انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المؤمنون

تفسير الطبريالآيات 36–65

تفسير سورة المؤمنون آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة المؤمنون

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 51:22

  1. 1 الآيات 36–74في هذه الصفحة 16:57

التفسير الصوتي لسورة المؤمنون كاملًا (3 مقاطع)

هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ۝٣٦ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ۝٣٧

وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن قول الـملأ من ثمود أنهم قالوا:{ هَيْهاتَ هَيْهاتَ} أي بعيد ما توعدون أيها القوم، من أنكم بعد موتكم ومصيركم ترابـاً وعظاماً مخرجون أحياء من قبوركم، يقولون: ذلك غير كائن.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {هَيْهاتَ هَيْهاتَ} يقول: بعيد بعيد.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله:{ هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِـمَا تُوعَدُونَ } قال: يعنـي البعث.

والعرب تُدخـل اللام مع «هيهات» فـي الاسم الذي يصحبها، وتنزعها منه، تقول: هيات لك هيات، وهيهاتَ ما تبتغي هيهات وإذا أسقطت اللام رفعت الاسم بـمعنى هيهات، كأنه قال: بعيد ما ينبغي لك كما قال جرير:

فهَيْهاتَ هَيْهاتَ العَقِـيقُ وَمَنْ بِهِ وَهَيْهاتَ خِـلٌّ بـالعَقِـيقِ نُوَاصِلُهْ

كأنه قال: العقـيق وأهله، وإنـما دخـلت اللام مع هيهات فـي الاسم لأنهم قالوا: «هيهات» أداة غير مأخوذة من فعل، فأدخـلوا معها فـي الاسم اللام، كما أدخـلوها مع هلـمّ لك، إذ لـم تكن مأخوذة من فعل، فإذا قالوا أقبل، لـم يقولوا لك، لاحتـمال الفعل ضمير الاسم.

واختلف أهل العربـية فـي كيفـية الوقـف علـى هيهات، فكان الكسائي يختار الوقوف فـيها بـالهاء، لأنها منصوبة وكان الفرّاء يختار الوقوف علـيها بـالتاء، ويقول: من العرب من يخفض التاء، فدلّ علـى أنها لـيست بهاء التأنـيث، فصارت بـمنزلة دَرَاكِ ونَظَارِ وأما نصب التاء فـيهما، فلأنهما أداتان، فصارتا بـمنزلة خمسةَ عَشر. وكان الفراء يقول: إن قـيـل إن كل واحدة مستغنـية بنفسها يجوز الوقوف علـيها، وإن نصبها كنصب قوله: تُـمِّتَ جلست وبـمنزلة قول الشاعر:

ماوِيَّ يَارُبَّتَـما غارةٍ شَعْوَاءَ كاللَّذْعَةِ بـالـمِيسَمِ

قال: فنصب «هيهات» بـمنزلة هذه الهاء التـي فـي «ربت»، لأنها دخـلت علـى حرف، علـى «ربّ» وعلـى «ثم»، وكانا أداتـين، فلـم تغيرها عن أداتهما فنصبـا.

واختلف القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته قرّاء الأمصار غير أبـي جعفر:{ هَيْهاتَ هَيْهاتَ} بفتـح التاء فـيهما. وقرأ ذلك أبو جعفر: «هَيْهاتِ هَيْهَاتِ» بكسر التاء فـيهما. والفتـح فـيهما هو القراءة عندنا، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه.

وقوله:{ إنْ هِيَ إلاَّ حَياتُنا الدُّنـيْا} يقول: ما حياة إلا حياتنا الدنـيا التـي نـحن فـيها {نُـموتُ ونَـحْيا} يقول: تـموت الأحياء منا فلا تـحيا ويحدث آخرون منا فـيولدون أحياء. {وَما نَـحْنُ بِـمَبْعُوثـينَ}: يقول: قالوا: وما نـحن بـمبعوثـين بعد الـمـمات. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ إنْ هِيَ إلاَّ حَياتُنا الدُّنـيْا نَـمُوتُ وَنـحيْا وَما نَـحْنُ بِـمَبْعُوثِـينَ} قال: يقول لـيس آخره ولا بعث، يكفرون بـالبعث، يقولون: إنـما هي حياتنا هذه ثم نـموت ولا نـحيا، يـموت هؤلاء ويحيا هؤلاء، يقولون: إنا الناس كالزرع يحصد هذا وينبت هذا: يقولون: يـموت هؤلاء ويأتـي آخرون. وقرأ:

{ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلـى رَجُلٍ يُنْبِّئُكُمْ إذَا مُزِّقْتـمْ كُلَّ مُـمَزَّقٍ إنَّكُمْ لَفِـي خَـلْقٍ جَدِيدٍ } وقرأ: { لا تَأْتِـينا السَّاعَةُ قُلْ بَلـى وَرَبّي لَتَأْتِـيَنَّكُمْ }}.

إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُۥ بِمُؤْمِنِينَ ۝٣٨ قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ ۝٣٩ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَٰدِمِينَ ۝٤٠

يقول تعالى ذكره: قالوا ما صالـح إلا رجل اختلق علـى الله كذبـاً فـي قوله ما لكم من إله غير الله وفـي وعده إياكم أنكم إذا متـم وكنتـم ترابـاً وعظاماً أنكم مُخْرجون. وقوله: {هُوَ } من ذكر الرسول، وهو صالـح.{ وَما نَـحْنُ لَهُ بِـمُؤْمِنِـينَ } يقول: وما نـحن له بـمصدّقـين فـيـما يقول أنه لا إله لنا غير الله، وفـيـما يعدنا من البعث بعد الـمـمات. وقوله:{ قالَ رَبّ انْصُرْنِـي بِـمَا كَذَّبُونِ} يقول: قال صالـح لـما أيس من إيـمان قومه بـالله ومن تصديقهم إياه بقولهم{ وَما نَـحْنُ لَهُ بِـمُؤْمِنِـينَ: ربِّ انْصُرْنِـي} علـى هؤلاء {بـما كَذَّبُونِ } يقول: بتكذيبهم إياي فـيـما دعوتهم إلـيه من الـحقّ. فـاستغاث صلوات الله علـيه بربه من أذاهم إياه وتكذيبهم له، فقال الله له مـجيبـاً فـي مسئلته إياه ما سأل: عن قلـيـل يا صالـح لـيصبحُنّ مكذّبوك من قومك علـى تكذيبهم إياك نادمين، وذلك حين تَنزل بهم نقمتنا فلا ينفعهم الندم.

فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ فَجَعَلْنَٰهُمْ غُثَآءً فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٤١

يقول تعالـى ذكره: فـانتقمنا منهم، فأرسلنا علـيهم الصيحة فأخذتهم بـالـحقّ وذلك أن الله عاقبهم بـاستـحقاقهم العقاب منه بكفرهم به وتكذيبهم رسوله.{ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً} يقول: فصيرناهم بـمنزلة الغُثاء، وهو ما ارتفع علـى السيـل ونـحوه، كما لا ينتفع به فـي شيء. فإنـما هذا مَثَل، والـمعنى: فأهلكناهم فجعلناهم كالشيء الذي لا منفعة فـيه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس:{ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً للْقَوْمِ الظَّالِـمِينَ } يقول: جعلوا كالشيء الـميت البـالـي من الشجر.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى. وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ غُثاءً } كالرميـم الهامد، الذي يحتـمل السيـل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج:{ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً} قال: كالرميـم الهامد الذي يحتـمل السيـل.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: {فجَعَلْناهُمْ غُثاءً } قال: هو الشيء البـالـي.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ فجَعَلْناهُمْ غُثاءً} قال: هذا مثل ضربه الله.

وقوله:{ فَبُعْداً للْقَوْمِ الظَّالِـمِينَ } يقول: فأبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم، إذ كفروا بربهم وعَصَوا رسله وظلـموا أنفسهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قال: أولئك ثمود، يعنـي قوله: {فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْدا للْقَوْمِ الظَّالِـمِينَ}.

ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قُرُونًا ءَاخَرِينَ ۝٤٢ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ ۝٤٣

يقول تعالـى ذكره: ثم أحدثنا من بعد هلاك ثمود قوماً آخرين. وقوله:{ ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أجَلَها} يقول: ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمـم التـي أنشأناها بعد ثمود قبل الأجل الذي أجلنا لهلاكها، ولا يستأخِر هلاكها عن الأجل الذي أجلنا لهلاكها والوقت الذي وقتنا لفنائها ولكنها تهلك لـمـجيئه. وهذا وعيد من الله لـمشركي قوم نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم وإعلام منه لهم أن تأخيره فـي آجالهم مع كفرهم به وتكذيبهم رسوله، لـيبلغوا الأجل الذي أجِّل لهم فـيحلّ بهم نقمته، كسنته فـيـمن قبلهم من الأمـم السالفة.

ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَٰهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ ۝٤٤

يقول تعالـى ذكره:{ ثُمَّ أرْسَلْنا } إلـى الأمـم التـي أنشأنا بعد ثمود{ رُسُلَنا تَتْرَى} يعنـي: يتبع بعضها بعضاً، وبعضها فـي أثر بعض. وهي من الـمواترة، وهي اسم لـجمع مثل «شيء»، لا يقال: جاءنـي فلان تترى، كما لا يقال: جاءنـي فلان مواترة، وهي تنوّن ولا تنوّن، وفـيها الـياء، فمن لـم ينوّنها فَعْلَـى من وترت، ومن قال «تترا» يوهم أن الـياء أصلـية كما قـيـل: مِعْزًى بـالـياء، ومَعْزاً وبُهْمَى بُهْماً ونـحو ذلك، فأجريت أحياناً وترك إجراؤها أحيانا، فمن جعلها «فَعْلَـى» وقـف علـيها، أشاء إلـى الكسر، ومن جعلها ألف إعراب لـم يشر، لأن ألف الإعراب لا تكسر، لا يقال: رأيت زيداً، فـيشار فـيه إلـى الكسر.

وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنا معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرَى } يقول: يَتْبع بعضها بعضاً.

حدثنا مـحمد بن سعد، قال: ثنى أبـي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس:{ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنَا تتْرَى} يقول: بعضها علـى أثر بعض.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى. وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: تَتْرَى قال: اتبـاع بعضها بعضاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد:{ ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرَى} قال: يتبع بعضها بعضاً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرَى} قال: بعضهم علـى أثر بعض، يتبع بعضهم بعضاً.

واختلفت قرّاء الأمصار فـي قراءة ذلك، فقرأ ذلك بعض قرّاء أهل مكة وبعض أهل الـمدينة وبعض أهل البصرة: «تَتْرًا» بـالتنوين. وكان بعض أهل مكة وبعض أهل الـمدينة وعامة قرّاء الكوفة يقرءونه: {تَتْرَى} بإرسال الـياء علـى مثال «فَعْلَـى». والقول فـي ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان فـي كلام العرب بـمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب غير أنِّـي مع ذلك أختار القراءة بغير تنوين، لأنه أفصح اللغتـين وأشهرهما.

