انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النمل

تفسير البغويالآيات 1–38

تفسير سورة النمل آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

طسٓ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ ۝١ هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ۝٢ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ۝٣ إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ۝٤ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ وَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ ۝٥

{طسۤ}, قال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله تعالى, وقد سبق الكلام في حروف الهجاء. {تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْقُرْءَانِ}, أي: هذه آيات القرآن, {وَكِتَـٰبٍ مُّبِينٍ}، أي: وآيات كتاب مبين.

{هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ}، يعني: هو هدى من الضلالة، وبشرى للمؤمنين المصدِّقين به بالجنة.

{ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلأَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}.

{إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ}, القبيحة. حتى رأوها حسنة، {فَهُمْ يَعْمَهُونَ}، أي: يترددون فيها متحيرين.

{أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ}، شدة العذاب في الدنيا بالقتل والأسر ببدر، {وَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم وصاروا إلى النار.

وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ۝٦ إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهْلِهِۦٓ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا سَـَٔاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ۝٧ فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِىَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٨ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٩ وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَٰمُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّى لَا يَخَافُ لَدَىَّ ٱلْمُرْسَلُونَ ۝١٠ إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًۢا بَعْدَ سُوٓءٍ فَإِنِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝١١ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍ فِى تِسْعِ ءَايَٰتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِۦٓ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا فَٰسِقِينَ ۝١٢ فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ ءَايَٰتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا۟ هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ۝١٣ وَجَحَدُوا۟ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝١٤ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَٰنَ عِلْمًا وَقَالَا ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٥

{وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ}، أي تُؤتى القرآن وتلقن، {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ}، أي وحياً من عند الله الحكيم العليم.

قوله عزّ وجلّ: {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَهْلِهِ}، أي واذكر يا محمد إذ قال موسى لأهله في مسيره من مدين إلى مصر: {إِنِّىۤ آنَسْتُ نَاراً}، أي أبصرت ناراً، {سَـئَاتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ}، أي: امكثوا مكانكم، سآتيكم بخبر عن الطريق، وكان قد ترك الطريق، {أَوْ ءَاتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ}، قرأ أهل الكوفة: "بشهاب" بالتنوين، جعلوا القبس نعتاً للشهاب، وقرأ الآخرون بلا تنوين على الإِضافة، وهو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الشهاب والقبس متقاربان في المعنى، وهو العود الذي في أحد طرفيه فيه نار، وليس في الطرف الآخر نار. وقال بعضهم: الشهاب هو شيء ذو نور، مثل العمود، والعرب تسمي كل أبيضٍ ذي نور شهاباً، والقبس: القطعة من النار، {لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ}، تستدفئون من البرد وكان ذلك في شدة الشتاء.

{فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِىَ أَن بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا}، أي بورك على من في النار أو في مَنْ في النار، والعرب تقول: باركه الله وبارك فيه، وبارك عليه، بمعنى واحد.

وقال قوم: البركة راجعة إلى موسى والملائكة، معناه: بورك في من طلب النار، وهو موسى عليه السلام، {ومن حولها} وهم الملائكة الذين حول النار، ومعناه: بورك فيك يا موسى وفي الملائكة الذين حول النار، وهذا تحية من عند الله عزّ وجلّ لموسى بالبركة، كما حيا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت.

ومذهب أكثر المفسرين أن المراد بالنار النور، وذكر بلفظ النار لأن موسى حسبه ناراً, "من في النار" هم الملائكة، وذلك أن النور الذي رآه موسى كان فيه ملائكة لهم زجل بالتقديس والتسبيح، و"من حولها" هو موسى لأنه كان بالقرب منها، ولم يكن فيها. وقيل: "مَنْ في النار ومَنْ حولها" جميعاً الملائكة. وقيل: "من في النار" موسى و"من حولها" الملائكة، وموسى وإن لم يكن في النار كان قريباً منها، كما يقال بلغ فلان المنزل، إذا قرب منه، وإن لم يبلغه بعد.

وذهب بعضهم إلى أن البركة راجعة إلى النار. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: معناه بُوركتِ النار. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سمعت أُبيّاً يقرأ: أن بوركت النار ومن حولها، و"من" قد تأتي بمعنى ما، كقوله تعالى:

{ { فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ بَطْنِهِ } } [النور: 45]، و«ما» قد تكون صلة في الكلام، كقوله { { جُندٌ مَّا هُنَالِكَ } } [ص: 11]، ومعناه: بورك في النار وفيمن حولها، وهم الملائكة وموسى عليه السلام، وسمَّى النار مباركة كما سمي البقعة مباركة فقال: "في البقعة المباركة".

وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن في قوله: {بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ}، يعني قُدس من في النار، وهو الله، عنى به نفسه، على معنى أنه نادى موسى منها وأسمعه كلامه من جهتها. كما روي: أنه مكتوب في التوراة: "جاء الله من سيناء، وأشرف من ساعين، واستعلى من جبال فاران"، فمجيئه من سيناء: بعثة موسى منها، ومن ساعين بعثة المسيح منها، ومن جبال فاران بعثة المصطفى منها، وفاران مكة.

قيل: كان ذلك نوره عزّ وجلّ. قال سعيد بن جبير: كانت النار بعينها، والنار إحدى حجب الله تعالى، كما جاء في الحديث:

حجابه النار لو كشفها لأحرقت سُبحَاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، ثم نزّه الله نفسه وهو المنزه من كل سوء وعيب، فقال جلّ ذكره. {وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، ثم تعرف إلى موسى بصفاته، فقال:

{يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}، والهاء في قوله {إِنَّهُ} عماد، وليس بكناية، وقيل: هي كناية عن الأمر والشأن، أي: الأمر والشأن أي: المعبود أنا، ثم أرى موسى آية على قدرته، فقال:

{وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ}، تتحرك، {كَأَنَّهَا جَآنٌّ}، وهي الحية الصغيرة التي يكثر اضطرابها، {وَلَّىٰ مُدْبِراً}، وهرب من الخوف، {وَلَمْ يُعَقِّبْ}، ولم يرجع، يقال: عقَّب فلان إذا رجع، وكل راجع معقَّب. وقال قتادة: ولم يلتفت، فقال الله عزّ وجلّ: {يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ إِنِّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ ٱلْمُرْسَلُونَ}، يريد إذا آمنتهم لا يخافون، أما الخوف الذي هو شرط الإِيمان فلا يفارقهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

أنا أخشاكم لله ».

