انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النمل

تفسير الطبريالآيات 67–90

تفسير سورة النمل آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النمل

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 59:29

  1. 1 الآيات 56–81في هذه الصفحة 15:28
  2. 2 الآيات 82–93في هذه الصفحة 8:30

التفسير الصوتي لسورة النمل كاملًا (4 مقاطع)

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا وَءَابَآؤُنَآ أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ ۝٦٧ لَقَدْ وُعِدْنَا هَٰذَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝٦٨

يقول تعالـى ذكره: قال: الذين كفروا بـالله أئنا لـمخرجون من قبورنا أحياء، كهيئتنا من بعد مـماتنا بعد أن كنا فـيها ترابـاً قد بلـينا {لَقَدْ وُعِدْنا هَذَا نَـحْنُ وآبـاؤُنا مِنْ قَبْلُ} يقول: لقد وعدنا هذا من قبل مـحمد واعدون وعدواً ذلك آبـاءنا، فلـم نر لذلك حقـيقة، ولـم نتبـين له صحة {إنْ هذَا إلاَّ أساطِيرُ الأوَّلِـينَ} يقول: قالوا: ما هذا الوعد إلا ما سطَّر الأوّلون من الأكاذيب فـي كتبهم، فأثبتوه فـيها وتـحدّثوا به من غير أن يكون له صحة.

قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ ۝٦٩ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُن فِى ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ۝٧٠

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} يا مـحمد لهؤلاء الـمكذّبـين ما جئتهم به من الأنبـاء من عند ربك: {سِيرُوا فِـي الأَرْضِ فَـانْظُرُوا} إلـى ديار من كان قبلكم من الـمكذّبـين رسلَ الله ومساكنهم كيف هي، ألـم يخرّبها الله، ويهلك أهلها بتكذيبهم رسلهم، وردّهم علـيهم نصائحهم فخـلت منهم الديار وتعَّفت منهم الرسوم والآثار، فإن ذلك كان عاقبة إجرامهم، وذلك سنة ربكم فـي كلّ من سلك سبـيـلهم فـي تكذيب رسل ربهم، والله فـاعل ذلك بكم إن أنتـم لـم تبـادروا الإنابة من كفركم وتكذيبكم رسول ربكم. وقوله: {وَلا تَـحْزَنْ عَلَـيْهِمْ} يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ولا تـحزن علـى إدبـار هؤلاء الـمشركين عنك وتكذيبهم لك {وَلا تَكُنْ فِـي ضَيْقٍ مِـمَّا يَـمْكُرُونَ} يقول: ولا يضق صدرك من مكرهم بك، فإن الله ناصرك علـيهم، ومهلكهم قتلاً بـالسيف.

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٧١ قُلْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ ٱلَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ ۝٧٢

يقول تعالـى ذكره: ويقول مشركو قومك يا مـحمد، الـمكذّبوك فـيـما أتـيتهم به من عند ربك. {مَتـى} يكون {هَذَا الوَعْدُ} الذي تعدُناه من العذاب، الذي هو بنا فـيـما تقول حالّ {إنْ كُنْتُـمْ صَادِقِـينَ} فـيـما تعدوننا به {قُلْ عَسَى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ} يقول جلّ جلاله: قل لهم يا مـحمد: عسى أن يكون اقترب لكم ودنا {بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ} من عذاب الله. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {قُلْ عَسَى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ} يقول: اقترب لكم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {قُلْ عَسَى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ} يقول: اقترب لكم بعض الذي تستعجلون.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {عَسَى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ} قال: ردف: أعجل لكم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله: {قُلْ عَسَى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ} قال: أزِف.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {رَدِفَ لَكُمْ} اقترب لكم.

واختلف أهل العربـية فـي وجه دخول اللام فـي قوله: {رَدفَ لَكُمْ} وكلام العرب الـمعروف: ردفه أمرٌ، وأردفه، كما يقال: تبعه وأتبعه، فقال بعض نـحويـي البصرة: أدخـل اللام فـي ذلك فأضاف بها الفعل كما يقال: للرُّؤْيا تَعْبُرُون ولِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ. وقال بعض نـحويـي الكوفة: أدخـل اللام فـي ذلك للـمعنى، لأن معناه: دنا لهم، كما قال الشاعر:

فَقُلْتُ لَها الـحاجاتُ يَطْرَحْنَ بـالفَتـى

فأدخـل الـباء فـي يطرحن، وإنـما يقال طرحته، لأن معنى الطرح: الرمى، فأدخـل البـاء للـمعنى، إذ كان معنى ذلك يرمين بـالفتـى، وهذا القول الثانـي هو أولاهما عندي بـالصواب، وقد مضى البـيان عن نظائره فـي غير موضع من الكتاب بـما أغنى عن تكراره فـي هذا الـموضع.

وبنـحو الذي قلنا فـي معنى قوله: {تَسْتَعْجِلُونَ} قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج {رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ} قال: من العذاب.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ۝٧٣ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ۝٧٤

يقول تعالـى ذكره: {وَإنَّ رَبكَ} يا مـحمد {لَذُو فَضْلٍ عَلَـى النَّاسِ} بتركه معاجلتهم بـالعقوبة علـى معصيتهم إياه، وكفرهم به، وذو إحسان إلـيهم فـي ذلك وفـي غيره من نعمه عندهم {وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} ـهُ علـى ذلك من إحسانه وفضله علـيهم، فـيخـلصوا له العبـادة، ولكنهم يشركون معه فـي العبـادة ما يضرّهم ولا ينفعهم ومن لا فضل له عندهم ولا إحسان. وقوله: {وَإنَّ رَبَّكَ لَـيَعْلَـمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ} يقول: وإن ربك لـيعلـم ضمائر صدور خـلقه، ومكنون أنفسهم، وخفـيّ أسرارهم، وعلانـية أمورهم الظاهرة، لا يخفـى علـيه شيء من ذلك، وهو مـحصيها علـيهم حتـى يجازي جميعهم بـالإحسان إحساناً وبـالإساءة جزاءها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنـي الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج {وَإنَّ رَبَّكَ لَـيَعْلَـمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ} قال: السرّ.

وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ إِلَّا فِى كِتَٰبٍ مُّبِينٍ ۝٧٥ إِنَّ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَكْثَرَ ٱلَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۝٧٦

يقول تعالـى ذكره: {وَمَا مِنْ} مكتوم سرّ وخفـيّ أمر يغيب عن أبصار الناظرين {فِـي السَمَاءِ وَالأرْضِ إلاَّ فِـي كِتَابٍ} وهو أمّ الكتاب الذي أثبت ربنا فـيه كلّ ما هو كائن من لدن ابتدأ خـلق خـلقه إلـى يوم القـيامة. ويعنـي بقوله: {مُبِـينٌ} أنه يبـين لـمن نظر إلـيه، وقرأ ما فـيه مـما أثبت فـيه ربنا جلّ ثناؤه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَما مِنْ غائِبَةٍ فِـي السَّماءِ والأرْضِ إلاَّ فِـي كِتابٍ مُبِـينٍ} يقول: ما من شيء فـي السماء والأرض سرّ ولا علانـية إلا يعلـمه.

وقوله: {إنَّ هَذَا القُرآنَ يَقُصُّ عَلـى بَنِـي إسْرَائِيـلَ أكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِـيهِ يَخْتَلِفُونَ} يقول تعالـى ذكره: إن هذا القرآن الذي أنزلته إلـيك يا مـحمد يقصّ علـى بنـي إسرائيـل الـحقّ فـي أكثر الأشياء التـي اختلفوا فـيها، وذلك كالذي اختلفوا فـيه من أمر عيسى، فقالت الـيهود فـيه ما قالت، وقالت النصارى فـيه ما قالت، وتبرأ لاختلافهم فـيه هؤلاء من هؤلاء، وهؤلاء من هؤلاء، وغير ذلك من الأمور التـي اختلفوا فـيها، فقال جلّ ثناؤه لهم: إن هذا القرآن يقصّ علـيكم الـحقّ فـيـما اختلفتـم فـيه فـاتبعوه، وأقرّوا لـما فـيه، فإنه يقصّ علـيكم بـالـحقّ، ويهديكم إلـى سبـيـل الرشاد.

وَإِنَّهُۥ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۝٧٧

هذه الآية لم يرد لها تفسير

إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم بِحُكْمِهِۦ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ ۝٧٨

يقول تعالـى ذكره: إن هذا القرآن لهدى، يقول: لبـيان من الله، بـين به الـحقّ فـيـما اختُلف فـيه خـلقه من أمور دينهم {وَرَحْمَةٌ للْـمُؤْمِنِـينَ} يقول: ورحمة لـمن صدق به وعمل بـما فـيه {إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَـيْنَهُمْ} يقول: إن ربك يقضي بـين الـمختلفـين من بـين إسرائيـل بحكمه فـيهم، فـينتقم من الـمبطل منهم، ويجازي الـمـحسن منهم الـمـحقّ بجزائه {وَهُوَ العَزِيزُ العَلِـيـمُ} يقول: وربك العزيز فـي انتقامه من الـمبطل منهم ومن غيرهم، لا يقدر أحد علـى منعه من الانتقام منه إذا انتقم العلـيـم بـالـمـحقّ الـمـحسن من هؤلاء الـمختلفـين من بنـي إسرائيـل فـيـما اختلفوا فـيه، ومن غيرهم من الـمبطل الضالّ عن الهدى.

فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ ۝٧٩ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْا۟ مُدْبِرِينَ ۝٨٠

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ففوِّض إلـى الله يا مـحمد أمورك، وثق به فـيها، فإنه كافـيك {إنَّكَ عَلـى الـحَقّ الـمُبِـين} لـمن تأمَّله، وفكر ما فـيه بعقل، وتدبره بفهم، أنه الـحقّ، دون ما علـيه الـيهود والنصارى الـمختلفون من بنـي إسرائيـل، ودون ما علـيه أهل الأوثان الـمكذّبوك فـيـما أتـيتهم به من الـحقّ، يقول: فلا يحزنك تكذيب من كذّبك، وخلاف من خالفك، وامض لأمر ربك الذي بعثك به. وقوله: {إنَّكَ لا تُسْمِعُ الـمَوْتَـى} يقول: إنك يا مـحمد لا تقدر أن تُفهِم الـحقّ من طبع الله علـى قلبه فأماته، لأن الله قد ختـم علـيه أن لا يفهمه {ولاَ تُسْمِعَ الصُّمَّ الدُّعاءَ} يقول: ولا تقدر أن تسمع ذلك من أصمّ الله عن سماعه سمعه {إذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} يقول: إذا هم أدبروا معرضين عنه، لا يسمعون له لغلبة دين الكفر علـى قلوبهم، ولا يُصغون للـحقّ، ولا يتدبرونه، ولا ينصتون لقائله، ولكنهم يعرضون عنه، وينكرون القول به، والاستـماع له.

وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِى ٱلْعُمْىِ عَن ضَلَٰلَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ ۝٨١ وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ ٱلْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ ۝٨٢

اختلف القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض الكوفـيـين: {وما أنْتَ بِهادِي} بـالـياء والألف وإضافته إلـى العمي بـمعنى: لست يا مـحمد بهادي من عمي عن الـحقّ {عَنْ ضَلالَتِهِ}. وقراءة عامة قرّاء الكوفة «وَما أنْتَ تَهْدِي العُمْىَ» بـالتاء ونصب العمي، بـمعنى: ولست تهديهم {عَنْ ضَلالَتهِمْ} ولكن الله يهديهم إن شاء.

