انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النمل

تفسير الطبريالآيات 25–40

تفسير سورة النمل آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النمل

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 59:29

  1. 1 الآيات 1–26في هذه الصفحة 16:04
  2. 2 الآيات 27–55في هذه الصفحة 19:27

التفسير الصوتي لسورة النمل كاملًا (4 مقاطع)

أَلَّا يَسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۝٢٥ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ ۝٢٦

اختلف القرّاء، فـي قراءة قوله {ألاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ} فقرأ بعض الـمكيـين وبعض الـمدنـيـين والكوفـيـين «ألاَ» بـالتـخفـيف، بـمعنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فأضمروا «هؤلاء» اكتفـاء بدلاة «يا» علـيها. وذكر بعضهم سماعا من العرب: ألا يا ارحمنا، ألا يا تصدّق علـينا واستشهد أيضا ببـيت الأخطل:

ألا يا اسْلَـمي يا هِنْدُ هنْدَ نَبِـي بَدرِوَإنْ كانَ حَيَّانا عِدا آخِرَ الدَّهْرِ

فعلـى هذه القراءة اسجدوا فـي هذا الـموضع جزم، ولا موضع لقوله «ألا» فـي الإعراب. وقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والكوفة والبصرة {ألاَّ يَسْجُدوا} بتشديد ألاَّ، بـمعنى: وزيَّن لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا لله «ألاَّ» فـي موضع نصب لـما ذكرت من معناه أنه لئلا، ويسجدوا فـي موضع نصب بأن.

والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان مستفـيضتان فـي قراءة الأمصار قد قرأ بكلّ واحدة منهما علـماء من القرّاء مع صحة معنـيـيهما.

واختلف أهل العربـية فـي وجه دخول «يا» فـي قراءة من قرأه علـى وجه الأمر، فقال بعض نـحويـي البصرة: من قرأ ذلك كذلك، فكأنه جعله أمراً، كأنه قال لهم: اسجدوا، وزاد «يا» بـينهما التـي تكون للتنبـيه، ثم أذهب ألف الوصل التـي فـي اسجدوا، وأذهبت الألف التـي فـي «يا» لأنها ساكنة لقـيت السين، فصار ألا يسجدوا. وقال بعض نـحويـي الكوفة: هذه «يا» التـي تدخـل للنداء يكتفـي بها من الاسم، ويكتفـي بـالاسم منها، فتقول: يا أقبل، وزيد أقبل، وما سقط من السواكن فعلـى هذا.

ويعنـي بقوله: {يُخْرِجُ الـخَبْءَ} يخرج الـمخبوء فـي السموات والأرض من غيث فـي السماء، ونبـات فـي الأرض ونـحو ذلك. وبـالذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل، وإن اختلفت عبـارتهم عنه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن ابن جُرَيج، قراءة عن مـجاهد {يُخْرِجُ الـخَبْءَ فـي السَّمَوَات} قال: الغيث.

حدثنـي مـحمد بن عمر، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {يُخْرِجُ الـخَبْءَ} قال: الغيث.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {الَّذِي يُخْرِجُ الـخَبْءَ فِـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ} قال: خبء السماء والأرض: ما جعل الله فـيها من الأرزاق، والـمطر من السماء، والنبـات من الأرض، كانتا رتقا، لا تـمطر هذه ولا تنبت هذه، ففتق السماء، وأنزل منها الـمطر، وأخرج النبـات.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن حكيـم ابن جابر، فـي قوله: {ألاَّ يَسْجُدُوا لِلَّه الَّذِي يُخْرِجُ الـخَبْءَ فِـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ} ويعلـم كلّ خفـية فـي السموات والأرض.

حدثنـي مـحمد بن عمارة، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أُسامة بن زيد، عن معاذ بن عبد الله، قال: رأيت ابن عبـاس علـى بغلة يسأل تبعا ابن امرأة كعب: هل سألت كعبـا عن البذر تنبت الأرضُ العامَ لـم يصب العام الآخر؟ قال: سمعت كعبـا يقول: البذر ينزل من السماء ويخرج من الأرض، قال: صدقت.

قال أبو جعفر: إنـما هو تبـيع، ولكن هكذا قال مـحمد. وقـيـل: يخرج الـخَبْءَ فـي السموات والأرض، لأن العرب تضع «مِن» مكان «فـي» و «فـي» مكان «من» فـي الاستـخراج {ويَعَلَـمُ ما تُـخْفُونَ ومَا تُعْلِنُونَ} يقول: ويعلـم السرّ من أمور خـلقه، هؤلاء الذين زين لهم الشيطان أعمالهم والعلانـية منها، وذلك علـى قراءة من قرأ ألاَّ بـالتشديد. وأما علـى قراءة من قرأ بـالتـخفـيف فإن معناه: ويعلـم ما يسره خـلقه الذين أمرهم بـالسجود بقوله: «ألا يا هؤلاء اسجدوا». وقد ذكر أن ذلك فـي قراءة أُبـيّ: «وألاَّ تَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يَعْلَـمُ سرَّكُمْ ومَا تُعْلِنُونَ».)

وقوله: {اللَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ رَب العَرْشِ العَظِيـمِ} يقول تعالـى ذكره: الله الذي لا تصلـح العبـادة إلا له، لا إله إلا هو، لا معبود سواه تصلـح له العبـادة، فأخـلصوا له العبـادة، وأفردوه بـالطاعة، ولا تشركوا به شيئا {رَبُّ العَرْشِ العَظِيـمِ} يعنـي بذلك: مالك العرش العظيـم الذي كل عرش، وإن عظم، فدونه، لا يُشبهه عرش ملكة سبأ ولا غيره.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {أحَطْتُ بِـمَا لَـمْ تُـحِطْ بِهِ} إلـى قوله {لا إلَه إلاَّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيـمِ} هذا كله كلام الهدهد.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق بنـحوه.

قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ ۝٢٧ ٱذْهَب بِّكِتَٰبِى هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ۝٢٨

يقول تعالـى ذكره: {قالَ} سلـيـمان للهدهد: {سَنَنْظُرُ} فـيـما اعتذرت به من العذر، واحتـججت به من الـحجة لغيبتك عنا، وفـيـما جئتنا به من الـخير {أصَدَقْتَ} فـي ذلك كله {أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِـينَ} فـيه {اذْهَبْ بكِتابِـي هذَا فأَلْقْهِ إِلَـيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فـانْظُرْ ماذَا يَرْجِعُونَ}.

فـاختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك فقال بعضهم: معناه: اذهب بكتابـي هذا، فألقه إلـيهم، فـانظر ماذا يَرْجِعون، ثم تولّ عنهم منصرفـاً إلـيّ، فقال: هو من الـمؤخَّر الذي معناه التقديـم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: فأجابه سلـيـمان، يعنـي أجاب الهدهد لَـمّا فرغ: {قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِـينَ. اذْهَبْ بكِتابِـي هَذَا فَألْقِهْ إلَـيْهِمْ} وانظر ماذا يرجعون، ثم تولّ عنهم منصرفـاً إلـيّ. وقال: وكانت لها كَوّة مستقبلةُ الشمس، ساعة تطلع الشمس تطلع فـيها فتسجد لها، فجاء الهدهد حتـى وقع فـيها فسدّها، واستبطأت الشمس، فقامت تنظر، فرمى بـالصحيفة إلـيها من تـحت جناحه، وطار حتـى قامت تنظر الشمس.

قال أبو جعفر: فهذا القول من قول ابن زيد يدلّ علـى أن الهدهد تولـى إلـى سلـيـمان راجعاً، بعد إلقائه الكتاب، وأن نظره إلـى الـمرأة ما الذي ترجع وتفعل كان قبل إلقائه كتاب سلـيـمان إلـيها.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: اذهب بكتابـي هذا فألقه إلـيهم، ثم تولّ عنهم، فكن قريبـاً منهم، وانظر ماذا يرجعون قالوا: وفعل الهدهد، وسمع مراجعة الـمرأة أهل مـملكتها، وقولها لهم:

{ إنّـي أُلْقِـيَ إلـيَّ كِتابٌ كَرِيـمٌ، إنَّهُ مِنْ سُلَـيْـمانَ، وَإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيـمِ }وما بعد ذلك من مراجعة بعضهم بعضاً.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه، قوله: {فَأَلْقِهْ إلَـيْهمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ}: أي كن قريبـاً {فـانْظُرْ ماذَا يَرْجِعُونَ}. وهذا القول أشبه. بتأويـل الآية، لأن مراجعة الـمرأة قومها، كانت بعد أن ألقـي إلـيها الكتاب، ولـم يكن الهدهد لـينصرف وقد أُمر بأن ينظر إلـى مراجعة القوم بـينهم ما يتراجعونه قبل أن يفعل ما أمره به سليمان.

قَالَتْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ إِنِّىٓ أُلْقِىَ إِلَىَّ كِتَٰبٌ كَرِيمٌ ۝٢٩ إِنَّهُۥ مِن سُلَيْمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ۝٣٠ أَلَّا تَعْلُوا۟ عَلَىَّ وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ ۝٣١

يقول تعالـى ذكره: فذهب الهدهد بكتاب سلـيـمان إلـيها، فألقاه إلـيها فلـما قرأته قالت لقومها: {يا أيُّها الـمَلأُ إنّـي أُلْقِـيَ إلـيَّ كِتابٌ كَرِيـمٌ}. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـيـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه، قال: كتب، يعنـي سلـيـمان بن داود مع الهدهد: بسم الله الرحمن الرحيـم، من سلـيـمان بن داود، إلـى بلقـيس بنت ذي سرح وقومها، أما بعد، فلا تعلوا علـيّ وأتونـي مسلـمين، قال: فأخذ الهدهد الكتاب برجله، فـانطلق به حتـى أتاها، وكانت لها كوّة فـي بـيتها إذا طلعت الشمس نظرت إلـيها، فسجدت لها، فأتـى الهدهد الكوّة فسدّها بجناحيه حتـى ارتفعت الشمس ولـم تعلـم، ثم ألقـى الكتاب من الكوّة، فوقع علـيها فـي مكانها الذي هي فـيه، فأخذته.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قَتادة، قال: بلغنـي أنها امرأة يقال لها بلقـيس، أحسبه قال: ابنة شراحيـل، أحد أبويها من الـجنّ، مؤخر أحد قدميها كحافر الدابة، وكانت فـي بـيت مـملكة، وكان أولو مشورتها ثلاث مئة واثنـي عشر كلّ رجل منهم علـى عشرة آلاف، وكانت بأرض يقال لها مأرب، من صنعاء علـى ثلاثة أيام فلـما جاء الهدهد بخبرها إلـى سلـيـمان بن داود، كتب الكتاب وبعث به مع الهدهد، فجاء الهدهد وقد غَلَّقت الأبواب، وكانت تغلِّق أبوابها وتضع مفـاتـيحها تـحت رأسها، فجاء الهدهد فدخـل من كوّة، فألقـى الصحيفة علـيها، فقرأتها، فإذا فـيها: {إنَّهُ مِنْ سُلَـيْـمانَ وَإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيـمِ أَلاَّ تَعْلُوا عَلـيَّ وأتُونِـي مُسْلِـمِينَ} وكذلك كانت تكتب الأنبـياء لا تطنب، إنـما تكتب جملاً.

قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: لـم يزد سلـيـمان علـى ما قصّ الله فـي كتابه: إنه وإنه.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {اذْهَبْ بكِتابِـي هَذَا فأَلْقه إلَـيْهِمْ}: فمضى الهدهد بـالكتاب، حتـى إذا حاذى الـملكة وهي علـى عرشها ألقـى إليها الكتاب.

وقوله: {قالَتْ يا أيُّها الـمَلأُ إنّـي أُلْقِـيَ إلـيَّ كِتابٌ كَرِيـمٌ} والـملأ: أشراف قومها. يقول تعالـى ذكره: قالت ملكة سبأ لأشراف قومها: {يا أيُّها الـمَلأُ إنّـي ألْقِـيَ إلـيَّ كِتابٌ كَرِيـمٌ}.

واختلف أهل العلـم فـي سبب وصفها الكتاب بـالكريـم، فقال بعضهم: وصفته بذلك لأنه كان مختوماً: وقال آخرون: وصفته بذلك لأنه كان من ملك فوصفته بـالكرم لكرم صاحبه. ومـمن قال ذلك ابن زيد.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {إنّـي أُلْقِـيَ إلـيَّ كِتابٌ كَرِيـمٌ} قال: هو كتاب سلـيـمان حيث كتب إلـيها.

وقوله {إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وَإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيـمِ} كُسِرت إن الأولـى والثانـية علـى الردّ علـى «إنـي» من قوله: {إنّـي أُلْقِـيَ إلـيَّ كِتابٌ كَرِيـمٌ}. ومعنى الكلام: قالت: يا أيها الـملأ إنـي ألقـي إلـيّ كتاب، وإنه من سلـيـمان.

وقوله {أَلاَّ تَعْلُوا عَلـيَّ وأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ} يقول: ألقـي إلـيّ كتاب كريـم ألا تعلوا علـيّ.