وقوله: {إَلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ فَإِنِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، واختُلف في هذا الاستثناء، قيل: هذا إشارة إلى أن موسى حين قتل القبطي خاف من ذلك، ثم تاب فقال: ربِّ إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي، فغفر له. قال ابن جريج: قال الله تعالى لموسى: إنما أخفتُك لقتلِك النفس. وقال معنى الآية: لا يخيف الله الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه حتى يتوب، فعلى هذا التأويل يكون الاستثناء صحيحاً وتناهى الخبر عن الرسل عند قوله: {إَلاَّ مَن ظَلَمَ}، ثم ابتدأ الخبر عن حال من ظلم من الناس كافة. وفي الآية متروك استُغني عن ذكره بدلالة الكلام عليه، تقديره: فمن ظَلَمَ ثم بدّل حسناً بعد سوء فإني غفور رحيم.

وقال بعض العلماء: ليس هذا باستثناء من المرسلين لأنه لا يجوز عليهم الظلم، بل هو استثناء من المتروك في الكلام، معناه لا يخاف لديّ المرسلون، إنما الخوف على غيرهم من الظالمين، إلاّ من ظلم ثم تاب، وهذا من الاستثناء المنقطع، معناه. لكن من ظلم من سائر الناس فإنه يخاف، فإن تاب وبدّل حسناً بعد سوء فإن الله غفور رحيم، يعني يغفر الله له ويزيل الخوف عنه.

وقال بعض النحويين: "إلاّ" هاهنا بمعنى: "ولا"، يعني: لا يخاف لديّ المرسلون ولا من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء يقول: لا يخاف لديّ المرسلون ولا المذنبون التائبون كقوله تعالى:

{ { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } } [البقرة: 150] يعني ولا الذين ظلموا.

ثم أراه الله آية أخرى فقال:

{وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ}، والجيب حيث جيب من القميص، أي قطع، قال أهل التفسير: كانت عليه مدرعة من صوف لا كم لها ولا أزرار فأدخل يده في جيبه وأخرجها، فإذا هي تبرق مثل البرق، فذلك قوله: {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ}، من غير بَرَصٍ، {فِى تِسْعِ ءَايَـٰتٍ}، يقول هذه آية مع تسع آيات أنت مرسل بهنّ، {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ}.

{فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ ءَايَـٰتُنَا مُبْصِرَةً}، بيّنة واضحة يبصر بها، {قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ}، ظاهر.

{وَجَحَدُواْ بِهَا}، أي: أنكروا الآيات ولم يقروا أنها من عند الله، {وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ}، أي: علموا أنها من عند الله، قوله: {ظُلْماً وَعُلُوّاً}، أي: شركاً وتكبراً عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى، {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ}.

قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ عِلْماً}، أي: علم القضاء ومنطق الطير والدواب وتسخير الشياطين وتسبيح الجبال، {وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى فَضَّلَنَا}، بالنبوة والكتاب وتسخير الشياطين والجن والإِنس {عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}.

وَوَرِثَ سُلَيْمَٰنُ دَاوُۥدَ وَقَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ ۝١٦

{وَوَرِثَ سُلَيْمَـٰنُ دَاوُودَ}، نبوته وعلمه وملكه دون سائر أولاده، وكان لداود تسعة عشر ابناً، وأُعطي سليمان ما أُعطي داود من الملك، وزيد له تسخير الريح وتسخير الشياطين. وقال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكاً من داود وأقضى منه، وكان داود أشد تعبداً من سليمان، وكان سليمان شاكراً لنعم الله تعالى

{وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ}، سمّى صوت الطير منطقاً لحصول الفهم منه، كما يفهم من كلام الناس.

روي عن كعب قال: صاح وَرَشان عند سليمان عليه السلام، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: إنه يقول لدوا للموت وابنُوا للخراب، وصاحت فاختة، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا، قال: إنها تقول ليت ذا الخلق لم يخلقوا، وصاح طاووس، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: فإنه يقول كما تدين تدان، وصاح هدهد، فقال: أتدرون ما يقول هذا؟ قالوا: لا، قال: فإنه يقول من لا يَرحم لا يُرحم، وصاح صُرَد، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: فإنه يقول استغفروا الله يا مذنبين، قال: وصاحت طوطى، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا، فإنها تقول: كل حي ميت وكل حديد بال، وصاح خطاف، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: فإنه يقول: قدِّموا خيراً تجدوه، وهدرت حمامة، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا، فإنها تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه، وصاح قُمْري، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: فإنه يقول: سبحان ربي الأعلى، قال: والغراب يدعو على العشَّار، والحِدَأة تقول: كل شيء هالك إلاّ الله، والقطاة تقول: من سكت سلم، والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه، والضفدع يقول: سبحان ربي القدوس، والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده، والضفدعة تقول: سبحان المذكور بكل لسان.

وعن مكحول قال: صاح دراج عند سليمان، فقال: هل تدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: فإنه يقول الرحمن على العرش استوى.

وعن فرقد السبخي قال مرَّ سليمان على بلبل فوق شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ فقالوا الله ونبيه أعلم، قال يقول: أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء.