وقوله:

{ كُلَّـما جاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ }يقول: كلـما جاء أمة من تلك الأمـم التـي أنشأناها بعد ثمود رسولها الذي نرسله إلـيهم، كذّبوه فـيـما جاءهم به من الـحقّ من عندنا. وقوله:{ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً} يقول: فأتبعنا بعض تلك الأمـم بعضاً بالهلاك فأهلكنا بعضهم فـي إثر بعض. وقوله:{ وَجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ } للناس ومثلاً يُتَـحدّث بهم، وقد يجوز أن يكون جمع حديث. وإنـما قـيـل:{ وَجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ } لأنهم جُعلوا حديثاً ومثلاً يُتـمثَّل بهم فـي الشرّ، ولا يقال فـي الـخير: جعلته حديثاً ولا أُحدوثة. وقوله:{ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} يقول: فأبعد الله قوماً لا يؤمنون بـالله ولا يصدّقون برسوله.

ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَٰرُونَ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ ۝٤٥ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا عَالِينَ ۝٤٦

يقول تعالـى ذكره: ثم أرسلنا بعد الرسل الذين وصف صفتهم قبل هذه الآية، موسى وأخاه هارون إلـى فرعون وأشراف قومه من القبط {بآياتِنَا } يقول: بحججنا، {فـاسْتَكْبَرُوا} عن اتّبـاعها والإيـمان بـما جاءهم به من عند الله. {وكانُوا قَوْماً عالِـينَ } يقول: وكانوا قوماً عالـين علـى أهل ناحيتهم ومن فـي بلادهم من بنـي إسرائيـل وغيرهم بـالظلـم، قاهرين لهم.

وكان ابن زيد يقول فـي ذلك ما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وقوله:{ وكانُوا قَوْماً عالِـينَ } قال: عَلَوا علـى رسلهم وعصَوا ربهم ذلك علوّهم. وقرأ:{ تِلكَ الدَّارُ الآخِرَةُ}... الآية.

فَقَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَٰبِدُونَ ۝٤٧ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ ۝٤٨

يقول تعالى ذكره: فقال فرعون وملؤه:{ أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا } فنتبعهما{وَقَوْمُهُما} من بنـي إسرائيـل{ لَنا عابِدُونَ} يعنون أنهم لهم مطيعون متذللون، يأتـمرون لأمرهم ويدينون لهم. والعرب تسمي كل من دان الـملك عابداً له، ومن ذلك قـيـل لأهل الـحِيرة: العبـاد، لأنهم كانوا أهل طاعة لـملوك العجم.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: قال فرعون:{ أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا}... الآية، نذهب نرفعهم فوقنا، ونكون تـحتهم، ونـحن الـيوم فوقهم وهم تـحتنا، كيف نصنع ذلك؟ وذلك حين أتوهم بـالرسالة. وقرأ: {وَتَكُونَ لَكُما الكِبْرياءُ فِـي الأَرْضِ} قال: العلوّ فـي الأرض.

وقوله:{ فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الـمُهْلَكِينَ } يقول: فكذّب فرعون وملؤه موسى وهارون، فكانوا مـمن أهلَكَهم الله كما أهلك من قبلهم من الأمـم بتكذيبها رسلها.

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ۝٤٩ وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةً وَءَاوَيْنَٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ۝٥٠

يقول تعالـى ذكره: ولقد آتـينا موسى التوراة، لـيهتدي بها قومه من بنـي إسرائيـل، ويعلـموا بـما فـيها.{ وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَـمَ وأُمَّهُ} يقول: وجعلنا ابن مريـم وأمه حجة لنا علـى من كان بـينهم، وعلـى قدرتنا علـى إنشاء الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خـلق عيسى من غير أب. كما:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمر، عن قَتادة، فـي قوله: {وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَـمَ وأُمَّهُ} قال: ولدته من غير أب هو له.

ولذلك وُحِّدت الآية، وقد ذكر مريـم وابنها.

وقوله {وآوَيْناهما إلـى رَبْوَةٍ } يقول: وضمـمناهما وصيرناهما إلـى ربوة، يقال: أوى فلان إلـى موضع كذا، فهو يأوِي إلـيه. إذا صار إلـيه وعلـى مثال «أفعلته» فهو يُؤْويه. وقوله {إلـى رَبْوَة} يعنـي: إلـى مكان مرتفع من الأرض علـى ما حوله ولذلك قـيـل للرجل يكون فـي رفعة من قومه وعزّ وشرف وعدد: هو فـي ربوة من قومه، وفـيها لغتان: ضمّ الراء وكسرها إذا أريد بها الاسم، وإذا أريد بها الفعلة من الـمصدر قـيـل رَبَـا رَبْوة.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمكان الذي وصفه الله بهذه الصفة وآوَى إلـيه مريـم وابنها، فقال بعضهم: هو الرَّملة من فلسطين. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا صفوان بن عيسى، قال: ثنا بشر بن رافع، قال: ثنـي ابن عمّ لأبـي هريرة، يقال له أبو عبد الله، قال: قال لنا أبو هريرة: الزموا هذه الرملة من فلسطين، فإنها الربوة التـي قال الله: {وآوَيْناهُما إلـى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ}.

حدثنـي عصام بن رَوّاد بن الـجراح، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا عبـاد أبو عتبة الـخوّاص، قال: ثنا يحيى بن أبـي عمرو السيبـانـي، عن ابن وَعْلة، عن كريب، قال: ما أدري ما حدثنا مُرّة النَبْهزيّ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ذكر أن الربوة هي الرملة

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن بشر بن رافع، عن أبـي عبد الله بن عمّ أبـي هريرة، قال: سمعت أبـا هريرة يقول فـي قول الله:{ إلـى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} قال: هي الرملة من فلسطين.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا بشر بن رافع، قال: ثنا أبو عبد الله ابن عمّ، أبـي هريرة، قال: قال لنا أبو هريرة: الزموا هذه الرملة التـي بفلسطين، فإنها الربوة التـي قال الله:{ وآوَيْناهُما إلـى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ}.

