انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النمل

تفسير الطبريالآيات 1–24

تفسير سورة النمل آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النمل

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 59:29

  1. 1 الآيات 1–26في هذه الصفحة 16:04
  2. 2 الآيات 27–55 19:27
  3. 3 الآيات 56–81 15:28
  4. 4 الآيات 82–93 8:30

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

طسٓ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ ۝١ هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ۝٢ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ۝٣

قال أبو جعفر: وقد بـيَّنا القول فـيـما مضى من كتابنا هذا فـيـما كان من حروف الـمعجم فـي فواتـح السور، فقوله: {طس} من ذلك. وقد رُوي عن ابن عبـاس أن قوله: {طس}: قسم أقسمه الله هو من أسماء الله.

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس. فـالواجب علـى هذا القول أن يكون معناه: والسميع اللطيف، إن هذه الآيات التـي أنزلتها إلـيك يا مـحمد لآيات القرآن، وآيات كتاب مبـين: يقول: يبـين لـمن تدبَّره، وفكَّر فـيه بفهم أنه من عند الله، أنزله إلـيك، لـم تتـخرّصه أنت ولـم تتقوّله، ولا أحد سواك من خـلق الله، لأنه لا يقدر أحد من الـخـلق أن يأتـي بـمثله، ولو تظاهر علـيه الـجنّ والإنس. وخفض قوله: {وكِتابٍ مُبِـينٍ} عطفـا به علـى القرآن. وقوله: {هُدًى} من صفة القرآن. يقول: هذه آيات القرآن بـيان من الله بـين به طريق الـحقّ وسبـيـل السلام {وَبُشْرَى للْـمُؤْمِنـينَ} يقول: وبشارة لـمن آمن به، وصدّق بـما أنزل فـيه بـالفوز العظيـم فـي الـمعاد.

وفـي قوله: {هُدًى وَبُشْرَى} وجهان من العربـية: الرفع علـى الابتداء بـمعنى: هو هدى وبُشرى. والنصب علـى القطع من آيات القرآن، فـيكون معناه: تلك آيات القرآن الهدى والبشرى للـمؤمنـين، ثم أسقطت الألف واللام من الهدى والبشرى، فصارا نكرة، وهما صفة للـمعرفة فنصبـا.)

وقوله: {الَّذِينَ يُقِـيـمُونَ الصَّلاةَ} يقول: هو هدى وبشرى لـمن آمن بها، وأقام الصلاة الـمفروضة بحدودها. وقوله: {وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ} يقول: ويؤدّون الزكاة الـمفروضة. وقـيـل: معناه: ويطهرون أجسادهم من دنس الـمعاصي. وقد بـيَّنا ذلك فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع {وَهُمْ بـالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} يقول: وهم مع إقامتهم الصلاة، وإيتائهم الزكاة الواجبة، بـالـمعاد إلـى الله بعد الـمـمات يوقنون، فـيذلون فـي طاعة الله، رجاء جزيـل ثوابه، وخوف عظيـم عقابه، ولـيسوا كالذين يكذّبون بـالبعث، ولا يبـالون، أحسنوا أم أساءوا، وأطاعوا أم عصوا، لأنهم إن أحسنوا لـم يرجوا ثوابـاً، وإن أساءوا لـم يخافوا عقابـاً.

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ۝٤ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ وَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ ۝٥

يقول تعالـى ذكره: إن الذين لا يصدّقون بـالدار الآخرة، وقـيام الساعة، وبـالـمعاد إلـى الله بعد الـمـمات والثواب والعقاب {زَيَّنا لَهُمْ أعمالَهُمْ} يقول: حببنا إلـيهم قبـيح أعمالهم، وسهَّلنا ذلك علـيهم {فَهُمْ يَعْمَهُونَ} يقول: فهم فـي ضلال أعمالهم القبـيحة التـي زيَّناها لهم يتردّدون حيارى، يحسبون أنهم يحسنون.] وقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ العَذَابِ} يقول تعالـى ذكره: هؤلاء الذين لا يؤمنون بـالآخرة لهم سوء العذاب فـي الدنـيا، وهم الذين قتلوا ببدر من مشركي قريش {وَهُمْ فِـي الآخِرَةِ هُمُ الأَخَسرُونَ} يقول: وهم يوم القـيامة هم الأوضعون تـجارة والأَوكسوها بـاشترائهم الضلالة بـالهدى