وروي أن جماعة من اليهود قالوا لابن عباس: إنا سائلوك عن سبعة أشياء فإن أخبرتنا آمنا وصدقنا، قال: سلوا تفقهاً ولا تسألوا تعنتاً، قالوا: أخبرنا ما يقول القنبر في صفيره، والديك في صعيقه، والضفدع في نقيقه، والحمار في نهيقه، والفرس في صهيله، وماذا يقول الزرزور والدراج، قال: نعم، أما القنبر فيقول: اللهم العن مبغضي محمد وآل محمد، وأما الديك فيقول: اذكروا الله يا غافلون، وأما الضفدع فيقول: سبحان المعبود في لجج البحار، وأما الحمار فيقول: اللهم العن العشار، وأما الفرس فيقول: إذا التقى الصفان سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وأما الزرزور فيقول: اللهم إني أسألك قوت يوم بيوم يا رازق، وأما الدراج فيقول: الرحمن على العرش استوى، قال: فأسلم اليهود وحسن إسلامهم.

وروي عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده عن الحسين بن علي قال: إذا صاح النسر قال: يا ابن آدم، عِشْ ما شئت آخره الموت، وإذا صاح العقاب قال: في البعد من الناس أُنس، وإذا صاح القنبر قال: إلهي العن مبغضي آل محمد، وإذا صاح الخطاف، قرأ: الحمد لله رب العالمين، ويمد الضالين كما يمد القارىء.

قوله تعالى: {وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَىْءٍ}، يُؤتى الأنبياء والملوك، قال ابن عباس: من أمر الدنيا والآخرة. وقال مقاتل: يعني النبوة والملك وتسخير الجن والشياطين والرياح، {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ}، الزيادة الظاهرة على ما أعطي غيرنا. وروى أن سليمان عليه السلام أعطي ملك مشارق الأرض ومغاربها، فملك سبعمائة سنة وستة أشهر، ملك جميع أهل الدنيا من الجن والإِنس والدواب والطير والسباع، وأعطي على ذلك منطق كل شيء، وفي زمانه صنعت الصنائع العجيبة.

وَحُشِرَ لِسُلَيْمَٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ۝١٧

قوله عزّ وجلّ: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَـٰنَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ} في مسير له، {فَهُمْ يُوزَعُونَ}، فهم يكفون. قال قتادة: كان على كل صف من جنوده وزعة تردّ أولاها على آخرها لئلا يتقدموا في المسير، والوازع الحابس، وهو النقيب، وقال مقاتل: يوزعون يساقون.

وقال السدي: يوقفون. وقيل: يجمعون. وأصل الوزع الكف والمنع.

قال محمد بن كعب القرظي: كان معسكر سليمان مائة فرسخ، خمسة وعشرون منها للإِنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة صريحة، وسبعمائة سرية فيأمر الريح العاصف فترفعه، ويأمر الرخاء فتسير به، فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض: إني قد زدت في ملكك أنه لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلاّ جاءت به الريح، فأخبرتكَ.

حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوْا۟ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُوا۟ مَسَٰكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ۝١٨

قوله عزّ وجلّ: {حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِى ٱلنَّمْلِ}، روي عن وهب بن منبه عن كعب قال: كان سليمان إذا ركب حمل أهله وخدمه وحشمه، وقد اتخذ مطابخ ومخابز يُحْمل فيها تنانير الحديد وقدور عظام، يسع كل قدر عشر جزائر وقد اتخذ ميادين للدواب أمامه، فيطبخ الطباخون، ويخبز الخبازون، وتجري الدواب بين يديه بين السماء والأرض، والريح تهوي بهم، فسار من اصطخر إلى اليمن فسلك مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال سليمان: هذه دار هجرة نبي في آخر الزمان، طوبى لمن آمن به وطوبى لمن اتبعه، ورأى حول البيت أصناماً تُعبد من دون الله فلما جاوز سليمان البيت بكى البيت، فأوحى الله إلى البيت ما يبكيك؟ قال: يا رب أبكاني أن هذا نبي من أنبيائك وقوم من أوليائك مَرّوا عليّ فلم يهبطوا ولم يصلوا عندي، والأصنام تُعبد حولي من دونك فأوحى الله إليه أن لا تبكِ، فإني سوف أملؤك وجوهاً سجداً، وأنزل فيك قرآناً جديداً وأبعث منك نبياً في آخر الزمان أحب أنبيائي إليّ وأجعل فيك عمّاراً من خلقي يعبدونني، وأفرض على عبادي فريضة يذفون إليك ذفيف النسور إلى وكرها، ويحنون إليك حنين الناقة إلى ولدها والحمامة إلى بيضها، وأطهرك من الأوثان وعبدة الشياطين، ثم مضى سليمان حتى مرّ بوادي السدير وادٍ من الطائف، فأتى على وادي النمل، هكذا قال كعب: إنه وادٍ بالطائف.

وقال قتادة ومقاتل: هو أرض بالشام. وقيل: واد كان يسكنه الجن، وأولئك النمل مراكبهم. وقال نوف الحميري: كان نمل ذلك الوادي أمثال الذباب. وقيل: كالبخاتي. والمشهور: أنه النمل الصغير. وقال الشعبي: كانت تلك النملة ذات جناحين. وقيل: كانت نملة عرجاء فنادت:

{قَالَتْ نَمْلَةٌ: يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ}، ولم تقل ادخلن لأنه لما جعل لهم قولاً كالآدميين خوطبوا بخطاب الآدميين، {لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ}، لا يكسرنّكم، {سُلَيْمَـٰنُ وَجُنُودُهُ}، والحطم الكسر، {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}، فسمع سليمان قولها، وكان لا يتكلم خلق إلا حملت الريح ذلك فألقته في مسامع سليمان، قال مقاتل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال، قال الضحاك: كان اسم تلك النملة طاحية، وقال مقاتل: كان اسمها جرمى.

فإن قيل كيف يتصور الحطم من سليمان وجنوده وكانت الريح تحمل سليمان وجنوده على بساط بين السماء والأرض؟ قيل: كان جنوده ركباناً وفيهم مشاة على الأرض تطوى لهم.