ففـي «أنْ» وجهان من العربـية: إن جعلت بدلاً من الكتاب كانت رفعا بـما رفع به الكتاب بدلاً منه وإن جعل معنى الكلام: إنى ألقـى إلـيّ كتاب كريـم أن لا تعلو علـيّ كانت نصبـاً بتعلق الكتاب بها.

وعنى بقوله: {أَلاَّ تَعْلُوا عَلَـيَّ}: أن لا تتكبروا ولا تتعاظموا عما دعوتكم إلـيه. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {أَلاَّ تَعْلُوا عَلـيَّ}: أن لا تتـمنعوا من الذي دعوتكم إلـيه إن امتنعتـم جاهدتكم. فقلت لابن زيد: {أنْ لا تَعْلُوا عَلـيَّ} أن لا تتكبروا علـيّ؟ قال: نعم قال: وقال ابن زيد: {أَلاَّ تَعْلوا عَلـيَّ وأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ} ذلك فـي كتاب سلـيـمان إلـيها. وقوله: {وأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ} يقول: وأقبلوا إلـيّ مذعنـين لله بـالوحدانـية والطاعة.

قَالَتْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ أَفْتُونِى فِىٓ أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ ۝٣٢ قَالُوا۟ نَحْنُ أُو۟لُوا۟ قُوَّةٍ وَأُو۟لُوا۟ بَأْسٍ شَدِيدٍ وَٱلْأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ ۝٣٣

يقول تعالـى ذكره: قالت ملكة سبأ لأشراف قومها: {يا أيُّها الـمَلأ أَفْتُونِـي فِـي أمْرِي} تقول: أشيروا علـيّ فـي أمري الذي قد حضرنـي من أمر صاحب هذا الكتاب الذي ألقـي إلـيّ، فجعلت الـمشورة فتـيا.

وقوله: {ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْراً حتـى تَشْهَدُونِ} تقول: ما كنت قاضية أمراً فـي ذلك حتـى تشهدون، فأشاوركم فـيه. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: دعت قومها تشاورهم {أيُّها الـمَلأُ أفْتُونِـي فـي أمْرِي، ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْراً حتـى تَشْهَدُونِ} يقول فـي الكلام: ما كنت لأقطع أمرا دونك ولا كنت لأقضي أمراً، فلذلك قالت: {ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْراً} بـمعنى: قاضية.

وقوله: {قالُوا نَـحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بأْسٍ شَدِيدٍ} يقول تعالـى ذكره: قال الـملأ من قوم مَلِكة سبأ، إذ شاورتهم فـي أمرها وأمر سلـيـمان: نـحن ذوو القوّة علـى القتال، والبأس الشديد فـي الـحرب، والأمر أيتها الـملكة إلـيك فـي القتال وفـي تركه، فـانظري من الرأي ما ترين، فَمُرِينا نأتـمرْ لأمرك. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {قالُوا نَـحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ} عرضوا لها القتال، يقاتلون لها، والأمر إلـيك بعد هذا، {فـانْظُرِي ماذَا تَأْمُرِينَ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مـجاهد، قال: كان مع ملكة سبأ اثنا عشر ألف قـيول، مع كلّ قـيول مئة ألف.

حدثنا عمرو بن علـيّ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفـيان، عن عطاء بن السائب، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، قال: كان مع بلقـيس مئة ألف قَـيْـل، مع كل قَـيْـل مئة ألف.

قال: ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، قال: سمعت مـجاهداً يقول: كانت تـحت يد ملكة سبأ اثنا عشر ألف قـيول والقـيول بلسانهم: الـملك تـحت يد كلّ مَلِكٍ مئة ألف مقاتل.

قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا۟ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوٓا۟ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ ۝٣٤

يقول تعالـى ذكره: قالت صاحبة سبأ للـملأ من قومها، إذا عرضوا علـيها أنفسهم لقتال سلـيـمان، إن أَمَرَتَهم بذلك: {إنَّ الـمُلُوكَ إذَا دَخَـلُوا قَرْيَةً} عَنْوةً وغَلَبةً {أفْسَدُوها} يقول: خرّبوها {وَجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً} وذلك بـاستعبـادهم الأحرار، واسترقاقهم إياهم وتناهى الـخبر منها عن الـملوك فـي هذا الـموضع، فقال الله: {وكذلكَ يَفْعَلُونَ} يقول تعالـى ذكره: وكما قالت صاحبة سبأ تفعل الـملوك، إذا دخـلوا قرية عَنْوة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا أبو بكر، فـي قوله: {وَجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً} قال أبو بكر: هذا عَنْوَة.

حدثنا أبو هشام الرفـاعي، قال: ثنا أبو بكر، قال: ثنا الأعمش، عن مسلـم، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {إنَّ الـمُلُوكَ إذَا دَخَـلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها} قال: إذا دخـلوها عَنْوَة خرّبوها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عبـاس {قالَتْ إنَّ الـمُلُوكَ إذَا دَخَـلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وَجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً} قال ابن عبـاس: يقول الله: {وكذلكَ يَفْعَلُونَ}.

وَإِنِّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌۢ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ ۝٣٥ فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَٰنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ۝٣٦ ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَٰغِرُونَ ۝٣٧

ذكر أنها قالت: إنـي مرسلة إلـي سلـيـمان، لتـختبره بذلك وتعرفه به، أملك هو، أم نبـيّ؟ وقالت: إن يكن نبـيا لـم يقبل الهدية، ولـم يرضه منا، إلا أن نتبعه علـى دينه، وإن يكن ملكاً قبل الهدية وانصرف. ذكر الرواية عمن قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قالت: {وإنّـي مُرْسلَةٌ إلَـيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِـمَ يَرْجِعُ الـمُرْسَلُونَ} قال: وبعثت إلـيه بوصائف ووصفَـاء، وألبستْهم لبـاساً واحداً حتـى لا يعرف ذكر من أنثى، فقالت: إن زيَّـل بـينهم حتـى يعرف الذكر من الأنثى، ثم ردّ الهدية فإنه نبـيّ، وبنبغي لنا أن نترك ملكنا، ونتَّبع دينه، ونلـحق به.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد قوله: {وإنّـي مُرْسِلَةٌ إلَـيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} قال: بجوارٍ لبـاسهم لبـاس الغلـمان، وغلـمان لبـاسهم لبـاس الـجواري.

حدثنا القامس، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قولها: {وَإنّـي مُرْسِلَةٌ إلَـيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} قال: مئتـي غلام ومئتـي جارية. قال ابن جُرَيج، قال مـجاهد: قوله {بِهَدِيَّةٍ} قال: جوار ألبستهنّ لبـاس الغلـمان، وغلـمان ألبستهم لبـاس الـجواري.