والقول فـي ذلك عندي أنهما قراءتان متقاربتا الـمعنى مشهورتان فـي قرّاء الأمصار، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وتأويـل الكلام ما وصفت {وَما أنتَ} يا مـحمد {بِهادِي} من أعماه الله عن الهدى والرشاد فجعل علـى بصره غشاوة أن يتبـين سبـيـل الرشاد عن ضلالته التـي هو فـيها إلـى طريق الرشاد وسبـيـل الرشاد. وقوله: {إنْ تُسْمِعُ إلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بآياتِنا} يقول: ما تقدر أن تُفهم الـحقّ وتوعيه أحداً إلا سمع من يصدّق بآياتنا، يعنـي بأدلته وحججه وآي تنزيـله {فَهُمْ مُسْلـمُونَ} فإن أولئك يسمعون منك ما تقول ويتدبرونه، ويفكرون فـيه، ويعملون به، فهم الذين يسمعون. ذكر من قال مثل الذي قلنا فـي قوله تعالـى: وَقَع:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَـيْهِمْ} قال: حقّ علـيهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَـيْهُمْ} يقول: إذا وجب القول علـيهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {وَقَعَ القَوْلُ عَلَـيْهِمْ} قال: حقّ العذاب.

قال ابن جُرَيج: القول: العذاب. ذكر من قال قولنا فـي معنى القول:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَـيْهِمْ} والقول: الغضب.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن هشام، عن حفصة، قالت: سألت أبـا العالـية، عن قوله: {وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَـيْهِمْ} فقال: أوحى الله إلـى نوح {إنَّهُ لَنْ يُؤْمِنُ مِنَ قَوْمِكَ إلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ} قالت: فكأنـما كان علـى وجهي غطاء فكشف.

وقال جماعة من أهل العلـم: خروج هذه الدابة التـي ذكرها حين لا يأمر الناس بـمعروف ولا ينهون عن منكر.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا الأشجعي، عن سفـيان، عن عمرو بن قـيس، عن عطية العوفـي، عن ابن عمر فـي قوله: {وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَـيْهِمْ أخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ} قال: هو حين لا يأمرون بـمعروف ولا ينهون عن منكر.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا مـحمد بن الـحسن أبو الـحسن، قال: ثنا عمرو بن قـيس الـملائي، عن عطية، عن ابن عمر، فـي قوله: {وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَـيْهِمْ أخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ} قال: ذاك إذا ترك الأمر بـالـمعروف والنهي عن الـمنكر.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن عمرو بن قـيس، عن عطية، عن ابن عمر، فـي قوله: {أخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّـمُهُمْ} قال: حين لا يأمرون بـالـمعروف، ولا ينهون عن الـمنكر.

حدثنـي مـحمد بن عمرو الـمقدسي، قال: ثنا أشعث بن عبد الله السجستانـي، قال: ثنا شعبة، عن عطية، فـي قوله: {وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَـيْهِمْ أخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّـمُهُمْ} قال: إذا لـم يعرفوا معروفـاً، ولـم ينكروا منكراً.

وذُكر أن الأرض التـي تـخرج منها الدابة مكة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُريب، قال: ثنـي الأشجعي، عن فضيـل بن مرزوق، عن عطية، عن ابن عمر، قال: تـخرج الدابة من صَدع فـي الصفـا كجري الفرس ثلاثة أيام وما خرج ثلثها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الـحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو بن قـيس، عن الفرات القزاز، عن عامر بن واثلة أبـي الطفـيـل، عن حُذيفة بن أسيد الغفـاري، قال: إن الدابة حين تـخرج يراها بعض الناس فـيقولون: والله لقد رأينا الدابة، حتـى يبلغ ذلك الإمام، فـيطلب فلا يقدر علـى شيء. قال: ثم تـخرج فـيراها الناس، فـيقولون: والله لقد رأيناها، فـيبلغ ذلك الإمام فـيطلب فلا يرى شيئا، فـيقول: أما إنـي إذا حدث الذي يذكرها قال: حتـى يعدّ فـيها القتل، قال: فتـخرج، فإذا رآها الناس دخـلوا الـمسجد يصلون، فتـجيء إلـيهم فتقول: الآن تصلون، فتـخطم الكافر، وتـمسح علـى جبـين الـمسلـم غرّة، قال: فـيعيش الناس زمانا يقول هذا: يا مؤمن، وهذا: يا كافر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا عثمان بن مطر، عن واصل مولـى أبـي عيـينة، عن أبـي الطفـيـل عن حُذيفة، وأبـي سفـيان، ثنا عن معمر، عن قـيس بن سعد، عن أبـي الطفـيـل، عن حُذيفة بن أسيد، فـي قوله: {أخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّـمُهُمْ} قال: للدابة ثلاث خرجات: خرجة فـي بعض البوادي ثم تكمن، وخرجة فـي بعض القُرى حين يرَيق فـيها الأمراء الدماء، ثم تكمن، فبـينا الناس عند أشرف الـمساجد وأعظمها وأفضلها، إذ ارتفعت بهم الأرض، فـانطلق الناس هرابـا، وتبقـى طائفة من الـمؤمنـين، ويقولون: إنه لا ينـجينا من الله شيء، فتـخرج علـيهم الدابة تـجلو وجوههم مثل الكوكب الدرّيّ ثم تنطلق فلا يدركها طالب ولا يفوتها هارب، وتأتـي الرجل يصلـيّ، فـيقول: والله ما كنت من أهل الصلاة، فـيـلتفت إلـيها فتـخطمه، قال: تـجلو وجه الـمؤمن، وتـخطم الكافر، قلنا: فما الناس يومئذٍ؟ قال: جيران فـي الربـاع، وشركاء فـي الأموال، وأصحاب فـي الأسفـار.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيـل، عن الولـيد بن جميع، عن عبد الـملك بن الـمُغيرة، عن عبد الرحمن بن البـيـلـمانـي، عن ابن عمر: يبـيت الناس يسيرون إلـى جمع، وتبـيت دابة الأرض تسايرهم، فـيصبحون وقد خطمتهم من رأسها وذنبها، فما من مؤمن إلا مسحته، ولا من كافر ولا منافق إلا تـخبطه.