وقيل: يحتمل أن يكون هذا قبل تسخير الله الريح لسليمان.

قال أهل التفسير: علم النمل أن سليمان نبي ليس فيه جبرية وظلم.

ومعنى الآية: أنكم لو لم تدخلوا مساكنكم وطؤوكم ولم يشعروا بكم. ويروى أن سليمان لما بلغ وادي النمل حبس جنوده حتى دخل النمل بيوتهم.

فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحًا تَرْضَىٰهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝١٩

قوله عزّ وجلّ: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا}، قال الزجاج: أكثر ضحك الأنبياء التبسم. وقوله: {ضَاحِكاً} أي متبسماً. وقيل: كان أوله التبسم وآخره الضحك.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن سليمان، حدثني ابن وهب، أخبرنا عمرو، وهو ابن الحارث، أخبرنا النضر، حدثه عن سليمان بن يسار، عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً قط ضاحكاً حتى أرى منه لَهَوَاتِه، إنما كان يتبسم.

أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة عن عبيد الله بن المغيرة عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء قال: ما رأيتُ أحداً أكثر تبسماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال مقاتل: كان ضحك سليمان من قول النملة تعجباً، لأن الإِنسان إذا رأى ما لا عهد له به تعجب وضحك، ثم حمد سليمان ربَّه على ما أنعم عليه.

{وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىۤ}، ألهمني، {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىۤ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَالِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحاً تَرْضَـٰهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ}، أي: أدخلني في جملتهم، وأثبت اسمي مع أسمائهم واحشرني في زمرتهم، قال ابن عباس: يريد مع إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ومن بعدهم من النبيين. وقيل: أدخلني الجنة برحمتك مع عبادك الصالحين.

وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِىَ لَآ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ ۝٢٠ لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَا۟ذْبَحَنَّهُۥٓ أَوْ لَيَأْتِيَنِّى بِسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ ۝٢١ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍۭ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ۝٢٢ إِنِّى وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ۝٢٣ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَعْمَٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ۝٢٤

قوله عزّ وجلّ: {وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ}، أي: طلبها وبحت عنها، والتفقد: طلب ما فُقِد، ومعنى الآية: طلب ما فقد من الطير، {فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ}، أي: ما للهدهد لا أراه، تقول العرب: مالي أراك كئيباً؟ أي: مالك؟ والهدهد: طائر معروف. وكان سبب تفقد الهدهد وسؤاله عنه، قيل: إخلاله بالنوبة، وذلك أن سليمان كان إذا نزل منزلاً يظله وجندَه الطيرُ من الشمس، فأصابته الشمس من موضع الهدهد، فنظر فرآه خالياً.

وروي عن ابن عباس: أن الهدهد كان دليل سليمان على الماء وكان يعرف موضع الماء ويرى الماء تحت الأرض، كما يرى في الزجاجة، ويعرف قربه وبعده فينقر الأرض، ثم تجيء الشياطين فيسلخونه ويستخرجون الماء.

قال سعيد بن جبير: لما ذكر ابن عباس هذا قال له نافع بن الأزرق: يا وصاف انظر ما تقول، إن الصبي منّا يضع الفخ ويحثو عليه التراب، فيجيء الهدهد ولا يبصر الفخ حتى يقع في عنقه، فقال له ابن عباس: ويحك إن القدر إذا جاء حال دون البصر. وفي رواية: إذا نزل القضاء والقدر ذهب اللب وعمي البصر.

فنزل سليمان منزلاً فاحتاج إلى الماء فطلبوا فلم يجدوا، فتفقد الهدهد ليدل على الماء، فقال: مالي لا أرى الهدهد، على تقدير أنه مع جنوده، وهو لا يراه، ثم أدركه الشك في غيبته، فقال: {أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ}، يعني أكان من الغائبين، والميم صلة، وقيل: "أم" بمعنى "بل"، ثم أوعده على غيبته، فقال:

{لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً}، واختلفوا في العذاب الذي أوعده به، فأظهر الأقاويل أن عذابه أن ينتف ريشه وذنبه ويلقيه في الشمس ممعطاً، لا يمتنع من النمل ولا من هوام الأرض. وقال مقاتل بن حيان: لأطلينّه بالقطران ولأشمسنّه وقيل: لأودعنّه القفص. وقيل: لأفرقن بينيه وبين إلفه. وقيل: لاحبسنّه مع ضده. {أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ}، أي لأقطعن حلقه، {أَوْ لَيَأْتِيَنِّى بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ}، بحجة بينة في غيبته، وعذر ظاهر، قرأ ابن كثير {ليأتينَّني} بنونين، الأولى مشددة، وقرأ الآخرون بنون واحدة مشددة.

