالْعَذَابِ} هم الذين قتلوا ببدر {إذا هم يَجْأَرُونَ} هم الذين بمكة؛ فجمع بين القولين المتقدمين، وهو حسن. {لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا} أي من عذابنا. {لاَ تُنصَرُونَ} لا تمنعون ولا ينفعكم جزعكم. وقال الحسن: لا تنصرون بقبول التوبة. وقيل: معنى هذا النهي الإخبارُ؛ أي إنكم إن تضرعتم لم ينفعكم.

قَدْ كَانَتْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ تَنكِصُونَ ۝٦٦ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِۦ سَٰمِرًا تَهْجُرُونَ ۝٦٧

قوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ } الآيات يريد بها القرآن. {تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} أي تقرأ. قال الضحاك: قبل أن تعذبوا بالقتل و{تَنكِصُونَ } ترجعون وراءكم. مجاهد: تستأخرون؛ وأصله أن ترجع الْقَهْقَرَى. قال الشاعر:

زعموا بأنهمُ على سُبُل النّجاة وإنما نُكُصٌ على الأعقاب

وهو هنا استعارة للإعراض عن الحق. وقرأ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه «على أدباركم» بدل «على أعقابكم»، «تنكصون» بضم الكاف. {مُسْتَكْبِرِينَ} حال، والضمير في «به» قال الجمهور: هو عائد على الحرم أو المسجد أو البلد الذي هو مكة، وإن لم يتقدم له ذكر لشهرته في الأمر؛ أي يقولون نحن أهل الحرم فلا نخاف. وقيل: المعنى أنهم يعتقدون في نفوسهم أن لهم بالمسجد والحرم أعظمَ الحقوق على الناس والمنازل؛ فيستكبرون لذلك، وليس الاستكبار من الحق. وقالت فرقة: الضمير عائد على القرآن من حيث ذكرت الآيات؛ والمعنى: يُحدث لكم سماع آياتي كبراً وطغياناً فلا تؤمنوا به. قال ابن عطية: وهذا قول جيد. النحاس: والقول الأوّل أولى، والمعنى: أنهم يفتخرون بالحرم ويقولون نحن أهل حرم الله تعالى

قوله تعالى: {سَامِراً تَهْجُرُونَ} فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {سَامِراً تَهْجُرُونَ} «سامِراً» نصب على الحال، ومعناه سُمّارا، وهم الجماعة يتحدثون بالليل، مأخوذ من السَّمَر وهو ظل القمر؛ ومنه سُمرة اللون. وكانوا يتحدثون حول الكعبة في سَمَر القمر؛ فسمّي التحدث به. قال الثوري: يقال لظل القمر السَّمَر؛ ومنه السُّمْرة في اللون، ويقال له: الفَخْت؛ ومنه قيل: فاختة. وقرأ أبو رَجَاء «سُمّارا» وهو جمع سامر؛ كما قال:

ألسـتَ تـرى السُّمـارَ والنّـاسَ أحـوالـي

وفي حديث قَيْلة: إذا جاء زوجها من السامر؛ يعني من القوم الذين يَسْمُرون بالليل؛ فهو اسم مفرد بمعنى الجمع، كالحاضر وهم القوم النازلون على الماء، والباقر جمع البقر، والجامل جمع الإبل، ذكورتها وإناثها؛ ومنه قوله تعالى: { ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً }[الحج: 5] أي أطفالاً. يقال: قوم سَمْر وسُمَّر وسامِر، ومعناه سهر الليل؛ مأخوذ من السَّمَر وهو ما يقع على الأشجار من ضوء القمر. قال الجوهري: السامر أيضاً السُّمّار، وهم القوم الذين يَسْمُرون؛ كما يقال للحاج حُجّاج، وقول الشاعر:

وسـامرٍ طـال فيـه اللّـهْـوُ والسّـمَـرُ

كأنه سمى المكان الذي يجتمع فيه للسمر بذلك. وقيل: وحّد سامراً وهو بمعنى السُّمار؛ لأنه وضع موضع الوقت، كقول الشاعر:

مِن دونهم إن جئتَهم سَمَراًعَزْفُ القِيَانِ ومَجْلِسٌ غَمْرُ

فقال: سَمَراً، لأن معناه: إن جئتهم ليلاً وجدتهم وهم يسمرون. وٱبنا سَمِير: الليل والنهار؛ لأنه يُسْمَر فيهما، يقال: لا أفعله ما سَمَر ابنا سمِير أبداً. ويقال: السَّمير الدهر، وٱبناه الليل والنهار. ولا أفعله السَّمَرَ والقمرَ؛ أي ما دام الناس يَسْمُرون في ليلة قمراء. ولا أفعله سَمِيرَ الليالي. قال الشَّنْفَرَى:

هنالك لا أرجو حياةً تَسُرُّنِيسَميرَ الليالي مُبْسَلاً بالجرائر

والسَّمَار (بالفتح) اللبن الرقيق. وكانت العرب تجلس للسمر تتحدّث، وهذا أوجب معرفتها بالنجوم؛ لأنها تجلس في الصحراء فترى الطوالع من الغوارب. وكانت قريش تَسْمُر حول الكعبة مجالس في أباطيلها وكفرها، فعابهم الله بذلك. و«تُهْجِرون» قرىء بضم التاء وكسر الجيم من أهجر، إذا نطق بالفحش. وبنصب التاء وضم الجيم من هَجَر المريضُ إذا هَذَى. ومعناه: يتكلمون بهوَس وسَيِّىء من القول في النبيّ صلى الله عليه وسلم وفي القرآن؛ عن ابن عباس وغيره.

الثانية: روى سعيد بن جُبيرِ عن ابن عباس قال: إنما كُره السّمر حين نزلت هذه الآية {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ }؛ يعني أن الله تعالى ذمّ أقواماً يَسْمُرون في غير طاعة الله تعالى، إما في هَذَيان وإما في إذاية. وكان الأعمش يقول: إذا رأيت الشيخ ولم يكتب الحديث فاصفعه فإنه من شيوخ القمر؛ يعني يجتمعون في ليالي القمر فيتحدّثون بأيام الخلفاء والأمراء ولا يحسِن أحدهم يتوضأ للصلاة.

الثالثة: روى مسلم عن أبي بَرْزَة قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء إلى ثلث الليل ويكره النوم قبلها والحديثَ بعدها. قال العلماء: أما الكراهية للنوم قبلها فلئلا يعرّضها للفوات عن كل وقتها أو أفضل وقتها؛ ولهذا قال عمر: فمن نام فلا نامت عينه؛ ثلاثاً. وممن كره النوم قبلها عمر وابنه عبد الله وابن عباس وغيرهم، وهو مذهب مالك. ورخص فيه بعضهم، منهم عليّ وأبو موسى وغيرهم؛ وهو مذهب الكوفيين. وشرط بعضهم أن يجعل معه من يوقظه للصلاة. وروي عن ابن عمر مثله، وإليه ذهب الطحاوي. وأما كراهية الحديث بعدها فلأن الصلاة قد كفرت خطاياه فينام على سلامة، وقد ختم الكُتّاب صحيفته بالعبادة؛ فإنْ هو سَمَر وتحدّث فيملؤها بالهَوَس ويجعل خاتمتها اللغو والباطل، وليس هذا من فعل المؤمنين. وأيضاً فإن السمر في الحديث مظنة غلبة النوم آخر الليل فينام عن قيام آخر الليل، وربما ينام عن صلاة الصبح. وقد قيل: إنما يكره السمر بعدها لما روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إياكم والسَّمَرَ بعد هَدْأة الرجل فإن أحدكم لا يدري ما يبث الله تعالى من خلقه أغلِقوا الأبواب وأَوْكُوا السقاء وخَمّروا الإناء وأطفِئوا المصابيح. وروي عن عمر أنه كان يضرب الناس على الحديث بعد العشاء، ويقول: أَسُمراً أوّلَ الليل ونوماً آخره! أريحوا كُتّابكم. حتى أنه روي عن ابن عمر أنه قال:

من قرض بيت شعر بعد العشاء لم تقبل له صلاة حتى يُصبح. وأسنده شدّاد بن أوْس إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد قيل: إن الحكمة في كراهية الحديث بعدها إنما هو لما أن الله تعالى جعل الليل سَكَنا، أي يُسكن فيه، فإذا تحدّث الإنسان فيه فقد جعله في النهار الذي هو متصرف المعاش؛ فكأنه قصد إلى مخالفة حكمة الله تعالى التي أجرى عليها وجوده فقال:

{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِبَاساً وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً }[الفرقان: 47].