حدثنا مـجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا الـخيبري، عن حيان بن عمير، عن حسان بن حمصة، قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: لو شئت لانتعلت بنعلـيّ هاتـين، فلـم أمسّ الأرض قاعدا حتـى أقـف علـى الأحجار التـي تـخرج الدابة من بـينها، ولكأنـي بها قد خرجت فـي عقب ركَب من الـحاجِّ، قال: فما حججت قطّ إلا خفت تـخرج بعقبنا.

حدثنا عمرو بن عبد الـحميد الآمَلـي، قال: ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن قـيس بن سعد، عن عطاء، قال: رأيت عبد الله بن عمرو، وكان منزله قريبـا من الصفـا، رفع قدمه وهو قائم، وقال: لو شئت لـم أضعها حتـى أضعها علـى الـمكان الذي تـخرج منه الدابة.

حدثنا عصام بن روّاد بن الـجراح، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا سفـيان بن سعيد الثوريّ، قال: ثنا منصور بن الـمعتـمر، عن ربعي بن حراش، قال: سمعت حُذيفة بن الـيـمان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وذكر الدابة، فقال حُذيفة: قلت يا رسول الله، من أين تـخرج؟ قال:

مِنْ أعْظَمِ الـمَساجِدِ حُرْمَةً عَلـى اللّهِ، بَـيْنَـما عِيَسى يَطُوفُ بـالبَـيْتِ وَمَعَهُ الـمُسْلِـمُونَ، إذْ تَضْطَربُ الأرْضُ تَـحْتَهُمْ، تَـحَرُّكَ القِنْدِيـلِ، وَيَنْشَق الصَّفـا مِـمَّا يَـلـي الـمَسْعَى، وَتـخْرُجُ الدَّابَّةُ مِنَ الصَّفـا أوَّلُ ما يَبْدُو رأسُها مُلَـمَّعَةٌ ذَاتُ وّبَرٍ وَرِيشٍ، لَـمْ يُدْرِكْها طالِبٌ، وَلَنْ يَفُوَتها هارِبٌ، تَسِمُ النَّاسَ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، أمَّا الـمُؤْمِنُ فَتَتْرُكَ وَجْهَهُ كأنَّهُ كَوْكَبٌ دُرّيّ، وتَكْتُبُ بـينَ عَيْنَـيْهِ مُؤْمِنٌ، وأمَّا الكافِرُ فَتَنْكُتُ بـينَ عَيْنَـيْهِ نُكْتَةً سَوْدَاءَ كافِرٌ

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو الـحسين، عن حماد بن سلـمة، عن علـيّ بن زيد بن جدعان، عن أوس بن خالد، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

تَـخْرُجُ الدَّابَّةُ مَعَها خاتَـمُ سَلَـيْـمانَ وَعَصا مُوسَى، فَتَـجْلُو وَجْهَ الـمُؤْمِنِ بـالْعَصَا، وَتـخْتِـمُ أنْفَ الكافِرِ بـالـخاتِـمِ، حتـى إنَّ أهْلَ البَـيْتِ لَـيَجْتَـمِعُونَ فَـيَقُولُ هَذَا. يا مُؤْمِنُ، وَيَقُولُ هَذَا: يا كاِفُر

قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قَتادة، قال: هي دابة ذات زغب وريش، ولها أربع قوائم تـخرج من بعض أودية تهامة، قال: قال عبد الله بن عمر: إنها تنكت فـي وجه الكافر نكتة سوداء، فتفشو فـي وجهه، فـيسودّ وجهه، وتنكت فـي وجه الـمؤمن نكتة بـيضاء فتفشو فـي وجه، حتـى يبـيضّ وجهه، فـيجلس أهل البـيت علـى الـمائدة، فـيعرفون الـمؤمن من الكافر، ويتبـايعون فـي الأسواق، فـيعرفون الـمؤمن من الكافر.

حدثنـي ابن عبد الرحيـم البرقـي، قال: ثنا ابن أبـي مريـم، قال: ثنا ابن لهيعة ويحيى بن أيوب، قالا: ثنا ابن الهاد، عن عمر بن الـحكم، أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: تـخرج الدابة من شعب، فـيـمسّ رأسها السحاب، ورجلاها فـي الأرض ما خرجتا، فتـمرّ بـالإنسان يصلـي، فتقول: ما الصلاة من حاجتك فتـخطمه.

حدثنا صالـح بن مسمار، قال: ثنا ابن أبـي فديك، قال: ثنا يزيد بن عياض، عن مـحمد بن إسحاق، أنه بلغه عن عبد الله بن عمرو، قال: تـخرج دابة الأرض ومعها خاتـم سلـيـمان وعصا موسى، فأما الكافر فتـختـم بـين عينـيه بخاتـم سلـيـمان، وأما الـمؤمن فتـمسح وجهه بعصا موسى فـيبـيضّ.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {تُكَلِّـمُهُمْ} فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار: {تُكلِّـمُهُمْ} بضمُ التاء وتشديد اللام، بـمعنى تـخبرهم وتـحدثهم، وقرأه أبو زرعة بن عمرو: «تَكْلِـمُهُمْ» بفتـح التاء وتـخفـيف اللام بـمعنى: تسمهم.

والقراءة التـي لا أستـجيز غيرها فـي ذلك ما علـيه قرّاء الأمصار. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {أخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّـمُهُمْ} قال: تـحدثهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {أخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنْ الأَرْضِ تُكَلِّـمُهُمْ} وهي فـي بعض القراءة «تـحدثهم» تقول لهم: {أَنَّ النَّاس كَانُوا بِآياتِنَا لاَ يُوقِنُونَ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الـخراسانـي، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {تُكَلِّـمُهُمْ} قال: كلامها تنبئهم {أنَّ النَّاس كانُوا بِآياتِنَا لاَ يُوقِنُونَ}.