وكان سبب غيبته على ما ذكر العلماء: أن سليمان لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج إلى أرض الحرم، فتجهز للمسير، واستصحب من الجن والإِنس والشياطين والطيور والوحوش ما بلغ معسكره مائة فرسخ، فحملتهم الريح، فلما وافى الحرم أقام به ما شاء الله أن يقيم، وكان ينحر كل يوم بمقامه بمكة خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة، وقال لمن حضره من أشراف قومه: إن هذا مكان يخرج منه نبي عربي صفته كذا وكذا، يعطى النصر على جميع من ناوأه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبيعد عنده في الحق سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم. قالوا: فبأي دين يدين يا نبي الله؟ قال: يدين بدين الحنيفية، فطوبى لمن أدركه وآمن به، قالوا: كم بيننا وبين خروجه يا نبي الله؟ قال: مقدار ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فإنه سيّد الأنبياء وخاتم الرسل، قال: فأقام بمكة حتى قضى نسكه، ثم خرج من مكة صباحاً، وسار نحو اليمن فوافى صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضاً حسناء تزهو خضرتها فأحب النزول بها ليصلي ويتغدى، فلما نزل قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول فارتفع نحو السماء فانظر إلى طول الدنيا وعرضها، ففعل ذلك فنظر يميناً وشمالاً، فرأى بستاناً لبلقيس، فمال إلى الخضرة فوقع فيه فإذا هو بهدهد فهبط عليه، وكان اسم هدْهد سليمان "يعفور" واسم هدهد اليمن "عنفير"، فقال عنفير اليمن ليعفور سليمان: من أين أقبلت وأين تريد، قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود، فقال: ومن سليمان؟ قال ملك الجن والإِنس والشياطين والطير والوحش والرياح، فمن أين أنت، قال: أنا من هذه البلاد، قال: ومن ملكها؟ قال: امرأة يقال لها بلقيس، وإن لصاحبكم ملكاً عظيماً ولكن ليس ملك بلقيس دونه، فإنها ملكة اليمن كلها، وتحت يدها إثنا عشر ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل، فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها؟ قال: أخاف أن يتفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج إلى الماء، قال الهدهد اليماني: إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة، فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها، وما رجع إلى سليمان إلا في وقت العصر. قال: فلما نزل سليمان ودخل عليه وقت الصلاة وكان نزل على غير ماء، فسأل الإِنس والجن والشياطين عن الماء فلم يعلموا، فتفقد الطير، ففقد الهدهد، فدعا عريف الطير ـ وهو النسر ـ فسأله عن الهدهد، فقال: أصلح الله الملك، ما أدري أين هو، ما أرسلته مكاناً، فغضب عند ذلك سليمان، وقال: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً} الآية. ثم دعا العقاب سيد الطير فقال: عليّ بالهدهد الساعةَ، فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى التزق بالهواء فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم ثم التفت يميناً وشمالاً فإذا هو بالهدهد مقبلاً من نحو اليمن، فانقضّ العقاب نحوه يريده، فلما رأى الهدهد ذلك علم أن العقاب يقصده بسوء فناشده، فقال: بحق الله الذي قوّاك وأقدرك عليّ إلا رحمتني ولم تتعرض لي بسوء، قال فولّى عنه العقاب، وقال له: ويلك ثكلتك أمك، إن نبي الله قد حلف أن يعذبك أو يذبحك، ثم طارا متوجهين نحو سليمان، فلما انتهيا إلى المعكسر تلقاه النسر والطير، فقالوا له: ويلك أين غبت في يومك هذا؟ ولقد توعدك نبي الله، وأخبراه بما قال، فقال الهدهد: أوَ ما استثنى رسول الله قالوا: بلى قال "أو ليأتينّي بسلطان مبين"، قال" فنجوت إذاً، ثم طار العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان وكان قاعداً على كرسيه، فقال العقاب قد أتيتك به يا نبي الله، فلما قرب الهدهد منه رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعاً لسليمان، فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه وقال: أين كنت؟ لأعذبنّك عذاباً شديداً فقال الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى، فلما سمع سليمان ذلك ارتعد وعفا عنه، ثم سأله فقال: ما الذي أبطأ بك عني؟ فقال الهدهد ما أخبر الله عنه في قوله:

{فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ}، قرأ عاصم ويعقوب: «فمكث» بفتح الكاف، وقرأ الآخرون بضمها وهما لغتان، {غَيْرَ بَعِيدٍ}، أي غير طويل، {فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ}، والإِحاطة: العلم بالشيء من جميع جهاته، يقول: علمتُ ما لم تعلم، وبلغتُ ما لم تبلغه أنت ولا جنودك، {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ}، قرأ أبو عمرو، والزبير عن ابن كثير «من سبأ» و «لسبأ» في سورة سبأ، مفتوحة الهمزة، وقرأ القواص وعن ابن كثير ساكنة بلا همزة، وقرأ الآخرون بالاجراء، فمن لم يجره جعله اسم للبلد، ومن أجراه جعله اسم رجل. فقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن سبأ فقال:

كان رجلاً له عشرة من البنين تَيامَنَ منهم ستة وتشاءم أربعة ». {بِنَبَإٍ}، بخبر, {يَقِينٍ}، فقال سليمان: وما ذاك؟ قال:

{إِنِّى وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ}، وكان اسمها بلقيس بنت شراحيل، من نسل يعرب بن قحطان، وكان أبوها ملكاً عظيم الشأن، قد ولد له أربعون ملكاً هو آخرهم، وكان يملك أرض اليمن كلها، وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفؤاً لي، وأبى أن يتزوج فيهم، فزوجوه امرأة من الجن يقال لها ريحانة بنت السكن، فولدت له بلقيس، [ولم يكن له ولد غيرها. وجاء في الحديث: "أن أحد أبوي بلقيس كان جنياً" فلما مات أبو بلقيس] طمعت في الملك فطلبت من قومها أن يبايعوها فأطاعها قوم وعصاها قوم آخرون، فملَّكوا عليهم رجلاً، وافترقوا فرقتين، كل فرقة استولت على طرف من أرض اليمن، ثم إن الرجل الذي ملّكوه أساء السيرة في أهل مملكته حتى كان يمد يده إلى حرم رعيته ويفجر بهن، فأراد قومه خلعه فلم يقدروا عليه، فلما رأت ذلك بلقيس أدركتها الغيرة فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه، فأجابها الملك، وقال: ما منعني أن ابتدئك بالخطبة إلاّ اليأس منك، فقالت: لا أرغب عنك، كفؤ كريم، فاجمع رجال قومي واخطبني إليهم، فجمعهم وخطبها إليهم، فقالوا: ألا نراها تفعل هذا، فقال لهم: إنها ابتدأتني فأنا أحب أن تسمعوا قولها فجاؤوها، فذكروا لها، فقالت: نعم أحببت الولد. فزوجوها منه، فلما زفت إليه خرجت في أناس كثير من حشمها، فلما جاءته سقته الخمر حتى سكر، ثم جزت رأسه وانصرفت من الليل إلى منزلها، فلما أصبح الناس رأوا الملك قتيلاً ورأسه منصوب على باب دارها، فعلموا أن تلك المناكحة كانت مكراً وخديعة منها، فاجتمعوا إليها وقالوا: أنت بهذا الملك أحق من غيرك، فملّكوها.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عثمان بن الهيثم، أخبرنا عوف، عن الحسن، عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس ملَّكوا عليهم بنت كسرى قال:

لن يفلح قوم ولَّو أمرهم امرأة ».