قال ابن جُرَيج: قال (مـجاهد): قالت: فإن خـلَّص الـجواري من الغلـمان، وردّ الهدية فإنه نبـيّ، وينبغي لنا أن نتَّبعه.

قال ابن جُرَيج، قال مـجاهد: فخـلَّص سلـيـمان بعضهم من بعض، ولـم يقبل هديتها.

قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا سفـيان، عن معمر، عن ثابت الـيُثانـيّ، قال: أهدت له صفـائح الذهب فـي أوعية الديبـاج فلـما بلغ ذلك سلـيـمان أمر الـجنّ فموّهوا له الآجرّ بـالذهب، ثم أمر به فألقـي فـي الطرق فلـما جاءوا فرأوه ملقـى ما يُـلتفت إلـيه، صغر فـي أعينهم ما جاءوا به.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:

{ إنَّ الـمُلُوكَ إذَا دَخَـلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها... }الآية، وقالت: إن هذا الرجل إن كان إنـما همته الدنـيا فسنرضيه، وإن كان إنـما يريد الدين فلن يقبلَ غيره {وإنّـي مُرْسِلَةٌ إلَـيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظرَةٌ بِـمَ يَرْجِعُ الـمُرْسَلُونَ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه، قال: كانت بلقـيس امرأة لبـيبة أديبة فـي بـيت ملك، لـم تـملك إلا لبقايا من مضى من أهلها، إنه قد سيست وساست حتـى أحكمها ذلك، وكان دينها ودين قومها فـيـما ذُكر الزنديقـية فلـما قرأت الكتاب سمعت كتابـاً لـيس من كتب الـملوك التـي كانت قبلها، فبعثت إلـى الـمَقَاولة من أهل الـيـمن، فقالت لهم:

{ يا أيُّها الـمَلاُ إنّـي أُلْقِـيَ إلـيَّ كِتابٌ كَرِيـمٌ، إنَّهُ مِنْ سُلَـيْـمانَ وَإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيـمِ، ألاَّ تَعْلُوا عَلـيَّ وأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ }إلـى قوله {بِـمَ يَرْجِعُ الْـمُرْسَلُونَ} ثم قالت: إنه قد جاءنـي كتاب لـم يأتنـي مثله من ملك من الـملوك قبله، فإن يكن الرجل نبـيا مرسلاً فلا طاقة لنا به ولا قوّة، وإن يكن الرجل ملكاً يكاثر، فلـيس بأعزّ منا، ولا أعدّ. فهيَّأت هدايا مـما يُهدَى للـملوك، مـما يُفتنون به، فقالت: إن يكن ملكاً فسيقبل الهدية ويرغب فـي الـمال، وإن يكن نبـياً فلـيس له فـي الدنـيا حاجة، ولـيس إياها يريد، إنـما يريد أن ندخـل معه فـي دينه ونتبعه علـى أمره، أو كما قالت.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وإنّـي مُرْسِلَةٌ إلَـيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} بعثت بوصائف ووصفـاء، لبـاسهم لبـاس واحد، فقالت: إن زيَّـل بـينهم حتـى يعرف الذكر من الأنثى، ثم ردّ الهدية فهو نبـيّ، وينبغي لنا أن نتَّبعه، وندخـل فـي دينه فزيَّـل سلـيـمان بـين الغلـمان والـجواري، وردّ الهدية، فقال: {أتُـمِدُّونَنِ بِـمَالٍ فَمَا آتانِـيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِـمَّا آتاكمْ}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كان فـي الهدايا التـي بعثت بها وصائف ووصفـاء يختلفون فـي ثـيابهم، لتـميـيز الغلـمان من الـجواري، قال: فدعا بـماء، فجعل الـجواري يتوضأن من الـمرفق إلـى أسفل، وجعل الغلـمان يتوضئون من الـمرفق إلـى فوق. قال: وكان أبـي يحدثنا هذا الـحديث.

حدثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا مروان بن معاوية، قال: ثنا إسماعيـل، عن أبـي صالـح {وَإنّـي مُرْسِلةٌ إلَـيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} قال: أرسلت بلبنة من ذهب، وقالت: إن كان يريد الدنـيا علـمته، وإن كان يريد الآخرة علـمته.

وقوله: {فَناظِرَةٌ بِـمَ يَرْجِعُ الْـمُرْسَلُونَ} تقول: فأنظر بأيّ شيء من خبره وفعله فـي هديتـي التـي أرسلها إلـيه ترجع رسلـي، أبقبول وانصراف عنا، أم بردّ الهدية والثبـات علـى مطالبتنا بـاتبـاعه علـى دينه؟ وأسقطت الألف من «ما» فـي قوله {بِـمَ} وأصله: بـما، لأن العرب إذا كانت «ما» بـمعنى: أي، ثم وصلوها بحرف خافض أسقطوا ألفها تفريقا بـين الاستفهام وغيره، كما قال جلّ ثناؤه

{ عَمَّ يَتَساءَلونَ }و { قَالُوا: فِـيـمَ كُنْتُـمْ }، وربـما أثبتوا فـيها الألف، كما قال الشاعر:

عَلامَا قَامَ يَشْتُـمُنِـي لَئِيـمٌكَخِنْزِيرٍ تَـمَرَّغَ فِـي تُرَابِ

وقالت {وإنّى مُرْسِلَةٌ إلَـيْهِمْ} وإنـما أرسلت إلـى سلـيـمان وحده علـى النـحو الذي بـيَّنا فـي قوله: { عَلـى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ }

وقوله: {فَلَـمَّا جاءَ سُلَـيْـمانَ قالَ أتُـمِدُّونَنِ بِـمَالٍ}.

إن قال قائل: وكيف قـيـل: {فَلَـمَّا جاءَ سُلَـيْـمانَ} فجعل الـخبر فـي مـجيء سلـيـمان عن واحد، وقد قال قبل ذلك {فَناظِرَةٌ بِـمَ يَرْجِعُ الـمُرْسَلُونَ} فإن كان الرسول كان واحداً، فكيف قـيـل {بِـمَ يَرْجِعُ الـمُرْسَلُونَ} وإن كانوا جماعة فكيف قـيـل: {فَلَـمَّا جَاءَ سُلـيْـمَانَ}؟ قـيـل: هذا نظير ما قد بـيَّنا قبل من إظهار العرب الـخبر فـي أمر كان من واحد علـى وجه الـخبر، عن جماعة إذا لـم يقصد قصد الـخبر عن شخص واحد بعينه، يُشار إلـيه بعينه، فسمي فـي الـخبر. وقد قـيـل: إن الرسول الذي وجَّهته ملكة سبأ إلـى سلـيـمان كان أمرأً واحداً، فلذلك قال: {فلَـمَّا جاءَ سُلَـيْـمانَ} يُراد به: فلـما جاء الرسول سلـيـمان واستدلّ قائلو ذلك علـى صحة ما قالوا من ذلك بقوله سلـيـمان للرسول: {ارْجِعْ إلَـيْهِمْ} وقد ذكر أن ذلك فـي قراءة عبد الله. فلـما جاءوا سلـيـمان علـى الـجمع، وذلك للفظ قوله: {بِـمَ يَرْجِعُ الـمُرْسَلُونَ} فصلـح الـجمع للفظ والتوحيد للـمعنى.