الرابعة: هذه الكراهة إنما تختص بما لا يكون من قبيل القُرَب والأذكار وتعليم العلم، ومسامرةِ الأهل بالعلم وبتعليم المصالح وما شابه ذلك؛ فقد ورد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وعن السلف ما يدل على جواز ذلك، بل على ندبيّته. وقد قال البخاريّ: (باب السَّمَر في الفقه والخير بعد العشاء) وذكر أن قُرّة بن خالد قال: انتظرْنا الحسن وراث علينا حتى جاء قريباً من وقت قيامه، فجاء فقال: دعانا جيراننا هؤلاء. ثم قال أنس: انتظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى كان شطر الليل فجاء فصلى ثم خطبنا فقال:

إن الناس قد صَلّوْا وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة. قال الحسن: فإن القوم لا يزالون في خير ما انتظروا الخير. قال: (باب السمر مع الضيف والأهل) وذكر حديث أبي بكر بن عبد الرحمن أن أصحاب الصُّفّة كانوا فقراء... الحديث. أخرجه مسلم أيضاً. وقد جاء في حراسة الثغور وحفظ العساكر بالليل من الثواب الجزيل والأجر العظيم ما هو مشهور في الأخبار. وقد مضى من ذلك جملة في آخر «آل عمران» والحمد لله وحده.

أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا۟ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝٦٨

قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ} يعني القرآن؛ وهو كقوله تعالى:

{ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ }[النساء: 82]. وسُمِّيَ القرآن قولاً لأنهم خوطبوا به. {أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ} فأنكروه وأعرضوا عنه. وقيل: «أم» بمعنى بل؛ أي بل جاءهم ما لا عهد لآبائهم به، فلذلك أنكروه وتركوا التدبر له. قاله ابن عباس. وقيل المعنى أم جاءهم أمان من العذاب، وهو شيء لم يأت آباءهم الأوّلين فتركوا الأعز.

أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا۟ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ ۝٦٩

هذا تستعمله العرب على معنى التوقيف والتقبيح، فيقولون: الخير أحبّ إليك أم الشر؛ أي قد أخبرت الشر فتجنّبه، وقد عرفوا رسولهم وأنه من أهل الصدق والأمانة؛ ففي اتباعه النجاة والخير لولا العَنَت. قال سفيان: بلى! قد عرفوه ولكنهم حسدوه!

أَمْ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةٌۢ بَلْ جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَٰرِهُونَ ۝٧٠

قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ} أي أم يحتجون في ترك الإيمان به بأنه مجنون، فليس هو هكذا؛ لزوال أمارات الجنون عنه. {بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ} يعني القرآن والتوحيد الحق والدِّين الحق. {وَأَكْثَرُهُمْ} أي كلهم {لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} حسداً وبَغْياً وتقليداً.

وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَٰهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ ۝٧١

