انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المؤمنون

تفسير الطبريالآيات 66–101

تفسير سورة المؤمنون آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة المؤمنون

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 51:22

  1. 1 الآيات 36–74في هذه الصفحة 16:57
  2. 2 الآيات 75–118في هذه الصفحة 18:58

التفسير الصوتي لسورة المؤمنون كاملًا (3 مقاطع)

قَدْ كَانَتْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ تَنكِصُونَ ۝٦٦ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِۦ سَٰمِرًا تَهْجُرُونَ ۝٦٧

يقول تعالـى ذكره لهؤلاء الـمشركين من قريش: لا تضجوا الـيوم وقد نزل بكم سخط الله وعذابه، بـما كسبت أيديكم واستوجبتـموه بكفركم بآيات ربكم. {قَد كانَتْ آيَاتِـي تُتْلَـى عَلَـيْكُمْ} يعنـي: آيات كتاب الله، يقول: كانت آيات كتابـي تقرأ علـيكم فتكذّبون بها وترجعون مولّـين عنها إذا سمعتـموها، كراهية منكم لسماعها. وكذلك يقال لكلّ من رجع من حيث جاء: نكص فلان علـى عقبه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد:{ فَكُنْتُـمْ عَلـى أعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ } قال: تستأخرون.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{ فَكُنْتُـمْ عَلـى أعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ} يقول: تدبرون.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ قَدْ كانَتْ آياتـي تُتْلَـى عَلَـيْكُمْ، فَكُنْتُـمْ عَلـى أعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ} يعنـي أهل مكة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن. قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله:{ تَنْكِصُونَ} قال: تستأخرون.

وقوله:{ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ } يقول: مستكبرين بحرم الله، يقولون: لا يظهر علـينا فـيه أحد، لأنا أهل الـحرم.

وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} يقول: مستكبرين بحرم البـيت أنه لا يظهر علـينا فـيه أحد.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله:{ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} قال: بـمكة بـالبلد.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، نـحوه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هَوْذة، قال: ثنا عوف، عن الـحسن: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ } قال: مستكبرين بحرمي.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفـيان، عن حصين، عن سعيد بن جبـير، فـي قوله:{ مُسْتَكْبِرِبنَ بِهِ} بـالـحرم.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة:{ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} قال: مستكبرين بـالـحرم.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، عن معمر، عن قَتادة، مثله.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ } قال: بـالـحرم.

وقوله: {سامِراً} يقول: تَسْمُرون بـاللـيـل. ووحد قوله: {سامِراً} وهو بـمعنى السُّمَّار، لأنه وضع موضع الوقت. ومعنى الكلام: وتهجُرون لـيلاً، فوضع السامر موضع اللـيـل، فوحّد لذلك. وقد كان بعض البصريـين يقول: وُحِّد ومعناه الـجمع، كما قـيـل: طفل فـي موضع أطفـال. ومـما يبـين عن صحة ما قلنا فـي أنه وضع موضع الوقت فوحّد لذلك، قول الشاعر.

مِنْ دُونِهمْ إنْ جئْتَهُمْ سَمَراً عَزْفُ القِـيانِ ومَـجْلِسٌ غَمْر

فقال: «سمراً» لأن معناه: إن جئتهم لـيلاً وهم يسمُرون، وكذلك قوله: {سامِراً}.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {سامِراً} يقول: يَسْمُرون حول البـيت.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {سامِراً} قال: مـجلساً بـاللـيـل.

حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد: {سامِراً} قال: مـجالس.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفـيان، عن حُصين، عن سعيد بن جُبـير: {سامِراً} قال: تَسْمُرون بـاللـيـل.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {سامِراً} قال: كانوا يسمرون لـيـلتهم ويـلعبون: يتكلـمون بـالشعر والكهانة وبـما لا يدرون.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {سامِراً} قال: يعنـي سَمَر اللـيـل.

وقال بعضهم فـي ذلك، ما:

حدثنا به ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: سامِرا يقول: {سامراً} من أهل الـحرم آمناً لا يخاف، كانوا يقولون: نـحن أهل الـحرم لا يَخافون.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، عن معمر، عن قتادة: {سامِراً} يقول: سامراً من أهل مكة آمناً لا يخاف، قال: كانوا يقولون: نـحن أهل الرحم لا نـخاف.

وقوله: {تَهْجُرُونَ} اختلفت القرّاء فـي قراءته، فقرأته عامة قرّاء الأمصار:{ تَهْجُرُونَ } بفتـح التاء وضم الـجيـم. ولقراءة من قرأ ذلك كذلك وجهان من الـمعنى: أحدهما أن يكون عنى أنه وصفهم بـالإعراض عن القرآن أو البـيت، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفضه. والآخر: أن يكون عنى أنهم يقولون شيئاً من القول كما يهجُر الرجل فـي منامه، وذلك إذا هَذَى فكأنه وصفهم بأنهم يقولون فـي القرآن ما لا معنى له من القول، وذلك أن يقولوا فـيه بـاطلاً من القول الذي لا يضرّه. وقد جاء بكلا القولـين التأويـل من أهل التأويـل. ذكر من قال: كانوا يُعْرِضون عن ذكر الله والـحقّ ويهجُرونه:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {تَهْجُرُونَ} قال: يهجُرون ذكر الله والـحقّ.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن السديّ، عن أبـي صالـح، فـي قوله:{ سامراً تَهْجُرُونَ } قال: السبّ.

ذكر من قال: كانوا يقولون البـاطل والسيّىء من القول فـي القرآن:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفـيان، عن حصين، عن سعيد بن جُبـير:{ تَهْجرُونَ } قال: يهجُرون فـي البـاطل.

قال: ثنا يحيى، عن سفـيان، عن حصين، عن سعيد بن جبـير: {سامِراً تَهْجُرُونَ} قال: يسمرون بـاللـيـل يخوضون فـي البـاطل.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ تَهْجُرُونَ } قال: بـالقول السيىء فـي القرآن.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {تهْجُرُونَ} قال: الهَذَيان الذي يتكلـم بـما لا يريد، ولا يعقل كالـمريض الذي يتكلـم بـما لا يدري. قال: كان أبـيّ يقرؤها: {سامِراً تَهْجُرُونَ}.

