انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المؤمنون

تفسير الطبريالآيات 102–118

تفسير سورة المؤمنون آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة المؤمنون

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 51:22

  1. 1 الآيات 75–118في هذه الصفحة 18:58

التفسير الصوتي لسورة المؤمنون كاملًا (3 مقاطع)

فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝١٠٢ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ۝١٠٣ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَٰلِحُونَ ۝١٠٤

يقول تعالـى ذكره:{ فَمَنْ ثَقُلَتُ مَوَازِينُهُ}: موازين حسناته وخفت موازين سيئاته. {فأُولَئِكَ هُمُ الـمُفْلِـحُونَ} يعنـي الـخالدون فـي جنات النعيـم.{ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} يقول: ومن خفَّت موازين حسناته، فرجَحَتْ بها موازين سيئاته. {فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ} يقول: غَبَنوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله.{ فـي جَهَنَّـمَ خالِدُونَ} يقول: هم فـي نار جهنـم.

وقوله:{تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارَ } يقول: تَسْفَع وجوهَهم النار. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس:{ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ} قال: تنفَح.

{وَهُمْ فِـيها كالـحُونَ } والكُلوح: أن تتقلّص الشفتان عن الأسنان حتـى تبدو الأسنان، كما قال الأعشي:

وَلَهُ الـمُقَدّمُ لا مِثْلَ لَهُ ساعَةَ الشِّدْقُ عَنِ النَّابِ كَلَـحْ

فتأويـل الكلام: يَسْفَع وجوههم لهب النار فتُـحْرقها، وهم فـيها متقلصوا الشفـاه عن الأسنان من إحراق النار وجوههم.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنـي عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله:{ وَهُمْ فِـيها كالِـحُون} يقول: عابسون.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن أبـي الأحوص عن عبد الله، فـي قوله:{ وَهُمْ فِـيها كالِـحُونَ } قال: ألـم تر إلـى الرأس الـمشيط قد بدت أسنانه وقَلَصت شفتاه؟.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن أبـي الأحوص عن عبد الله، قرأ هذه الآية:{ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ}... الآية، قال: ألـم تر إلـى الرأس الـمشيط بـالنار وقد قَلَصت شفتاه وبدت أسنانه؟.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَهُمْ فِـيها كالِـحُونَ} قال: ألـم تر إلـى الغنـم إذا مست النار وجوهها كيف هي؟.

أَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ۝١٠٥ قَالُوا۟ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَآلِّينَ ۝١٠٦

يقول تعالـى ذكره: يقال لهم:{ أَلَمْ تَكُنْ آياتِـي تُتْلَـى عَلَـيْكُمْ } يعنـي آيات القرآن تتلـى علـيكم فـي الدنـيا،{ فَكُنْتُـمْ بِها تُكَذّبُونَ}. وترك ذكر «يقال» لدلالة الكلام علـيه. {قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَـيْنا شِقْوَتُنا} اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة: {غَلَبَت عَلَـيْنا شِقْوَتُنا} بكسر الشين، وبغير ألف. وقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة: «شَقاوَتُنا» بفتـح الشين والألف.

والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، وقرأ بكل واحدة منهما علـماء من القرّاء بـمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وتأويـل الكلام: قالوا: ربنا غلبت علـينا ما سبق لنا فـي سابق علـمك وخطّ لنا فـي أمّ الكتاب.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بَزَّة، عن مـجاهد، قوله:{ غَلَبْتَ عَلَـيْنا شِقْوَتُنا} قال: التـي كتبت علـينا.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{غَلَبَتْ عَلَـيْنا شِقْوَتُنا} التـي كتبت علـينا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

وقال: قال ابن جريج: «بلغنا أن أهل النار نادوا خَزَنة جهنـم: أنُ ادْعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب فلـم يجيبوهم ما شاء الله فلـما أجابوهم بعد حين قالوا: ادعوا وما دعاء الكافرين إلا فـي ضلال. قال: ثم نادوا مالكاً: يا مالك لـيقضِ علـينا ربك فسكت عنهم مالك خازن جهنـم أربعين سنة، ثم أجابهم فقال: إنَّكُمْ ماكِثُونَ. ثم نادى الأشقـياء ربهم، فقالوا:{ رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَـيْنا شِقْوَتُنا وكُنَّا قَوْماً ضَالِّـينَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِنْها فإنْ عُدْنا فإنَّا ظالِـمُونَ } فسكت عنهم مثل مقدار الدنـيا، ثم أجابهم بعد ذلك تبـارك وتعالـى:

{ اخْسَئُوا فِـيها وَلا تُكَلِّـمُونِ }

قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر بن عبد الله، قال:

ينادِي أهل النار أهل الـجنة فلا يجيبونهم ما شاء الله، ثم يقول: أجيبوهم وقد قطع الرَّحِمَ والرحمة. فـيقول أهل الـجنة: يا أهل النار علـيكم غضب الله يا أهل النار علـيكم لعنة الله يا أهل النار، لا لَبَّـيْكم ولا سَعْدَيْكم ماذا تقولون؟ فـيقولون: ألـم نك فـي الدنـيا آبـاءكم وأبناءكم وإخوانكم وعشيرتكم؟ فـيقولون: بلـى. فـيقولون: {أفِـيضُوا عَلَـيْنا مِنَ الـمَاءِ أوْ مِـما رَزَقَكُمُ اللّهُ قالُوا إنَّ اللّهَ حَرَّمَهُما عَلـى الكافِرِينَ}

قال: ثنـي حجاج، عن أبـي معشر، عن مـحمد بن كعب القُرَظيّ قال: وثنـي عَبْدة الـمُرُوزِيّ، عن عبد الله بن الـمبـارك، عن عمرو بن أبـي لـيـلـى، قال: سمعت مـحمد بن كعب، زاد أحدهما علـى صاحبه، قال مـحمد بن كعب: بلغنـي، أو ذُكر لـي، أن أهل النار استغاثوا بـالـخَزَنة، ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب فردّوا علـيهم ما قال الله فلـما أيسوا نادَوا: يا مالك وهو علـيهم، وله مـجلس فـي وسطها، وجسور تـمرّ علـيها ملائكة العذاب، فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها فقالوا: يا مالك، لـيقض علـينا ربك سألوا الـموت. فمكث لا يجيبهم ثمانـين ألفَ سنة من سنـي الآخرة، أو كما قال. ثم انـحطَّ إلـيهم، فقال:

{ إنَّكُمْ ماكثونَ }فلـما سمعوا ذلك قالوا: فـاصبروا، فلعلّ الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنـيا علـى طاعة الله قال: فصَبَروا، فطال صبرهم، فنادَوا: { سَوَاءٌ عَلَـيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَـحِيصٍ }: أي مَنْـجًى، فقام إبلـيس عند ذلك فخطبهم، فقال: { إنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الـحَقِّ، وَوَعَدْتُكُمْ فَأخْـلَفْتُكُمْ وَما كانَ لـي عَلَـيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ }، فلـما سمعوا مقالتهم، مَقَتُوا أنفسهم، قال: فُنودوا: { لَـمَقْتُ اللّهِ أكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أنْفُسَكُمْ إذْ تُدْعُوْنَ إلـى الاْيـمَانِ فَتَكْفُرُونَ قالُوا رَبَّنا أمَتَّنَا... } الآية، قال: فـيجيبهم الله فـيها: { ذَلَكُمْ بأنَّهُ إذَا دُعِيَ اللّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُـمْ وَإنْ يُشْرَكْ بِهه تُؤْمِنُوا فـالـحُكْمُ لِلّهِ العَلـيّ الكَبِـيرِ }. قال: فـيقولون: ما أيسنا بعدُ قال: ثم دَعَوا مرّة أخرى، فـيقولون: { رَبَّنا أبْصَرْنا وَسمِعْنا فـارْجِعْنا نَعْمَلْ صَالِـحا إنَّا مُوقِنُونَ }قال: فـيقول الربّ تبـارك وتعالـى: { وَلَوْ شِئْنا لآتَـيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاها } يقول الربّ: لو شئت لهديت الناس جميعاً فلـم يختلف منهم أحد { ولكنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّـي لاَءَمْلأَنَّ جَهَنَّـمَ مِنَ الـجِنَّةِ والنَّاسِ أجَمعِينَ فَذُوقُوا بِـمَا نَسِيتُـمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا }يقول: بـما تركتـم أن تعملوا لـيومكم هذا، { إنَّا نَسِيناكُمْ }: أي تركناكم، { وَذُوقُوا عَذَابَ الـخُـلْدِ بِـمَا كُنْتُـمْ تَعْمَلُونَ }. قال: فـيقولون: ما أيسنا بعد قال: فـيدعون مرّة أخرى: { رَبَّنا أخِّرْنا إلـى أجَلٍ قَرِيبٍ نُـجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ } قال: فـيقال لهم: { أوَ لَـمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُـمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ وَسَكَنْتُـمْ فِـي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَـمُوا أَنْفُسَهُمْ... }الآية، قال: فـيقولون: ما أيسنا بعد ثم قالوا مرّة أخرى: { رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صَالِـحا غيرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ }، قال: فـيقول: { أوَ لَـمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِـيهِ مِنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ... }إلـى: {نَصِيرٍ}. ثم مكث عنهم ما شاء الله، ثم ناداهم: {أَلَـمْ تَكُنْ آياتِـي تُتْلَـى عَلَـيْكُمْ فَكُنْتُـمْ بِها تُكَذّبُونَ} فلـما سمعوا ذلك قالوا: الآن يرحمنا فقالوا عند ذلك: {رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَـيْنا شِقْوَتُنا}: أي الكتاب الذي كتب علـينا {وكُنَّا قَوْما ضَالِّـينَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِنْها... } الآية، فقال عند ذلك:{ اخْسَئُوا فِـيها وَلا تُكَلِّـمُونِ } قال: فلا يتكلـمون فـيها أبدا. فـانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء منهم، وأقبل بعضهم ينبح فـي وجه بعض، فأَطْبَقت علـيهم. قال عبد الله بن الـمبـارك فـي حديثه: فحدثنـي الأزهر بن أبـي الأزهر أنه قال: فذلك قوله:{ هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لهُمْ فَـيَعْتَذِرُونَ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر بن عبد الله، أنه قال: فوالذي أنزل القرآن علـى مـحمد والتوراة علـى موسى والإنـجيـل علـى عيسى، ما تكلـم أهل النار كلـمة بعدها إلا الشهيق والزَّعيق فـي الـخـلد أبدا لـيس له نفـاد.

قال: ثنـي حجاج، عن أبـي معشر، قال: كنا فـي جنازة ومعنا أبو جعفر القارىء، فجلسنا، فتنـحى أبو جعفر، فبكى، فقـيـل له: ما يبكيك يا أبـا جعفر؟ قال: أخبرنـي زيد بن أسلـم أن أهل النار لا يتنفسون.

وقوله:{ وكُنَّا قَوْما ضَالِّـينَ } يقول: كنا قوما ضَلَلْنا عن سبـيـل الرشاد وقصد الـحقّ.

رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَٰلِمُونَ ۝١٠٧ قَالَ ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ۝١٠٨

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل الذين خفَّت موازين صالـح أعمالهم يوم القـيامة فـي جهنـم: ربنا أخرجا من النار، فإن عدنا لـما تكره منا من عمل فإنا ظالـمون.

وقوله:{ قالَ اخْسَئُوا فِـيها} يقول تعالـى ذكره: قال الربّ لهم جلّ ثناؤه مـجيبـاً:{ اخْسَئُوا فِـيها} أي اقعدوا فـي النار. يقال منه: خَسَأتُ فلانا أخْسَؤُه خَسْأً وخُسُوءاً، وخَسىء هو يخسَأ وما كان خاسئاً ولقد خِسىء.{ وَلا تُكَلِّـمُونِ} فعند ذلك أيس الـمساكين من الفرج ولقد كانوا طامعين فـيه كما:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مَهْدِيّ، قال: ثنا سفـيان، عن سَلَـمة بن كُهَيـل، قال: ثنـي أبو الزعراء، عن عبد الله، فـي قصة ذكرها فـي الشفـاعة، قال: فإذا أراد الله ألاَّ يُخْرج منها يعنـي من النار أحداً، غير وجوههم وألوانها، فـيجيء الرجل من الـمؤمنـين فـيشفع فـيهم، فـيقول: يا ربّ فـيقول: من عرف أحداً فلـيخرجه قال: فـيجيء الرجل فـينظر فلا يعرف أحدا، فـيقول: يا فلان يا فلان فـيقول: ما أعرفك. فعند ذلك يقولون:{ رَبَّنا أخْرجْنا مِنْها فإنْ عُدْنا فإنَّا ظالِـمُونَ} فـيقول:{ اخْسَئُوا فـيها وَلا تُكَلِّـمُونِ } فإذا قالوا ذلك، انطبقت علـيهم جهنـم فلا يخرج منها بشر.