{ فَمَا رَبحَتْ تِـجَارَتهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ }

وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ۝٦ إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهْلِهِۦٓ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا سَـَٔاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ۝٧ فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِىَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٨

يقول تعالـى ذكره: وإنك يا مـحمد لتـحفظ القرآن وتعلـمه {مِنْ لَدُنْ حَكِيـمٍ عَلِـيـمٍ} يقول: من عند حكيـم بتدبـير خـلقه، علـيـم بأنبـاء خـلقه ومصالـحهم، والكائن من أمورهم، والـماضي من أخبـارهم، والـحادث منها. {إذْ قال مُوسى} وإذ من صلة علـيـم. ومعنى الكلام: علـيـم حين قال موسى {لأَهْلِهِ} وهو فـي مسيره من مدين إلـى مصر، وقد آذاهم بردُ لـيـلهم لـما أصلد زَنْدُه: {إنّـي آنَسْتُ ناراً}: أي أبصرت ناراً أو أحسستها، فـامكثوا مكانكم {سآتِـيكُمْ مِنْها بِخَبرٍ} يعنـي من النار، والهاء والألف من ذكر النار {أوْ آتِـيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ}.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة: «بِشِهابِ قَبَسٍ» بإضافة الشهاب إلـى القبس، وترك التنوين، بـمعنى: أو آتـيكم بشعلةِ نارٍ أقتبسها منها. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة: {بشِهابٍ قَبَسٍ} بتنوين الشهاب وترك إضافته إلـى القبس، يعنـي: أو آتـيكم بشهاب مقتبس.

والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان معروفتان فـي قَرَأة الأمصار، متقاربتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وكان بعض نـحويـيِّ البصرة يقول: إذا جُعل القبس بدلاً من الشهاب، فـالتنوين فـي الشهاب، وإن أضاف الشهاب إلـى القبس، لـم ينوّن الشهاب. وقال بعض نـحويـيِّ الكوفة: إذا أضيف الشهاب إلـى القبس فهو بـمنزلة قوله

{ وَلَدَارُ الآخِرَةِ }مـما يضاف إلـى نفسه إذا اختلف اسماه ولفظاه توهماً بـالثانـي أنه غير الأوّل. قال: ومثله حبة الـخضراء، ولـيـلة القمراء، ويوم الـخميس وما أشبهه. وقال آخر منهم: إن كان الشهاب هو القبس لـم تـجز الإضافة، لأن القبس نعت، ولا يُضاف الاسم إلـى نعته إلا فـي قلـيـل من الكلام، وقد جاء: { وَلَدَارُ الآخِرَةِ }و { وَللَدَّارُ الآخِرَةُ }

والصواب من القول فـي ذلك أن الشهاب إذا أريد به أنه غير القبس، فـالقراءة فـيه بـالإضافة، لأن معنى الكلام حينئذ، ما بـينا من أنه شعلة قبس، كما قال الشاعر:

فـي كَفِّه صَعْدَةٌ مُشَقَّـفَةٌفِـيها سِنانٌ كشُعْلَةِ القَبَسِ

وإذا أريد بـالشهاب أنه هو القبس، أو أنه نعت له، فـالصواب فـي الشهاب التنوين، لأن الصحيح فـي كلام العرب ترك إضافة الاسم إلـى نعته، وإلـى نفسه، بل الإضافـات فـي كلامها الـمعروف إضافة الشيء إلـى غير نفسه وغير نعته.

وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} يقول: كي تصطلوا بها من البرد. وقوله: {فَلَـمَّا جاءَها} يقول: فلـما جاء موسى النار التـي آنسها {نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَنْ فِـي النَّارِ ومَنْ حَوْلَهَا}. كما:

حدثنا علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَنْ فِـي النَّارِ} يقول: قُدِّس.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيّ بقوله {مَنْ فِـي النَّارِ} فقال بعضهم: عنـي جلّ جلاله بذلك نفسه، وهو الذي كان فـي النار، وكانت النار نوره تعالـى ذكره فـي قول جماعة من أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {فَلَـمَّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَنْ فـي النَّارِ} يعنـي نفسه قال: كان نور ربّ العالـمين فـي الشجرة.