وقرأ ذلك آخرون: «سامرا تُهْجِرُونَ» بضم التاء وكسر الـجيـم. ومـمن قرأ ذلك كذلك من قرّاء الأمصار نافع بن أبـي نعيـم، بـمعنى: يُفْحِشون فـي الـمنطق، ويقولون الـخَنَا، من قولهم: أهجر الرجل: إذا أفحش فـي القول. وذكر أنهم كانوا يسُبُّون رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: «تُهْجِرُونَ» قال: تقولون هُجْراً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد الـمؤمن، عن أبـي نَهِيك، عن عكرِمة، أنه قرأ: «سامِراً تَهْجِرُونَ»: أي تسبّون.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عون، عن الـحسن، فـي قوله: «سامِراً تُهْجِرُونَ» رسولـي.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، قال: قال الـحسن: «تُهْجِرُونَ» رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، عن معمر، عن قتادة: «تُهْجِرُونَ» يقول: يقولون سوءا.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال الـحسن: «تُهْجِرُونَ» كتاب الله ورسوله.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: «تُهْجِرُونَ»يقول: يقولون الـمنكر والـخَنَا من القول، كذلك هَجْر القول.

وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك عندنا القراءة التـي علـيها قرّاء الأمصار، وهي فتـح التاء وضم الـجيـم، لإجماع الـحجة من القرّاء.

أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا۟ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝٦٨ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا۟ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ ۝٦٩ أَمْ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةٌۢ بَلْ جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَٰرِهُونَ ۝٧٠

يقول تعالـى ذكره: أفلـم يتدبر هؤلاء الـمشركون تنزيـل الله وكلامه، فـيعلـموا ما فـيه من العبر، ويعرفوا حجج الله التـي احتـجّ بها علـيه فـيه؟ {أمْ جاءَهُمْ ما لَـمْ يَأتِ آبـاءَهُمُ الأَوَّلِـينَ}؟ يقول: أم جاءهم أمر ما لـم يأت من قبلهم من أسلافهم، فـاستكبروا ذلك وأعرضوا، فقد جاءت الرسل من قبلهم، وأنزلت معهم الكتب. وقد يحتـمل أن تكون «أم» فـي هذا الـموضع بـمعنى: «بل»، فـيكون تأويـل الكلام: أفلـم يدبّروا القول؟ بل جاءهم ما لـم يأت آبـاءهم الأوّلـين، فتركوا لذلك التدبر وأعرضوا عنه، إذ لـم يكن فـيـمن سلف من آبـائهم ذلك. وقد ذُكر عن ابن عبـاس فـي نـحو هذا القول، ما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، فـي قوله:{ أفَلَـمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهُمْ ما لَـمْ يَأْتِ آبـاءَهُمُ الأَوَّلِـينَ} قال: لعمري لقد جاءهم ما لـم يأت آبـاءهم الأوّلـين، ولكن أو لـم يأتهم ما لـم يأت آبـاءهم الأوّلـين.

وقوله:{ أمْ لَـمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ} يقول تعالـى ذكره: أم لـم يعرف هؤلاء الـمكذّبون مـحمداً، وأنه من أهل الصدق والأمانة،{ فَهُمْ له مُنْكِرُونَ} يقول: فـينكروا قوله، أو لـم يعرفوه بـالصدق، ويحتـجوا بأنهم لا يعرفونه. يقول جلّ ثناؤه: فكيف يُكَذّبونه وهم يعرفونه فـيهم بـالصدق والأمانة.{ أمْ يَقُولُونَ بِهِ جنَّةٌ } يقول: أيقولون بـمـحمد جنون، فهو يتكلـم بـما لا معنى له ولا يُفهم ولا يَدْرِي ما يقول:{ بَلْ جاءَهُمْ بـالـحَقّ} يقول تعالـى ذكره: فإن يقولوا ذلك فكَذِبُهم فـي قـيـلهم ذلك واضح بـيّن وذلك أن الـمـجنون يَهذِي فـيأتـي من الكلام بـما لا معنى له، ولا يعقل ولا يفهم، والذي جاءهم به مـحمد هو الـحكمة التـي لا أحكم منها والـحقّ الذي لا تـخفـى صحته علـى ذي فطرة صحيحة، فكيف يجوز أن يقال: هو كلام مـجنون؟ وقوله: {وأكْثَرُهُمْ للْـحَقّ كارِهُونَ} يقول تعالـى ذكره: ما بهؤلاء الكفرة أنهم لـم يعرفوا مـحمداً بـالصدق ولا أن مـحمداً عندهم مـجنون، بل قد علـموه صادقاً مـحقًّا فـيـما يقول وفـيـما يدعوهم إلـيه، ولكن أكثرهم للإذعان للـحقّ كارهون ولأتبـاع مـحمد ساخطون، حسداً منهم له وبغياً علـيه واستكبـاراً فـي الأرض.

وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَٰهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ ۝٧١

يقول تعالـى ذكره: ولو عمل الربّ تعالـى ذكره بـما يهوَى هؤلاء الـمشركون وأجرى التدبـير علـى مشيئتهم وإرادتهم وترك الـحقّ الذي هم له كارهون، لفسدت السموات والأرض ومن فـيهنّ وذلك أنهم لا يعرفون عواقب الأمور والصحيحَ من التدبـير والفـاسد. فلو كانت الأمور جارية علـى مشيئتهم وأهوائهم مع إيثار أكثرهم البـاطل علـى الـحقّ، لـم تقرّ السموات والأرض ومن فـيهنّ من خـلق الله، لأن ذلك قام بـالـحقّ.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا السديّ، عن أبـي صالـح:{ وَلَوِ اتَّبَعَ الـحَقُّ أهْوَاءَهُمْ} قال: الله.

قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن أبـي صالـح:{ وَلَوِ اتَّبَعَ الـحَقُّ أهْوَاءَهُمْ } قال: الـحقّ: هو الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله:{ وَلَوِ اتَّبَعَ الـحَقُّ أهْوَاءَهُمْ } قال: الـحقّ: الله.