حدثنا تـميـم بن الـمنتصر، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن شَهر بن حَوشب، عن معدي كرب، عن أبـي الدَّرْداء، قال: يُرْسل أو يصبّ علـى أهل النار الـجوع، فـيعدل ما هم فـيه من العذاب، فـيستغيثون فـيغاثون بـالضَّريع الذي لا يُسْمِن ولا يُغنِـي من جوع، فلا يغنـي ذلك عنهم شيئاً. فـيستغيثون، فـيغاثون بطعام ذي غُصّة، فإذا أكلوه نَشِب فـي حلوقهم، فـيذكرون أنهم كانوا فـي الدنـيا يحدرون الغصة بـالـماء. فـيستغيثون، فـيرفع إلـيهم الـحميـم فـي كلالـيب الـحديد، فإذا انتهى إلـى وجوههم شوى وجوههم، فإذا شربوه قطع أمعاءهم. قال: فـينادون مالكاً: لِـيَقْضِ علـينا ربكقال: فـيتركهم ألف سنة، ثم يجيبهم: إنكم ماكثون. قال: فـينادون خَزَنة جهنـم: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب قالوا: أو لـم تَكُ تأتـيكم رسلكم بـالبـينات؟ قالوا: بلـى. قالوا: فـادعوا، وما دعاء الكافرين إلا فـي ضلال قال: فـيقولون ما نـجد أحداً لنا خيراً من ربنا، فـينادون ربهم:{ رَبَّنا أخْرِجْنا مِنْها فإنْ عُدْنا فإنَّا ظالِـمُونَ}. قال: فـيقول الله:{ اخْسَئُوا فِـيها وَلا تُكَلَّـمُونِ}. قال: فعند ذلك يئسوا من كل خير، فـيدْعُون بـالويـل والشَّهيق والثُّبور.

حدثنـي مـحمد بن عُمارة الأسديّ، قال: ثنا عاصم بن يوسف الـيربوعيّ، قال: ثنا قُطْبة بن عبد العزيز الأسديّ، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أمّ الدرداء، عن أبـي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يُـلْقَـى عَلـى أهْلِ النَّارِ الـجُوعُ... ثم ذكر نـحوا منه.

حدثنا ابن حميد،قال: ثنا يعقوب القُمَّى، عن هارون بن عنترة، عن عمرو بن مَرّة، قال: يرى أهل النار فـي كل سبعين عاماً ساق مالك خازن النار، فـيقولون:

{ يا مالِكُ لِـيَقْضِ عَلَـيْنا رَبُّكَ } فـيجيبهم بكلـمة. ثم لا يرونه سبعين عاماً، فـيستغيثون بـالـخَزَنة، فـيقولون لهم: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب فـيجيبونهم: { أوَ لَـمْ تَكُ تَأْتِـيكُمْ رُسُلُكُمْ بـالبَـيِّناتِ... }الآية. فـيقولون: ادعوا ربكم، فلـيس أحد أرحم من ربكم فـيقولون:{ رَبَّنا أخْرِجْنا مِنْها فإنْ عُدْنا فإنَّا ظالِـمُونَ}. قال: فـيجيبهم:{ اخْسَئُوا فـيها وَلا تُكَلِّـمُونِ}. فعند ذلك يـيأَسُون من كلّ خير، ويأخذون فـي الشهيق والوَيْـل والثُّبور.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة:{ اخْسَئُوا فـيها وَلا تُكِلِّـمُونِ} قال: بلغنـي أنهم ينادُون مالكا فـيقولون: لـيقض علـينا ربك فـيسكت عنهم قدر أربعين سنة، ثم يقول:

{ إنَّكُمْ ماكِثُونَ }. قال: ثم ينادُون ربهم، فـيسكت عنهم قدر الدنـيا مرّتـين، ثم يقول:{ اخْسَئُوا فِـيها وَلا تُكَلِّـمُونِ}. قال: فـيـيأس القوم، فلا يتكلـمون بعدها كلـمة، وكان إنـما هو الزفـير والشهيق. قال قتادة: صوت الكافر فـي النار مثل صوت الـحمار: أوّله زفـير، وآخره شهيق.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

حدثنا الـحسن، قال: ثنا عبد الله بن عيسى، قال: أخبرنـي زياد الـخراسانـيّ، قال: أسنده إلـى بعض أهل العلـم، فنسيته، فـي قوله:{ اخْسَئُوا فِـيها وَلا تُكَلِّـمُونِ} قال: فـيسكتون، قال: فلا يسمع فـيها حِس إلا كطنـين الطَّسْت.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ اخْسَئُوا فِـيها وَلا تُكَلِّـمُونِ} هذا قول الرحمن عزّ وجلّ، حين انقطع كلامهم منه.

إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ۝١٠٩

يقول تعالـى ذكره: {إنَّهُ} وهذه الهاء فـي قوله «إنه» هي الهاء التـي يسميها أهل العربـية الـمـجهولة. وقد بـينت معناها فـيـما مضى قبلُ، ومعنى دخولها فـي الكلام، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.{ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبـادِي} يقول: كانت جماعة من عبـادي، وهم أهل الإيـمان بـالله، يقولون فـي الدنـيا:{ رَبَّنا آمَنَّا } بك وبرسلك، وما جاءوا به من عندك. {فـاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَارْحْمنا } وأنت خير من رحم أهل البلاء، فلا تعذّبنا بعذابك.

فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ ۝١١٠ إِنِّى جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ۝١١١

يقول تعالـى ذكره: فـاتـخذتـم أيها القائلون لربهم

{ رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَـيْنا شِقْوَتُنا وكُنا قَوْما ضَالِّـينَ } فـي الدنـيا، القائلـين فـيها { رَبنا آمَنَّا فـاغْفِرْ لَنا وَارْحمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ } سُخْريًّا. والهاء والـميـم فـي قوله:{ فـاتَّـخَذْتُـمُوهُمْ } من ذكر الفريق.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله:{ سُخْرِيَّا } فقرأه بعض قرّاء الـحجاز وبعض أهل البصرة والكوفة:{ فـاتَّـخَذْتُـمُوهُمْ سِخْرِيًّا } بكسر السين، ويتأوّلون فـي كسرها أن معنى ذلك الهزء، ويقولون: إنها إذا ضُمت فمعنى الكملة: السُّخْرة والاستعبـاد. فمعنى الكلام علـى مذهب هؤلاء: فـاتـخذهم أهل الإيـمان بـي فـي الدنـيا هُزُؤًا ولعبـاً، تهزءون بهم، حتـى أنسوكم ذكري. وقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والكوفة: «فـاتَّـخذْتُـموهُمْ سُخْرِيًّا بضم السين، وقالوا: معنى الكلـمة فـي الضمّ والكسر واحد. وحكى بعضهم عن العرب سماعاً لِـجِّيّ ولُـجِّىّ، ودِريّ، ودُرِّيّ، منسوب إلـى الدرّ، وكذلك كِرسيّ وكُرسيّ وقالوا ذلك من قـيـلهم كذلك: نظير قولهم فـي جمع العصا: العِصِيّ بكسر العين، والعُصّي بضمها قالوا: وإنـما اخترنا الضمّ فـي السَّخريّ، لأنه أفصح اللغتـين.

والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان مشهورتان ولغتان معروفتان بـمعنى واحد، قد قرأ بكلّ واحدة منهما علـماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء ذلك فمصيب. ولـيس يُعْرف من فرق بـين معنى ذلك إذا كسرت السين وإذا ضمت، لـما ذكرت من الرواية عمن سمع من العرب ما حَكَيت عنه.