وقوله: {قال أتُـمِدُّونَنِ بِـمَالٍ} يقول: قال سلـيـمان لـما جاء الرسول من قبل الـمرأة بهداياها: أتـمدوننِ بـمال. واختلف القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء أهل الـمدينة «أتُـمِدُّنَنِـي» بنونـين، وإثبـات الـياء. وقرأه بعض الكوفـيـين مثل ذلك، غير أنه حذف الـياء من آخر ذلك وكسر النون الأخيرة. وقرأه بعض قرّاء البصرة بنونـين، وإثبـات الـياء فـي الوصل وحذفها فـي الوقـف. وقرأه بعض قرّاء الكوفة بتشديد النون وإثبـات الـياء. وكلّ هذه القراءات متقاربـات وجميعها صواب، لأنها معروفة فـي لغات العرب، مشهورة فـي منطقها.

وقوله: {فَمَا آتانِـيَ اللَّهُ خَيْرٌ مـمَّا آتاكُمْ} يقول: فما آتانـي الله من الـمال والدنـيا أكثر مـما أعطاكم منها وأفضل {بَلْ أنْتُـمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} يقول: ما أفرح بهديتكم التـي أهديتـم إلـيّ، بل أنتـم تفرحون بـالهدية التـي تُهدى إلـيكم، لأنكم أهل مفـاخرة بـالدنـيا، ومكاثرة بها، ولـيست الدنـيا وأموالها من حاجتـي، لأن لله تعالـى ذكره قد مكَّننـي منها وملَّكنـي فـيها ما لـم يُـمَلِّك أحداً {ارْجِعْ إلَـيْهِمْ} وهذا قول سلـيـمان لرسول الـمرأة {ارْجِعْ إلَـيْهِمْ فَلَنَأْتِـيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها} لا طاقة لهم بها ولا قدرة لهم علـى دفعهم عما أرادوا منهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه، قال: لـما أتت الهدايا سلـيـمان فـيها الوصائف والوُصفـاء، والـخيـل العراب، وأصناف من أصناف الدنـيا، قال للرسل. الذين جاءوا به: {أتُـمِدُّونَنِ بِـمَالٍ فَمَا آتَانِـيَ خَيْرٌ مِـمَّا آتاكُمْ بَلْ أنْتُـمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} لأنه لا حاجة لـي بهديتكم، ولـيس رأيـي فـيه كرأيكم، فـارجعوا إلـيها بـما جئتـم به من عندها، {فَلَنَأْتِـيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها}.

حدثنا عمرو بن عبد الـحميد، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن أبـي صالـح فـي قوله: {فَلَنَأْتِـيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها} قال: لا طاقة لهم بها.

وقوله {وَلَنُـخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أذِلَّةً وَهُمْ صَاغرُونَ} يقول: ولنـخرجنّ من أرسلكم من أرضهم أذلة وهم صاغرون إن لـم يأتونـي مسلـمين. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه: {وَلَنُـخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أذِلَّةً وَهُمْ صَاغرونَ}، أو لتأتـينـي مسلـمة هي وقومها.

قَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ ۝٣٨ قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ ۝٣٩ قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِىٓ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۦ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ ۝٤٠

اختلف أهل العلم فـي الـحين الذي قال فـيه سليمان {يا أيها الـمَلأُ أيُّكُمْ يَأْتِـينِـي بِعَرْشِها} فقال بعضهم: قال ذلك حين أتاه الهدهد بنبأ صاحبة سبأ، وقال له:

{ جئْتُكَ مِنْ سَبأ بِنَبأٍ يَقِـينٍ }وأخبره أن لها عرشا عظيـماً، فقال له سلـيـمان صلى الله عليه وسلم: { سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِـينَ }فكان اختبـاره صدقه من كذبه بأن قال لهؤلاء: أيكم يأتـينـي بعرش هذه الـمرأة قبل أن يأتونـي مسلـمين. وقالوا إنـما كتب سلـيـمان الكتاب مع الهدهد إلـى الـمرأة بعد ما صحّ عنده صدق الهدهد بـمـجيء العالـم بعرضها إلـيه علـى ما وصفه به الهدهد، قالوا: ولولا ذلك كان مـحالاً أن يكتب معه كتابـاً إلـى من لا يدري، هل هو فـي الدنـيا أم لا؟ قالوا: وأخرى أنه لو كان كتب مع الهدهد كتابـاً إلـى الـمرأة قبل مـجيء عرشها إلـيه، وقبل علـمه صدق الهدهد بذلك، لـم يكن لقوله له { سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذبِـينَ }معنى، لأنه لا يُـلِـم بخبره الثانـي من إبلاغه إياها الكتاب، أو ترك إبلاغه إياها ذلك، إلا نـحو الذي علـم بخبره الأوّل حين قال له: { جئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبإٍ يَقِـينٍ }قالوا: وإن لـم يكن فـي الكتاب معهم امتـحان صدقه من كذبه، وكان مـحالاً أن يقول نبـيّ الله قولاً لا معنى له وقد قال: { سَنَنْطُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِـينَ }علـم أن الذي امتـحن به صدق الهدهد من كذبه هو مصير عرش الـمرأة إلـيه، علـى ما أخبره به الهدهد الشاهد علـى صدقه، ثم كان الكتاب معه بعد ذلك إلـيها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: إن سلـيـمان أوتـي ملكاً، وكان لا يعلـم أن أحداً أوتـي ملكاً غيره فلـما فقد الهدهد سأله: من أين جئت؟ ووعده وعيداً شديداً بـالقتل والعذاب، قال:

{ جِئْتُكَ مِنْ سَبأٍ بِنَبأٍ يَقِـينٍ }قال له سلـيـمان: ما هذا النبأ؟ قال الهدهد: { إنّى وَجَدْتٌ امْرأةً }بسبأ { تَـمْلِكُهُمْ، وأُوتِـيَتْ مِنْ كُلّ شَيْءٍ، ولَهَا عَرْشٌ عَظِيـمٌ }فلـما أخبر الهدهد سلـيـمان أنه وجد سلطاناً، أنكر أن يكون لأحد فـي الأرض سلطان غيره، فقال لـمن عنده من الـجنّ والإنس: {يا أيُّها الـمَلأُّ أيُّكُمْ يَأْتِـينِـي بعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ؟ قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الـجِنّ أنا آتِـيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ، وإنّـي عَلَـيْهِ لَقَوِيّ أمِينٌ} قال سلـيـمان: أريد أعجل من ذلك {قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْـمٌ مِنَ الكِتابِ} وهو رجل من الإنس عنده علـم من الكتاب فـيه اسم الله الأكبر، الذي إذا دعي به أجاب: {أنا آتِـيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَـيْكَ طَرْفُكَ} فدعا بـالاسم وهو عنده قائم، فـاحتـمل العرش احتـمالاً حتـى وُضع بـين يدي سلـيـمان، والله صنع ذلك فلـما أتـى سلـيـمان بـالعرش وهم مشركون، يسجدون للشمس والقمر، أخبره الهدهد بذلك، فكتب معه كتابـاً ثم بعثه إلـيهم، حتـى إذا جاء الهدهد الـملكة ألقـى إلـيها الكتاب { قالَتْ يا أيُّها الـمَلأُ إنّـي أُلْقِـيَ إلـيَّ كِتابٌ كَرِيـمٌ... }إلـى { وأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ }فقالت لقومها ما قالت { وإنّـي مُرْسِلَةٌ إلَـيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِـمَ يَرْجِعُ الـمُرْسَلُونَ }قال: وبعثت إلـيه بوصائف ووصفـاء، وألبستهم لبـاساً واحداً، حتـى لا يعرف ذكر من أنثى، فقالت: إن زيَّـل بـينهم حتـى يعرف الذكر من الأنثى، ثم ردّ الهدية، فإنه نبـيّ، وينبغي لنا أن نترك ملكنا ونتَّبع دينه ونلـحق به، فردّ سلـيـمان الهدية وزيَّـل بـينهم، فقال: هؤلاء غلـمان، وهؤلاء جَوَارٍ، وقال: { أتُـمِدونَنِ بِـمَالٍ فَمَا آتانِـيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِـمَّا أتاكُمْ بَلْ أنْتُـمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تفْرَحُونَ... }إلـى آخر الآية.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:

{ إنّـي وَجَدْتُ امْرأةً تَـمْلِكُهُمْ... }الآية قال: وأنكر سلـيـمان أن يكون لأحد علـى الأرض سلطان غيره، قال لـمن حوله من الـجنّ والإنس: {أيُّكُمْ يَأْتِـينِـي بعَرْشِها...} الآية.

وقال آخرون: بل إنـما اختبر صدقَ الهدهدِ سلـيـمانُ بـالكتاب، وإنـما سأل من عنده إحضاره عرش الـمرأة بعد ما خرجت رسلها من عنده، وبعد أن أقبلت الـمرأة إلـيه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه، قال: لـما رجعت إلـيها الرسل بـما قال سلـيـمان: قالت: والله عرفت ما هذا بـملك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بـمكاثرته شيئا، وبعثت: إنـي قادمة علـيك بـملوك قومي، حتـى أنظر ما أمرك، وما تدعو إلـيه من دينك. ثم أمرت بسرير ملكها، الذي كانت تـجلس علـيه، وكان من ذهب مفصص بـالـياقوت والزبرجد واللؤلؤ، فجعل فـي سبعة أبـيات بعضها فـي بعض، ثم أقـفلت علـيه الأبواب. وكانت إنـما يخدمها النساء، معها ستّ مئة امرأة يخدمنها ثم قالت لـمن خـلفت علـى سلطانها، احتفظ بـما قِبَلك، وبسرير ملكي، فلا يخـلص إلـيه أحد من عبـاد الله، ولا يرينه أحد حتـى أتـيك ثم شخصت إلـى سلـيـمان فـي اثنـي عشر ألف قَـيْـلٍ معها من ملوك الـيـمن، تـحت يد كلّ قَـيْـلٍ منهم ألوف كثـيرة، فجعل سلـيـمان يبعث الـجنّ،. فـيأتونه بـمسيرها ومنتهاها كلّ يوم ولـيـلة، حتـى إذا دنت جمع مَن عنده من الـجنّ والإنس مـمن تـحت يده، فقال: {يا أيُّها الـمَلأُ أيُّكُمْ يَأْتِـينِـي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ}.

وتأويـل الكلام: قال سلـيـمان لأشراف من حضره من جنده من الـجنّ والإنس: {يا أيُّها الـمَلأُ أيُّكُمْ يَأْتِـينِـي بِعَرْشِها} يعنـي سريرها. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد قوله: {أيُّكُمْ يَأْتِـينِـي بعَرْشِها} قال: سرير فـي أريكة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قال: عرشها سرير فـي أريكة. قال ابن جُرَيج: سرير من ذهب، قوائمه من جوهر ولؤلؤ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه {أيُّكُمْ يَأْتِـينِـي بعَرْشِها}: بسريرها.

وقال ابن زيد فـي ذلك ما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: أيكُمْ يَأْتِـينِـي بعَرْشِها قال: مـجلسها.

واختلف أهل العلـم فـي السبب الذي من أجله خصّ سلـيـمان مسألة الـملأ من جنده إحضار عرش هذه الـمرأة من بـين أملاكها قبل إسلامها، فقال بعضهم: إنـما فعل ذلك لأنه أعجبه حين وصف له الهدهد صفته، وخشي أن تسلـم فـيحرُم علـيه مالها، فأراد أن يأخذ سريرها ذلك قبل أن يحرُم علـيه أخذه بإسلامها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قَتادة، قال: أخبر سلـيـمانَ الهدهدُ أنها قد خرجت لتأتـيه، وأخبر بعرشها فأعجبه. كان من ذهب وقوائمه من جوهر مكلَّل بـاللؤلؤ، فعرف أنهم إن جاءوه مسلـمين لـم تـحلّ لهم أموالهم، فقال للـجنّ: {أيُّكُمْ يَأْتِـينِـي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأتونِـي مُسْلِـمِينَ}.