وقوله:{ بَلْ أتَـيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ } اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل الذكر فـي هذا الـموضع، فقال بعضهم: هو بـيان الـحقّ لهم بـما أنزل علـى رجل منهم من هذا القرآن.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{ بَلْ أتَـيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ } يقول: بـيَّنا لهم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: بل أتـيناهم بشَرَفهم وذلك أن هذا القرآن كان شَرَفـاً لهم، لأنه نزل علـى رجل منهم، فأعرضوا عنه وكفروا به. وقالوا: ذلك نظير قوله

{ وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ } وهذان القولان متقاربـا الـمعنى. وذلك أن الله جلّ ثناؤه أنزل هذا القرآن بـياناً بـيّن فـيه ما لـخـلقه إلـيه الـحاجة من أمر دينهم، وهو مع ذلك ذكر لرسوله صلى الله عليه وسلم وقومه وشَرَف لهم.

أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ۝٧٢ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝٧٣

يقول تعالـى ذكره: أم تسأل هؤلاء الـمشركين يا مـحمد من قومك خَراجاً، يعنـي أجراً علـى ما جئتهم به من عند الله من النصيحة والـحقّ {فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ}: فأجر ربك علـى نفـاذك لأمره، وابتغاء مرضاته خير لك من ذلك، ولـم يسألهم صلى الله عليه وسلم علـى ما أتاهم به من عند الله أجراً، قال لهم كما قال الله له، وأمره بقـيـله لهم:

{ قُلْ لا أسأَلُكُمْ عَلَـيْهِ أجْراً إلاَّ الـمَوَدَّةَ فِـي القُربى }وإنـما معنى الكلام: أم تسألهم علـى ما جئتهم به أجراً، فنكصُوا علـى أعقابهم إذا تلوتَه علـيهم، مستكبرين بـالـحرم، فخراج ربك خير.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الـحسن:{ أمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجا فخَرَاجُ رَبَّكَ خَيْرٌ } قال: أجراً.

حدثنا الـحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن الـحسن، مثله.

وأصل الـخراج والـخَرْج: مصدران لا يُجْمعان.

وقوله: {وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِـينَ } يقول: والله خير من أعطى عوضا علـى عمل ورزق رزقاً.

وقوله:{ وَإنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إلـى صِراطٍ مُسْتَقِـيـمٍ} يقول تعالـى ذكره: وإنك يا مـحمد لتدعو هؤلاء الـمشركين من قومك إلـى دين الإسلام، وهو الطريق القاصد والصراط الـمستقـيـم الذي لا اعوجاج فـيه.

وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَٰكِبُونَ ۝٧٤ وَلَوْ رَحِمْنَٰهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا۟ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ۝٧٥

يقول تعالـى ذكره: الذين لا يصدّقون بـالبعث بعد الـمـمات، وقـيام الساعة، ومـجازاة الله عبـاده فـي الدار الآخرة{ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ } يقول: عن مَـحَجَّة الـحق وقصد السبـيـل، وذلك دين الله الذي ارتضاه لعبـاده لَعادِلُونَ، يقال منه: قد نكب فلان عن كذا: إذا عدل عنه، ونكَّب عنه: أي عدل عنه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الـخراسانـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {عَنِ الصِّرَاطِ لَناكِبُونَ } قال: لعادلون.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{ وَإنَّ الَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ بـالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ} يقول: عن الـحقّ عادلون.

وقوله:{ وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرَ } يقول تعالـى: ولو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بـالآخرة، ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والـجدب وضرّ الـجوع والهزال{ لَلَـجُّوا فِـي طُغْيانهِمْ } يعنـي فـي عتوّهم وجرأتهم علـى ربهم.{ يَعْمَهُونَ } يعنـي: يتردّدون كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، فـي قوله:{ وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرَ} قال: الـجوع.

وَلَقَدْ أَخَذْنَٰهُم بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ۝٧٦

يقول تعالـى ذكره: ولقد أخذنا هؤلاء الـمشركين بعذابنا، وأنزلنا بهم بأسنا، وسخطنا وضيّقنا علـيهم معايشهم، وأجدبنا بلادهم، وقتلنا سراتهم بـالسيف. {فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ} يقول: فما خضعوا لربهم فـينقادوا لأمره ونهيه ويُنـيبوا إلـى طاعته.{ وَما يَتَضَرَّعُونَ } يقول: وما يتذللون له.

وذُكر أن هذه الآية نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخذ الله قريشاً بسنـي الـجدب، دعا علـيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تـميـلة، عن الـحسن، عن يزيد، عن عكرِمة، عن ابن عبـاس، قال: جاء أبو سفـيان إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا مـحمد، أَنْشُدُكَ الله والرحم، فقد أكلنا العِلْهِز يعنـي الوبر والدم. فأنزل الله:{ وَلَقَدْ أخَذْناهُمْ بـالعَذَابِ، فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد الـمؤمن، عن عِلبـاء بن أحمر، عن عِكرمة، عن ابن عبـاس: أن ابن أُثالٍ الـحنفـيّ لـما أتـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم وهو أسير، فخـلَّـى سبـيـله، فلـحق بـمكة، فحال بـين أهل مكة وبـين الـمِيرة من الـيـمامة، حتـى أكلت قريش العِلْهِزَ، فجاء أبو سفـيان إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: ألـيس تزعم بأنك بُعثت رحمة للعالـمين؟ فقال: «بَلـى» فقال: قد قتلت الآبـاء بـالسيف والأبناء بـالـجوع فأنزل الله:{ وَلَقَدْ أخَذْناهُمْ بـالعَذَابِ...} الآية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الـحكم بن بشير، قال: أخبرنا عمرو، قال: قال الـحسن: إذا أصاب الناس من قبل الشيطان بلاء فإنـما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بـالـحَمِيَّة ولكن استقبلوها بـالاستغفـار، وتضرّعوا إلـى الله. وقرأ هذه الآية:{ وَلَقَدْ أخَذْناهُمْ بـالعَذَابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعونَ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: {وَلَقَد أخَذْناهُمْ بـالعَذَابِ} قال: الـجوع والـجدب.{ فَمَا اسْتَكانُوا لرَبِّهِمْ } فصبروا. وما اسْتَكانُوا لرَبِّهِم {وَما يَتَضَرَّعُونَ}.

حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ۝٧٧

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معناه: حتـى إذا فتـحنا علـيهم بـاب القتال فقتلوا يوم بدر.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود بن أبـي هند، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، فـي قوله:{ حتـى إذَا فَتَـحْنا عَلَـيْهِمْ بـابـا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ } قد مضى، كان يوم بدر.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنـي عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج:{ حتـى إذَا فَتَـحْنا عَلَـيْهِمْ بـابـا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ} قال: يوم بدر.

وقال آخرون: معناه: حتـى إذا فتـحنا علـيهم بـاب الـمـجاعة والضرّ، وهو البـاب ذو العذاب الشديد.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ حتـى إذَا فَتَـحْنا عَلَـيْهِمْ بـابـا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ } قال: لكفـار قريش الـجوع، وما قبلها من القصة لهم أيضا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، بنـحوه، إلاَّ أنه قال: وما قبلها أيضا.

وهذا القول الذي قاله مـجاهد: أولـى بتأويـل الآية، لصحة الـخبر الذي ذكرناه قبل عن ابن عبـاس، أن هذه الآية نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي قصة الـمـجاعة التـي أصابت قريشاً بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم علـيهم، وأمر ثمامة بن أثال وذلك لا شكّ أنه كان بعد وقعة بدر.

وقوله:{ إذَا هُمْ فِـيهِ مُبْلِسُونَ } يقول: إذا هؤلاء الـمشركون فـيـما فتـحنا علـيهم من العذاب حَزَانَى نادمون علـى ما سلف منهم فـي تكذيبهم بآيات الله، فـي حين لا ينفعهم الندم والـحزن.

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ۝٧٨

يقول تعالـى ذكره: والله الذي أحدث لكم أيها الـمكذّبون بـالبعث بعد الـمـمات، السمع الذي تسمعون به، والأبصار التـي تبصرون بها، والأفئدة التـي تفقهون بها، فكيف يتعذّر علـى من أنشأ ذلك ابتداء عادته بعد عدمه وفقده، وهو الذي يوجد ذلك كله إذا شاء ويفنـيه إذا أراد.{ قَلِـيلاً ما تَشْكُرُونَ } يقول: تشكرون أيها الـمكذّبون خبر الله من عطائكم السمع والأبصار والأفئدة قلـيلاً.

وَهُوَ ٱلَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ۝٧٩

يقول تعالـى ذكره: والله الذي خـلقكم فـي الأرض وإلـيه تُـحْشَرون من بعد مـماتكم، ثم تُبعثون من قبوركم إلـى موقـف الـحساب.

وَهُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلَٰفُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝٨٠

يقول تعالـى ذكره: والله الذي يحيـي خـلقه يقول: يجعلهم أحياء بعد أن كانوا نُطَفـاً أمواتاً، بنفخ الروح فـيها بعد التارات التـي تأتـي علـيها. {ويُـمِيتُ} يقول: ويـميتهم بعد أن أحياهم. {وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّـيْـلِ والنَّهارِ} يقول: وهو الذي جعل اللـيـل والنهار مختلفـين، كما يقال فـي الكلام: لك الـمنُّ والفضل، بـمعنى: إنك تَـمُنّ وتُفْضِلْ. وقوله:{ أفَلا تَعْقِلُونَ} يقول: أفلا تعقلون أيها الناس أن الذي فعل هذه الأفعال ابتداء من غير أصل لا يـمتنع علـيه إحياء الأموات بعد فنائهم وإنشاء ما شاء إعدامه بعد إنشائه.

بَلْ قَالُوا۟ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلْأَوَّلُونَ ۝٨١ قَالُوٓا۟ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ۝٨٢

يقول تعالى ذكره: ما اعتبر هؤلاء الـمشركون بآيات الله ولا تَدَبَّروا ما احتـجّ علـيهم من الـحجج والدلالة علـى قدرته علـى فعل كلّ ما يشاء ولكن قالوا مثل ما قال أسلافهم من الأمـم الـمكذّبة رسلها قبلهم.{ قالُوا أئِذَا مِتْنا وكُنَّا تُرَابـاً وَعِظاماً} يقول: أئذا متنا وعدنا ترابـا قد بلـيت أجسامنا وبرأت عظامنا من لـحومنا،{أئِنَّا لَـمَبْعُوثُونَ} يقول: إنا لـمبعوثون من قبورنا أحياء كهيئتنا قبل الـمـمات؟ إن هذا لشيء غير كائن.

لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا هَٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝٨٣

يقول تعالـى ذكره: قالوا: لقد وعدنا هذا الوعد الذي تعدنا يا مـحمد، ووعد آبـاءنا من قبلنا قوم ذكروا أنهم لله رسل من قبلك، فلـم نره حقـيقة أن هذا يقول: ما هذا الذي تعدنا من البعث بعد الـمـمات {إلاَّ أساطِيرُ الأوَّلِـينَ } يقول: ما سطَّره الأوّلون فـي كتبهم من الأحاديث والأخبـار التـي لا صحة لها ولا حقـيقة.