حدثنـي إسماعيـل بن الهيثم أبو العالـية العبدي، قال: ثنا أبو قُتَـيبة، عن ورقاء، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبـير، فـي قول الله: {بُورِكَ مَنْ فـي النَّارِ} قال: ناداه وهو فـي النار.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن الـحسن، فـي قوله: {نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَنْ فِـي النّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} قال هو النور.

قال معمر: قال قَتادة: {بُورِكَ مَنْ فِـي النَّارِ} قال: نور الله بورك.

قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال الـحسن البصري {بُورِكَ مَنْ فِـي النَّارِ}.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: بوركت النار.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الأشيب، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَنْ فِـي النَّارِ} بوركت النار. كذلك قاله ابن عبـاس.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله {أنْ بُورِكَ مَنْ فِـي النَّارِ} قال: بوركت النار.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال مـجاهد {بُورِكَ مَنْ فِـي النَّارِ} قال: بوركت النار.

حدثنا مـحمد بن سنان القزاز، قال: ثنا مكي بن إبراهيـم، قال: ثنا موسى، عن مـحمد بن كعب، فـي قوله: {أنْ بورِكَ مَنْ فِـي النَّارِ} نور الرحمن، والنور هو الله {وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَـمِينَ}.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى النار فـي هذا الـموضع، فقال بعضهم: معناه: النور كما ذكرت عمن ذكرت ذلك عنه.

وقال آخرون: معناه النار لا النور.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن سعيد بن جُبَـير، أنه قال: حجاب العزّة، وحجاب الـمَلِك، وحجاب السلطان، وحجاب النار، وهي تلك النار التـي نودي منها. قال: وحجاب النور، وحجاب الغمام، وحجاب الـماء، وإنـما قـيـل: بورك من فـي النار، ولـم يقل: بورك فـيـمن فـي النار علـى لغة الذين يقولون: بـاركك الله. والعرب تقول: بـاركك الله، وبـارك فـيك.

وقوله: {وَمَنْ حَوْلَهَا} يقول: ومن حول النار. وقـيـل: عَنـي بـمن حولها: الـملائكة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {وَمَنْ حَوْلَهَا} قال: يعنـي الـملائكة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن الـحسن، مثله.

وقال آخرون: هو موسى والـملائكة.

حدثنا مـحمد بن سنان القزّاز، قال: ثنا مكي بن إبراهيـم، قال: ثنا موسى، عن مـحمد بن كعب {وَمَنْ حَوْلَهَا} قال موسى النبـيّ والـملائكة، ثم قال: يا مُوسَى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الـحَكيـمُ.

وقوله: {وَسُبْحانَ الله رَبّ العالَـمِينَ} يقول: وتنزيها لله ربّ العالـمين، مـما يصفه به الظالـمون.

يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٩ وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَٰمُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّى لَا يَخَافُ لَدَىَّ ٱلْمُرْسَلُونَ ۝١٠ إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًۢا بَعْدَ سُوٓءٍ فَإِنِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝١١

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـله لـموسى: {إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ} فـي نقمته من أعدائه {الـحَكِيـمُ} فـي تدبـيره فـي خـلقه. والهاء التـي فـي قوله: {إنَّهُ} هاء عماد، وهو اسم لا يظهر فـي قول بعض أهل العربـية. وقال بعض نـحويـي الكوفة: يقول هي الهاء الـمـجهولة، ومعناها: أن الأمر والشأن: أنا الله، وقوله: {وألْقِ عَصَاكَ فَلَـمَّا رآهَا تَهْتَزُّ} فـي الكلام مـحذوف تُرك ذكره، استغناء بـما ذُكِر عما حُذف، وهو: فألقاها فصارت حية تهتز {فَلَـمَّا رآها تَهْتَزُّ كأنّها جانّ} يقول: كأنها حية عظيـمة، والـجانّ: جنس من الـحيات معروف.