وقال آخرون: هي دمشق. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن الولـيد القرشي، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن الـمسيب أنه قال فـي هذه الآية:{ وآوَيْناهُما إلـى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } قال: زعموا أنها دمشق.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: بلغنـي، عن ابن الـمسيب أنه قال دمشق.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن الـمسيب، مثله.

حدثنـي يحيى بن عثمان بن صالـح السهمي، قال: ثنا ابن بكير، قال: ثنا اللـيث بن سعد، قال: ثنـي عبد الله بن لهيعة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن الـمسيب، فـي قوله:{ وآوَيْناهُما إلـى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } قال: إلـى ربوة من رُبـا مصر. قال: ولـيس الرُّبَـا إلاَّ فـي مصر، والـماء حين يُرسَل تكون الربَـا علـيها القرى، لولا الربَـا لغرقت تلك القرى.

وقال آخرون: هي بـيت الـمقدس. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، قال: هو بـيت الـمقدس.

قال: ثنامـحمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة قال: كان كعب يقول: بـيت الـمقدس أقرب إلـى السماء بثمانـيةَ عَشَر ميلاً.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن كعب، مثله.

وأولـى هذه الأقوال بتأويـل ذلك: أنها مكان مرتفع ذو استواء وماء ظاهر ولـيس كذلك صفة الرملة، لأن الرملة لا ماء بها مُعِين، والله تعالـى ذكره وصف هذه الربوة بأنها ذات قرار ومَعِين.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ وآوَيْناهُما إلـى رَبْوَةٍ } قال: الربوة: الـمستوية.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ إلـى رَبْوَةٍ } قال: مستوية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

وقوله:{ ذَات قَرَارٍ وَمَعِينٍ } يقول تعالـى ذكره: من صفة الربوة التـي آوينا إلـيها مريـم وابنها عيسى، أنها أرض منبسطة وساحة وذات ماء ظاهر لغير البـاطن جارٍ.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس:{ وَمَعِينٍ } قال: الـمَعِين: الـماء الـجاري، وهو النهر الذي قال الله:

{ قَدْ جَعَلَ رَبُّكَ تَـحْتَكِ سَرِيًّا }

حدثنـي مـحمد بن عمارة الأسديّ، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن أبـي يحيى، عن مـجاهد، فـي قوله:{ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعينٍ} قال: الـمَعِين: الـماء.

حدثنـي مـحمد بن عمارة الأسديّ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: مَعِين، قال: ماء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي سلـيـمان بن عبد الـجبـار، قال: ثنا مـحمد بن الصَّلْت، قال: ثنا شريك، عن سالـم، عن سعيد، فـي قوله:{ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعينٍ } قال: الـمكان الـمستوى، والـمَعِين: الـماء الظاهر.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ وَمَعِينٍ}: هو الـماء الظاهر.

وقال آخرون: عُنـي بـالقرار الثمار. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة:{ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } هي ذات ثمار، وهي بـيت الـمقدس.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله قَتادة فـي معنى: {ذَاتِ قَرَارٍ } وإن لـم يكن أراد بقوله: إنها إنـما وصفت بأنها ذات قرار، لـما فـيها من الثمار، ومن أجل ذلك يستقرّ فـيها ساكنوها، فلا وجه له نعرفه. وأما{ مَعِينٍ } فإنه مفعول من عِنْته فأنا أعينه، وهو معين وقد يجوز أن يكون فعيلاً من مَعَن يـمعن، فهو معين من الـماعون ومنه قول عَبـيد بن الأبرص:

وَاهِيَةٌ أوْ مَعِينٌ مُـمْعِنٌ أوْ هَضْبَةٌ دُونَها لُهُوبُ

يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعْمَلُوا۟ صَٰلِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ۝٥١

يقول تعالـى ذكره: وقلنا لعيسى: يا أيها الرسل كلوا من الـحلال الذي طيّبه الله لكم دون الـحرام، {وَاعْمَلُوا صَالِـحاً} تقول فـي الكلام للرجل الواحد: أيها القوم كفوا عنَّا أذاكم، وكما قال:{ الَّذِينَ قَالَ لهم النَّاسُ}، وهو رجل واحد.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي ابن عبد الأعلـى بن واصل، قال: ثنـي عبـيد بن إسحاق الضبـيّ العطار، عن حفص بن عمر الفزاريّ، عن أبـي إسحاق السبـيعيّ، عن عمرو بن شرحبـيـل:{ يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبـاتِ وَاعْمَلُوا صَالـحاً} قال: كان عيسى ابن مريـم يأكل من غزل أمه.

وقوله:{ إنّـي بِـمَا تَعْمَلُونَ عَلِـيـمٌ} يقول: إنـي بأعمالكم ذو علـم، لا يخفـى علـيّ منها شيء، وأنا مـجازيكم بجميعها، وموفِّـيكم أجوركم وثوابكم علـيها، فخذوا فـي صالـحات الأعمال واجتهدوا.

وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ ۝٥٢

اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {وَإنَّ هَذِهِ أمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحدَةً}، فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة: «وأنَّ» بـالفتـح، بـمعنى: إنـي بـما تعملون علـيـم، وأن هذه أمتكم أمة واحدة. فعلـى هذا التأويـل «أنّ» فـي موضع خفض، عطف بها علـى «ما» من قوله:{ بِـما تَعْمَلُونَ}، وقد يحتـمل أن تكون فـي موضع نصب إذا قرىء ذلك كذلك، ويكون معنى الكلام حينئذٍ: واعلـموا أن هذه، ويكون نصبها بفعل مضمر. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين بـالكسر: {وَإنَّ} هذه علـى الاستئناف. والكسر فـي ذلك عندي علـى الابتداء هو الصواب، لأن الـخبر من الله عن قـيـله لعيسى:{ يا أيُّها الرُسُلُ} مبتدأ، فقوله: {وَإنَّ هَذِهِ } مردود علـيه عطفـاً به علـيه فكان معنى الكلام: وقلنا لعيسى: يا أيها الرسل كلوا من الطيبـات، وقلنا: وإن هذه أمتكم أمة واحدة. وقـيـل: إن الأمة الذي فـي هذا الـموضع: الدِّين والـملة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، فـي قوله:{ وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمُ أُمَّةً وَاحِدَةً} قال: الـملة والدين.

وقوله:{ وأنا رَبُّكُمْ فـاتَّقُونِ } يقول: وأنا مولاكم فـاتقون بطاعتـي تأمنوا عقابـي. ونصبت «أمة واحدة» علـى الـحال. وذُكر عن بعضهم أنه قرأ ذلك رفعاً. وكان بعض نـحويِّـي البصرة يقول: رَفْع ذلك إذا رفع علـى الـخبر، ويجعل أمتكم نصبـاً علـى البدل من هذه. وأما نـحويّو الكوفة فـيأبُون ذلك إلاَّ فـي ضرورة شعر، وقالوا: لا يقال: مررت بهذا غلامكم لأن «هذا» لا تتبعه إلاَّ الألف واللام والأجناس، لأن «هذا» إشارة إلـى عدد، فـالـحاجة فـي ذلك إلـى تبـيـين الـمراد من الـمشار إلـيه أيّ الأجناس هو؟ وقالوا: وإذا قـيـل: هذه أمتكم واحدة، والأمة غائبة وهذه حاضرة، قالوا: فغير جائز أن يبـين عن الـحاضر بـالغائب، قالوا: فلذلك لـم يجز: إن هذا زيد قائم، من أجل أن هذا مـحتاج إلـى الـجنس لا إلـى الـمعرفة.

فَتَقَطَّعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍۭ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ۝٥٣

اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله:{ زُبُراً} فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والعراق:{ زُبُراً } بـمعنى جمع الزَّبور. فتأويـل الكلام علـى قراءة هؤلاء: فتفرّق القوم الذين أمرهم الله من أمة الرسول عيسى بـالاجتـماع علـى الدين الواحد والـملة الواحدة، دينهم الذي أمرهم الله بلزومه {زُبُراً } كُتُبـاً، فدان كل فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذين دان به الفريق الآخر، كالـيهود الذين زعموا أنهم دانوا بحكم التوراة وكذّبوا بحكم الإنـجيـل والقرآن، وكالنصارى الذين دانوا بـالإنـجيـل بزعمهم وكذّبوا بحكم الفرقان. ذكر من تأوّل ذلك كذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة{ زُبُراً} قال: كُتُبـاً.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ بَـيْنَهُمْ زُبُراً} قال: كُتُب الله فرّقوها قطعاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد: {فَتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ بَـيْنَهُمْ زُبُراً} قال مـجاهد: كُتُبهم فرّقوها قطعاً.

وقال آخرون من أهل هذه القراءة: إنـما معنى الكلام: فتفرّقوا دينهم بـينهم كُتُبـاً أحدثوها يحتـجّون فـيها لـمذاهبهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ فَتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ بَـيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حَزْبٍ بِـمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} قال: هذا ما اختلفوا فـيه من الأديان والكتب، كلّ معجبون برأيهم، لـيس أهل هواء إلاَّ وهم معجبون برأيهم وهواهم وصاحبهم الذي اخترق ذلك لهم.

وقرأ ذلك عامة قرّاء الشام: «فَتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ بَـيْنَهُمْ زُبَراً» بضم الزاء وفتـح البـاء، بـمعنى: فتفرّقوا أمرهم بـينهم قِطَعا كزُبَر الـحديد، وذلك القِطَع منها، واحدتها زُبْرة، من قول الله:

{ آتُونِـي زُبَرَ الـحَدِيد } فصار بعضهم يهوداً وبعضهم نصارى.

والقراءة التـي نـختار فـي ذلك: قراءة من قرأه بضم الزاء والبـاء، لإجماع أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك علـى أنه مراد به الكتب، فذلك يبـين عن صحة ما اخترنا فـي ذلك، لأن الزُّبُر هي الكتب، يقال منه: زَبَرْت الكتاب: إذ كتبته.

فتأويـل الكلام: فتفرّق الذين أمرهم الله بلزوم دينه من الأمـم دينهم بـينهم كتبـاً، كما بـيَّنا قبل.

وقوله:{ كُلُّ حَزْبٍ بِـمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } يقول: كل فريق من تلك الأمـم بـما اختاروه لأنفسهم من الدين والكتب فرحون، معجبون به، لا يرون أن الـحقّ سواه. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ كُلُّ حَزْبٍ بِـمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } قطعة، وهؤلاء هم أهل الكتاب.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد:{ كُلُّ حِزْبٍ } قطعة، أهل الكتاب.

فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ ۝٥٤ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ۝٥٥ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ ۝٥٦

قال أبو جعفر: يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: فدع يا مـحمد هؤلاء الذين تقطَّعوا أمرهم بـينهم زبراً، {فـي غَمْرَتِهِمْ} فـي ضلالتهم وغيهم، {حَتَّـى حِينٍ} يعنـي إلـى أجل سيأتـيهم عند مـجيئه عذابـي.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد: {فَذَرْهُمْ فِـي غَمْرَتِهِمْ حتـى حِينٍ } قال: فـي ضلالهم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ فَذَرْهُم فِـي غَمْرَتِهِمْ حتـى حِينٍ } قال: الغَمْرة: الغَمْر.