قُل لِّمَنِ ٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝٨٤ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ۝٨٥

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لهؤلاء الـمكذّبـين بـالآخرة من قومك: لـمن ملك الأرض ومن فـيها من الـخـلق إن كنتـم تعلـمون مَنْ مالكها؟ ثم أعلـمه أنهم سيقرّون بأنها لله ملكا، دون سائر الأشياء غيره. {قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ } يقول: فقل لهم إذا أجابوك بذلك كذلك: أفلا تذكرون فتعلـمون أن من قدر علـى خـلق ذلك ابتداء فهو قادر علـى إحيائهم بعد مـماتهم وإعادتهم خـلقاً سويًّا بعد فنائهم؟

قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ ۝٨٦ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ۝٨٧

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا مـحمد: من ربّ السموات السبع، وربّ العرش الـمـحيط بذلك؟ سيقولون: ذلك كله لله، وهو ربه. فقل لهم: أفلا تتقون عقابه علـى كفركم به وتكذيبكم خبره وخبر رسوله؟

وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله:{ سَيَقُولُونَ لِلّهِ} فقرأ ذلك عامة قرّاء الـحجاز والعراق والشام:{ سَيَقُولُونَ لِلّهِ } سوى أبـي عمرو، فإنه خالفهم فقرأه: «سَيَقُولُونَ اللّهُ» فـي هذا الـموضع، وفـي الآخر الذي بعده، اتبـاعاً لـخط الـمصحف، فإن ذلك كذلك فـي مصاحف الأمصار إلاَّ فـي مصحف أهل البصرة، فإنه فـي الـموضعين بـالألف، فقرءوا بـالألف كلَّها اتبـاعاً لـخط مصحفهم. فأما الذين قرءوه بـالألف فلا مؤنة فـي قراءتهم ذلك كذلك، لأنهم أجروا الـجواب علـى الابتداء وردّوا مرفوعاً علـى مرفوع. وذلك أن معنى الكلام علـى قراءتهم: قل من ربّ السموات السبع وربّ العرش العظيـم؟ سيقولون ربّ ذلك الله. فلا مؤنة فـي قراءة ذلك كذلك. وأما الذين قرءوا ذلك فـي هذا والذي يـلـيه بغير ألف، فإنهم قالوا: معنى قوله{ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ} لـمن السموات؟ لـمن ملك ذلك؟ فجعل الـجواب علـى الـمعنى، فقـيـل: لله لأن الـمسألة عن ملك ذلك لـمن هو؟ قالوا: وذلك نظير قول قائل لرجل: مَن مولاك؟ فـيجيب الـمـجيب عن معنى ما سئل، فـيقول: أنا لفلان لأنه مفهوم بذلك من الـجواب ما هو مفهوم بقوله: مولاي فلان. وكان بعضهم يذكر أن بعض بنـي عامر أنشده:

وأعْلَـمُ أنَّنِـي سأكُونُ رَمْساً إذَا سارَ النَّوَاجِعُ لا يَسِيرُ فَقالَ السَّائِلُونَ لَـمِنْ حَفَرْتُـمْ فَقالَ الـمُخْبِرُونَ لَهُمْ: وَزِيرُ

فأجاب الـمخفوض بـمرفوع، لأن معنى الكلام: فقال السائلون: من الـميت؟ فقال الـمخبرون: الـميت وزير فأجابوا عن الـمعنى دون اللفظ.

والصواب من القراءة فـي ذلك أنهما قراءتان قد قرأ بهما علـماء من القرّاء، متقاربتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. غير أنـي مع ذلك أختار قراءة جميع ذلك بغير ألف، لإجماع خطوط مصاحف الأمصار علـى ذلك سوى خط مصحف أهل البصرة.

قُلْ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝٨٨ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ ۝٨٩

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد: من بـيده خزائن كلّ شيء؟ كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله:{ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} قال: خزائن كلّ شيء.

حدثناالقاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن مـجاهد، فـي قول الله:{ قُلْ مَنْ بِـيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ } قال: خزائن كلّ شيء.

وقوله:{ وَهُوَ يُجِيرُ } من أراد مـمن قصده بسوء.{ وَلا يُجارُ عَلَـيْهِ} يقول: ولا أحد يـمتنع مـمن أراده هو بسوء فـيدفع عنه عذابه وعقابه.{ إنْ كُنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ} من ذلك صفته، فإنهم يقولون: إن ملكوت كلّ شيء والقدرة علـى الأشياء كلها لله. فقل لهم يا مـحمد:{ فَأنَّى تُسْحَرُونَ} يقولون: فمن أيّ وجه تُصْرَفون عن التصديق بآيات الله والإقرار بأخبـاره وأخبـار رسوله والإيـمان بأن الله القادر علـى كل ما يشاء وعلـى بعثكم أحياء بعد مـماتكم، مع علـمكم بـما تقولون من عظيـم سلطانه وقدرته؟

وكان ابن عبـاس فـيـما ذُكر عنه يقول فـي معنى قوله {تُسْحَرُونَ} ما:

حدثنـي به علـيّ، قال: ثنا عبد الله قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {فَأنَّى تُسْحَرُونَ} يقول: تكذبون.

وقد بـيَّنت فـيـما مضى السِّحْر: أنه تـخيـيـل الشيء إلـى الناظر أنه علـى خلاف ما هو به من هيئته، فذلك معنى قوله:{ فَأنَّى تُسْحَرُونَ } إنـما معناه: فمن أيّ وجه يُخَيـلَّ إلـيكم الكذب حقًّاً والفـاسد صحيحاً، فتصرفون عن الإقرار بـالـحقّ الذي يدعوكم إلـيه رسولنا مـحمد صلى الله عليه وسلم.

بَلْ أَتَيْنَٰهُم بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ ۝٩٠ مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنْ إِلَٰهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ۝٩١ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝٩٢

يقول: ما الأمر كما يزعم هؤلاء الـمشركون بـالله من أن الـملائكة بناتُ الله وأن الآلهة والأصنام آلهة دون الله.{ بَلْ أتَـيْناهُمْ بـالْـحَقِّ } الـيقـين، وهو الدين الذي ابتعث الله به نبـيه صلى الله عليه وسلم، وذلك الإسلام، ولا يُعْبَد شيء سوى الله لأنه لا إله غيره.{ وإنَّهُمْ لَكاذِبُونَ } يقول: وإن الـمشركين لكاذبون فـيـما يضيفون إلـى الله ويَنْـحَلُونه من الولد والشريك.