قوله تعالى: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ}، يحتاج إليه الملوك من الآلة والعدة، {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ}، سرير ضخم كان مضروباً من الذهب مكللاً بالدر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، وقوائمه من الياقوت والزمرد، وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق.

قال ابن عباس: كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعاً في ثلاثين ذراعاً، وطوله في السماء ثلاثون ذراعاً. وقال مقاتل: كان طوله ثمانين ذراعاً وطوله في السماء ثمانين ذراعاً. وقيل: كان طوله ثمانين ذراعاً وعرضه أربعين ذراعاً وارتفاعه ثلاثين ذراعاً.

{وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ}.

أَلَّا يَسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۝٢٥ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ ۝٢٦ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ ۝٢٧ ٱذْهَب بِّكِتَٰبِى هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ۝٢٨ قَالَتْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ إِنِّىٓ أُلْقِىَ إِلَىَّ كِتَٰبٌ كَرِيمٌ ۝٢٩ إِنَّهُۥ مِن سُلَيْمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ۝٣٠ أَلَّا تَعْلُوا۟ عَلَىَّ وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ ۝٣١ قَالَتْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ أَفْتُونِى فِىٓ أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ ۝٣٢ قَالُوا۟ نَحْنُ أُو۟لُوا۟ قُوَّةٍ وَأُو۟لُوا۟ بَأْسٍ شَدِيدٍ وَٱلْأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ ۝٣٣ قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا۟ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوٓا۟ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ ۝٣٤ وَإِنِّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌۢ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ ۝٣٥ فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَٰنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ۝٣٦ ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَٰغِرُونَ ۝٣٧ قَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ ۝٣٨

{أَلاَّ يَسْجُدُواْ}، قرأ أبو جعفر والكسائي: «أَلاَ يسجدوا» بالتخفيف، وإذا وقفوا يقفون "ألاَ يا" ألا يأثم يبدئون: "اسجدوا"، على معنى: ألاَ يا هؤلاء اسجدوا، وجعلوه أمراً من عند الله مستأنفاً، وحذفوا هؤلاء اكتفاءً بدلالة "يا" عليها، وذكر بعضهم سماعاً من العرب: ألاَ يا ارحمونا، يريدون ألاَ يا قوم، وقال الأخطل:

أَلاَ يا أسْلَمِي يا هِنْدَ بَنِي بَكْرِوإنْ كانَ حَيَّانَا عِدَاً آخِرَ الدَّهْرِ

يريد: ألاَ يا هند اسلمي، وعلى هذا يكون قوله «ألاَ» كلاماً معترضاً من غير القصة، إما من الهدهد، وإما من سليمان. قال أبو عبيدة: هذا أمر من الله مستأنف يعني: يا أيها الناس اسجدوا.

وقرأ الآخرون: «ألاَّ يسجدوا» بالتشديد، بمعنى: وزين لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا، {للَّهِ ٱلَّذِى يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ}، أي الخفي المخبّأ، {فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}، أي: ما خبأت. قال أكثر المفسرين: خبء السماء: المطر، وخبء الأرض: النبات.

وفي قراءة عبد الله: «يخرج الخبء من السموات والأرض»، و"من" و"في" يتعاقبان، تقول العرب: لأستخرجن العلم فيكم، يريد منكم.

وقيل: معنى "الخبء" الغيب، يريد: يعلم غيب السموات والأرض.

{ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ}، قرأ الكسائي، وحفص، عن عاصم: بالتاء فيهما، لأن أول الآية خطاب على قراءة الكسائي بتخفيف ألاَ، وقرأ الآخرون بالياء.

{ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ}، أي: هو المستحقُّ للعبادة والسجود لا غيره. وعرش ملكة سبأ وإن كان عظيماً فهو صغير حقير في جنب عرشه عزّ وجلّ، تم هاهنا كلام الهدهد، فلما فرغ الهدهد من كلامه.

{قَالَ}، سليمان للهدهد: {سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ} فيما أخبرت، {أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ}؟ فدلَّهم الهدهد على الماء، فاحتفروا الركايا، وروى الناس والدواب، ثم كتب سليمان كتاباً: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد فلا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين. قال ابن جريج لم يزد سليمان على ما قص الله في كتابه. وقال قتادة: وكذلك كل الأنبياء كانت تكتب جُمَلاً لا يطيلون ولا يكثرون. فلما كتب الكتاب طبعه بالمسك وختمه بخاتمه. فقال للهدهد:

{ٱذْهَب بِّكِتَابِى هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ}، قرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة: ساكنة الهاء، ويختلسها أبو جعفر، ويعقوب وقالون كسراً، [والآخرون بالإِشباع كسراً]، {ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ}، تَنحَ عنهم فكنْ قريباً منهم، {فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعون}، يردُّون من الجواب. وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهبْ بكتابي هذا فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم، أي: انصرف إليَّ، فأخذ الهدهد الكتاب فأتى به إلى بلقيس، وكانت بأرض يقال لها: "مَأْرِب" من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها، فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة.

وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره حتى وقف على رأس المرأة وحولها القادة والجنود فرفرف ساعة والناس ينظرون إليه، حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حِجْرها.