وقوله: {أيَحْسَبُونَ أنَّـما نُـمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِـينٍ } يقول تعالـى ذكره: أيحسب هؤلاء الأحزاب الذين فرقوا دينهم زُبُراً، أن الذي نعطيهم فـي عاجل الدنـيا من مال وبنـين{ نُسارِعُ لَهُمْ} يقول: نسابق لهم فـي خيرات الآخرة، ونبـادر لهم فـيها؟ و «ما» من قوله:{ أنَّـمَا نُـمِدُّهُمْ بهِ } نصب، لأنها بـمعنى «الذي».{ بَلْ لا يَشْعُرُونَ } يقول تعالـى ذكره تكذيبـاً لهم: ما ذلك كذلك، بل لا يعلـمون أن إمدادي إياهم بـما أمدّهم به من ذلك، إنـما هو إملاء واستدراج لهم.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ أنَّـمَا نُـمِدُّهُمْ} قال: نعطيهم، نسارع لهم، قال: نَزيدهم فـي الـخير، نُـمْلـي لهم، قال: هذا لقريش.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي مـحمد بن عمر بن علـيّ، قال: ثنـي أشعث بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن خالد الـحذّاء، قال: قلت لعبد الرحمن بن أبـي بكرة، قول الله:{ نُسارِعُ لَهُمُ فِـي الـخَيْرَاتِ}؟ قال: يسارع لهم فـي الـخيرات.

وكأن عبد الرحمن بن أبـي بكرة وجه بقراءته ذلك كذلك، إلـى أن تأويـله: يسارع لهم إمدادنا إياهم بـالـمال والبنـين فـي الـخيرات.

إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ ۝٥٧ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ۝٥٨ وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ۝٥٩

يعنـي تعالـى ذكره:{ إنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ } إن الذين هم من خشيتهم وخوفهم من عذاب الله مشفقون، فهم من خشيتهم من ذلك دائبون فـي طاعته جادّون فـي طلب مرضاته. {وَالَّذِينَ هُمْ بآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} يقول: والذين هم بآيات كتابه وحججه مصدّقون. {والذين هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ} يقول: والذين يُخـلصون لربهم عبـادتهم، فلا يجعلون له فـيها لغيره شركاً لوثَن ولا لصنـم، ولا يُراءون بها أحداً من خـلقه، ولكنهم يجعلون أعمالهم لوجهه خالصا، وإياه يقصدون بـالطاعة والعبـادة دون كل شيء سواه.

وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ ۝٦٠ أُو۟لَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَٰبِقُونَ ۝٦١

يعني تعالى ذكره بقوله:{ والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا} والذين يعطون أهل سُهْمان الصدقة ما فرض الله لهم فـي أموالهم.{ ما آتَوْا } يعنـي: ما أعطوهم إياه من صدقة، ويؤدّون حقوق الله علـيهم فـي أموالهم إلـى أهلها. {وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} يقول: خائفة من أنهم إلـى ربهم راجعون، فلا ينـجيهم ما فعلوا من ذلك من عذاب الله، فهم خائفون من الـمرجع إلـى الله لذلك، كما قال الـحسن: إن الـمؤمن جمع إحساناً وشفقة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبجر، عن رجل، عن ابن عمر:{ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} قال: الزكاة.

حدثنـي مـحمد بن عمارة، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، قال أخبرنا إسرائيـل، عن أبـي يحيى، عن مـجاهد: وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ قال: الـمؤمن ينفق ماله وقلبه وَجِلٌ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي الأشهب، عن الـحسن، قال:{ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } قال: يعملون ما عملوا من أعمال البرّ، وهم يخافون ألاَّ ينـجيهم ذلك من عذاب ربهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس:{ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} قال: الـمؤمن ينفق ماله ويتصدّق وقلبه وَجِل أنه إلـى ربه راجع.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن يونس، عن الـحسن أنه كان يقول: إن الـمؤمن جمع إحساناً وشفقة، وإن الـمنافق جمع إساءة وأمناً. ثم تلا الـحسن:{ إنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ } إلـى: {وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أنَّهُمْ إلـى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } وقال الـمنافق: إنـما أوتـيته علـى علـم عندي.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الـحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة:{ يُؤْتُونَ ما آتَوْا } قال: يُعطون ما أعطوا.{ وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } يقول: خائفة.

حدثنا خلاد بن أسلـم، قال: ثنا النضر بن شميـل، قال: أخبرنا إسرائيـل، قال: أخبرنا سالـم الأفطس، عن سعيد بن جبـير، فـي قوله:{ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} قال: يفعلون ما يفعلون وهم يعلـمون أنهم صائرون إلـى الـموت وهي من الـمبشِّرات.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة:{ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُم وَجِلَةٌ } قال: يُعْطُون ما أعطَوا ويعملون ما عملوا من خير، وقلوبهم وجلة خائفة.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

حدثنا علـيّ، قال: ثنـي معاوية، عن ابن عبـاس، قوله:{ وَالَّذِينَ يَأْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } يقول: يعملون خائفـين.

قال: حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} قال: يعطون ما أعطوا فَرَقاً من الله ووجلاً من الله.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ يُؤْتُونَ ما آتَوْا } ينفقون ما أنفقوا.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد:{ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} قال: يعطون ما أعطوا وينفقون ما أنفقوا ويتصدّقون بـما تصدّقوا وقلوبهم وجلة، اتقاء لسخط الله والنار.