وقوله: {ما اتَّـخَذَ اللّهُ منْ وَلَدٍ } يقول تعالـى ذكره: ما لله من ولد، ولا كان معه فـي القديـم ولا حين ابتدع الأشياء مَنْ تصلـح عبـادته، ولو كان معه فـي القديـم أو عند خـلقه الأشياء مَنْ تصلـح عبـادته{ مِنْ إلهٍ إذاً لَذَهَب} يقول: إذن لاعتزل كلّ إله منهم {بِـما خَـلَقَ} من شيء، فـانفرد به، ولتغالبوا، فلَعَلا بعضهم علـى بعض، وغلب القويّ منهم الضعيف لأن القويّ لا يرضى أن يعلُوَه ضعيف، والضعيف لا يصلـح أن يكون إلها. فسبحان الله ما أبلغها من حجة وأوجزها لـمن عقل وتدبر وقوله:{ إذاً لَذَهَبَ} جواب لـمـحذوف، وهو: لو كان معه إله إذن لذهب كل إله بـما خـلق اجتزىء بدلالة ما ذكر علـيه عنه، وقوله:{ سُبْحانَ اللّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } يقول تعالـى ذكره: تنزيهاً لله عما يصفه به هؤلاء الـمشركون من أن له ولداً، وعما قالوه من أن له شريكاً، أو أن معه فـي القدم إلهاً يُعبد، تبـارك وتعالـى.

وقوله: {عالِـمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ} يقول تعالـى ذكره: هو عالـم ما غاب عن خـلقه من الأشياء، فلـم يَرَوْه ولـم يشاهدوه، وما رأوه وشاهدوه. إنـما هذا من الله خبر عن هؤلاء الذين قالوا من الـمشركين: اتـخذ الله ولداً وعبدوا من دونه آلهة، أنهم فـيـما يقولون ويفعلون مُبْطِلون مخطئون، فإنهم يقولون ما يقولون من قول فـي ذلك عن غير علـم، بل عن جهل منهم به وإن العالـم بقديـم الأمور وبحديثها وشاهدها وغائبها عنهم، الله الذي لا يخفـى علـيه شيء، فخبره هو الـحق دون خبرهم. وقال:{ عالـمُ الغَيْب} فرفع علـى الابتداء، بـمعنى: هو عالـم الغيب، ولذلك دخـلت الفـاء فـي قوله:{ فَتَعالَـى} كما يقال: مررت بأخيك الـمـحسنُ فأحسنت إلـيه، فترفع الـمـحسن إذا جعلت فأحسنت إلـيه بـالفـاء، لأن معنى الكلام إذا كان كذلك: مررت بأخيك هو الـمـحسن، فأحسنت إلـيه. ولو جعل الكلام بـالواو فقـيـل: وأحسنت إلـيه، لـم يكن وجه الكلام فـي «الـمـحسن» إلاَّ الـخفض علـى النعت للأخ، ولذلك لو جاء «فتعالـى» بـالواو كان وجه الكلام فـي عالـم الغيب الـخفض علـى الاتبـاع لإعراب اسم الله، وكان يكون معنى الكلام: سبحان الله عالـم الغيب والشهادة وتعالـى! فـيكون قوله: «وتعالـى» حينئذٍ معطوفـاً علـى «سبحان الله». وقد يجوز الـخفض مع الفـاء، لأن العرب قد تبدأ الكلام بـالفـاء، كابتدائها بـالواو. وبـالـخفض كان يقرأ: {عَالِـمِ الغَيْب} فـي هذا الـموضع أبو عمرو، وعلـى خلافه فـي ذلك قَرَأَة الأمصار.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا: الرفع، لـمعنـيـين: أحدهما: إجماع الـحجة من القرّاء علـيه، والثانـي: صحته فـي العربـية.

وقوله:{ فَتَعالـى عَمَّا يُشْرِكُونَ } يقول تعالـى ذكره: فـارتفع الله وعلا عن شرك هؤلاء الـمشركين، ووصفهم إياه بـما يصفون.

قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّى مَا يُوعَدُونَ ۝٩٣ رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِى فِى ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٩٤ وَإِنَّا عَلَىٰٓ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَٰدِرُونَ ۝٩٥

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد: ربّ إنْ تُرِيَنَّى فـي هؤلاء الـمشركين ما تعدهم من عذابك فلا تهلكنـي بـما تهلكهم به. ونـجنـي من عذابك وسخطك فلا تـجعلنـي فـي القوم الـمشركين ولكن اجعلنـي مـمن رضيت عنه من أولـيائك. وقوله: {فَلا تَـجْعَلْنـي} جواب لقوله: {إما تُرِيَنَّى} اعترض بـينهما بـالنداء، ولو لـم يكن قبله جزاء لـم يجز ذلك فـي الكلام، لا يقال: يا زيد فقم، ولا يا ربّ فـاغفر، لأن النداء مستأنف، وكذلك الأمر بعده مستأنف، لا تدخـله الفـاء والواو، إلاَّ أن يكون جوابـاً لكلام قبله.

وقوله:{وَإنَّا عَلـى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرونَ} يقول تعالـى ذكره: وإنا يا مـحمد علـى أن نريك فـي هؤلاء الـمشركين ما نعدهم من تعجيـل العذاب لهم، لقادرون، فلا يَحْزُنَنَّك تكذيبهم إياك بـما نعدهم به، وإنـما نؤخر ذلك لـيبلغ الكتاب أجله.

ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ۝٩٦ وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَٰطِينِ ۝٩٧ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ۝٩٨

يقول تعالـى ذكره لنبـيه: ادفع يا مـحمد بـالـخَـلَّة التـي هي أحسن، وذلك الإغضاء والصفح عن جهلة الـمشركين والصبر علـى أذاهم، وذلك أمره إياه قبل أمره بحربهم. وعنى بـالسيئة: أذى الـمشركين إياه وتكذيبهم له فـيـما أتاهم به من عند الله، يقول له تعالـى ذكره: اصبر علـى ما تلقـى منهم فـي ذات الله.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله:{ ادْفَعْ بـالَّتِـي هِيَ أحْسَنُ السَّيِّئَةَ} قال: أعرض عن أذاهم إياك.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن عبد الكريـم الـجَزَريّ، عن مـجاهد:{ ادْفَعْ بـالَّتِـي هَيَ أحْسَنُ السَّيِّئَةَ } قال: هو السلام، تُسَلِّـم علـيه إذا لقـيته.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريـم، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هَوْذَة، قال: ثنا عوف، عن الـحسن، فـي قوله:{ادْفَعْ بـالَّتِـي هِيَ أحْسَنُ السَّيِّئَةَ} قال: والله لا يصيبها صاحبها حتـى يكظم غيظاً ويصفَح عما يكره.