وقال ابن منبه، وابن زيد: كانت لها كوة مستقبلة الشمس تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد الكوة فسدها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلما استبطأت الشمس قامت تنظر، فرمى بالصحيفة إليها فأخذت بلقيس الكتاب، وكانت قارئة، فلما رأت الخاتم أُرعدت وخضعت لأن ملك سليمان كان في خاتمه، وعرفت أن الذي أرسل الكتاب إليها أعظم مُلْكاً منها، فقرأت الكتاب، وتأخر الهدهد غير بعيد، فجاءت حتى قعدت على سرير مملكتها وجمعت الملأَ من قومها، وهم اثنا عشر ألف قائد مع كل قائد مائة ألف مقاتل. وعن ابن عباس قال: كان مع بلقيس مائة ألف، قَيْل، مع كل قيْل مائة ألف، والقَيْل الملك دون الملك الأعظم، وقال قتادة ومقاتل: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً كل رجل منهم على عشرة آلاف، قال: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم.

{قَالَتْ}، لهم بلقيس: {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ}، وهم أشراف الناس وكبراؤهم {إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ}، قال عطاء والضحاك: سمته كريماً لأنه كان مختوماً. ورى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

كرامة الكتاب ختمه، وقال قتادة ومقاتل: "كتاب كريم" أي: حسن، وهو اختيار الزجاج، وقال: حسنٌ ما فيه, وروي عن ابن عباس: "كريم"، أي: شريف لشرف صاحبه، وقيل: سمته كريماً لأنه كان مصدراً ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم بينت ممَّن الكتاب فقالت:

{إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ}، وبينت المكتوب فقالت، {وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}.

{أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَىَّ}، قال ابن عباس: أي: لا تتكبروا عليّ. وقيل: لا تتعظموا ولا تترفعوا عليّ. وقيل: معناه: لا تمتنعوا من الإِجابة، فإنَّ ترك الإِجابة من العلو والتكبر، {وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ}، مؤمنين طائعين. قيل هو من الإِسلام، وقيل: هو من الاستسلام.

{قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلاَُ أَفْتُونِى فِىۤ أَمْرِى}، أشيروا عليّ فيما عرض لي، وأجيبوني فيما أشاوركم فيه، {مَا كُنتُ قَاطِعَةً}، قاضيةً وفاصلةً، {أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ}، أي تحضرون.

{قَالُواْ}، مجيبين لها، {نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ} في القتال، {وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ}، عند الحرب، قال مقاتل: أرادوا بالقوة كثرةَ العدد، وبالبأس الشديد الشجاعةَ، وهذا تعريض منهم بالقتال إنْ أمرتهم بذلك ثم قالوا: {وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ}، أيتها الملكة في القتال وتركه، {فَٱنظُرِى}، من الرأي، {مَاذَا تأْمرين}، تجدينا لأمرك مطيعين.

{قَالَتْ}، بلقيس مجيبة لهم عن التعريض للقتال: {إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً} عنوة، {أَفْسَدُوهَا}، خرَّبوها، {وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً}، أي: أهانوا أشرافها وكبراءها، كي يستقيم لهم الأمر، تحذرهم مسير سليمان إليهم ودخوله بلادهم، وتناهى الخبر عنها هاهنا، فصدّق الله قولها فقال: {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ}، أي: كما قالت هي يفعلون.

ثم قالت: {وَإِنِّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ}، والهدية هي: العطية على طريق الملاطفة، وذلك أن بلقيس كانت امرأة لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إني مرسلة إليهم، أي إلى سليمان وقومه، بهدية أُصانِعُه بها عن ملكي وأختبره بها أَملِكٌ هو أم نبي؟ فإن يكن ملكاً قبل الهدية وانصرف، وإن كان نبياً لم يقبل الهدية ولم يُرْضِه منّا إلاّ أن نتبعه على دينه، فذلك قوله تعالى: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ}، فأهدت إليه وصفاء ووصائف، قال ابن عباس: ألبستهم لباساً واحداً كي لا يُعْرف الذكر من الأنثى. وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري وألبس الجواري لباس الغلمان.

واختلفوا في عددهم، فقال ابن عباس: مائة وصيف ومائة وصيفة، وقال مجاهد ومقاتل: مائتا غلام ومائتا جارية.

وقال قتادة، وسعيد بن جبير: أرسلت إليه بلبنة من ذهب في حرير وديباج.

وقال ثابت البناني: أهدت إليه صفائح من الذهب في أوعية الديباج. وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب.

وقال وهب وغيره: عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية، فألبست الغلمان لباسَ الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقاً من ذهب وفي آذانهم أقراطاً وشنوفاً مرصَّعات بأنواع الجواهر، وألبست الجواري لباس الغلمان؛ الأقبيةَ والمناطق، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة، والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملون، وبعثت إليه خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة، وتاجاً مكللاً بالدر والياقوت المرتفع، وأرسلت إليه المسك والعنبر والعود الألنجوج، وعمدت إلى حقة فجعلت فيها درة ثمينة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معوجة الثقب، ودعت رجلاً من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو، وضمت إليه، رجالاً من قومها أصحاب رأي وعقل، وكتبت معه كتاباً بنسخة الهدية، وقالت فيه: إن كنتَ نبياً فميزْ لي بيّنِ الوصائف والوصفاء، وأخبر بما في الحقة قبل أن تفتحها، واثقب الدر ثقباً مستوياً، وأدخل خيطاً في الخرزة المثقوبة من غير علاج إنس ولا جنّ.

وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام تأنيث وتخنيث يشبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال.

ثم قالت للرسول: أنظر إلى الرجل إذا دخلت عليه فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنه ملك ولا يهولنك منظره، فإنّا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشاشاً لطيفاً فاعلم أنه نبي مرسل فتفهَّمْ قوله، ورد الجواب.