وقال ابن جُرَيْج فـي ذلك ما.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جُرَيج: {وألْقِ عَصَاكَ فَلَـمَّا رآها تَهْتَزُّ كأنَّها جانّ} قال: حين تـحوّلت حية تسعى، وهذا الـجنس من الـحيات عنـي الراجز بقوله:

يَرْفَعْنَ بـاللَّـيْـلِ إذَا ما أسْدَفـاأعْناقَ جِنَّانٍ وَهاما رُجَّفَـاوَعَنَقا بَعْدَ الرَّسِيـم خَيْطَفَـا

وقوله: {وَلَّـى مُدْبراً} يقول تعالـى ذكره: ولـى موسى هاربـاً خوفـا منها {ولَـمْ يُعَقِّبْ} يقول: ولـم يرجع من قولهم: عقب فلان: إذا رجع علـى عقبه إلـى حيث بدأ. وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك، قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {ولَـمْ يُعَقِّبْ} قال: لـم يرجع.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان عن معمر، عن قتادة، قال: لـم يـلتفت.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {ولَـمْ يُعَقِّبْ} قال: لـم يرجع {يَا مُوسَى} قال: لـما ألقـى العصا صارت حية، فرعب منها وجزع، فقال الله: {إنّـي لا يَخافُ لَدَيَّ الـمُرْسَلُونَ} قال: فلـم يرعو لذلك، قال: فقال الله له:

{ أقْبِلْ وَلا تَـخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِـينَ }قال: فلـم يقـف أيضا علـى شيء من هذا حتـى قال: { سَنُعِيدُها سِيرَتها الأُولـى }قال: فـالتفت فإذا هي عصا كما كانت، فرجع فأخذها، ثم قوي بعد ذلك حتـى صار يرسلها علـى فرعون ويأخذها.

وقوله: {يا موسَى لا تَـخَفْ إنّـي لا يَخافُ لَديَّ الـمُرْسَلُونَ إلاَّ مَنْ ظَلَـمَ} يقول تعالـى ذكره: فناداه ربه: يا موسى لا تـخف من هذه الـحية، إنـي لا يخاف لديّ الـمرسلون: يقول: إنـي لا يخاف عندي رسلـي وأنبـيائي الذين أختصهم بـالنبوّة، إلا من ظلـم منهم، فعمل بغير الذي أُذن له فـي العمل به. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قوله {يا مُوسَى لا تَـخَفْ إنّـي لا يَخافُ لَدَيَّ الـمُرْسَلُونَ} قال: لا يخيف الله الأنبـياء إلا بذنب يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه حتـى يأخذه منه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا عبد الله الفزاري، عن عبد الله بن الـمبـارك، عن أبـي بكر، عن الـحسن، قال: قوله: {يا مُوسَى لا تَـخَفْ إنّـي لا يَخافُ لَدَيَّ الـمُرْسَلُونَ إلاَّ مَنْ ظَلَـمَ} قال: إنـي إنـما أخفتك لقتلك النفس، قال: وقال الـحسن: كانت الأنبـياء تذنب فتعاقب.

واختلف أهل العربـية فـي وجه دخول إلا فـي هذا الـموضع، وهو استثناء مع وعد الله الغفران الـمستثنى من قوله: {إنّـي لا يَخافُ لَدَيَّ الـمُرْسَلُونَ} بقوله: {فإنِّـي غَفُورٌ رَحِيـمٌ}. وحكم الاستثناء أن يكون ما بعده بخلاف معنى ما قبله، وذلك أن يكون ما بعده إن كان ما قبله منفـياً مثبتاً كقوله: ما قام إلا زيد، فزيد مثبت له القـيام، لأنه مستثنى مـما قبل إلا، وما قبل إلا منفـيّ عنه القـيام، وأن يكون ما بعده إن كان ما قبله مثبتاً منفـياً كقولهم: قام القوم إلا زيدا فزيد منفـي عنه القـيام ومعناه: إن زيداً لـم يقم، والقوم مثبت لهم القـيام، (إلا من ظلـم، ثم بدّل حسناً بعد سوء)، فقد أمنه الله بوعده الغفران والرحمة، وأدخـله فـي عداد من لا يخاف لديه من الـمرسلـين. فقال بعض نـحويـي البصرة: أدخـلت إلا فـي هذا الـموضع، لأن إلا تدخـل فـي مثل هذا الكلام، كمثل قول العرب: ما أشتكي إلا خيراً فلـم يجعل قوله: إلا خيراً علـى الشكوى، ولكنه علـم أنه إذا قال: ما أشتكي شيئاً أن يذكر عن نفسه خيراً، كأنه قال: ما أذكر إلا خيراً.

