انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النمل

تفسير الطبريالآيات 41–66

تفسير سورة النمل آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النمل

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 59:29

  1. 1 الآيات 27–55في هذه الصفحة 19:27
  2. 2 الآيات 56–81في هذه الصفحة 15:28

التفسير الصوتي لسورة النمل كاملًا (4 مقاطع)

قَالَ نَكِّرُوا۟ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِىٓ أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ ۝٤١

يقول تعالـى ذكره: قال سلـيـمان لـما أتـى عرش بلقـيس صاحبة سبأ، وقدمت هي علـيه، لـجنده: غيِّروا لهذه الـمرأة سريرها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قَتادة، قوله {نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَها} قال: غيروا.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: فلـما أتته {قالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَها} قال: وتنكير العرش، أنه زيد فـيه ونقص.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَها} قال: غيِّروه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاح، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، نـحوه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {نَكرُوا لهَا عَرْشَها} قال: مـجلسها الذي تـجلس فـيه.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول، أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله {نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَها} أمرهم أن يزيدوا فـيه، وينقصوا منه.

وقوله: {نَنْظُرْ أتَهْتَدِي} يقول: ننظر أتعقل فتثبت عرشها أنه هو الذي لها {أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ} يقول: من الذين لا يعقلون فلا تثبت عرشها.

وقـيـل: إن سلـيـمان إنـما نكَّر لها عرشها، وأمر بـالصرح يعمل لها، من أجل أن الشياطين كانوا أخبروه أنه لا عقل لها، وأن رجلها كحافر حمار، فأراد أن يعرف صحة ما قـيـل له من ذلك. وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل قوله {أتَهْتَدِي أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِين لا يَهْتَدُونَ} قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {ننْظُرْ أتَهْتَدِي أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ} قال: زيد فـي عرشها ونقص منه، لـينظر إلـى عقلها، فوُجدت ثابتة العقل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {نَنْظُرْ أتَهْتَدِي} أتعرفه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنـي ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {نَنْظُرْ أتَهْتَدِي} قال: تعرفه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه: {أتَهْتَدِي أمْ تَكُونَ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ}: أي أتعقل، أم تكون من الذين لا يعقلون؟ ففعل ذلك لـينظر أتعرفه، أم لا تعرفه؟

فَلَمَّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُۥ هُوَ وَأُوتِينَا ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ۝٤٢

يقول تعالـى ذكره: لـما جاءت صاحبة سبأ سلـيـمان، أخرج لها عرشها، فقال لها: {أَهَكَذَا عَرْشُكِ}؟ قَالت وشبهته به: {كَأنَّهُ هُوَ}. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه، قال: لـما انتهت إلـى سلـيـمان وكلـمته أخرج لها عرشها، ثم قال: {أهَكَذَا عَرْشُكِ؟ قالَتْ كأنَّهُ هُوَ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قَتادة {فَلَـمَّا جَاءَتَ قِـيـلَ أهَكَذَا عَرْشكِ؟ قالَتْ كأنَّهُ هُوَ} قال: شبهته، وكانت قد تركته خـلفها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كان أبـي يحدّثنا هذا الـحديث كله، يعنـي حديث سلـيـمان، وهذه الـمرأة فلـما جاءت {قِـيـلَ أهَكَذَا عَرْشُكِ؟ قالَتْ كأنَّهُ هُوَ} شكَّت.

وقوله: {وأوتِـينا العِلْـمَ مِنْ قَبْلِها} يقول تعالـى ذكره مخبرا عن قـيـل سلـيـمان، وقال سلـيـمان: {وَأُوِتـينَا الْعِلْـمَ مِنْ قَبْلِهَا} أي هذه الـمرأة، بـالله وبقدرته علـى ما يشاء، {وَكُنَّا مُسْلِـمِينَ} لله من قبلها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {وأُوتِينَا العِلْمَ مِنْ قَبْلِها} قال: سليمان بقوله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَٰفِرِينَ ۝٤٣

يقول تعالـى ذكره: ومنع هذه الـمرأة صاحبة سبأ {ما كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ الله}، وذلك عبـادتها الشمس أن تعبد الله.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ} قال: كفرها بقضاء الله غير الوثن (صدَّها) أن تهتدي للـحق.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دونِ اللَّهِ} قال: كفرها بقضاء الله، صدها أن تهتدي للـحق.

ولو قـيـل: معنى ذلك: وصدّها سلـيـمان ما كانت تعبد من دون الله، بـمعنى: منعها وحال بـينها وبـينه، كان وجهاً حسناً. ولو قـيـل أيضاً: وصدّها الله ذلك بتوفـيقها للإسلام، كان أيضاً وجهاً صحيحاً.

وقوله: {إنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ} يقول: إن هذه الـمرأة كانت كافرة من قوم كافرين. وكسرت الألف من قوله «إنها» علـى الابتداء. ومن تأول قوله: {وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ} التأويـل الذي تأولنا، كانت «ما» من قوله {ما كانَتْ تَعْبُدُ} فـي موضع رفع بـالصد، لأن الـمعنى فـيه لـم يصدها عن عبـادة الله جهلها، وأنها لا تعقل، إنـما صدها عن عبـادة الله عبـادتها الشمس والقمر، وكان ذلك من دين قومها وآبـائها، فـاتبعت فـيه آثارهم. ومن تأوله علـى الوجهين الآخرين كانت «ما» فـي موضع نصب.

قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِى ٱلصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُۥ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٤٤

ذُكر أن سلـيـمان لـما أقبلت صاحبة سبأ تريده، أمر الشياطين فبنوا له صرحاً، وهو كهيئة السطح من قوارير، وأجرى من تـحته الـماء لـيختبر عقلها بذلك، وفهمها علـى نـحو الذي كانت تفعل هي من توجيهها إلـيه الوصائف والوصفـاء لـيـميز بـين الذكور منهم والإناث معاتبة بذلك كذلك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه، قال: أمر سلـيـمان بـالصرح، وقد عملته له الشياطين من زجاج كأنه الـماء بـياضاً، ثم أرسل الـماء تـحته، ثم وضع له فـيه سريره، فجلس علـيه، وعكفت علـيه الطير والـجنّ والإنس، ثم قال: {ادْخُـلِـي الصَّرْحَ} لـيريها مُلكاً هو أعزّ من مُلكها، وسلطاناً هو أعظم من سلطانها {فَلَـما رأَتْهُ حَسِبَتْهُ لّـجةً وكَشَفَتْ عَنْ ساقَـيْها} لا تشكّ أنه ماء تـخوضه، قـيـل لها: ادخـلـي إنه صرح مـمرّد من قوارير فلـما وقـفت علـى سلـيـمان دعاها إلـى عبـادة الله وعاتبها فـي عبـادتها الشمس دون الله، فقالت بقول الزنادقة، فوقع سلـيـمان ساجداً إعظاماً لـما قالت، وسجد معه الناس وسقط فـي يديها حين رأت سلـيـمان صنع ما صنع فلـما رفع سلـيـمان رأسه قال: ويحكِ ماذا قلت؟ قال: وأُنْسِيت ما قالت:، فقالت: {رَبّ إنّـي ظَلَـمْتُ نَفْسِي وأسْلَـمْتُ مَعَ سُلَـيْـمانِ لله رَبّ العالَـمِينَ} وأسلـمت، فحسُن إسلامها.

وقـيـل: إن سلـيـمان إنـما أمر ببناء الصرح علـى ما وصفه الله، لأن الـجنّ خافت من سلـيـمان أن يتزوّجها، فأرادوا أن يزهدوه فـيها، فقالوا: إن رجلها رجل حمار، وإن أمها كانت من الـجنّ، فأراد سلـيـمان أن يعلـم حقـيقة ما أخبرته الـجنّ من ذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن أبـي معشر، عن مـحمد بن كعب القرظيّ، قال: قالت الـجنّ لسلـيـمان تزهِّدهِ فـي بِلقـيس: إن رجلها رجل حمار، وإن أمها كانت من الـجنّ فأمر سلـيـمان بـالصرح، فعُمل، فسجن فـيه دواب البحر: الـحِيتان، والضفـادع فلـما بصرت بـالصرح قالت: ما وجد ابن داود عذابـاً يقتلنـي به إلا الغرق {فَحَسِبَتْهُ لُـجَّةً وكَشَفَتْ عَنْ ساقَـيْها} قال: فإذا (هي) أحسن الناس ساقاً وقدماً. قال: فضنّ سلـيـمان بساقها عن الـموسى، قال: فـاتُّـخذت النُّورة بذلك السبب.

وجائز عندي أن يكون سلـيـمان أمر بـاتـخاذ الصرح للأمرين الذي قاله وهب، والذي قاله مـحمد بن كعب القرضيّ، لـيختبر عقلها، وينظر إلـى ساقها وقدمها، لـيعرف صحة ما قـيـل له فـيها.

وكان مـجاهد يقول فـيـما ذكر عنه فـي معنى الصرح ما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {الصرْحَ} قال: بركة من ماء ضرب علـيها سلـيـمان قوارير ألبسها. قال: وكانت بلقـيس هلبـاء شعراء، قدمها كحافر الـحمار، وكانت أمها جنـية.

حدثنـي أحمد بن الولـيد الرملـي، قال: ثنا هشام بن عمار، قال: ثنا الولـيد بن مسلـم، عن سعيد بن بشير، عن قَتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كانَ أحَدُ أبَوَيْ صَاحِبَةِ سَبإٍ جِنِّبًّـاً

قال: ثنا صفوان بن صالـح، قال: ثنـي الولـيد، عن سعيد بن بشير، عن قَتادة، عن بشير بن نهيك، عن أبـي هريرة، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، ولـم يذكر النضر بن أنس.

وقوله: {فَلَـما رأتْهُ حَسِبَتْهُ لُـجةً} يقول: فلـما رأت الـمرأة الصرح حسبته لبـياضه واضطراب دواب الـماء تـحته لـجة بحر كشفت عن ساقـيها لتـخوضه إلـى سلـيـمان. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قَتادة {قِـيـل لَهَا ادْخُـلِـي الصرْحَ فَلَـمَّا رأتْهُ حَسِبَتْهُ لُـجَّةً} قال: وكان من قوارير، وكان الـماء من خـلفه فحسبته لـجة.

قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله {حَسِبَتْهُ لُـجَّةً} قال: بحراً.

حدثنا عمرو بن علـيّ، قال: ثنا ابن سوار، قال: ثنا روح بن القاسم، عن عطاء بن السائب، عن مـجاهد، فـي قوله: {وكَشَفَتْ عَنْ ساقَـيْها} فإذا هما شعراوان، فقال: ألا شيء يذهب هذا؟ قالوا: الـموسى، قال: لا، الـموسى له أثر، فأمر بـالنُّورة فصنعت.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا حفص، عن عمران بن سلـيـمان، عن عكرمة وأبـي صالـح قالا: لـما تزوّج سلـيـمان بلقـيس قالت له: لـم تـمسنـي حديدة قطّ قال سلـيـمان للشياطين: انظروا ما يُذهب الشعر؟ قالوا: النُّورة، فكان أوّل من صنع النورة.

وقوله: {إنَّهُ صَرْحٌ مُـمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ} يقول جلّ ثناؤه: قال سلـيـمان لها: إن هذا لـيس ببحر، إنه صرح مـمّرد من قوارير، يقول: إنـما هو بناء مبنـيّ مشيد من قوارير. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، {مُـمَرَّدً} قال: مشيد.