قوله تعالى: {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ} «الحق» هنا هو الله سبحانه وتعالى؛ قاله الأكثرون، منهم مجاهد وابن جُريج وأبو صالح وغيرهم. وتقديره في العربية: ولو اتبع صاحب الحق؛ قاله النحاس. وقد قيل: هو مجاز، أي لو وافق الحق أهواءهم؛ فجعل موافقته اتباعاً مجازاً، أي لو كانوا يكفرون بالرسل ويعصون الله عز وجل ثم لا يعاقَبون ولا يجازون على ذلك إمّا عجزاً وإمّا جهلاً لفسدت السموات والأرض. وقيل: المعنى ولو كان الحق ما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله تعالى لتنافت الآلهة، وأراد بعضهم ما لا يريده بعض، فاضطرب التدبير وفسدت السموات والأرض، وإذا فسدتا فسد من فيهما. وقيل: «لو اتبع الحق أهواءهم» أي بما يهواه الناس ويشتهونه لبطل نظام العالَم؛ لأن شهوات الناس تختلف وتتضادّ، وسبيلُ الحق أن يكون متبوعاً، وسبيل الناس الانقياد للحق. وقيل: «الحق» القرآن؛ أي لو نزل القرآن بما يحبون لفسدت السموات والأرض. {وَمَن فِيهِنَّ} إشارة إلى من يعقل من ملائكة السموات وإنس الأرض وجِنّها؛ المَاوَرْدِيّ. وقال الكَلْبِيّ: يعني وما بينهما من خلق؛ وهي قراءة ابن مسعود «لفسدت السموات والأرض وما بينهما». فيكون على تأويل الكلبِيّ وقراءةِ ابن مسعود محمولاً على فساد من يعقل وما لا يعقل من حيوان وجماد. وظاهر التنزيل في قراءة الجمهور يكون محمولاً على فساد ما يعقل من الحيوان؛ لأن ما لا يعقل تابع لما يعقل في الصلاح والفساد، فعلى هذا ما يكون من الفساد يعود على من في السموات من الملائكة بأن جُعلت أرباباً وهي مربوبة، وعُبدت وهي مستعبدة. وفساد الإنس يكون على وجهين: أحدهما: باتباع الهوى، وذلك مهلك. الثاني: بعبادة غير الله، وذلك كفر. وأما فساد ما عدا ذلك فيكون على وجه التبع؛ لأنهم مدبَّرون بذوي العقول فعاد فساد المدبِّرين عليهم.

قوله تعالى: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ} أي بما فيه شرفهم وعزّهم؛ قاله السُّدِّي وسفيان. وقال قتادة: أي بما لهم فيه ذكر ثوابهم وعقابهم. ابن عباس: أي ببيان الحق وذكر ما لهم به حاجة من أمر الدين. {فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ}.

أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ۝٧٢

قوله تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً} أي أجراً على ما جئتهم به؛ قاله الحسن وغيره. {فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ} وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيـى بن وَثّاب «خراجا» بألف. الباقون بغير ألف. وكلهم قد قرؤوا «فخراج» بالألف إلا ابن عامر وأبا حَيْوة فإنهما قرأا بغير الألف. والمعنى: أم تسألهم رزقاً فرزق ربك خير. {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} أي ليس يقدر أحد أن يرزق مثل رزقه، ولا يُنعم مثل إنعامه. وقيل؛ أي ما يؤتيك الله من الأجر على طاعتك له والدعاء إليه خيرٌ من عَرَض الدنيا، وقد عرضوا عليك أموالهم حتى تكون كأعْيَن رجل من قريش فلم تجبهم إلى ذلك؛ قال معناه الحسن: والخَرْج والخراج واحد، إلا أن اختلاف الكلام أحسن؛ قاله الأخفش. وقال أبو حاتم: الخَرْج الجُعْل، والخراج العطاء. المبرّد: الخرج المصدر، والخراج الاسم. وقال النضر بن شميل: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الفرق بين الخرج والخراج فقال: الخراج ما لزمك، والخَرْج ما تبرّعت به. وعنه أن الخَرْج من الرقاب، والخراج من الأرض. ذكر الأوّل الثعلبيّ والثاني الماورديّ.

وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝٧٣ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَٰكِبُونَ ۝٧٤

قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } أي إلى دين قويم. والصراط في اللغة الطريق؛ فسُمِّيَ الدِّين طريقاً لأنه يؤدّي إلى الجنة فهو طريق إليها. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} أي بالبعث. {عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ} قيل: هو مثل الأوّل. وقيل: إنهم عن طريق الجنة لناكبون حتى يصيروا إلى النار. نَكَب عن الطريق يَنْكُب نُكوباً إذا عدل عنه ومال إلى غيره؛ ومنه نكبت الريح إذا لم تستقم على مَجْرًى. وشَرُّ الريح النَّكْباء.

وَلَوْ رَحِمْنَٰهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا۟ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ۝٧٥

قوله تعالى: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ} أي لو رددناهم إلى الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحناهم {لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ} قال السُّدِّي: في معصيتهم. {يَعْمَهُونَ} قال الأعمش: يترددون. وقال ابن جُريج: «ولو رحمناهم» يعني في الدنيا {وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ} أي من قَحْط وجوع {لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } أي لتمادَوْا {فِي طُغْيَانِهِمْ} وضلالتهم وتجاوزهم الحد {يَعْمَهُونَ } يتذبذبون ويخبِطون.