وقال بعض نـحويـي الكوفة: يقول القائل: كيف صير خائفـاً من ظلـم، ثم بدّل حسنا بعد سوء، وهو مغفور له؟ فأقول لك: فـي هذه الآية وجهان: أحدهما أن يقول: إن الرسل معصومة مغفور لها آمنة يوم القـيامة، ومن خـلط عملاًً صالـحاً وآخر سيئاً فهو يخاف ويرجو، فهذا وجه. والآخر: أن يجعل الاستثناء من الذين تركوا فـي الكلـمة، لأن الـمعنى: لا يخاف لديّ الـمرسلون، إنـما الـخوف علـى من سواهم، ثم استثنى فقال: {إلا مَنْ ظَلَـمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً} يقول: كان مشركاً، فتاب من الشرك، وعمل حسنا، فذلك مغفور له، ولـيس يخاف. قال: وقد قال بعض النـحويـين: إن إلا فـي اللغة بـمنزلة الواو، وإنـما معنى هذه الآية: لا يخاف لديّ الـمرسلون، ولا من ظلـم ثم بدّل حسناً، قال: وجعلوا مثله كقول الله:

{ لِئَلاَّ يكُونَ للنَّاسِ عَلَـيْكُمْ حُجَّةٌ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ }قال: ولـم أجد العربـية تـحتـمل ما قالوا، لأنـي لا أجيز: قام الناس إلا عبد الله، وعبد الله قائم إنـما معنى الاستثناء أن يخرج الاسم الذي بعد إلا من معنى الأسماء التـي قبل إلا. وقد أراه جائزاً أن يقول: لـي علـيك ألف سوى ألف آخر فإن وُضِعت إلا فـي هذا الـموضع صلـحت، وكانت إلا فـي تأويـل ما قالوا، فأما مـجرّدة قد استثنى قلـيـلها من كثـيرها فلا، ولكن مثله مـما يكون معنى إلا كمعنى الواو، ولـيست بها قوله: { خالِدِينَ فِـيها ما دَامَتِ السَّمَوَاتُ والأرْضُ إلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ }هو فـي الـمعنى. والذي شاء ربك من الزيادة، فلا تـجعل إلا بـمنزلة الواو، ولكن بـمنزلة سوى فإذا كانت «سوى» فـي موضع «إلا» صلـحت بـمعنى الواو، لأنك تقول: عندي مال كثـير سوى هذا: أي وهذا عندي، كأنك قلت: عندي مال كثـير وهذا أيضا عندي، وهو فـي سوى أبعد منه فـي إلا، لأنك تقول: عندي سوى هذا، ولا تقول: عندي إلا هذا.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي قوله {إلاَّ مَنْ ظَلَـمَ ثُم بَدَّلَ} عندي غير ما قاله هؤلاء الذين حكيناً قولهم من أهل العربـية، بل هو القول الذي قاله الـحسن البصري وابن جُرَيج ومن قال قولهما، وهو أن قوله: {إلاَّ مَنْ ظَلَـمَ} استثناء صحيح من قوله {لا يَخافُ لَدَيَّ الـمُرْسَلُونَ إلاَّ مَنْ ظَلَـمَ} منهم فأتـى ذنبـا، فإنه خائف لديه من عقوبته. وقد بـين الـحسن رحمه الله معنى قـيـل الله لـموسى ذلك، وهو قوله قال: إنـي إنـما أخفتك لقتلك النفس.

فإن قال قائل: فما وجه قـيـله إن كان قوله {إلاَّ مَنْ ظَلَـمَ} استثناءً صحيحاً، وخارجاً من عداد من لا يخاف لديه من الـمرسلـين، وكيف يكون خائفـا من كان قد وُعد الغفران والرحمة؟ قـيـل: إن قوله: {ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنا بَعْدَ سُوءِ} كلام آخر بعد الأوّل، وقد تناهى الـخبر عن الرسل من ظلـم منهم، ومن لـم يظلـم عند قوله {إلاَّ مَنْ ظَلَـمَ} ثم ابتدأ الـخبر عمن ظلـم من الرسل، وسائر الناس غيرهم. وقـيـل: فمن ظلـم ثم بدّل حسناً بعد سوء فإنـي له غفور رحيـم.