وعلـى هذه القراءة، أعنـي علـى:{ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا} قرأه الأمصار، وبه رسوم مصاحفهم وبه نقرأ، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه ووفـاقه خطّ مصاحف الـمسلـمين.

ورُوي عن عائشة رضي الله عنها فـي ذلك، ما:

حدثناه أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا علـيّ بن ثابت، عن طلـحة بن عمر، عن أبـي خـلف، قال: دخـلت مع عبـيد بن عمير علـى عائشة، فسألها عبـيد: كيف نقرأ هذا الـحرف{ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا}؟ فقالت: «يَأْتُونَ ما أتَوْا».

وكأنها تأوّلت فـي ذلك والذين يفعلون ما يفعلون من الـخيرات وهم وجلون من الله. وكأنها تأوّلت فـي ذلك: والذين يفعلون ما يفعلون من الـخيرات وهم وجلون من الله، كالذي:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الـحكم بن بشير، قال: ثنا عمر بن قـيس، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب الهمدانـي، عن أبـي حازم، عن أبـي هريرة، قال: قالت عائشة: يا رسول الله «وَالَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أتَوْا وَقُلوبُهُم وَجِلَةٌ» هو الذي يذنب الذنب وهو وجل منه؟ فقال: «لا، وَلَكِنْ مَنْ يَصُومُ وَيُصَلِّـي ويَتَصَدَّقُ وَهُوَ وَجِلٌ».

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن مالك بن مِغْول، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، أن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله{ الَّذِينَ يَأْتُونَ ما أتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} أهم الذين يُذنبون وهم مشفقون وَيَصُومُونَ وَهُمْ مُشْفِقُونَ؟

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا لـيث، عن مغيث، عن رجل من أهل مكة، عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله: {الَّذِينَ يَأْتُونَ ما أتَوْا وَقلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} قال: فذكر مثل هذا.

حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن مالك بن مغول، عن عبد الرحمن بن سعيد، عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله {الَّذِينَ يَأْتُونَ ما أتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} أهو الرجل يزنى ويسرق ويشرب الـخمر؟ قال:

لا يا ابْنَةَ أبـي بَكْرٍ أو يا ابْنَةَ الصّدّيقِ وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّـي وَيَتَصَدَّقُ، وَيخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنْهُ

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي جرير، عن لـيث بن أبـي سلـيـم، وهشيـم عن العوّام بن حَوْشب جميعاً، عن عائشة، أنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

يا ابْنَةَ أبـي بَكْرٍ أو يا بْنَةَ الصِّدِّيقِ هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ وَيَفْرَقُونَ أنْ لا يُتَقَبَّلَ منْهُمْ و «أنّ» من قوله:{ أنَّهُمْ إلـى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}: فـي موضع نصب، لأن معنى الكلام:{ وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} من أنهم، فلـما حذفت «مِنْ» اتصل الكلام قبلها، فنصبت. وكان بعضهم يقول: هو فـي موضع خفض، وإن لـم يكن الـخافض ظاهراً

وقوله:{ أُولَئِكَ يُسارِعُونَ فِـي الـخَيْرَاتِ } يقول تعالـى ذكره: هؤلاء الذين هذه الصفـات صفـاتهم، يبـادرون فـي الأعمال الصالـحة ويطلبون الزلفة عند الله بطاعته. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ أُولَئكَ يُسارِعُونَ فِـي الـخَيْرَاتِ}.

وقوله: {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} كان بعضهم يقول: معناه: سبقت لهم من الله السعادة، فذلك سبوقهم الـخيرات التـي يعملونها. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{ وَهُمْ لَها سَابِقُونَ } يقول: سبقت لهم السعادة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَهُمْ لَهَا سابِقُونَ}، فتلك الـخيرات.

وكان بعضهم يتأوّل ذلك بـمعنى: وهم إلـيها سابقون. وتأوّله آخرون: وهم من أجلها سابقون.

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب القول الذي قاله ابن عبـاس، من أنه سبقت لهم من الله السعادة قبل مسارعتهم فـي الـخيرات، ولـما سبق لهم من ذلك سارعوا فـيها.

وإنـما قلت ذلك أولـى التأويـلـين بـالكلام لأن ذلك أظهر معنـيـيه، وأنه لا حاجة بنا إذا وجهنا تأويـل الكلام إلـى ذلك، إلـى تـحويـل معنى «اللام» التـي فـي قوله:{ وَهُمْ لَهَا} إلـى غير معناها الأغلب علـيها.

وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَٰبٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ۝٦٢

يقول تعالـى ذكره: ولا نكلف نفساً إلاَّ ما يَسَعها ويصلـح لها من العبـادة ولذلك كلَّفناها ما كلفناها من معرفة وحدانـية الله، وشرعنا لها ما شرعنا من الشرائع.{ وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بـالـحَقّ} يقول: وعندنا كتاب أعمال الـخـلق بـما عملوا من خير وشرّ{ يَنْطِقُ بِـالْـحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَـمُونَ } يقول: يبـين بـالصدق عما عملوا من عمل فـي الدنـيا، لا زيادة علـيه ولا نقصان، ونـحن موفو جميعهم أجورهم، الـمـحسن منهم بإحسانه والـمسيء بإساءته. {وَهُمْ لا يُظْلَـمُونَ } يقول: وهم لا يظلـمون، بأن يزاد علـى سيئات الـمسيء منهم ما لـم يعمله فـيعاقب علـى غير جُرْمه، وينقص الـمـحسن عما عمل من إحسانه فـينقص عما له من الثواب.

بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مِّنْ هَٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَٰلٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَٰمِلُونَ ۝٦٣

يقول تعالـى ذكره: ما الأمر كما يحسب هؤلاء الـمشركون، من أن إمدادناهم بـما نـمدّهم به من مال وبنـين، بخير نسوقه بذلك إلـيهم والرضا منا عنهم ولكن قلوبهم فـي غمرة عمى عن هذا القرآن. وعنى بـالغمرة: ما غمر قلوبهم فغطاها عن فهم ما أودع الله كتابه من الـمواعظ والعبر والـحجج. وعنى بقوله:{ مِنْ هَذَا} من القرآن.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {فِـي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا} قال: فـي عَمًى من هذا القرآن.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، فـي قوله: {فِـي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا } قال: من القرآن.

وقوله: {ولَهُمْ أعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلكَ هُمْ لَهَا عامِلُونَ} يقول تعالـى ذكره: ولهؤلاء الكفـار أعمال لا يرضاها الله من الـمعاصي. {مِنْ دُونِ ذَلِكَ} يقول: من دون أعمال أهل الإيـمان بـالله وأهل التقوى والـخشية له.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بَزة، عن مـجاهد:{ولَهُمْ أعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلكَ هُمْ لَهَا عامِلُونَ } قال: الـخطايا.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ ولَهُمْ أعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلكَ} قال: الـحق.

حدثنا علـيّ بن سهل، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله:{ ولَهُمْ أعْمالٌ مِنْ دُونِ} ذلك قال: خطايا من دون ذلك الـحقّ.

قال: ثنا حجاج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع بن أنس، عن أبـي العالـية، فـي قوله: {ولَهُمْ أعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلكَ... } الآية، قال: أعمال دُون الـحق.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، قال: ذكر الله الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، ثم قال للكفـار:{ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِـي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا ولَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلكَ هُمْ لَهَا عامِلُونَ} قال: من دون الأعمال التـي منها قوله:{ مِنْ خَشْيَة رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} والذين، والذين.

حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن العلاء بن عبد الكريـم، عن مـجاهد، قال: أعمال لا بدّ لهم من أن يعملوها.

حدثنا علـيّ بن سهل، قال: ثنا زيد بن أبـي الزرقاء، عن حماد بن سلـمة، عن حميد، قال: سألت الـحسن عن قول الله:{ ولَهُمْ أعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلكَ هُمْ لَهَا عامِلُونَ } قال: أعمال لـم يعملوها سيعملونها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ ولَهُمْ أعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلكَ هُمْ لَهَا عامِلُونَ} قال: لـم يكن له بدّ من أن يستوفـي بقـية عمله، ويَصْلَـى به.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، عن الثوريّ، عن العلاء بن عبد الكريـم، عن مـجاهد، فـي قوله:{ ولَهُمْ أعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلكَ هُمْ لَهَا عامِلُونَ } قال: أعمال لا بدّ لهم من أن يعملوها.

حدثنا عمرو، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن العلاء بن عبد الكريـم، عن مـجاهد، فـي قول الله تبـارك وتعالـى: {ولَهُمْ أعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلكَ} قال: أعمال لا بدّ لهم من أن يعملوها.

حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْـَٔرُونَ ۝٦٤ لَا تَجْـَٔرُوا۟ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ ۝٦٥

يقول تعالـى ذكره: ولهؤلاء الكفـار من قريش أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، إلـى أن يؤخذ أهل النّعمة والبطر منهم بـالعذاب. كما:

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد:{ إذَا أخَذْنا مُتْرَفِـيهِمْ بـالعَذابِ}، قال: الـمُتْرَفُون: العظماء.{ إذَا هُمْ يَجْئَرُونَ} يقول: فإذا أخذناهم به جأروا، يقول: ضجُّوا واستغاثوا مـما حلّ بهم من عذابنا.

ولعلّ الـجُؤار: رفع الصوت، كما يجأر الثور ومنه قول الأعشى:

يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ الـمَلِـي كِ طَوْرا سُجُودا وَطَوْرا جُؤَارَ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس:{ إذَا هُمْ يَجأَرُونَ } يقول: يستغيثون.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفـيان، عن علقمة بن قردد، عن مـجاهد، فـي قوله:{ حتـى إذَا أخَذْنا مُتْرَفِـيهم بـالعَذَابِ إذَا هُمْ يَجْأَرُونَ } قال: بـالسيوف يوم بدر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع بن أنس، فـي قوله:{ إذَا هُمْ يَجْأَرُونَ } قال: يجزعون.

قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج:{ حتـى إذَا أخَذْنا مُتْرَفِـيهمْ بـالعَذَابِ } قال: عذاب يوم بدر. {إذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} قال: الذين بـمكة.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ حتَّـى إذَا أخَذْنا مُتْرَفِـيهِمْ بـالعَذَابِ } يعنـي أهل بدر، أخذهم الله بـالعذاب يوم بدر.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول فـي قوله: {إذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} قال: يجزعون.

وقوله:{ لا تَـجْأَرُوا الـيَوْمَ } يقول: لا تضجُّوا وتستغيثوا الـيوم وقد نزل بكم العذاب الذي لا يدفع عن الذين ظلـموا أنفسهم، فإن ضجيجكم غير نافعكم ولا دافع عنكم شيئاً مـما قد نزل بكم من سخط الله. {إنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ} يقول: إنكم من عذابنا الذي قد حلّ بكم لا تستنقذون، ولا يخـلصكم منه شيء.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع بن أنس:{ لا تَـجْأَرُوا الـيَوْمَ}: لا تـجزعوا الـيوم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا الربـيع بن أنس:{ لا تَـجْأَرُوا الـيَوْمَ } لا تـجزعوا الآن حين نزل بكم العذاب، إنه لا ينفعكم، فلو كان هذا الـجزع قبلُ نفعكم.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