ذكر الرواية به عن بعض من فرَّق فـي ذلك بـين معناه مكسورة سينه ومضمومة:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد:{ فـاتَّـخَذْتُـمُوهُمْ سِخْرِيًّا } قال: هما مختلفتان: سِخريًّا، وسُخريًّا، يقول الله:

{ وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِـيَتَّـخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سِخْرِيًّا }قال: هذا سِخريًّا: يُسَخِّرونهم، والآخرون: الذين يستهزئون بهم هم «سُخريًّا»، فتلك «سِخريًّا» يُسَخرونهم عندك، فسخَّرك: رفعك فوقه والآخرون: استهزءوا بأهل الإسلام هي «سُخريّا» يَسْخَرون منهم، فهما مختلفتان. وقرأ قول الله: { كُلَّـما مَرَّ عَلَـيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فإنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كمَا تَسْخَرُونَ } وقال: يسخرون منهم كما سخر قوم نوح بنوح، «اتـخذوهم سُخريًّا»: اتـخذوهم هُزُؤًا، لـم يزالوا يستهزئون بهم.

وقوله:{ حتـى أنْسَوكُمْ ذِكْرِي} يقول: لـم يزل استهزاؤكم بهم، أنساكم ذلك من فعلكم بهم ذكري، فأْلهَاكم عنه. {وكُنْتُـمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ}، كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ حتـى أنْسَوْكُمْ ذِكْرِي} قال: أنسى هؤلاءِ اللّهَ استهزاؤُهم بهم وضحكُهم بهم. وقرأ:

{ إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ }} حتـى بلغ: { إنَّ هَؤُلاءِ لَضَالَّونَ }

وقوله:{ إنِّـي جَزَيْتُهُمْ الـيَوْمَ بِـمَا صَبروا} يقول تعالـى ذكره: إنـي أيُّها الـمشركون بـالله الـمخَّـلدون فـي النار، جَزَيت الذين اتـخذتـموهم فـي الدنـيا سخريًّا من أهل الإيـمان بـي، وكنتـم منهم تضحكون. الـيومَ بـما صَبَرُوا علـى ما كانوا يـلقَون بـينكم من أذى سخريتكم وضحككم منهم فـي الدنـيا.{ إنَّهُمْ هُمُ الفَـائِزُونَ}.

اختلفت القرّاء فـي قراءة: «إنَّهُمْ» فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة: {أنَّهُمْ}، بفتـح الألف من «أَنهم» بـمعنى: جزيتهم هذا. ف«أنّ» فـي قراءة هؤلاء: فـي موضع نصب بوقوع قوله: «جزيتهم» علـيها، لأن معنى الكلام عندهم: إنـي جزيتهم الـيوم الفوز بـالـجنة. وقد يحتـمل النصب من وجه آخر، وهو أن يكون موجَّها معناه إلـى: إنـي جزيتهم الـيوم بـما صبروا، لأنهم هم الفـائزون بـما صبروا فـي الدنـيا علـى ما لَقُوا فـي ذات الله. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: «إنّـي» بكسر الألف منها، بـمعنى الابتداء، وقالوا: ذلك ابتداء من الله مدحهم.

وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأ بكسر الألف، لأن قوله: «جزيتهم»، قد عمل فـي الهاء والـميـم، والـجزاء إنـما يعمل فـي منصوبـين، وإذا عمل فـي الهاء والـميـم لـم يكن له العمل فـي «أن» فـيصير عاملاً فـي ثلاثة إلا أن يُنْوَى به التكرير، فـيكون نصب «أَنَّ» حينئذٍ بفعل مضمر لا بقوله: «جزيتهم»، وإن هي نصبت بإضمار لام لـم يكن له أيضا كبـير معنى لأن جزاء الله عبـاده الـمؤمنـين بـالـجنة، إنـما هو علـى ما سَلَف من صالـح أعمالهم فـي الدنـيا وجزاؤه إياهم وذلك فـي الآخرة هو الفوز، فلا معنى لأن يَشْرُط لهم الفوز بـالأعمال ثم يخبر أنهم إنـما فـازوا لأنهم هم الفـائزون.