وقوله:{ نَـحْنُ أعْلَـمُ بِـمَا يَصِفُونَ } يقول تعالـى ذكره: نـحن أعلـم بـما يصفون الله به، وينـحَلُونه من الأكاذيب والفِرية علـيه، وبـما يقولون فـيك من السوء، ونـحن مـجازوهم علـى جميع ذلك، فلا يحزُنْك ما تسمع منهم من قبـيح القول.

وقوله:{ وَقُلْ رَبّ أعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّياطِينِ} يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: وقل يا مـحمد ربّ أستـجير بك من خَنْق الشياطين وهمزاتها، والهَمْز: هو الغَمْز، ومن ذلك قـيـل للهمز فـي الكلام: هَمْزة، والهَمَزَات جمع همزة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنـي ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وَقُلْ رَبّ أعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّياطِينِ} قال: همزات الشياطين: خَنْقهم الناس، فذلك هَمَزاتهم.

وقوله:{ وأعُوذُ بِكَ رَبّ أنْ يَحْضُرُونِ} يقول: وقل أستـجير بك ربّ أن يحضرون فـي أموري. كالذي:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: وأعُوذُ بِكَ رَبّ أنْ يَحْضَرُونِ فـي شيء من أمرى.

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ۝٩٩ لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَٰلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّآ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ۝١٠٠

يقول تعالى ذكره: حتـى إذا جاء أحدَ هؤلاء الـمشركين الـموتُ، وعاين نزول أمر الله به، قال لعظيـم ما يعاين مـما يَقْدَم علـيه من عذاب الله تندّما علـى ما فـات وتلهُّفـا علـى ما فرّط فـيه قبل ذلك من طاعة الله ومسئلته للإقالة:{ رَبّ ارْجِعُونِ} إلـى الدنـيا فردّونـي إلـيها،{ لَعَلِّـي أعْمَلُ صَالِـحاً} يقول: كي أعمل صالـحا فـيـما تركت قبل الـيوم من العمل فضيعته وفرّطت فـيه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي معشر، قال: كان مـحمد بن كعب القُرَظيّ يقرأ علـينا:{ حتـى إذَا جاءَ أحَدَهُمْ الـمَوْتُ قالَ رَبّ ارْجِعُون} قال مـحمد: إلـى أيّ شيء يريد؟ إلـى أيّ شيء يرغب؟ أجمع الـمال، أو غَرْس الغِراس، أو بَنْـي بُنـيان، أو شقّ أنهار؟ ثم يقول:{ لَعَلِّـي أعْمَلُ صَالِـحاً فِـيـما تَرَكْتُ} يقول الـجبـار: كلاّ.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله:{ رَبّ ارْجِعُونِ } قال: هذه فـي الـحياة الدنـيا، ألا تراه يقول:{ حتـى إذَا جاءَ أحَدَهُمُ الـمَوْتُ} قال: حين تنقطع الدنـيا ويعاين الآخرة، قبل أن يذوق الـموت.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم لعائشة:

إذَا عايَنَ الـمُؤْمِنُ الـمَلائِكَةَ قالُوا: نُرْجِعُكَ إلـى الدُّنْـيا؟ فَـيَقَولُ: إلـى دار الهُمُومِ وَالأحْزَانِ؟ فَـيَقُولُ: بَل قَدِّمانِـي إلـى اللّهِ. وأمَا الكافِرُ فَـيُقالُ: نُرْجِعُكَ؟ فـيَقُولُ: لَعَلِّـي أعْمَلُ صَالِـحاً فِما تَرَكْتُ... الآية.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ حتَّـى إذَا جاءَ أحَدَهُمُ الـمَوْتُ قالَ ربّ ارْجِعُونِ}: يعنـي أهل الشرك.

وقـيـل: «رب ارجعون»، فـابتدأ الكلام بخطاب الله تعالـى، ثم قـيـل: «ارجعون»، فصار إلـى خطاب الـجماعة، والله تعالـى ذكره واحد. وإنـما فعل ذلك كذلك، لأن مسألة القوم الردّ إلـى الدنـيا إنـما كانت منهم للـملائكة الذين يَقبِضون روحهم، كما ذكر ابن جُرَيج أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قاله. وإنـما ابتُدِىء الكلام بخطاب الله جلّ ثناؤه، لأنهم استغاثوا به، ثم رجعوا إلـى مسئلة الـملائكة الرجوع والردّ إلـى الدنـيا.

وكان بعض نـحويِّـي الكوفة يقول: قـيـل ذلك كذلك، لأنه مـما جرى علـى وصف الله نفسه من قوله:

{ وَقَدْ خَـلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ ولَـمْ تَكُ شَيْئاً } فـي غير مكان من القرآن، فجرى هذا علـى ذاك.

وقوله: كَلاَّ يقول تعالـى ذكره: لـيس الأمر علـى ما قال هذا الـمشرك لن يُرْجع إلـى الدنـيا ولن يُعاد إلـيها.{ إنَّهَا كَلِـمَةٌ هُوَ قائِلُها } يقول: هذه الكلـمة، وهو قوله:{ رَبّ ارْجِعُونِ } كلـمة هو قائلها يقول: هذا الـمشرك هو قائلها. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ كَلاَّ إنَّهَا كَلِـمَةٌ هُوَ قائِلُها} لا بد له أن يقولها.

{وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ} يقول: ومن أمامهم حاجز يحجُز بـينهم وبـين الرجوع، يعنـي إلـى يوم يبعثون من قبورهم، وذلك يوم القـيامة والبرزخ والـحاجز والـمُهْلة متقاربـات فـي الـمعنى.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس:{ وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إلـى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } يقول: أجل إلـى حين.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يـمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد، فـي قوله:{ وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ} قال: ما بعد الـموت.