وَلَقَدْ أَخَذْنَٰهُم بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ۝٧٦

قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ} قال الضحاك: بالجوع. وقيل: بالأمراض والحاجة والجوع. وقيل: بالقتل والجوع. {فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ} أي ما خضعوا. {وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} أي ما يخشعون لله عز وجل في الشدائد تصيبهم. قال ابن عباس: نزلت في قصة ثُمَامة بن أثَال لما أسرته السّرِيّة وأسلم وخَلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيله، حال بين مكة وبين المِيرة وقال: والله لا يأتيكم من اليمامة حَبّةُ حِنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخذ الله قريشاً بالقحط والجوع حتى أكلوا الميتة والكلاب والعِلْهِز؛ قيل وما العِلهِز؟ قال: كانوا يأخذون الصوف والوَبَر فيبلّونه بالدم ثم يشوونه ويأكلونه. فقال له أبو سفيان: أنْشُدكَ اللَّهَ والرَّحِم! أليس تزعم أن الله بعثك رحمة للعالمين؟ قال: «بلى». قال: فوالله ما أراك إلا قتلت الآباء بالسيف، وقتلت الأبناء بالجوع؛ فنزل قوله: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }.

حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ۝٧٧

قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ} قال عكرمة: هو باب من أبواب جهنم، عليه من الخزنة أربعمائة ألف، سودٌ وجوههم، كالِحةٌ أنيابهم، قد قُلعت الرحمة من قلوبهم؛ إذا بلغوه فتحه الله عز وجل عليهم. وقال ابن عباس: هو قتلهم بالسيف يوم بدر. مجاهد: هو القحط الذي أصابهم حتى أكلوا العِلْهِز من الجوع؛ على ما تقدم. وقيل فتح مكة. {إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} أي يائسون متحيّرون لا يدرون ما يصنعون، كالآيس من الفرج ومن كل خير. وقد تقدم في «الأنعام».

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ۝٧٨

قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ} عرّفهم كثرة نعمه وكمال قدرته. {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي ما تشكرون إلا شكراً قليلاً. وقيل: أي لا تشكرون ألْبَتّةَ.

وَهُوَ ٱلَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ۝٧٩

قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أي أنشأكم وبَثّكم وخلقكم. {وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي تجمعون للجزاء.

وَهُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلَٰفُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝٨٠ بَلْ قَالُوا۟ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلْأَوَّلُونَ ۝٨١ قَالُوٓا۟ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ۝٨٢ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا هَٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝٨٣ قُل لِّمَنِ ٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝٨٤ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ۝٨٥ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ ۝٨٦ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ۝٨٧ قُلْ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝٨٨ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ ۝٨٩

قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي جعلهما مختلفَين؛ كقولك: لك الأجر والصّلة؛ أي إنك تؤجِر وتوصِل؛ قاله الفرّاء. وقيل: اختلافهما نقصان أحدهما وزيادة الآخر. وقيل: اختلافهما في النور والظلمة. وقيل: تكررهما يوماً بعد ليلة وليلة بعد يوم. ويحتمل خامساً: اختلاف ما مضى فيهما من سعادة وشقاء وضلال وهدى. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} كُنْهَ قدرته وربوبيّته ووحدانيّته، وأنه لا يجوز أن يكون له شريك من خلقه، وأنه قادر على البعث. ثم عيّرهم بقولهم وأخبر عنهم أنهم {قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ قَالُوۤاْ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } هذا لا يكون ولا يتصوّر. {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ} أي من قبل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم، فلم نر له حقيقة. {إِنْ هَـٰذَآ} أي ما هذا {إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي أباطيلهم وتُرّهاتهم؛ وقد تقدّم هذا كله. قال الله تعالى: {قُل} يا محمد جواباً لهم عما قالوه {لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ} يخبر بربوبيّته ووحدانيته وملكه الذي لا يزول، وقدرته التي لا تحول؛ فـ{ـسَيَقُولُونَ لِلَّهِ} ولا بُدّ لهم من ذلك. فـ{ـقُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أي أفلا تتعظون وتعلمون أن من قدر على خلق ذلك ابتداء فهو على إحياء الموتى بعد موتهم قادر. {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } يريد أفلا تخافون حيث تجعلون لي ما تكرهون؛ زعمتم أن الملائكة بناتي، وكرهتم لأنفسكم البنات. {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} يريد السموات وما فوقها وما بينهن، والأرضين وما تحتهن وما بينهن، وما لا يعلمه أحد إلا هو. وقال مجاهد: «ملكوت كلِّ شيء» خزائن كل شيء. الضحاك: ملك كل شيء. والملكوت من صفات المبالغة كالجَبَرُوت والرَّهَبُوت؛ وقد مضى في «الأنعام». {وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} أي يَمنع ولا يُمنع منه. وقيل: «يُجير» يؤمّن من شاء. «ولا يُجَار عَلَيْه» أي لا يؤمّن من أخافه. ثم قيل: هذا في الدنيا؛ أي من أراد الله إهلاكه وخوفه لم يمنعه منه مانع، ومن أراد نصره وأمنه لم يدفعه من نصره وأمنه دافع. وقيل: هذا في الآخرة، أي لا يمنعه من مستحق الثواب مانع ولا يدفعه عن مستوجب العذاب دافع. {فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ} أي فكيف تخدعون وتصرفون عن طاعته وتوحيده. أو كيف يخيَّل إليكم أن تشركوا به ما لا يضر ولا ينفع! والسحر هو التخييل. وكل هذا احتجاج على العرب المقرين بالصانع. وقرأ أبو عمرو «سيقولون الله» في الموضعين الأخيرين؛ وهي قراءة أهل العراق. الباقون «لله»، ولا خلاف في الأوّل أنه «لله»؛ لأنه جواب لـ«ـقل لمن الأرض ومن فيها» فلما تقدّمت اللام في «لمن» رجعت في الجواب. ولا خلاف أنه مكتوب في جميع المصاحف بغير ألف. وأما من قرأ «سيقولون الله» فلأن السؤال بغير لام فجاء الجواب على لفظه، وجاء في الأوّل «لله» لمّا كان السؤال باللام. وأما من قرأ «لله» باللام في الأخيرين وليس في السؤال لام فلأن معنى «قل مَن ربّ السموات السبعِ ورب العرش العظيم»؛ قل لمن السموات السبع ورب العرش العظيم. فكان الجواب «لله»؛ حين قدّرت اللام في السؤال. وعلّة الثالثة كعلة الثانية. وقال الشاعر:

إذا قيل من ربّ المزالف والقُرَىوربُّ الجياد الجُرْد قلت لخالد

أي لمن المزالف. والمزالف: البراغيل وهي البلاد التي بين الريف والبرّ الواحدة مزلفة.

ودلّت هذه الآيات على جواز جدال الكفار وإقامة الحجة عليهم. وقد تقدم في «البقرة». ونبّهتْ على أن من ابتدأ بالخلق والاختراع والإيجاد والإبداع هو المستحق للألوهية والعبادة.

بَلْ أَتَيْنَٰهُم بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ ۝٩٠ مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنْ إِلَٰهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ۝٩١ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝٩٢

قوله تعالى: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ} أي بالقول الصدق، لا ما تقوله الكفار من إثبات الشريك ونَفْي البعث. {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} أن الملائكة بنات الله. فقال الله تعالى: {مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ} «مِن» صلة. {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ} «من» زائدة؛ والتقدير: ما اتخذ الله ولداً كما زعمتم، ولا كان معه إلٰه فيما خلق. وفي الكلام حذف؛ والمعنى: لو كانت معه آلهة لانفرد كل إله بخلقه. {وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي ولغالب وطلب القويُّ الضعيف كالعادة بين الملوك، وكان الضعيف المغلوبُ لا يستحق الإلٰهيّة. وهذا الذي يدل على نفي الشريك يدل على نفي الولد أيضاً؛ لأن الولد ينازع الأب في الملك منازعة الشريك. {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} تنزيهاً له عن الولد والشريك. {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} أي هو عالم الغيب تنزيه وتقديس. وقرأ نافع وأبو بكر وحمزة والكِسَائيّ «عالمُ» بالرفع على الاستئناف؛ أي هو عالم الغيب. الباقون بالجر على الصفة لله. وروى رُوَيس عن يعقوب «عالِم» إذا وصل خفضاً. و«عالمُ» إذا ابتدأ رفعاً.

قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّى مَا يُوعَدُونَ ۝٩٣ رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِى فِى ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٩٤

علّمه ما يدعو به؛ أي قل رب، أي يا رب إن أريتني ما يوعدون من العذاب. {فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي في نزول العذاب بهم؛ بل أخرجني منهم. وقيل: النداء معترض؛ و«ما» في «إمّا» زائدة. وقيل: إن أصل إمّا إن ما؛ فـ«ـإن» شرط و«ما» شرط، فجمع بين الشرطين توكيداً، والجواب «فلا تجعلني في القوم الظالمين»؛ أي إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني منهم. وكان عليه السلام يعلم أن الله تعالى لا يجعله في القوم الظالمين إذا نزل بهم العذاب، ومع هذا أمره الربّ بهذا الدعاء والسؤال ليعظم أجره وليكون في كل الأوقات ذاكراً لربّه تعالى

وَإِنَّا عَلَىٰٓ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَٰدِرُونَ ۝٩٥

نبّه على أن خلاف المعلوم مقدور، وقد أراه الله تعالى ذلك فيهم بالجوع والسيف، ونجّاه الله ومن آمن به من ذلك.

ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ۝٩٦

قوله تعالى: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ} أمر بالصفح ومكارم الأخلاق؛ فما كان منها لهذه الأمة فيما بينهم فهو محكم باقٍ في الأمة أبداً. وما كان فيها من معنى موادعة الكفار وترك التعرّض لهم والصفح عن أمورهم فمنسوخ بالقتال. {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} أي من الشرك والتكذيب. وهذا يقتضي أنها آية موادعة، والله تعالى أعلم.

وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَٰطِينِ ۝٩٧ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ۝٩٨

قوله تعالى: {وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ } فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ} الهمزات هي جمع هَمْزة. والهَمْز في اللغة النَّخْس والدفع؛ يقال: هَمزَه ولَمَزه ونَخَسه دفعه. قال الليث: الهمز كلامٌ من وراء القَفَا، واللَّمْزُ مواجهةً. والشيطان يوسوس فيهمس في وسواسه في صدر ابن آدم؛ وهو قوله: {أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ} أي نزعات الشياطين الشاغلة عن ذكر الله تعالى. وفي الحديث: كان يتعوّذ من همز الشيطان ولمزه وهمسه. قال أبو الهَيْثَم: إذا أسرّ الكلام وأخفاه فذلك الهمس من الكلام. وسمي الأسد هَمُوساً؛ لأنه يمشي بخفة فلا يُسمع صوت وطئه. وقد تقدم في «طه».

الثانية: أمر الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالتعوّذ من الشيطان في همزاته، وهي سَورات الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه، وكأنها هي التي كانت تصيب المؤمنين مع الكفار فتقع المحادّة فلذلك اتصلت بهذه الآية. فالنزعات وسورات الغضب الواردةُ من الشيطان هي المتعوَّذ منها في الآية؛ وقد تقدم في آخر «الأعراف» بيانه مستوفًى، وفي أوّل الكتاب أيضاً. وروي عن عليّ بن حرب بن محمد الطائي حدّثنا سفيان عن أيوب عن محمد بن حبّان: أن خالداً كان يؤرّق من الليل؛ فذكر ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يتعوّذ بكلمات الله التّامة من غضب الله وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأنْ يَحْضُرون. وفي كتاب أبي داود قال عمر: وهَمْزُه المُوتَةُ؛ قال ابن ماجه: المُوتة يعني الجنون. والتعوذ أيضاً من الجنون وَكِيد. وفي قراءة أُبَيّ «رَبِّ عائذاً بك من همزات الشياطين، وعائذاً بك أن يَحْضُرونِ»؛ أي يكونوا معي في أموري، فإنهم إذا حضروا الإنسان كانوا معدّين للهمز، وإذا لم يكن حضور فلا همز. وفي صحيح مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إن الشيطان يحضر أحدَكم عند كلّ شيء من شأنه حتى يحضر عند طعامه فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فلْيُمِط ما كان بها من أذًى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان فإذا فرغ فلْيَلْعَق أصابعه فإنه لا يدري في أيّ طعامه البركة»
الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