وقوله: {قالَتْ رَبّ إنّـي ظَلَـمْتُ نَفْسِي وأسْلَـمْتُ مَعَ سُلَـيْـمانَ...} الآية، يقول تعالـى ذكره: قالت الـمرأة صاحبة سبأ: ربّ إنـي ظلـمت نفسي فـي عبـادتـي الشمس، وسجودي لـما دونك {وأسْلَـمْتُ مَعَ سُلَـيْـمانَ لِلَّهِ} تقول: وانقدت مع سلـيـمان مذعنة الله بـالتوحيد، مفردة له بـالألوهة والربوبـية دون كلّ من سواه. وكان ابن زيد يقول فـي ذلك ما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي {حَسِبَتْهُ لُـجَّةً} قال: {إنَّهُ صَرْحٌ مُـمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ} فعرفت أنها قد غلبت {قالَتْ رَبِّ إنـي ظَلَـمْتُ نَفْسِي، وأسْلَـمْتُ مَعَ سُلَـيْـمانَ لِلَّهِ رَبّ العالَـمِينَ}.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَٰلِحًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ ۝٤٥ قَالَ يَٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ۝٤٦

يقول تعالـى ذكره: {وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلـى ثَمُودَ أخاهُمْ صَالِـحاً أن اعْبُدُوا اللَّهَ} وَحده لا شرِيك له، ولا تـجعلوا معه إلها غيره {فإذَا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ} يقول: فلـما أتاهم صالـح داعياً لهم إلـى الله صار قومه من ثمود فـيـما دعاهم إلـيه فريقـين يختصمون، ففريق مصدّق صالـحاً مؤمن به، وفريق مكذّب به كافر بـما جاء به. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ} قال: مؤمن وكافر، قولهم صالـح مرسل، وقولهم صالـح لـيس بـمُرسل. ويعنـي بقوله {يَخْتَصِمُونَ} يختلفون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {فإذَا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ} قال: مؤمن، وكافر.

وقوله: {قالَ يا قَوْمِ لِـمَ تَسْتَعْجِلُونَ بـالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الـحَسَنَةِ} يقول تعالـى ذكره: قال صالـح لقومه: يا قوم لأيّ شيء تستعجلون بعذاب الله قبل الرحمة. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {لِـمَ تَسْتَعْجِلُونَ بـالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الـحَسَنَةِ} قال: السيئة: العذاب، قبل الـحسنة: قبل الرحمة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {قالَ يا قَوْمِ لِـمَ تَسْتَعْجِلُونَ بـالسَّيِّئَةِ} قال بـالعذاب قبل الـحسنة، قال: العافـية.

وقوله: {لَوْلا تَسْتَغْفرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} يقول: هلا تتوبون إلـى الله من كفركم، فـيغفر لكم ربكم عظيـم جرمكم، يصفح لكم عن عقوبته إياكم علـى ما قد أتـيتـم من عظيـم الـخطيئة.

وقوله: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} يقول: لـيرحمكم ربكم بـاستغفـاركم إياه من كفركم.

قَالُوا۟ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَٰٓئِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ۝٤٧

يقول تعالـى ذكره: قالت ثمود لرسولها صالـح {اطَّيَّرنَا بِكَ وَبِـمَنْ مَعَكَ} أي تشاءمنا بك وبـمن معك من أتبـاعنا، وزجرنا الطير بأنا سيصيبنا بك وبهم الـمكاره والـمصائب، فأجابهم صالـح فقال لهم {طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ} أي ما زجرتـم من الطير لـما يصيبكم من الـمكاره عند الله علـمه، لا يدري أيّ ذلك كائن، أما تظنون من الـمصائب أو الـمكاره، أم ما لا ترجونه من العافـية والرجاء والـمـحاب. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنا معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {قالَ طائرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ} يقول: مصائبكم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قَتادة، قوله {طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ} علـمكم عند الله.

وقوله: {بَلْ أنْتُـمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} يقول: بل أنتـم قوم تـختبرون، يختبركم ربكم إذ أرسلنـي إلـيكم، أتطيعونه، فتعملون بـما أمركم به، فـيجزيكم الـجزيـل من ثوابه، أم تعصونه، فتعملون بخلافه، فـيحلّ بكم عقابه.

وَكَانَ فِى ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ۝٤٨ قَالُوا۟ تَقَاسَمُوا۟ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُۥ وَأَهْلَهُۥ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِۦ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِۦ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ۝٤٩

يقول تعالـى ذكره: وكان فـي مدينة صالـح، وهي حِجر ثمود، تسعة أنفس يفسدون فـي الأرض ولا يصلـحون، وكان إفسادهم فـي الأرض: كفرهم بـالله، ومعصيتهم إياه، وإنـما خصّ الله جلّ ثناؤه هؤلاء التسعة الرهط بـالـخبر عنهم أنهم كانوا يفسدون فـي الأرض، ولا يصلـحون، وإن كان أهل الكفر كلهم فـي الأرض مفسدين، لأن هؤلاء التسعة هم الذين سعوا فـيـما بلغنا فـي عقر الناقة، وتعاونوا علـيه، وتـحالفوا علـى قتل صالـح من بـين قوم ثمود. وقد ذكرنا قصصهم وأخبـارهم فـيـما مضى من كتابنا هذا. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {تِسْعَةُ رَهْطٍ} قال: من قوم صالـح..

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وكانَ فِـي الـمَدِينَة تسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِـي الأرْضِ وَلا يُصْلِـحُونَ} هم الذين عقروا الناقة، وقالوا حين عقروها: نبـيِّت صالـحاً وأهله فنقتلهم، ثم نقول لأولـياء صالـح: ما شهدنا من هذا شيئا، ومالنا به علـم، فدمرهم الله أجمعين.

وقوله: {قالُوا تَقاسَمُوا بـاللَّهِ لَنُبَـيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ} يقول تعالـى ذكره: قال هؤلاء التسعة الرهط الذين يُفسدون فـي أرض حجر ثمود، ولا يصلـحون، تقاسموا بـالله: تـحالفوا بـالله أيها القوم، لـيحلف بعضكم لبعض: لنبـيتنّ صالـحا وأهله، فلنقتلنه، ثم لنقولنّ لولـيه: ما شهدنا مهلك أهله. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {تَقاسَمُوا بـاللَّهِ} قال: تـحالفوا علـى إهلاكه، فلـم يصلوا إلـيه حتـى هلكوا وقومهم أجمعون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، بنـحوه:

ويتوجه قوله {تَقاسَمُوا بـالله} إلـى وجهين: أحدهما النصب علـى وجه الـخبر، كأنه قـيـل: قالوا متقاسمين. وقد ذُكر أن ذلك فـي قراءة عبد الله: «وَلا يُصْلِـحُونَ تَقاسَمُوا بـاللَّهِ» ولـيس فـيها «قالوا»، فذلك من قراءته يدلّ علـى وجه النصب فـي «تقاسموا» علـى ما وصفت. والوجه الآخر: الـجزم، كأنهم قال بعضهم لبعض: اقسموا بـالله، فعلـى هذا الوجه الثانـي تصلـح قراءة {لَنُبَـيِّتَنَّهُ} بـالـياء والنون، لأن القائل لهم تقاسموا، وإن كان هو الآمر فهو فـيـمن أقسم، كما يقال فـي الكلام: انهضوا بنا نـمض إلـى فلان، وانهضوا نـمضي إلـيه. وعلـى الوجه الأوّل الذي هو وجه النصب القراءة فـيه بـالنون أفصح، لأن معناه: قالوا متقاسمين لنُبـيِّتنَّهُ، وقد تـجوز الـياء علـى هذا الوجه كما يقال فـي الكلام: قالوا لنكرمنّ أبـاك، ولـيكرمنّ أبـاك، وبـالنون قرأ ذلك قرَّاء الـمدينة، وعامة قرّاء البصرة وبعض الكوفـيـين. وأما الأغلب علـى قرّاء أهل الكوفة، فقراءته بـالـياء، وضمّ التاء جميعاً. وأما بعض الـمكيـين، فقرأه بـالـياء.

وأعجب القراءات فـي ذلك إلـيّ النون، لأن ذلك أفصح الكلام علـى الوجهين اللذين بـيَّنت من النصب والـجزم، وإن كان كل ذلك صحيحاً غير فـاسد لـما وصفت. وأكرهها إلـيّ القراءة بها الـياء، لقلة قارىء ذلك كذلك. وقوله: {لَنُبَـيِّتَنَّهُ} قال: لـيُبَـيِّتُنَّ صالـحا ثم يفتكوا به.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: (قال) التسعة الذين عقروا الناقة: هلـمّ فلنقتل صالـحاً، فإن كان صادقاً، يعنـي فـيـما وعدهم من العذاب بعد الثلاث، عجلناه قبله، وإن كان كاذبـا نكون قد ألـحقناه بناقته. فأتوه لـيلاً لـيبـيتوه فـي أهله، فدمغتهم الـملائكة بـالـحجارة فلـما أبطئوا علـى أصحابهم أتوا منزل صالـح، فوجدوهم مشدوخين قد رضخوا بـالـحجارة. وقوله: {وَإنَّا لَصَادقُونَ} نقول لولـيه: وإنا لصادقون، أنا ما شهدنا مُهلِكَ أهله.

وَمَكَرُوا۟ مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ۝٥٠ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَٰهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ۝٥١

يقول تعالـى ذكره: وغدر هؤلاء التسعة الرهط الذين يفسدون فـي الأرض بصالـح بـمصيرهم إلـيه لـيلاً لـيقتلوه وأهله، وصالـح لا يشعر بذلك {وَمَكَرْنا مَكْراً} يقول: فأخذناهم بعقوبتنا إياهم، وتعجيـلنا العذاب لهم {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} بـمكرنا.

وقد بـيَّنا فـيـما مضى معنى: مكر الله بـمن مكر به، وما وجه ذلك، وأنه أخذه من أخذه منهم علـى غرّة، أو استدراجه منهم من استدرج علـى كفره به، ومعصيته إياه، ثم إحلاله العقوبة به علـى غرّة وغفلة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن رجل، عن علـيّ، قال: الـمكر غدر، والغدر كفر.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً} قال: احتالوا لأمرهم، واحتال الله لهم، مكروا بصالـح مكراً، ومكرنا، ومكرنا بهم مكراً {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بـمكرنا وشعرنا بـمكرهم، قالوا: زعم صالـح أنه يفرغ منا إلـى ثلاث فنـحن نفرغ منه وأهله قبل ذلك، وكان له مسجد فـي الـحجر فـي شعب يصلـي فـيه، فخرجوا إلـى كهف وقالوا: إذا جاء يصلـي قتلناه، ثم رجعنا إذا فرغنا منه إلـى أهله، ففرغنا منهم، وقرأ قول الله تبـارك وتعالـى:

{ قالُوا تَقاسَمُوا بـاللَّهِ لَنُبَـيِّتَنَّه وأهْلَهُ، ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِـيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ، وإنَّا لَصَادِقُونَ }فبعث الله صخرة من الهَضْب حِيالَهم، فخشُوا أن تشدَخَهم، فبـادروا الغار، فَطَبقت الصخرة علـيهم فم ذلك الغار، فلا يدري قومُهم أين هم؟ ولا يدرون ما فعل بقومهم؟ فعذّب الله تبـارك وتعالـى هؤلاء ها هنا، وهؤلاء هنا، وأنـجى الله صالـحا ومن معه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قَتادة {وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً} قال: فسلط الله علـيهم صخرة فقتلتهم.

وقوله: {فـانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقبَةُ مَكْرِهِمْ} يقول تعالـى ذكره: فـانظر يا مـحمد بعين قلبك إلـى عاقبة غدر ثمود بنبـيهم صالـح، كيف كانت؟ وما الذي أورثها اعتداؤهم وطغيانهم وتكذيبهم؟ فإن ذلك سنتنا فـيـمن كذّب رسلنا، وطغى علـينا من سائر الـخـلق، فحذر قومك من قريش، أن ينالهم بتكذيبهم إياك، ما نال ثمود بتكذّيبهم صالـحاً من الـمثلات.