فتأويـل الكلام إذ كان الصواب من القراءة ما ذكرنا: إنـي جزيتهم الـيوم الـجنة بـما صبروا فـي الدنـيا علـى أذاكم بها، فـي أنهم الـيوم هم الفـائزون بـالنعيـم الدائم والكرامة البـاقـية أبدا، بـما عملوا من صالـحات الأعمال فـي الدنـيا ولقوا فـي طلب رضاي من الـمكاره فـيها.

قَٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ۝١١٢ قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْـَٔلِ ٱلْعَآدِّينَ ۝١١٣

اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله:{ كَمْ لَبِثْتُـمْ فِـي الأرْضِ عَدَدَ سِنِـينَ}، وفـي قوله:{ لَبِثْنا يَوماً أوْ بَعْضَ يَوْمٍ} فقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة علـى وجه الـخبر:{ قالَ كَمْ لَبِثْتُـمْ}، وكذلك قوله:

{ قالَ إنْ لَبِثْتُـمْ }. ووجَّه هؤلاء تأويـل الكلام إلـى أن الله قال لهؤلاء الأشقـياء من أهل النار وهم فـي النار: {كَمْ لَبِثْتُـمْ فِـي الأرْضِ عَدَدَ سِنِـينَ} وأنهم أجابوا الله فقالوا: {لَبِثْنا يَوْماً أوْ بَعْضَ يَوْمٍ}، فنسي الأشقـياء، لعظيـم ما هم فـيه من البلاء والعذاب، مدة مكثهم التـي كانت فـي الدنـيا، وقَصُر عندهم أمد مكثهم الذي كان فـيها، لـما حلّ بهم من نقمة الله، حتـى حسبوا أنهم لـم يكونوا مكثوا فـيها إلا يوماً أو بعض يوم، ولعلّ بعضهم كان قد مكث فـيها الزمان الطويـل والسنـين الكثـيرة.

وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة علـى وجه الأمر لهم بـالقول، كأنه قال لهم قولوا كم لبثتـم فـي الأرض؟ وأخرج الكلام مُخْرج الأمر للواحد والـمعنـيّ به الـجماعة، إذ كان مفهوما معناه. وإنـما اختار هذه القراءة من اختارها من أهل الكوفة لأن ذلك فـي مصاحفهم: «قُلْ» بغير ألف، وفـي غر مصاحفهم بـالألف.

وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأ ذلك:{ قالَ كَمْ لَبِثْتُـمْ }علـى وجه الـخبر، لأن وجه الكلام لو كان ذلك أمرا، أن يكون «قُولوا» علـى وجه الـخطاب للـجمع لأن الـخطاب فـيـما قبل ذلك وبعده جرى لـجماعة أهل النار، فـالذي هو أولـى أن يكون كذلك قوله: «قولوا» لو كان الكلام جاء علـى وجه الأمر، وإن كان الآخر جائزاً، أعنـي التوحيد، لـما بـيَّنت من العلة لقارىء ذلك كذلك، وجاء الكلام بـالتوحيد فـي قراءة جميع القرّاء، كان معلوماً أن قراءة ذلك علـى وجه الـخبر عن الواحد أشبه، إذْ كان ذلك هو الفصيح الـمعروف من كلام العرب. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: قال الله كم لبثتـم فـي الدنـيا من عدد سنـين؟ قالوا مـجيبـين له: لبثنا فـيها يوماً أو بعض يوم فـاسأل العادّين، لأنا لا ندري، قد نسينا ذلك.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيّ بـالعادّين، فقال بعضهم: هم الـملائكة الذين يحفظون أعمال بنـي آدم ويُحْصُون علـيهم ساعاتهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ فـاسأَلِ العادِّينَ } قال: الـملائكة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وقال آخرون: بل هم الـحُسَّاب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: فـاسأَلِ العادِّينَ قال: فـاسأل الـحُسّاب.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة:{ فـاسأَلِ العادّينَ } قال: فـاسأل أهل الـحساب.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال كما قال الله جلّ ثناؤه:{ فـاسأَلِ العادّينَ } وهم الذين يَعُدّون عدد الشهور والسنـين وغير ذلك. وجائز أن يكونوا الـملائكة، وجائز أن يكونوا بنـي آدم وغيرهم، ولا حجة بأيّ ذلك من أيّ ثبتت صحتها فغير جائز توجيه معنى ذلك إلـى بعض العادّين دون بعض.

قَٰلَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝١١٤ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَٰكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ۝١١٥

اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله:{ قالَ إنْ لَبِثْتُـمْ إلاَّ قَلِـيلاً } اختلافهم فـي قراءة قوله:

{ قالَ كَمْ لَبِثْتُـمْ }. والقول عندنا فـي ذلك فـي هذا الـموضع نـحو القول الذي بـيَّناه قبلُ فـي قوله:{ كَمْ لَبِثْتُـمْ}. وتأويـل الكلام علـى قراءتنا: قال الله لهم: ما لبثتـم فـي الأرض إلا قلـيلاً يسيراً لو أنكم كنتـم تعلـمون قدر لبثكم فـيها.

وقوله:{ أفَحَسِبْتُـمْ أنَّـمَا خَـلَقْناكُمْ عَبَثاً} يقول تعالـى ذكره: أفحسبتـم أيها الأشقـياء أنا إنـما خـلقناكم إذ خـلقناكم لعبـا وبـاطلاً، وأنكم إلـى ربكم بعد مـماتكم لا تصيرون أحياء فتـجزون بـما كنتـم فـي الدنـيا تعملون؟.

وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء الـمدينة والبصرة والكوفة:{ لا تُرْجَعُونَ} بضمّ التاء: لا تُردّون، وقالوا: إنـما هو من مَرْجِع الآخرة لا من الرجوع إلـى الدنـيا. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: «لا تَرْجِعُونَ» وقالوا: سواء فـي ذلك مرجع الآخرة والرجوع إلـى الدنـيا.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إنهما قراءتان متقاربتا الـمعنى لأن من ردّه الله إلـى الآخرة من الدنـيا بعد فنائه فقد رَجَعَ إلـيها، وأن من رجع إلـيها فبردّ الله إياه إلـيها رجع. وهما مع ذلك قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما علـماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

وبنـحو الذي قلنا فـي معنى قوله:{ أفَحَسِبْتُـمْ أنَّـمَا خَـلَقْناكُمْ عَبَثاً} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {أفَحَسِبْتُـمْ أنَّـمَا خَـلَقْناكُمْ عَبَثاً} قال: بـاطلاً.

فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ ۝١١٦

يقول تعالى ذكره: فتعالـى الله الملك الحقّ عما يصفه به هؤلاء الـمشركون من أن له شريكاً، وعما يضيفون إلـيه من اتـخاذ البنات.{ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ } يقول: لا معبود تنبغي له العبودة إلا الله الـملك الـحقّ {ربّ العَرْشِ الكَرِيـمِ } والربّ: مرفوع بـالردّ علـى الـحقّ، ومعنى الكلام: فتعالـى الله الـملك الـحقّ، ربّ العرش الكريـم، لا إله إلا هو.

وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرْهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَٰفِرُونَ ۝١١٧

يقول تعالـى ذكره: ومن يدع مع الـمعبود الذي لا تصلـح العبـادة إلا له معبوداً آخر، لا حجة له بـما يقول ويعمل من ذلك ولا بـينة. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ } قال: بـينة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد:{ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ } قال: حُجة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بَزَّة، عن مـجاهد، فـي قوله:{ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ } قال: لا حجة.

وقوله:{ فإنَّـمَا حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ } يقول: فإنـما حساب عمله السَّيِّىء عند ربه، وهو مُوَفِّـيه جزاءه إذا قدم علـيه.{ إنَّهُ لا يُفْلِـحُ الكافِرُونَ} يقول: إنه لا ينـجح أهل الكفر بـالله عنده ولا يدركون الـخـلود والبقاء فـي النعيـم.

وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ۝١١٨

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: وقل يا مـحمد ربّ استر علـيّ ذنوبـي بعفوك عنها وارحمنـي بقبول توبتك وتركك عقابـي علـى ما احترمت.{ وأنْتَ خَيرُ الرَّاحِمِينَ} يقول: وقل أنت يا ربّ خير من رحم ذا ذنب فقبل توبته ولـم يعاقبه علـى ذنبه.

السبت، 31 أكتوبر 2026 20 جمادى الأولى 1448 هـ