حدثنـي أبو حميد الـحِمْصيّ أحمد بن الـمغيرة، قال: ثنا أبو حَيْوة شريح بن يزيد، قال: ثنا أرطاة، عن أبـي يوسف، قال: خرجت مع أبـي أمامة فـي جنازة، فلـما وُضِعت فـي لـحدها، قال أبو أمامة: هذا برزخ إلـى يوم يُبعثون.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا مطر، عن مـجاهد، قوله:{ وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إلـى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} قال: ما بـين الـموت إلـى البعث.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله:{ بَرْزَخٌ إلـى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } قال: حِجاب بـين الـميت والرجوع إلـى الدنـيا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد مثله.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة:{ وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إلـى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} قال: برزخ بقـية الدنـيا.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إلـى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} قال: البرزخ ما بـين الـموت إلـى البعث.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عُبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول: البرزخ: ما بـين الدنـيا والآخرة.

فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ ۝١٠١

اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنىّ بقوله:{ فإذَا نُفِخَ فـي الصُّور} من النفختـين أيُتهما عُنِـيَ بها؟ فقال بعضهم: عُنِـيَ بها النفخة الأولـى.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلـم، قال: ثنا عمرو بن مطرف، عن الـمنهال بن عمرو، عن سعيد بن جُبـير، أن رجلاً أتـى ابن عبـاس فقال: سمعت الله يقول:{ فَلا أنْسابَ بَـيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ}... الآية، وقال فـي آية أخرى:

{ وأقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلـى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ } فقال: أما قوله:{فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} فذلك فـي النفحة الإولـى، فلا يبقـى علـى الأرض شىء، {فلا أنْساب بَـينَهـمْ يَومَئذ ولا يَـتَساءلون}.فإنهم لـما دخـلوا الـجنة أقـيـل بعضهم علـى بعض يتساءلون:

وأما قوله:

{ وأقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلـى بَعْضٍ يتساءلون }

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن السديّ، فـي قوله:{ فإذَا نُفِخَ فـي الصُورِ فَلا أَنْسابَ بَـيْنَهُمْ يَوْمَئذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ } قال: فـي النفخة الأولـى.

حدثنا علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{ فَلا أنْسابَ بَـيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ } فذلك حين ينفخ فـي الصور، فلا حيّ يبقـى إلا الله.

{ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلـى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ }فذلك إذا بُعثوا فـي النفخة الثانـية.

قال أبو جعفر: فمعنى ذلك علـى هذا التأويـل: فإذا نفخ فـي الصور، فصَعِق مَنْ فـي السموات ومَنْ فـي الأرض إلا مَنْ شاء الله، فلا أنساب بـينهم يومئذٍ يتواصلون بها، ولا يتساءلون، ولا يتزاورون، فـيتساءلون عن أحوالهم وأنسابهم.

وقال آخرون: بل عُنِـيَ بذلك النفخة الثانـية.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن فضيـل، عن هارون بن أبـي وكيع، قال: سمعت زاذان يقول: أتـيت ابن مسعود، وقد اجتـمع الناس إلـيه فـي داره، فلـم أقدر علـى مـجلس، فقلت: يا أبـا عبد الرحمن، من أجل أنـي رجل من العجم تَـحْقِرُنـي؟ قال: ادْنُ قال: فدنوت، فلـم يكن بـينـي وبـينه جلـيس، فقال: «يؤخذ بـيد العبد أو الأمة يوم القـيامة علـى رؤوس الأوّلـين والآخرين، قال: وينادِي مناد: ألا إن هذا فلان ابن فلان، فمن كان له حقّ قبله فلـيأت إلـى حقه، قال: فتفرح الـمرأة يومئذٍ أن يكون لها حقّ علـى ابنها أو علـى أبـيها أو علـى أخيها أو علـى زوجها{ فَلا أنسْابَ بَـيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ .

«حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن هارون بن عنترة، عن زاذان، قال: سمعت ابن مسعود يقول: «يؤخذ العبد أو الأمة يوم القـيامة، فـينصب علـى رؤوس الأوّلـين والآخرين، ثم ينادِي مناد، ثم ذكر نـحوه، وزاد فـيه: فـيقول الربّ تبـارك وتعالـى للعبد: أعطِ هؤلاء حقوقهم فـيقول: أي ربّ، فَنِـيتِ الدنـيا، فمن أين أعطيهم؟ فـيقول للـملائكة: خذوا من أعماله الصالـحة وأعطوا لكل إنسان بقدر طِلبته فإن كان له فضلُ مثقال حبة من خردل، ضاعفها الله له حتـى يدخـله بها الـجنة. ثم تلا ابن مسعود:

{ إنَّ اللّهَ لا يَظلِـمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أجْراً عَظِيـماً }وإن كان عبداً شقـيًّا قالت الـملائكة: ربنا، فنـيت حسناتُه وبقـي طالبون كثـير، فـيقول: خذوا من أعمالهم السيئة فأضيفوها إلـى سيئاته، وصُكُّوا له صَكًّا إلـى النار.

« قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج:{ فإذَا نُفِخَ فِـي الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَـيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءلُونَ} قال: لا يُسأل أحد يومئذٍ بنسب شيئا، ولا يتساءلون، ولا يـمتّ إلـيه برحم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي مـحمد بن كثـير، عن حفص بن الـمغيرة، عن قتادة، قال: لـيس شيء أبغض إلـى الإنسان يوم القـيامة من أن يرى من يعافُه، مخافة أن يذوب له علـيه شيء. ثم قرأ:

{ يَوْمَ يَفِرُّ الـمَرْءُ مِنْ أخِيهِ وأُمِّههِ وأبِـيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِـيهِ لِكُلّ امرِىءٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شأْنٌ يُغْنِـيهِ }

قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا الـحكَم بن سِنان، عن سَدُوس صاحب السائريّ، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إذَا دَخَـلَ أهْلُ الـجَنَّةِ الـجَنَّةِ وأهْلُ النَّارِ النَّارَ، نادَى مُنادٍ مِنْ أَهْلِ العَرْشِ: يا أهْلَ التَّظالُـمِ تَدَارَكُوا مَظالِـمَكُمْ وَادْخُـلُوا الـجَنَّةَ».
الجمعة، 30 أكتوبر 2026 19 جمادى الأولى 1448 هـ