فإن قال قائل: فعلام تعطف إن كان الأمر كما قلت بثم إن لـم يكن عطفـا علـى قوله: {ظَلَـمَ}؟ قـيـل: علـى متروك استغنـي بدلالة قوله {ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ} علـيه عن إظهاره، إذ كان قد جرى قبل ذلك من الكلام نظيره، وهو: فمن ظلـم من الـخـلق. وأما الذين ذكرنا قولهم من أهل العربـية، فقد قالوا علـى مذهب العربـية، غير أنهم أغفلوا معنى الكلـمة وحملوها علـى غير وجهها من التأويـل. وإنـما ينبغي أن يحمل الكلام علـى وجهه من التأويـل، ويـلتـمس له علـى ذلك الوجه للإعراب فـي الصحة مخرج لا علـى إحالة الكلـمة عن معناها ووجهها الصحيح من التأويـل.

وقوله: {ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْد سُوءٍ} يقول تعالـى ذكره: فمن أتـى ظلـماً من خـلق الله، وركب مأثماً، ثم بدل حسناً، يقول: ثم تاب من ظلـمه ذلك وركوبه الـمأثم، {فإنـي غَفُورٌ} يقول: فإن ساتر علـى ذنبه وظلـمه ذلك بعفوي عنه، وترك عقوبته علـيه {رَحِيـمٌ} به أن أعاقبه بعد تبديـله الـحسن بضده. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {إلاَّ مَنْ ظَلَـمَ، ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنا بَعْدَ سُوءٍ} ثم تاب من بعد إساءته {فإنِّـي غَفُورٌ رَحِيـمٌ}

وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍ فِى تِسْعِ ءَايَٰتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِۦٓ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا فَٰسِقِينَ ۝١٢

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـله لنبـيه موسى: {وأدْخِـلْ يَدَكَ فِـي جَيْبِكَ} ذكر أنه تعالـى ذكره أمره أن يدخـل كفه فـي جيبه وإنـما أمره بإدخاله فـي جيبه، لأن الذي كان علـيه يومئذ مِدرعة من صوف. قال بعضهم: لـم يكن لها كُمٌّ. وقال بعضهم: كان كمها إلـى بعض يده.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {وأَدْخِـلْ يَدَكَ فِـي جَيْبِكَ} قال: الكفّ فقط فـي جيبك. قال: كانت مدرعة إلـى بعض يده، ولو كان لها كُمُّ أمره أن يدخـل يده فـي كمه.

قال: ثنـي حجاج، عن يونس بن أبـي إسحاق، عن أبـيه، عن عمرو بن ميـمون، قال: قال ابن مسعود: إن موسى أتـى فرعون حين أتاه فـي ذُرْ مانقة، يعنـي جبة صوف.]

وقوله: {تـخْرُجْ بَـيْضَاءَ} يقول: تـخرج الـيد بـيضاء بغير لون موسى من {غيرِ سُوءٍ} يقول: من غير برص {فـي تسع آيات}، يقول تعالـى ذكره: أدخـل يدك فـي جيبك تـخرج بـيضاء من غير سوء، فهي آية فـي تسع آيات مُرسل أنت بهنّ إلـى فرعون وترك ذكر مرسل لدلالة قوله {إلـى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ} علـى أن ذلك معناه، كما قال الشاعر:

رأتْنِـي بِحَبْلَـيْها فَصَدَّتْ مَخافَةًوفِـي الـحَبْلِ رَوْعاءُ الفُؤَادِ فَرُوقُ

ومعنى الكلام: رأتنـي مقبلاً بحبلـيها، فترك ذكر «مقبل» استغناء بـمعرفة السامعين معناه فـي ذلك، إذ قال: رأتنـي بحبلـيها ونظائر ذلك فـي كلام العرب كثـيرة.

والآيات التسع: هنّ الآيات التـي بـيَّناهنّ فـيـما مضى. وقد:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {تِسْعِ آياتٍ إلـى فِرْعَوْنَ وقَوْمهِ} قال: هي التـي ذكر الله فـي القرآن: العصا، والـيد، والـجراد، والقمل، والضفـادع، والطوفـان، والدم، والـحجر، والطَّمْس الذي أصاب آل فرعون فـي أموالهم.

وقوله: {إنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فـاسِقِـينَ} يقول: إن فرعون وقومه من القبط كانوا قوما فـاسقـين، يعنـي كافرين بـالله، وقد بـيَّنا معنى الفسق فـيـما مضى.

فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ ءَايَٰتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا۟ هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ۝١٣ وَجَحَدُوا۟ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝١٤

يقول تعالـى ذكره: فلـما جاءت فرعون وقومه آياتنا، يعنـي أدلتنا وحججنا، علـى حقـيقة ما دعاهم إلـيه موسى وصحته، وهي الآيات التسع التـي ذكرناها قبل. وقوله {مُبْصِرَةً} يقول: يبصر بها من نظر إلـيها ورآها حقـيقة ما دلت علـيه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج {فَلَـمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنَا مُبْصِرَةً} قال: بـيِّنة {قَالُوا: هَذَا سِحْرٌ مُبِـينٌ}، يقول: قال فرعون وقومه: هذا الذي جاءنا به موسى سحر مبـين، يقول: يبـين للناظرين له أنه سحر.

وقوله: {وَجَحَدُوا بِها} يقول: وكذّبوا بـالآيات التسع أن تكون من عند الله، كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج {وَجَحَدُوا بِها} قال: الـجحود: التكذيب بها.

وقوله: {وَاسْتَـيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ} يقول: وأيقنتها قلوبهم، وعلـموا يقـيناً أنها من عند الله، فعاندوا بعد تبـينهم الـحقّ، ومعرفتهم به، كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الـخراسانـي، عن ابن عبـاس {وَاسْتَـيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ} قال: يقـينهم فـي قلوبهم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله الله: {وَاسْتَـيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ظُلْـماً وَعُلُوّاً} قال: استـيقنوا أن الآيات من الله حقّ، فلـم جحدوا بها؟ قال: ظلـما وعلوّا.

وقوله: {ظُلْـماً وَعُلُوّاً} يعنـي بـالظلـم: الاعتداء، والعلوّ: الكبر، كأنه قـيـل: اعتداء وتكبراً وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، فـي قوله {ظُلْـماً وَعُلُوّاً} قال: تعظماً واستكبـاراً، ومعنى ذلك: وجحدوا بـالآيات التسع ظلـماً وعلوّاً، واستـيقنتها أنفسهم أنها من عند الله، فعاندوا الـحقّ بعد وضوحه لهم، فهو من الـمؤخر الذي معناه التقديـم.

وقوله: {فـانْظُرْ كَيْف كانَ عاقِبَةُ الـمُفْسِدِينَ}. يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: فـانظر يا مـحمد بعين قلبك كيف كان عاقبة تكذيب هؤلاء الذين جحدوا آياتنا حين جاءتهم مبصرة، وماذا حلّ بهم من إفسادهم فـي الأرض ومعصيتهم فـيها ربهم، وأعقبهم ما فعلوا، فإن ذلك أخرجهم من جنات وعيون، وزروع ومقام كريـم، إلـى هلاك فـي العاجل بـالغرق، وفـي الآجل إلـى عذاب دائم، لا يفتر عنهم، وهم فـيه مبلسون. يقول: وكذلك يا مـحمد سنتـي فـي الذين كذّبوا بـما جئتهم به من الآيات علـى حقـيقة ما تدعوهم إلـيه من الـحقّ من قومك.

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَٰنَ عِلْمًا وَقَالَا ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٥

يقول تعالـى ذكره: {وَلَقَدْ آتَـيْنَا دَاوُدَ وَسُلَـيـمَانُ عِلْـماً} وذلك علـم كلام الطير والدوابّ، وغير ذلك مـما خصهم الله بعلـمه {وَقالا الـحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلـى كَثِـيرٍ مِنْ عِبـادِهِ الـمُؤْمِنِـينَ} يقول جلّ ثناؤه: وقال داود وسلـيـمان: الـحمد لله الذي فضلنا بـما خصنا به من العلـم الذي آتاناه دون سائر خـلقه من بنـي آدم فـي زماننا هذا علـى كثـير من عبـاده الـمؤمنـين به فـي دهرنا هذا.