وقوله: {إنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أجمَعِينَ} يقول: إنا دمرنا التسعة الرهط الذين يفسدون فـي الأرض من قوم صالـح وقومهم من ثمود أجمعين، فلـم نبقِ منهم أحداً.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله «إنَّا» فقرأ بكسرها عامة قرّاء الـحجاز والبصرة علـى الابتداء، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: {أنَّا دَمَّرْناهُمْ} بفتـح الألف. وإذا فُتـحت كان فـي {أنَّا} وجهان من الإعراب: أحدهما الرفع علـى ردّها علـى العاقبة علـى الإتبـاع لها، والآخر النصب علـى الردّ علـى موضع كيف، لأنها فـي موضع نصب إن شئت، وإن شئت علـى تكرير كان علـيها علـى وجه، فـانظر كيف كان عاقبة مكرهم؟ كان عاقبة مكرهم تدميرَنا إياهم.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان فـي قَرَأَةِ الأمصار، متقاربتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةًۢ بِمَا ظَلَمُوٓا۟ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ۝٥٢ وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ۝٥٣

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {فَتِلْكَ بُـيُوتُهُمْ خاوِيَةً} فتلك مساكنهم خاوية خالـية منهم، لـيس فـيها منهم أحد، قد أهلكهم الله فأبـادهم {بـما ظلـموا}: يقول تعالـى ذكره: بظلـمهم أنفسهم، بشركهم بـالله، وتكذيبهم رسولهم {إنَّ فِـي ذلكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَـمُونَ} يقول تعالـى ذكره: إن فـي فعلنا بثمود ما قصصنا علـيك يا مـحمد من القصة، لعظةً لـمن يعلـم فعلنا بهم ما فعلنا، من قومك الذين يكذّبونك فـيـما جئتهم به من عند ربك وعبرة. {وأنـجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا} يقول: وأنـجينا من نقمتنا وعذابنا الذي أحللناه بثمود رسولنا صالـحاً والـمؤمنـين به {وكانُوا يَتَّقُونَ} يقول: وكانوا يتقون بإيـمانهم، وبتصديقهم صالـحاً الذي حلّ بقومهم من ثمود ما حلّ بهم من عذاب الله، فكذلك ننـجيك يا مـحمد وأتبـاعك، عند إحلالنا عقوبتنا بـمشركي قومك من بـين أظهرهم.

وذُكر أن صالـحاً لـما أحلّ الله بقومه ما أحلّ، خرج هو والـمؤمنون به إلـى الشام، فنزل رملة فلسطين.

وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَتَأْتُونَ ٱلْفَٰحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ۝٥٤ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ۝٥٥

يقول تعالى ذكره وأرسلنا لوط إلى قومه إذ قال لهم يا قوم {أتأتون بالفاحشة وأنتم تبصرون} أنها فاحشة لعلمكم بأنه لم يسبقكم إلى ما تفعلون من ذلك أحد وقوله {أئنكم لتأتون الرجال شهوة منكم} بذلك من دون فروج النساء التي أباحها الله لكم بالنكاح وقوله {بل أنتم قوم تجهلون} يقول ما ذلك منكم إلا أنكم قوم سفهاء جهلة بعظيم حق الله عليكم فخالفتم لذلك أمره وعصيتم رسوله.

فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوٓا۟ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ۝٥٦

يقول تعالـى ذكره: فلـم يكن لقوم لوط جواب له، إذ نهاهم عما أمره الله بنهيهم عنه من إتـيان الرجال، إلا قـيـل بعضهم لبعض: {أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ} عما نفعله نـحن من إتـيان الذكران فـي أدبـارهم. كما:

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: سمعت الـحسن بن عُمارة يذكر عن الـحكم، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ} قال: من إتـيان الرجال والنساء فـي أدبـارهن.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {إنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ} قال: من أدبـار الرجال وأدبـار النساء استهزاء بهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قال: {يَتَطَهَّرُونَ} من أدبـار الرجال والنساء، استهزاء بهم يقولون ذلك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة أنه تلا: {إنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ} قال: عابوهم بغير عيب: أي إنهم يتطهرون من أعمال السوء.

فَأَنجَيْنَٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ قَدَّرْنَٰهَا مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ ۝٥٧ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ ۝٥٨

يقول تعالـى ذكره: فأنـجينا لوطا وأهله سوى امرأته من عذابنا حين أحللناه بهم، ثم {قَدَّرْناها} يقول: فإن امرأته قدرناها: جعلناها بتقديرنا {مِنَ الغابِرِينَ} من البـاقـين {وأمْطَرْنا عَلَـيْهِمْ مَطَراً} وهو إمطار الله علـيهم من السماء حجارة من سجيـل {فَساءَ مَطَرُ الـمُنْذَرِينَ} يقول: فساء ذلك الـمطر مطر القوم الذين أنذرهم الله عقابه علـى معصيتهم إياه، وخوّفهم بأسه بإرسال الرسول إلـيهم بذلك.

قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ۝٥٩

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم {قُل} يا مـحمد {الـحَمْدُ لِلّهِ} علـى نعمه علـينا، وتوفـيقه إيانا لـما وفَّقنا من الهداية {وَسَلامٌ} يقول: وأَمنة منه من عقابه الذي عاقب به قوم لوط، وقوم صالـح، علـى الذين اصطفـاهم، يقول: الذين اجتبـاهم لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم، فجعلهم أصحابه ووزراءه علـى الدّين الذي بعثه بـالدعاء إلـيه دون الـمشركين به، الـجاحدين نبوّة نبـيه. وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك، قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا طلق، يعنـي ابن غنام، عن ابن ظهير، عن السديّ، عن أبـي مالك، عن ابن عبـاس {وَسَلامٌ عَلـى عِبـادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَـى} قال: أصحاب مـحمد اصطفـاهم الله لنبـيه.

حدثنا علـيّ بن سهل، قال: ثنا الولـيد بن مسلـم، قال: قلت لعبد الله بن الـمبـارك: أرأيت قول الله {قُلِ الـحَمْدُ لِلّهِ وَسَلامٌ عَلـى عِبـادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَـى} من هؤلاء؟ فحدثنـي عن سفـيان الثوري، قال: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقوله: {آللّهُ خَيْرٌ أمَّا يُشْرِكُونَ} يقول تعالـى ذكره قل يا مـحمد لهؤلاء الذين زيَّنا لهم أعمالهم من قومك فهم يعمهون: آلله الذي أنعم علـى أولـيائه هذه النِّعم التـي قصَّها علـيكم فـي هذه السورة، وأهلك أعداءه بـالذي أهلكهم به من صنوف العذاب التـي ذكرها لكم فـيها خير، أما تشركون من أوثانكم التـي لا تنفعكم ولا تضرّكم، ولا تدفع عن أنفسها ولا عن أولـيائها سوءاً، ولا تـجلب إلـيها ولا إلـيهم نفعاً؟ يقول: إن هذا الأمر لا يشكل علـى من له عقل، فكيف تستـجيزون أن تشركوا عبـادة من لا نفع عنده لكم، ولا دفع ضرّ عنكم فـي عبـادة من بـيده النفع والضرّ، وله كلّ شيء. ثم ابتدأ تعالـى ذكره تعديد نعمه علـيهم، وأياديه عندهم، وتعريفهم بقلة شكرهم إياه علـى ما أولاهم من ذلك، فقال:

{ أمَّنْ خَـلَقَ السَّمَوَاتِ والأرْضَ }}.

أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنۢبَتْنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنۢبِتُوا۟ شَجَرَهَآ أَءِلَٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ۝٦٠

يقول تعالـى ذكره للـمشركين به من قُرَيش: أعبـادة ما تعبدون من أوثانكم التـي لا تضرّ ولا تنفع خير، أم عبـادة من خـلق السموات والأرض؟ {وأنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماء} يعنـي مطراً، وقد يجوز أن يكون مريداً به العيون التـي فجَّرها فـي الأرض، لأن كل ذلك من خـلقه {فَأنْبَتْنا بِهِ} يعنـي بـالـماء الذي أنزل من السماء {حَدَائِقَ} وهي جمع حديقة، والـحديقة: البستان علـيه حائط مـحوّط، وإن لـم يكن علـيه حائط لـم يكن حديقة. وقوله: {ذَاتَ بَهْجَةٍ} يقول: ذات منظر حسن. وقـيـل ذات بـالتوحيد. وقد قـيـل حدائق، كما قال:

{ وَلِلّهِ الأسْماءُ الـحُسْنَى }، وقد بـيَّنت ذلك فـيـما مضى. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء، جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ} قال: البهجة: الفُقَّاح مـما يأكل الناس والأنعام.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله: {حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ} قال: من كلّ شيء تأكله الناس والأنعام.

وقوله: {ما كانَ لَكُمْ أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها} يقول تعالـى ذكره: أنبتنا بـالـماء الذي أنزلناه من السماء لكم هذه الـحدائق إذا لـم يكن لكم، لولا أنه أنزل علـيكم الـماء من السماء طاقة أن تنبتوا شجر هذه الـحدائق، ولـم تكونوا قادرين علـى ذهاب ذلك، لأنه لا يصلـح ذلك إلا بـالـماء. وقوله: {أءِلَهٌ مَعَ اللّهِ} يقول تعالـى ذكره: أمعبود مع الله أيها الـجهلة خـلق ذلك، وأنزل من السماء الـماء، فأنبت به لكم الـحدائق؟ فقوله: أءله مردود علـى تأويـل: أمع الله إله. {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} يقول جلّ ثناؤه: بل هؤلاء الـمشركون قوم ضلال، يعدلون عن الـحقّ، ويجورون علـيه، علـى عمد منهم لذلك، مع علـمهم بأنهم علـى خطأ وضلال ولـم يعدلوا عن جهل منهم، بأن من لا يقدر علـى نفع ولا ضرّ، خير مـمن خـلق السموات والأرض، وفعل هذه الأفعال، ولكنهم عدلوا علـى علـم منهم ومعرفة، اقتفـاء منهم سنة من مضى قبلهم من آبـائهم.

أَمَّن جَعَلَ ٱلْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَٰلَهَآ أَنْهَٰرًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَءِلَٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝٦١

يقول تعالـى ذكره: أعبـادة ما تشركون أيها الناس بربكم خير وهو لا يضرّ ولا ينفع، أم الذي جعل الأرض لكم قرارا تستقرّون علـيها لا تـميد بكم {وَجَعَلَ} لكم {خِلاَلَها أنهاراً} يقول: بـينها أنهاراً وجعل لَها رَوَاسِيَ وهي ثوابت الـجبـال، {وَجَعَلَ بـينَ البَحْرَيْنِ حاجِزاً} بـين العذب والـملـح، أن يفسد أحدهما صاحبه {أءِلَهٌ مَعَ الله} سواه فعل هذه الأشياء فأشركتـموه فـي عبـادتكم إياه؟ وقوله: {بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَـمُونَ} يقول تعالـى ذكره: بل أكثر هؤلاء الـمشركين لا يعلـمون قدر عظمة الله، وما علـيهم من الضرّ فـي إشراكهم فـي عبـادة الله غيره، وما لهم من النفع فـي إفرادهم الله بـالألوهة، وإخلاصهم له العبـادة، وبراءتهم من كلّ معبود سواه.

أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلْأَرْضِ أَءِلَٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ۝٦٢

يقول تعالـى ذكره: أم ما تُشركون بـالله خير، أم الذي يجيب الـمضطّر إذا دعاه، ويكشف السوء النازل به عنه؟ كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: {وَيَكْشِفُ السُّوءَ} قال: الضرّ.

وقوله: {ويجْعَلُكُمْ خُـلَفـاءَ الأرْضِ} يقول: ويستـخـلف بعد أمرائكم فـي الأرض منكم خـلفـاء أحياء يخـلفونهم. وقوله: أءِلَهٌ مَعَ اللّهِ يقول: {أءِلَهٌ مع الله} سواه يفعل هذه الأشياء بكم، وينعم علـيكم هذه النعم؟ وقوله: {قَلِـيلاً ما تَذَكَّرُونَ} يقول: تذكُّراً قلـيلاً من عظمة الله وأياديه عندكم تذكرون وتعتبرون حجج الله علـيكم يسيراً، فلذلك أشركتـم بـالله غيره فـي عبـادته.

أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦٓ أَءِلَٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ تَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝٦٣

يقول تعالـى ذكره: أم ما تشركون بـالله خير، أم الذي يهديكم فـي ظلـمات البرّ والبحر إذا ضللتـم فـيهما الطريق، فأظلـمت علـيكم السبل فـيهما؟ كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: {أمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِـي ظُلُـمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} والظُّلـمات فـي البر، ضلاله الطريق، والبحر، ضلاله طريقه وموجه وما يكون فـيه. قوله: {وَمَنْ يُرْسِلُ الرّياحَ نُشْراً بـينَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} يقول: والذي يرسل الرياح نشراً لـموتان الأرض بـين يدي رحمته، يعنـي: قدام الغيث الذي يحيى موات الأرض. وقوله: {أءِلَهٌ مَعَ اللّهِ تَعالـى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} يقول تعالـى ذكره: أءله مع الله سوى الله يفعل بكم شيئا من ذلك فتعبدوه من دونه، أو تشركوه فـي عبـادتكم إياه {تَعَالـى اللّهُ} يقول: لله العلوّ والرفعة عن شرككم الذي تشركون به، وعبـادتكم معه ما تعبدون.

أَمَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أَءِلَٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٦٤

يقول تعالـى ذكره: أم ما تشركون أيها القوم خير، أم الذي يبدأ الـخـلق ثم يعيده، فـينشئه من غير أصل، ويبتدعه ثم يفنـيه إذا شاء، ثم يعيده إذا أراد كهيئته قبل أن يفنـيه، والذي يرزقكم من السماء والأرض فـينزل من هذه الغيث، وينبت من هذه النبـات لأقواتكم، وأقوات أنعامكم {أءِلَهٌ مَعَ اللّهِ} سوى الله يفعل ذلك؟ وإن زعموا أن إلهاً غير الله يفعل ذلك أو شيئاً منه و{قُلْ} لهم يا مـحمد {هاتُوا بَرْهانَكُمْ}: أي حجتكم علـى أن شيئاً سوى الله يفعل ذلك {إنْ كُنْتُـمْ صَادِقِـينَ} فـي دعواكم. و«من» التـي فـي «أمَّنْ» و«ما» مبتدأ فـي قوله: أما يشركون، والآيات بعدها إلـى قوله: {وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ} بـمعنى «الذي»، لا بـمعنى الاستفهام، وذلك أن الاستفهام لا يدخـل علـى الاستفهام.

قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ۝٦٥ بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلْمُهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ۝٦٦

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} يا مـحمد لسائلـيك من الـمشركين عن الساعة متـى هي قائمة {لا يَعْلَـمُ مَنْ فِـي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ} الذي قد استأثر الله بعلـمه، وحجب عنه خـلقه غيره والساعة من ذلك {وَما يَشْعَرُونَ} يقول: وما يدري من فـي السموات والأرض من خـلقه متـى هم مبعوثون من قبورهم لقـيام الساعة. وقد:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، قال: أخبرنا داود بن أبـي هند، عن الشعبـيّ، عن مسروق، قال: قالت عائشة: من زعم أنه يخبر الناس بـما يكون فـي غد، فقد أعظم علـى اللَّهِ الفِرْيَةَ، والله يقول: {لا يَعْلَـمُ مَنْ فِـي السَّمَواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلاَّ اللّهُ}.

واختلف أهل العربـية فـي وجه رفع الله، فقال بعض البصريـين: هو كما تقول: إلا قلـيـل منهم. وفـي حرف ابن مسعود: قلـيلاً بدلاً من الأوّل، لأنك نفـيته عنه وجعلته للآخر. وقال بعض الكوفـيـين: إن شئت أن تتوهم فـي «من» الـمـجهول، فتكون معطوفة علـى: قل لا يعلـم أحد الغيب إلا الله. قال: ويجوز أن تكون «من» معرفة، ونزل ما بعد «إلا» علـيه، فـيكون عطفـاً ولا يكون بدلاً، لأن الأوّل منفـي، والثانـي مثبت، فـيكون فـي النسق كما تقول: قام زيد إلا عمرو، فـيكون الثانـي عطفـاً علـى الأوّل، والتأويـل جحد، ولا يكون أن يكون الـخبر جحداً، أو الـجحد خبراً. قال: وكذلك

{ مَا فَعَلُوهُ إلاَّ قَلِـيـلٌ }وقلـيلاً من نَصَب، فعلـى الاستثناء فـي عبـادتكم إياه، ومن رَفَع فعلـى العطف، ولا يكون بدلاً.

وقوله: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْـمُهُمْ فِـي الآخِرَةِ} اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة سوى أبـي جعفر وعامة قرّاء أهل الكوفة: {بَلِ ادَّارَكَ} بكسر اللام من «بل» وتشديد الدال من «ادّارك»، بـمعنى: بل تدارك علـمهم أي تتابع علـمهم بـالآخرة هل هي كائنة أم لا، ثم أدغمت التاء فـي الدال كما قـيـل: {أثَّاقَلْتُـمْ إلَـى الأرْضِ} وقد بـيَّنا ذلك فـيـما مضى بـما فـيه الكفـاية من إعادته.

وقرأته عامة قرّاء أهل مكة: «بَلْ أدْرَكَ عِلْـمُهُمْ فِـي الآخِرَةِ» بسكون الدال وفتـح الألف، بـمعنى هل أدرك علـمهم علـم الآخرة. وكان أبو عمرو بن العلاء يُنكر فـيـما ذكر عنه قراءة من قرأ: «بَلْ أدْرَكَ» ويقول: إن «بل» إيجاب والاستفهام فـي هذا الـموضع إنكار. ومعنى الكلام: إذا قرىء كذلك «بَلْ أدْرَكَ» لـم يكن ذلك لـم يدرك علـمهم فـي الآخرة، وبـالاستفهام قرأ ذلك ابن مـحيصن علـى الوجه الذي ذكرت أن أبـا عمرو أنكره.

وبنـحو الذي ذكرت عن الـمكيـين أنهم قرءوه ذُكر عن مـجاهد أنه قرأه، غير أنه كان يقرأ فـي موضع بل: أم.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن موسى، قال: ثنا عثمان بن الأسود، عن مـجاهد، أنه قرأ «أمْ أدْرَكَ عِلْـمُهُمْ» وكان ابن عبـاس فـيـما ذُكر عنه يقرأ بإثبـات ياء فـي بل، ثم يبتدىء أدّارك بفتـح ألفها علـى وجه الاستفهام وتشديد الدال.

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن الـمفضل، قال: ثنا شعبة، عن أبـي حمزة، عن ابن عبـاس فـي هذه الآية: «بَلـى أدَّارَكَ عِلْـمُهُمْ فِـي الآخِرَةِ»: أي لـم يدرك.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي حمزة، قال: سمعت ابن عبـاس يقرأ {بَلـى أدَّرَاكَ عِلْـمُهُمِ فِـي الآخِرَةِ} إنـما هو استفهام أنه لـم يدرك. وكأن ابن عبـاس وجه ذلك إلـى أن مخرجه مخرج الاستهزاء بـالـمكذّبـين بـالبعث.