فانطلق الرسول بالهدايا، وأقبل الهدد مسرعاً إلى سليمان فأخبره الخبر كله، فأمر سليمان الجنَّ أن يضربوا لبنات الذهب ولبنات الفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسعة فراسخ ميداناً واحداً بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطاً، شُرفها من الذهب والفضة، ثم قال: أي الدوابِّ أحسن مما رأيتم في البر والبحر، قالوا: يا نبي الله إنا رأينا دواباً في بحر كذا وكذا منقطعة مختلفة ألوانها لها أجنحة وأعراف ونواصٍ، فقال: عليّ بها الساعة، فأَتوا بها، فقال شدُّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضة، وألقُوا لها علوفَتها فيها، ثم قال للجن: عليّ بأولادكم فاجتمع خلق كثير، فأقامهم عن يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان في مجلسه على سريره، ووضع له أربعة آلاف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفوا صفوفاً فراسخ، وأمر الإِنس فاصطفوا فراسخ وأمر الوحوش والسباع والهوام والطير، فاصطفوا فراسخ عن يمينه وعن يساره. فلما دنا القوم من الميدان ونظروا إلى ملك سليمان ورأوا الدواب التي لم ترَ أعينُهم مثلها تروث على لَبِنِ الذهب والفضة، تقاصرت أنفسهم ورموا بما معهم من الهدايا، وفي بعض الروايات أن سليمان لما أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعاً على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خالياً وكل الأرض مفروشة خافوا أن يتهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان، فلما رأوا الشياطين نظروا إلى منظر عجيب ففزعوا، فقالت لهم الشياطين: جُوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرون على كردوس كردوس من الجن والإِنس والطير والهوام والسباع والوحوش، حتى وقفوا بين يدي سليمان، فنظر إليهم سليمان نظراً حسناً بوجه طلق، وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاؤوا له، وأعطاه كتاب الملكة، فنظر فيه، ثم قال: أين الحقة، فأُتى بها فحركها، وجاء جبريل فأخبره بما في الحقة، فقال: إن فيها درة ثمينة غير مثقوبة، وجزعة مثقوبة معوجة الثقب، فقال الرسول: صدقتَ فاثقب الدرة، وأدخل الخيط في الخرزة، فقال سليمان: من لي بثقبها فسأل سليمان الإنس ثم الجن، فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين، فقالوا: نرسل إلى الأرضة فجاءت الأرضة فأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان ما حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة، فقال لك ذلك.

وروي أنها جاءت دودة تكون في الصفصاف فقالت: أنا أدخل الخيط في الثقب على أن يكون رزقي في الصفصاف، فجعل لها ذلك، فأخذت الخيط بفيها ودخلت الثقب وخرجت من الجانب الآخر.

ثم قال: من لهذه الخرزة فيسلكها في الخيط؟ فقالت دودة بيضاء أنا لها يا رسول الله فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان: ما حاجتك؟ فقالت: تجعل رزقي في الفواكه، قال: لك ذلك، ثم ميّز بين الجواري والغلمان، بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم، فجعلت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به الوجه، والغلام كما يأخذه من الآنية فيضرب به وجهه، وكانت الجارية تصب الماء على بطن ساعدها والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صباً وكان الغلام يحدر الماء على يديه حدراً، فميّز بينهم بذلك، ثم ردّ سليمان الهدية, كما قال الله تعالى:

{فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ}، قرأ حمزة، ويعقوب: {أتمدوني} بنون واحدة مشددة وإثبات الياء، وقرأ الآخرون: بنونين خفيفتين، ويثبت الياء أهل الحجاز والبصرة، والآخرون يحذفونها، {فَمَآ ءَاتَـٰنِى ٱللَّه}، أعطاني الله من النبوة والدين والحكمة والملك، {خَيْرٌ} أفضل، {مِّمَّآ ءَاتَـٰكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ}، لأنكم أهل مفاخرة في الدنيا ومكاثرة بها، تفرحون بإهداء بعضكم لبعض، فأما أنا فلا أفرح بها، وليست الدنيا من حاجتي، لأن الله تعالى قد مكنني فيها وأعطاني منها ما لم يعط أحداً، ومع ذلك أكرمني بالدين والنبوة، ثم قال للمنذر بن عمرو أمير الوفد.

{ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ}، بالهدية، {فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ}، لا طاقة لهم، {بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ}، أي: من أرضهم وبلادهم وهي سبأ، {أَذِلَّةً وَهُمْ صَـٰغِرُونَ}، ذليلون إن لم يأتوني مسلمين.

قال وهب وغيره من أهل الكتب: فلما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان قالت: قد عرفت ـ والله ـ ما هذا بملك وما لنا به طاقة، فبعثت إلى سليمان إني قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض في آخر قصر من سبعة قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حراساً يحفظونه، ثم قالت لمن خلفت على سلطانها: احتفظ بما قِبَلِك وسرير ملكي، لا يخلص إليه أحد ولا يرينَّه حتى آتيك، ثم أمرت منادياً ينادي في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قَيْل: من ملوك اليمن، تحت يد كلِّ قيل ألوفٌ كثيرة.

قال ابن عباس: وكان سليمان رجلاً مهيباً لا يُبْتَدَأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوماً فجلس على سرير ملكه، فرأى وهجاً قريباً منه، فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس وقد نزلت منا بهذا المكان، وكان على مسيرة فرسخ من سليمان، قال ابن عباس: وكان بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ، فأقبل سليمان حينئذٍ على جنوده.

{قَالَ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلاَُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ}، أي: مؤمنين، وقال ابن عباس: طائعين.

واختلفوا في السبب الذي لأجله أمر سليمان بإحضار عرشها، فقال أكثرهم: لأن سليمان علم أنها إن أسلمت يحرم عليه مالها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها.

وقيل: ليُريها قدرة الله وعظيم سلطانه في معجزة يأتي بها في عرشها.

وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لما وصفه الهدهد، فأحب أن يراه.

قال ابن زيد: أراد أن يأمر بتنكيره وتغييره ليختبر بذلك عقلها.

الجمعة، 30 أكتوبر 2026 19 جمادى الأولى 1448 هـ