وقال آخرون: بل فعل ذلك سلـيـمان لـيعاتبها به، ويختبر به عقلها، هل تثبته إذا رأته، أم تنكره؟ ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: أعلـم الله سلـيـمان أنها متأتـيه، فقال: {أيُّكُمْ يَأْتِـينِـي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ} حتـى يعاتبها، وكانت الـملوك يتعاتبون بـالعلـم.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله {قَبْلَ أن يَأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ} فقال بعضهم: معناه: قبل أن يأتونـي مستسلـمين طوعاً.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {وقبْل أنْ يَأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ} يقول: طائعين.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: قبل أن يأتونـي مسلـمين الإسلام الذي هو دين الله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جُرَيج {أيُّكُمْ يَأْتِـينِـي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ} بحرمة الإسلام فـيـمنعهم وأموالهم، يعنـي الإسلام يـمنعهم.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال بـالصواب فـي السبب الذي من أجله خصّ سلـيـمان بسؤاله الـملأ من جنده بإحضاره عرش هذه الـمرأة دون سائر ملكها عندنا، لـيجعل ذلك حجة علـيها فـي نبوّته، ويعرّفها بذلك قُدرة الله وعظيـم شأنه، أنها خـلَّفته فـي بـيت فـي جوف أبـيات، بعضها فـي جوف بعض، مغلق مقـفل علـيها، فأخرجه الله من ذلك كله، بغير فتـح أغلاق وأقـفـال، حتـى أوصله إلـى وَلِـيِّة من خـلقه، وسلـمه إلـيه، فكان لها فـي ذلك أعظم حجة، علـى حقـيقة ما دعا لها إلـيه سلـيـمان، وعلـى صدق سلـيـمان فـيـما أعلـمها من نبوّته.

فأما الذي هو أولـى التأويـلـين فـي قوله {قَبْلَ أنْ يَأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ} بتأويـله، فقول ابن عبـاس الذي ذكرناه قبل، من أن معناه طائعين، لأن الـمرأة لـم تأت سلـيـمان إذ أتته مسلـمة، وإنـما أسلـمت بعد مقدمها علـيه وبعد مـحاورة جرت بـينهما ومساءلة.)

وقوله: {قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الـجِنّ} يقول تعالـى ذكره: قال رئيس من الـجنّ مارد قويّ. وللعرب فـيه لغتان: عفريت، وعفرية فمن قال: عفرية، جمعه: عفـاري ومن قال: عفريت، جمعه: عفـاريت. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، قال مـجاهد: {قال عِفْرِيتٌ مِنَ الـجِنّ} قال: مارد من الـجنّ {أنا آتِـيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قَتادة وغيره، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن بعض أصحابه {قالَ عِفْرِيتٌ} قال: داهية.

قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرنـي وهب بن سلـيـمان، عن شعيب الـجبـائي قال: العفريت الذي ذكره الله اسمه: كوزن.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، {قَالَ عِفْرِيتٌ} اسمه: كوزن.

وقوله: {أنا آتِـيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ} يقول: أنا آتـيك بعرشها قبل أن تقوم من مقعدك هذا. وكان فما ذُكر قاعداً للقضاء بـين الناس، فقال: أنا أتـيك به قبل أن تقوم من مـجلسك هذا الذي جلست فـيه للـحكم بـين الناس. وذكر أنه كان يقعد إلـى انتصاف النهار. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قَتادة وغيره، مثله، قال: وكان يقضي قال: قبل أن تقوم من مـجلسك الذي تقضي فـيه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه {أنا آتِـيكَ بِهِ قَبْلَ أن تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ} يعنـي مـجلسه.

وقوله {وإنّـي عَلَـيْهِ لَقَوِيّ أمِينٌ} علـى ما فـيه من الـجواهر، ولا أخون فـيه. وقد قـيـل: أمين علـى فرج الـمرأة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله {وإنّـي عَلَـيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ} يقول: قويّ علـى حمله، أمين علـى فرج هذه.

قوله: {قَالَ الَّذِي عِنْدَه عِلْـمٌ مِنَ الكِتابِ} يقول جلّ ثناؤه: قال الذي عنده علـم من كتاب الله، وكان رجلاً فـيـما ذكر من بنـي آدم، فقال بعضهم: اسمه بلـيخا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو عثمة، قال: ثنا شعبة، عن بشر، عن قَتادة، فـي قوله {قالَ الَّذي عنْدَه عِلْـمٌ مِنَ الكِتابِ} قال: كان اسمه بلـيخا.

حدثنا يحيى بن داود الواسطي، قال: ثنا أبو أسامة، عن إسماعيـل، عن أبـي صالـح، فـي قوله {الَّذِي عِنْدَهُ عِلْـمٌ مِنَ الكِتابِ} رجل من الإنس.

حدثنا ابن عرفة، قال: ثنا مروان بن معاوية الفزاريّ، عن العلاء بن عبد الكريـم، عن مـجاهد، فـي قول الله: {قالَ الَّذِي عِنْدَه عِلْـمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِـيكَ بِهِ} قال: أنا أنظر فـي كتاب ربـي، ثم آتـيك به {قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَـيْكَ طَرْفُكَ} قال: فتكلـم ذلك العالـم بكلام دخـل العرش تـحت الأرض حتـى خرج إلـيهم.

حدثنا ابن عرفة، قال: ثنـي حماد بن مـحمد، عن عثمان بن مطر، عن الزهريّ، قال: دعا الذي عنده علـم من الكتاب: يا إلهنا وإله كلّ شيء إلهاً واحداً، لا إله إلا أنت، ائتنـي بعرشها، قال: فمثل بـين يديه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قَتادة {قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْـمٌ مِنَ الكِتابِ} قال: رجل من بنـي آدم أحسبه قال: من بنـي إسرائيـل، كان يعلـم اسم الله الذي إذا دعي به أجاب.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {الَّذِي عِنْدَهُ عِلْـمٌ مِنَ الكِتابِ} قال: الاسم الذي إذا دعي به أجاب، وهو: يا ذا الـجلال والإكرام.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول: قال سلـيـمان لـمن حوله: {أيُّكُمْ يَأْتِـينِـي بِعَرْشِها قَبْلِ أنْ يَأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ} فقال عفريت {أنا آتِـيكَ بِهِ قَبْلَ أن تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ} قال سلـيـمان: أريد أعجل من ذلك، فقال رجل من الإنس عنده علـم من الكتاب، يعنـي اسم الله إذا دعي به أجاب.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الـجِنّ أنا آتِـيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ، وإنّـي عَلَـيْهِ لَقَوِيّ أمِينٌ} لا آتـيك بغيره، أقول غيره أمثله لك. قال: وخرج يومئذٍ رجل عابد فـي جزيرة من البحر، فلـما سمع العفريت {قالَ أنا آتِـيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَـيْكَ طَرْفُكَ} قال: ثم دعا بـاسم من أسماء الله، فإذا هو يحمل بـين عينـيه، وقرأ: {فَلَـمَّا رآهُ مُسْتَقرّا عنْدَهُ قالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبّـي...} حتـى بلغ {إنَّ رَبِّـي غَنِـيّ كَرِيـمٌ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال رجل من الإنس. قال: وقال مـجاهد: الذي عنده علـم من الكتاب: علـم اسم الله.