وقوله: {أنَّ النَّاسَ كانُوا بآياتِنا لا يُوقِنُونَ} اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـحجاز والبصرة والشام: «إنَّ النَّاسَ» بكسر الألف من «إن» علـى وجه الابتداء بـالـخبر عن الناس أنهم كانوا بآيات الله لا يوقنون وهي وإن كسرت فـي قراءة هؤلاء فإن الكلام لها متناول. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة وبعض أهل البصرة: {أنَّ النَّاسَ كانُوا} بفتـح أن بـمعنى: تكلـمهم بأن الناس، فـيكون حينئذٍ نصب بوقوع الكلام علـيها.

والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان متقاربتا الـمعنى مستفـيضتان فـي قراءة الأمصار، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ۝٨٣ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُو قَالَ أَكَذَّبْتُم بِـَٔايَٰتِى وَلَمْ تُحِيطُوا۟ بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٨٤

يقول تعالـى ذكره: ويوم نـجمع من كلّ قرن وملة فوجاً، يعنـي جماعة منهم، وزمرة {مِـمَّنْ يُكَذّبُ بآياتِنا} يقول: مـمن يكذّب بأدلتنا وحججنا، فهو يحبس أوّلهم علـى آخرهم، لـيجتـمع جميعهم، ثم يساقون إلـى النار. وبنـحو ما قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَيَوْمَ نَـحْشُرُ مِنْ كُلّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِـمَّنْ يُكَذّبُ بآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ} يعنـي: الشيعة عند الـحشر.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {مِنْ كُلّ أُمَّةٍ فَوْجاً} قال: زمرة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله: {نَـحْشُرُ مِنْ كُلّ أُمَّةٍ فَوْجاً} قال: زمرة زمرة {فَهُمْ يُوزَعُونَ}.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {مِـمَّنْ يُكَذِّبُ بآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ} قال: يقول: فهم يدفعون.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، فـي قوله: {فَهُمْ يُوزَعُونَ} قال: يحبس أوّلهم علـى آخرهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {فَهُمْ يُوزَعُونَ} قال: وزعة تردّ أولاهم علـى أخرهم.

وقد بـيَّنت معنى قوله: {يُوزَعُونَ} فـيـما مضى قبل بشواهده، فأغنـي ذلك عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وقوله: {حتـى إذَا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُـمْ بآياتِـي} يقول تعالـى ذكره: حتـى إذا جاء من كلّ أمة فوج مـمن يكذّب بآياتنا فـاجتـمعوا قال الله: {أكذّبتـم بآياتـي}: أي بحججي وأدلتـي {وَلَـمْ تُـحِيطُوا بِهَا عِلْـماً} يقول ولـم تعرفوها حقّ معرفتها؟ {أمْ مَاذَا كُنْتُـمْ تَعْمَلُونَ} فـيها من تكذيب أو تصديق.

وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا۟ فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ ۝٨٥ أَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا جَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِيَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝٨٦

يقول تعالـى ذكره: ووجب السخط والغضب من الله علـى الـمكذّبـين بآياته {بِـمَا ظَلَـمُوا} يعنـي بتكذيبهم بآيات الله، يوم يحشرون {فَهُمْ لاَ يَنَطِقُونَ} يقول: فهم لا ينطقون بحجة يدفعون بها عن أنفسهم عظيـم ما حلّ بهم ووقع علـيهم من القول. وقوله: {أَلْـم يَرَوْا أنَّا جَعَلَنْا اللَّـيْـلَ لِـيَسْكُنُوا فِـيهِ} يقول تعالـى ذكره: ألـم ير هؤلاء الـمكذّبون بآياتنا تصريفنا اللـيـل والنهار، ومخالفتنا بـينهما بتصيـيرنا هذا سكنا لهم يسكنون فـيه، ويهدءون راحة أبدانهم من تعب التصرّف والتقلب نهاراً، وهذا مضيئاً يبصرون فـيه الأشياء ويعاينونها فـيتقلبون فـيه لـمعايشهم، فـيتفكروا فـي ذلك، ويتدبروا، ويعلـموا أن مصرِّف ذلك كذلك هو الإله الذي لا يُعجزه شيء، ولا يتعذّر علـيه إماتة الأحياء، وإحياء الأموات بعد الـمـمات، كما لـم يتعذّر علـيه الذهاب بـالنهار والـمـجيء بـاللـيـل، والـمـجيء بـالنهار والذهاب بـاللـيـل مع اختلاف أحوالهما {إنَّ فـي ذلكَ لآياتٍ لقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يقول تعالـى ذكره: إن فـي تصيـيرنا اللـيـل سكناً، والنهار مبصراً لدلالة لقوم يؤمنون بـالله علـى قدرته علـى ما آمنوا به من البعث بعد الـموت، وحجة لهم علـى توحيد الله.

وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَٰخِرِينَ ۝٨٧

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَيَوْمَ يُنْفَخ فِـي الصورِ} وقد ذكرنا اختلافهم فـيـما مضى، وبـيَّنا الصواب من القول فـي ذلك عندنا بشواهده، غير أنا نذكر فـي هذا الـموضع بعض ما لـم يذكر هناك من الأخبـار، فقال بعضهم: هو قرن يُنفخ فـيه. ذكر بعض من لـم يُذكر فـيـما مضى قبل من الـخبر عن ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جمِيعاً، عَن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد قوله: {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فـي الصُورِ} قال كهيئة البوق.

حدثنا القاسم قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قال: الصور: البوق قال: هو البوق صاحبه آخذ به يقبض قبضتـين بكفـيه علـى طرف القرن بـين طرفه، وبـين فـيه قدر قبضة أو نـحوها، قد برك علـى ركبة إحدى رجلـيه، فأشار، فبرك علـى ركبة يساره مقعياً علـى قدمها عقبها تـحت فخذه وألـيته وأطراف أصابعها فـي التراب.

قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر بن عبد الله، قال: الصور كهيئة القرن قد رفع إحدى ركبتـيه إلـى السماء، وخفض الأخرى، لـم يـلق جفون عينه علـى غمض منذ خـلق الله السموات مستعدّاً مستـجدّاً، قد وضع الصور علـى فـيه ينتظر متـى يؤمر أن ينفخ فـيه.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن مـحمد الـمـحاربـي، عن إسماعيـل بن رافع الـمدنـي، عن يزيد بن زياد قال أبو جعفر: والصواب: يزيد بن أبـي زياد عن مـحمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار عن أبـي هُريرة: أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ما الصُّور؟ قال:

قَرْنٌ، قال: وكيف هو؟ قال: قَرْنٌ عَظِيـمٌ يُنْفَخُ فِـيهِ ثَلاثُ نَفخاتٍ: الأُولـى: نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثَّانِـيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثَّالِثَةُ: نَفْخَةُ القِـيامِ لِلّهِ رَبّ العَالَـمِينَ، يأْمُرُ اللّهُ إسْرَافِـيـلَ بـالنَّفْخَةِ الأُولـى، فَـيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ، فَـيَنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ، فَـيَفْزَعُ أهْلُ السَّمَواتِ وأهْلُ الأرْضِ، إلاَّ مَنْ شاءَ اللّهُ، وَيَأْمُرُهُ اللّهُ فَـيَـمُدُّ بِها ويطوِّلهَا، فَلا يَفْتُرُ، وَهِيَ التـي يَقُولُ اللّهُ: {ما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ما لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} فَـيُسَيِّرُ اللّهُ الـجِبـالَ، فَتَكُونُ سَرَبـا، وَتُرَجُّ الأرْضُ بأهْلِها رَجًّا، وهي التـي يَقُولُ اللّهُ: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُها الرَّادِفَةُ، قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} فَتَكُونُ الأرْضُ كالسَّفِـينَةِ الـمُوثَقَةِ فِـي البَحْرِ، تَضْرُبها الأَمْوَاجُ، تُكْفأُ بأْهْلِها، أوْ كالقِنْدِيـلِ الـمُعَلَّقِ بـالوَتَرِ، تُرَجِّحُهُ الأرْياحُ، فَتَـمِيدُ النَّاسُ علـىَ ظَهْرِها، فَتَذْهَلُ الـمَرَاضِعُ، وَتَضَعُ الـحَوَامِلُ، وَتَشِيبُ الوِلْدَانُ، وَتَطِيرُ الشَّياطِينُ هارِبَةً، حتـى تَأتِـيَ الأقْطارَ، فَتَتَلَقَّاها الـمَلائِكَةُ، فَتَضْرِبُ وُجُوهَها، فَترْجِعُ، وَيُوَلّـي النَّاسُ مُدْبِرِينَ يُنادي بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللّهُ: {يَوْمَ التَّنادِ، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللّهِ مِنْ عاصِمٍ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هادٍ}. فَبَـيْنَـما هُمْ عَلـى ذلكَ إذْ تَصَدَّعَت الأرْضُ مِنْ قُطْرٍ إلـى قُطْرٍ، فَرَأَوْا أمْراً عَظِيـماً، فأخَذَهُمْ لِذَلَكَ مِنَ الكَرْبِ ما اللّهُ أعْلَـمُ بِهِ، ثم نَظَرُوا إلـى السَّماءِ، فإذَا هِي كالـمُهْلِ، ثمَّ خُسِفَ شَمْسُها وَقَمَرُها، وانْتَثَرتْ نُـجُومُها، ثُمَّ كُشِطَتْ عَنْهُمْ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:والأَمْوَاتُ لا يعْلَـمُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذلكَ، فقال أبو هريرة: يا رسول الله، فمن استثنى الله حين يقول: {فَفَزِعَ مَنْ فِـي السَّمَوَاتِ ومَنْ فـي الأرْضِ إلاَّ مَنْ شاءَ اللّهُ} قال:أُولَئِكَ الشُّهَدَاءُ، وإنَّـمَا يَصِلُ الفَزَعُ إلـى الأحْياءِ، أُولَئِكَ أحيْاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وَقاهُمُ اللّهُ فَزَعَ ذلكَ الـيَوْمِ وآمَنَهُمْ، وَهُوَ عَذَابُ اللّهِ يَبْعثُهُ علـى شِرَارِ خَـلْقِهِ

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا إسماعيـل بن رافع، عن مـحمد بن كعب القُرَظيّ، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ اللّهَ تَبـارَكَ وَتَعالـى لَـمَّا فَرَغَ مِنَ السَّمَوَاتِ والأرْضِ، خَـلَقَ الصُّورَ، فأعْطَاهُ مَلَكا، فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلـى فِـيهِ، شاخِصٌ بِبَصَرِه العَرْشِ، يَنْتَظِرُ مَتـى يُؤْمَرُ. قال: قُلْتُ: يا رسول الله، وما الصُّورُ؟ قال:قُرْنٌ، قلت: فكيف هو؟ قال:عَظِيـمٌ، وَالَّذِي نَفْسِي بِـيَدِهِ، إنَّ عَظَمِ دائِرَةٍ فِـيهِ، لَكَعَرْضِ السَّمَوَاتِ والأرْضِ، يَأْمُرُهُ فَـيَنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ، فَـيَفْزَعُ أهْلُ السَّمَوَاتِ والأرضِ إلاَّ مَنْ شاءَ اللّهُ ، ثم ذكر بـاقـي الـحديث نـحو حديث أبـي كُرَيب عن الـمـحاربـيّ، غير أنه قال فـي حديثهكالسَّفِـينَةِ الـمُرْفأَةِ فِـي البَحْرِ

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ونُفخ فـي صُوَر الـخـلق. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِـي الصُّورِ}: أي فـي الـخـلق، قوله: {فَفَزِعَ مَنْ فِـي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِـي الأرْضِ} يقول: ففزع من فـي السموات من الـملائكة ومن فـي الأرض من الـجنّ والإنس والشياطين، من هول ما يعاينون ذلك الـيوم.