والصواب من القراءات عندنا فـي ذلك القراءتان اللتان ذكرت إحداهما عن قَرأَة أهل مكة والبصرة، وهي «بَلْ أدْرَكَ عِلْـمُهُمْ» بسكون لام بل وفتـح ألف أدرك وتـخفـيف دالها، والأخرى منهما عن قرأة الكوفة، وهي {بَلِ ادَّارَكَ} بكسر اللام وتشديد الدال من أدّارك، لأنهما القراءتان الـمعروفتان فـي قرّاء الأمصار، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب عندنا. فأما القراءة التـي ذُكرت عن ابن عبـاس، فإنها وإن كانت صحيحة الـمعنى والإعراب، فخلاف لـما علـيه مصاحف الـمسلـمين، وذلك أن فـي بلـى زيادة ياء فـي قراءته لـيست فـي الـمصاحف، وهي مع ذلك قراءة لا نعلـمها قرأ بها أحد من قرّاء الأمصار. وأما القراءة التـي ذكرت عن ابن مـحيصن، فإن الذي قال فـيها أبو عمرو قول صحيح، لأن العرب تـحقق ببل ما بعدها لا تنفـيه. والاستفهام فـي هذا الـموضع إنكار لا إثبـات، وذلك أن الله قد أخبر عن الـمشركين أنهم من الساعة فـي شكّ، فقال: {بَلْ هُمْ فِـي شَكّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ}.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معناه: بل أدرك علـمهم فـي الآخرة فأيقنوها إذ عاينوها حين لـم ينفعهم يقـينهم بها، إذ كانوا بها فـي الدنـيا مكذّبـين.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال عطاء الـخراسانـي، عن ابن عبـاس «بَلْ أدْرَكَ عِلْـمُهُمْ» قال: بصرهم فـي الآخرة حين لـم ينفعهم العلـم والبصر.

وقال آخرون: بل معناه: بل غاب علـمهم فـي الآخرة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: «بَلْ أدْرَكَ عِلْـمُهُمْ فِـي الآخِرَةِ» يقول: غاب علـمهم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {بَلِ ادَّرَكَ عِلْـمُهُمْ فِـي الآخِرَةِ} قال: يقول: ضلّ علـمهم فـي الآخرة فلـيس لهم فـيها علـم، {هُمْ مِنْهَا عَمُونَ}.

وقال آخرون: معنى ذلك: لـم يبلغ لهم فـيها علـم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثنـي أبـي، عن جدي، قال: ثنا الـحسين، عن قتَادة فـي قوله: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْـمُهُمْ فِـي الآخِرَةِ} قال: كان يقرؤها: «بَلْ أدْرَكَ عِلْـمُهُمْ فِـي الآخِرَةِ» قال: لـم يبلغ لهم فـيها علـم، ولا يصل إلـيها منهم رغبة.

وقال آخرون: معنى ذلك: بل أدْرَكَ: أم أدرك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد «بَلْ أدْرَكَ عِلْـمُهُمْ» قال: أم أدرك.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عثمان، عن مـجاهد «بَلْ أدْرَكَ عِلْـمُهُمْ» قال: أم أدرك علـمهم من أين يدرك علـمهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، بنـحوه.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي تأويـل ذلك بـالصواب علـى قراءة من قرأ «بَلْ أدْرَكَ» القول الذي ذكرناه عن عطاء الـخراسانـي، عن ابن عبـاس، وهو أن معناه: إذا قرىء كذلك {وَما يَشْعُرُونَ أيَّانَ يُبْعَثُونَ} بل أدرك علـمهم نفس وقت ذلك فـي الآخرة حين يبعثون، فلا ينفعهم علـمهم به حينئذٍ، فأما فـي الدنـيا فإنهم منها فـي شكّ، بل هم منها عمون.

وإنـما قلت: هذا القول أولـى الأقوال فـي تأويـل ذلك بـالصواب علـى القراءة التـي ذُكِرَتْ، لأن ذلك أظهر معانـيه. وإذ كان ذلك معناه كان فـي الكلام مـحذوف قد استُغنـي بدلالة ما ظهر منه عنه. وذلك أن معنى الكلام: وما يشعرون أيان يُبعثون، بل يشعرون ذلك فـي الآخرة، فـالكلام إذا كان ذلك معناه، وما يشعرون أبـان يبعثون، بل أدرك علـمهم بذلك فـي الآخرة، بل هم فـي الدنـيا فـي شكّ منها. وأما علـى قراءة من قرأه {بَلِ ادَّارَكَ} بكسر اللام وتشديد الدال، فـالقول الذي ذكرنا عن مـجاهد، وهو أن يكون معنى بل: أم، والعرب تضع أم موضع بل، وموضع بل: أم، إذا كان فـي أوّل الكلام استفهام، كما قال الشاعر:

فَوَاللّهِ ما أدْرِي أسَلْـمَى تَغَوَّلَتأمِ النَّوْمُ أمْ كُلٌّ إلـيَّ حَبِـيبُ

يعنـي بذلك بل كلّ إلـيَّ حبـيب، فـيكون تأويـل الكلام: وما يشعرون أيان يبعثون، بل تدارك علـمهم فـي الآخرة: يعنـي تتابع علـمهم فـي الآخرة: أي بعلـم الآخرة: أي لـم يتتابع بذلك ولـم يعلـموه، بل غاب علـمهم عنه، وضلّ فلـم يبلغوه ولـم يدركوه.

وقوله: {بَلْ هُمْ فِـي شَكّ مِنْها} يقول: بل هؤلاء الـمشركون الذين يسألونك عن الساعة فـي شك من قـيامها لا يوقنون بها ولا يصدّقون بأنهم مبعوثون من بعد الـموت، {بَلْ هُمْ مِنْهمَا عمُونَ} يقول: بل هم من العلـم بقـيامها عمون.

الأربعاء، 4 نوفمبر 2026 24 جمادى الأولى 1448 هـ