وقال آخرون: الذي عنده علـم من الكتاب، كان آصف.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق {قَالَ عِفْرِيتٌ} لسلـيـمان {أنا آتِـيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ، وإنّـي عَلَـيْهِ لَقَوِيّ أمِينٌ} فزعموا أن سلـيـمان بن داود قال: أبتغي أعجل من هذا، فقال آصف بن برخيا، وكان صدّيقاً يعلـم الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب، وإذا سئل به أعطى: {أنا} يا نبـيّ الله {آتِـيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَـيْكَ طَرْفُكَ}.

وقوله: {أنا آتِـيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَـيْكَ طَرْفُكَ} اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معناه: أنا آتـيك به قبل أن يصل إلـيك من كان منك علـى مدّ البصر.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي إبراهيـم، قال: ثنا إسماعيـل بن أبـي خالد، عن سعيد بن جُبَـير {قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَـيْكَ طَرْفُكَ} قال: من قبل أن يرجع إلـيك أقصى من ترى، فذلك قوله {قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَـيْكَ طَرْفُكَ}.

قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، قال: قال غير قَتادة {قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَـيْكَ طَرْفُكَ} قبل أن يأتـيك الشخص من مدّ البصر.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: من قبل أن يبلغ طرفك مداه وغايته.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم عن وهب بن منبه {قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَـيْكَ طَرْفُكَ} تـمدّ عينـيك فلا ينتهي طرفك إلـى مداه حتـى أمثله بـين يديك. قال: ذلك أريد.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عثام، عن إسماعيـل، عن سعيد بن جُبَـير، قال: أخبرت أنه قال: ارفع طرفك من حيث يجيء، فلـم يرجع إلـيه طرفه حتـى وضع العرش بـين يديه.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفـيان، عن عطاء، عن مـجاهد، فـي قوله {قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَـيْكَ طَرْفُكَ} قال: مدّ بصره.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَـيْكَ طَرْفُكَ} قال: إذا مدّ البصر حتـى يردّ الطرف خاسئاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَـيْكَ طَرْفُكَ} قال: إذا مدّ البصر حتـى يحسر الطرف.

قال أبو جعفر: وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: قبل أن يرجع إلـيك طرفك من أقصى أثره، وذلك أن معنى قوله {يَرَتَدَّ إلَـيْكَ} يرجع إلـيك البصر، إذا فتـحت العين غير راجع، بل إنـما يـمتدّ ماضيا إلـى أن يتناهى ما امتدّ نوره. فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله إنـما أخبرنا عن قائل ذلك {أنا آتِـيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ} لـم يكن لنا أن نقول: أنا آتـيك به قبل أن يرتدّ راجعاً {إلَـيْكَ طَرْفُكَ} من عند منتهاه.

وقوله: {فَلَـمَّا رآه مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ} يقول: فلـما رأى سلـيـمان عرش ملكة سبأ مستقرّاً عنده. وفـي الكلام متروك استغنـي بدلالة ما ظهر عما ترك، وهو: فدعا الله، فأتـى به فلـما رآه سلـيـمان مستقرّاً عنده.

وذُكر أن العالـم دعا الله، فغار العرش فـي الـمكان الذي كان به، ثم نبع من تـحت الأرض بـين يدي سلـيـمان.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـيـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه، قال: ذكروا أن آصِف بن برخيا توضأ، ثم ركع ركعتـين، ثم قال: يا نبـيّ الله، امدد عينك حتـى ينتهي طرفك، فمدّ سلـيـمان عينه ينظر إلـيه نـحو الـيـمن، ودعا آصف فـانـخرق بـالعرش مكانه الذي هو فـيه، ثم نبع بـين يدي سلـيـمان {فَلَـمَّا رَآهُ} سلـيـمان {مُسْتَقِرّاً عِنْدَهَ قالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبّـي لِـيَبْلُوَنِـي...} الآية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس، قال: نبع عرشها من تـحت الأرض.

وقوله: {قالَ هَذَا مِنْ فَضِلِ رَبّـي لِـيَبْلُوَنِـي} يقول: هذا البصر والتـمكن والـملك والسلطان الذي أنا فـيه حتـى حمل إلـيّ عرش هذه فـي قدر ارتداد الطرف من مأرب إلـى الشام، من فضل ربـي الذي أفْضَلَه علـيّ وعطائه الذي جاد به علـيّ، لـيبلونـي، يقول: لـيختبرنـي ويـمتـحننـي، أأشكر ذلك من فعله علـيّ، أم أكفر نعمته علـيّ بترك الشكر له؟

وقد قـيـل: إن معناه: أأشكر علـى عرش هذه الـمرأة إذ أُتـيت به، أم أكفر إذ رأيت من هو دونـي فـي الدنـيا أعلـم منـي؟ ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرنـي عطاء الـخراسانـي، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {فَلَـمَّا رآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبّـي لِـيَبْلُوَنِـي أأشْكُرُ} علـى السرير إذ أُتـيت به {أمْ أكْفُرُ} إذ رأيت من هو دونـي فـي الدنـيا أعلـم منـي؟.

وقوله: {وَمَنْ شَكَرَ فإنَّـمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} يقول: ومن شكر نعمة الله علـيه، وفضله علـيه، فإنـما يشكر طلب نفع نفسه، لأنه لـيس بنفع بذلك غير نفسه، لأنه لا حاجة لله إلـى أحد من خـلقه، وإنـما دعاهم إلـى شكره تعريضاً منه لهم للنفع، لا لاجتلاب منه بشكرهم إياه نفعا إلـى نفسه، ولا دفع ضرّ عنها. {وَمَنْ كَفَرَ فإنَّ رَبّـي غَنِـيّ كَرِيـمٌ} يقول: ومن كفر نعمه وإحسانه إلـيه، وفضله علـيه، لنفسه ظلـم، وحظَّها بخَس، والله غنّـي عن شكره، لا حاجة به إلـيه، لا يضرّه كفر من كفر به من خـلقه، كريـمٌ، ومِن كرمه إفضاله علـى من يكفر نعمه، ويجعلها وصلة يتوصل بها إلـى معاصيه.

الخميس، 5 نوفمبر 2026 25 جمادى الأولى 1448 هـ