فإن قال قائل: وكيف قـيـل: ففزع، فجعل فزع وهي فعل مردودة علـى ينفخ، وهي يَفْعُلُ؟ قـيـل: العرب تفعل ذلك فـي الـمواضع التـي تصلـح فـيها إذا، لأن إذا يصلـح معها فعل ويفعل، كقولك: أزورك إذا زرتنـي، وأزورك إذا تزورنـي، فإذا وضع مكان إذا يوم أجرى مـجرى إذا. فإن قـيـل: فأين جواب قوله: {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِـي الصورِ فَفَزِعَ} قـيـل: جائز أن يكون مضمراً مع الواو، كأنه قـيـل: ووقع القول علـيهم بـما ظلـموا فهم لا ينطقون، وذلك يوم ينفخ فـي الصور. وجائز أن يكون متروكا اكتفـي بدلالة الكلام علـيه منه، كما قـيـل: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَـمُوا فترك جوابه.

وقوله: {إلا مَنْ شاءَ الله} قـيـل: إن الذين استثناهم الله فـي هذا الـموضع من أن ينالهم الفزع يومئذٍ الشهداء، وذلك أنهم أحياء عند ربهم يُرزقون، وإن كانوا فـي عداد الـموتـى عند أهل الدنـيا، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرناه فـي الـخبر الـماضي.

وحدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا العوّام عمن حدثه، عن أبـي هريرة، أنه قرأ هذه الآية: {فَفَزِعَ مَنْ فِـي السَّمَواتِ وَمَنْ فِـي الأرْضِ إلاَّ مَنْ شاءَ اللّهُ} قال: هم الشهداء.

وقوله: {وكُلّ أتَوْهُ داخرِينَ} يقول: وكلّ أتوه صاغرين. وبـمثل الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وكُلُّ أتَوْهُ دَاخِرِينَ} يقول: صاغرين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وكُلّ أتَوْهُ داخِرِينَ} قال: صاغرين.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وكلّ أتَوْهُ دَاخرِينَ} قال: الداخر: الصاغر الراغم، قال: لأن الـمرء الذي يفزع إذا فزع إنـما همته الهرب من الأمر الذي فزع منه، قال: فلـما نُفخ فـي الصور فزعوا، فلـم يكن لهم من الله منـجى.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {وكُلّ أتَوْهُ داخِرِينَ} فقرأته عامة قرّاء الأمصار: «وكُلّ آتَوهُ» بـمدّ الألف من أتوه علـى مثال فـاعلوه، سوى ابن مسعود، فإنه قرأه: «وكُلّ أَتُوهُ» علـى مثال فعلوه، واتبعه علـى القراءة به الـمتأخرون الأعمش وحمزة، واعتلّ الذين قرءوا ذلك علـى مثال فـاعلوه بإجماع القرّاء علـى قوله: وكُلُّهُمْ آتِـيهِ قالوا: فكذلك قوله: «آتُوهُ» فـي الـجمع. وأما الذين قرءوا علـى قراءة عبد الله، فإنهم ردّوه علـى قوله: {فَفَزِع} كأنهم وجَّهوا معنى الكلام إلـى: ويوم ينفخ فـي الصور ففزع من فـي السموات ومن فـي الأرض، وأتوه كلهم داخرين، كما يقال فـي الكلام: رأى وفر وعاد وهو صاغر.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أنهما قراءتان مستفـيضتان فـي قرأة الأمصار، ومتقاربتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ إِنَّهُۥ خَبِيرٌۢ بِمَا تَفْعَلُونَ ۝٨٨

يقول تعالـى ذكره: {وَتَرى الـجِبَـالَ} يا مـحمد {تَـحْسَبُها} قائمة {وَهِيَ تَـمُرُ}. كالذي.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَتَرَى الـجبـالَ تَـحْسَبُها جامِدَةً} يقول: قائمة، وإنـما قـيـل: {وَهِيَ تَـمُرُّ مَرَّ السَّحابِ} لأنها تـجمع ثم تسير، فـيحسب رائيها لكثرتها أنها واقـفة، وهي تسير سيراً حثـيثاً، كما قال الـجعدي:

بأرْعَنَ مِثْلِ الطَّوْدِ تَـحْسِبُ أنَّهُمْوُقُوفٌ لِـحاجٍ والرّكابُ تُهَمْلـجُ

قوله: {صُنْعَ اللّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} وأوثق خـلقه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {صُنْعَ اللّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} يقول: أحكم كلّ شيء.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {صُنعَ اللّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} يقول: أحسن كلّ شيء خـلقه وأوثقه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} قال: أوثق كلّ شيء وسوّى.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد {أتْقَنَ} أوثق.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {إنَّهُ خَبِـيرٌ بِـمَا يَفْعَلونَ} يقول تعالـى ذكره: إن الله ذو علـم وخبرة بـما يفعل عبـاده من خير وشرّ وطاعة له ومعصية، وهو مـجازي جميعهم علـى جميع ذلك علـى الـخير الـخيرَ، وعلـى الشرِّ الشرّ نظيره.

مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ ۝٨٩ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى ٱلنَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٩٠

يقول تعالـى ذكره: {مَنْ جَاءَ} الله بتوحيده والإيـمان به، وقول لا إله إلا الله موقناً به قلبه، {فَلَهُ} من هذه الـحسنة عند الله {خَيرٌ} يوم القـيامة، وذلك الـخير أن يثـيبه الله {مِنْهَا} الـجنة، ويؤمِّنه مِنْ فَزَعِ الصيحة الكبرى وهي النفخ فـي الصور {وَمَنْ جاءَ بـالسَّيِّئَةِ} يقول: ومن جاء بـالشرك به يوم يـلقاه، وجحود وحدانـيته {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ} فـي نار جهنـم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن خـلف العسقلانـي، قال: ثنـي الفضل بن دكين، قال: ثنا يحيى بن أيوب البجلـي، قال: سمعت أبـا زرعة، قال: قال أبو هُريرة، قال يحيى: أحسبه عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:

مَنْ جاءَ بـالـحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ قال: وَهِيَ لا إلَهَ إلاَّ اللّهُ وَمَنْ جاءَ بـالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِـي النَّارِ قال: وهِيَ الشِّرْكُ

حدثنا موسى بن عبد الرحمن الـمسروقـي، قال: ثنا أبو يحيى الـحمانـي، عن النضر بن عربـيّ، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {مَنْ جاءَ بـالـحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} قال: من جاء بلا إله إلا الله، {وَمَنْ جَاءَ بـالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فـي النَّارِ}، قال: بـالشرك.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {مَنْ جاءَ بـالـحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها} يقول: من جاء بلا إله إلا الله {وَمَنْ جاءَ بـالسَّيِّئَةِ} وهو الشرك.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَمَنْ جاءَ بـالسَّيِّئةِ} قال: بـالشرك.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {مَنْ جاءَ بـالـحَسَنَةِ} قال: كلـمة الإخلاص {وَمَنْ جاءَ بـالسَّيِّئَةِ} قال: الشرك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد بنـحوه. قال ابن جُرَيج: وسمعت عطاء يقول فـيها الشرك، يعنـي فـي قوله: {وَمَنْ جاءَ بـالسَّيِّئَةِ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن أبـي الـمـحجل، عن أبـي معشر، عن إبراهيـم، قال: كان يحلف ما يستثنـي، أن {مَنْ جاءَ بـالـحَسَنَةِ} قال: لا إله إلا الله، {وَمَنْ جاءَ بـالسَّيِّئَةِ} قال: الشرك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عبد الـملك، عن عطاء مثله.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا موسى بن عُبـيدة، عن مـحمد بن كعب {وَمَنْ جاءَ بـالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِـي النارِ} قال: الشرك.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا حفص، قال: ثنا سعيد بن سعيد، عن علـيّ بن الـحسين، وكان رجلاً غزّاء، قال: بينا هو فـي بعض خـلواته حتـى رفع صوته: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الـمُلك وله الـحمد يحيـي ويـميت، بـيده الـخير، وهو علـى كلّ شيء قدير قال: فردّ علـيه رجل: ما تقول يا عبد الله؟ قال: أقول ما تسمع، قال: أما إنها الكلـمة التـي قال الله: {مَنْ جاءَ بـالـحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {مَنْ جاءَ بـالـحَسَنَةِ} قال: الإخلاص {وَمَنْ جاءَ بـالسَّيِّئَةِ} قال: الشرك.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {وَمَنْ جاءَ بـالسَّيِّئَةِ} يعنـي: الشرك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن الـحسن {وَمَنْ جاءَ بـالسَّيِّئَةِ}: يقول: الشرك.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {وَمَنْ جاءَ بـالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِـي النَّارِ} قال: السيئة: الشرك الكفر.

حدثنـي سعد بن عبد الله بن عبد الـحكم قال: ثنا حفص بن عمر العدنـي، قال: ثنا الـحكم بن أبـان، عن عكرمة، قوله: {مَنْ جاءَ بـالـحَسَنَةِ} قال: شهادة أن لا إله إلا الله {وَمَنْ جاءَ بـالسَّيِّئَةِ} قال: السيئة: الشرك. قال الـحكم: قال عكرِمة: كل شيء فـي القرآن السيئة فهو الشرك. وبنـحو الذي قلنا فـي معنى قوله: {فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس {فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها} فمنها وصل إلـيه الـخير، يعنـي ابن عبـاس بذلك: من الـحسنة وصل إلـى الذي جاء بها الـخير.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا روح بن عبـادة، قال: ثنا حسين الشهيد، عن الـحسن {مَنْ جاءَ بـالـحَسَنة فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها} قال: له منها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن الـحسن، قال: من جاء بلا إله إلا الله، فله خير منها خيراً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها} يقول: له منها حظّ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج {مَنْ جاءَ بـالـحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها} قال: له منها خير فأما أن يكون خيراً من الإيـمان فلا، ولكن منها خير يصيب منها خيراً.

حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الـحكم، قال: ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا الـحكم، عن عكرمة، قوله: {مَنْ جاءَ بـالـحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها} قال: لـيس شيء خيرا من لا إله إلا الله، ولكن له منها خير. وكان ابن زيد يقول فـي ذلك ما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {مَنْ جاءَ بـالـحَسَنَةِ فَلهُ خَيْرٌ مِنْها} قال: أعطاه الله بـالواحدة عشرا، فهذا خير منها.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} فقرأ ذلك بعض قرّاء البصرة: «وَهُمْ مِنْ فَزَعِ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ» بِإضافة فزع إلـى الـيوم. وقرأ ذلك جماعة قرّاء أهل الكوفة: {مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ} بتنوين فزع.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان فـي قَرَأَة الأمصار متقاربتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، غير أن الإضافة أعجب إلـيّ، لأنه فزع معلوم. وإذا كان ذلك كذلك كان معرفة علـى أن ذلك فـي سياق قوله: {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِـي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِـي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِـي الأرْضِ إلاَّ مَنْ شاءَ اللّهُ} فإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه عُنـي بقوله: {وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} من الفزع الذي قد جرى ذكره قبله. وإذا كان ذلك كذلك، كان لا شكّ أنه معرفة، وأن الإضافة إذا كان معرفة به أولـى من ترك الإضافة وأخرى أن ذلك إذا أضيف فهو أبـين أنه خبر عن أمانه من كلّ أهوال ذلك الـيوم منه إذا لـم يضف ذلك، وذلك أنه إذا لـم يضف كان الأغلب علـيه أنه جعل الأمان من فزع بعض أهواله.

وقوله: {هَلْ تُـجْزَوْنَ إلاَّ ما كُنْتُـمْ تَعْمَلُونَ} يقول تعالـى ذكره: يقال لهم: هل تـجزون أيها الـمشركون إلا ما كنتـم تعملون، إذ كبكم الله لوجوهكم فـي النار، وإلا جزاء ما كنتـم تعملون فـي الدنـيا بـما يسخط ربكم وترك «يقال لهم» اكتفـاءً بدلالة الكلام علـيه.

الأربعاء، 4 نوفمبر 2026 24 جمادى الأولى 1448 هـ