وَوَرِثَ سُلَيْمَٰنُ دَاوُۥدَ وَقَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ ۝١٦

يقول تعالـى ذكره: {وَوَرِثَ سُلَـيْـمانُ} أبـاه {دَاوُدَ} العلـم الذي كان آتاه الله فـي حياته، والـمُلك الذي كان خصه به علـى سائر قومه، فجعله له بعد أبـيه داود سائر ولد أبـيه. {وَقالَ يا أيُّها النَّاس عُلِّـمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ} يقول: وقال سلـيـمان لقومه: يا أيها الناس علـمنا منطق الطير، يعنـي فهمنا كلامها وجعل ذلك من الطير كمنطق الرجل من بنـي آدم إذ فهمه عنها، وقد:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي معشر، عن مـحمد بن كعب {وَقالَ يا أيُّها النَّاسُ عُلِّـمْنا مَنْطِقَ الطَّيْر} قال: بلغنا أن سلـيـمان كان عسكره مئة فرسخ: خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون للـجنّ وخمسة وعشرون للوحش وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بـيت من قوارير علـى الـخشب فـيها ثلاث مئة صريحة، وسبع مئة سرية، فأمر الريح العاصف فرفعته، وأمر الرُّخاء فسيرته فأوحى الله إلـيه وهو يسير بـين السماء والأرض: إنـي قد أردت أنه لا يتكلـم أحد من الـخلائق بشيء إلا جاءت الريح فأخبرته. وقوله: {وأُوتـينا مِنْ كلّ شَيْءٍ} يقول: وأُعطينا ووُهب لنا من كلّ شيء من الـخيرات {إنَّ هَذَا لَهُوَ الفَضْلُ الـمُبِـينُ} يقول: إن هذا الذي أوتـينا من الـخيرات لهو الفضل علـى جميع أهل دهرنا الـمبـين، يقول: الذي يبـين لـمن تأمَّله وتدبره أنه فضل أُعطيناه علـى من سوانا من الناس.

وَحُشِرَ لِسُلَيْمَٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ۝١٧

يقول تعالـى ذكره: وجمع لسلـيـمان جنوده من الـجنّ والإنس والطير فـي مسير لهم فهم يوزعون.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى قوله {فَهُمْ يُوزَعُونَ} فقال بعضهم: معنى ذلك: فهم يُحبس أوّلهم علـى آخرهم حتـى يجتـمعوا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الـخراسانـي، عن ابن عبـاس، قال: جعل علـى كل صنف من يردُّ أولاها علـى أُخراها لئلا يتقدموا فـي الـمسير كما تصنع الـملوك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا أبو سفـيان عن معمر، عن قَتادة، فـي قوله: {وَحُشِرَ لِسُلَـيْـمانَ جُنودُهُ مِنَ الـجنِّ والإِنْس والطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} قال: يردّ أوّلهم علـى آخرهم.

وقال آخرون: معنى ذلك فهم يساقون.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَحُشِرَ لِسُلَـيْـمانَ جُنُودُهُ مِنَ الـجِنّ والإنْسِ والطَّيْرَ فَهُمْ يُوزَعُونَ} قال: يوزعون: يُساقون.

وقال آخرون: بل معناه: فهم يتقدمون.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان عن معمر، قال: قال الـحسن: {يُوزَعُونَ} يتقدمون.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بـالصواب قول من قال: معناه: يردّ أوّلهم علـى آخرهم وذلك أن الوازع فـي كلام العرب هو الكافّ، يقال منه: وزع فلان فلاناً عن الظلـم: إذا كفَّه عنه، كما قال الشاعر:

ألَـمْ يَزَعِ الهَوَى إذْ لَـمْ يُؤَاتِبَلـى وَسَلَوْتُ عَنْ طَلَب الفَتاةِ

وقال آخر:

عَلـى حِينَ عاتَبْتُ الـمَشيبَ عَلـى الصّبـاوقُلْتُ ألَـمَّا أصْحُ والشَّيْبُ وَازعُ

وإنـما قـيـل للذين يدفعون الناس عن الولاة والأمراء وزعة: لكفهم إياهم عنه.

حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوْا۟ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُوا۟ مَسَٰكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ۝١٨

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {حتـى إذَا أتَوْا عَلـى وَادِي النَّـمْلِ} حتـى إذا أتـى سلـيـمان وجنوده علـى وادي النـمل {قالَتْ نَـمْلَةٌ يا أيُّها النَّـمْلُ ادْخُـلُوا مَساكِنَكُمْ لا يحْطِمَنَّكُمْ سلَـيْـمانُ وَجُنُودُهُ} يقول: لا يكسرنكم ويقتلنكم سلـيـمان وجنوده {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} يقول: وهم لا يعلـمون أنهم يحطمونكم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن ويحيى، قالا ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن رجل يقال له الـحكم، عن عوف، فـي قوله: {قالَتْ نَـمْلَةٌ يا أيها النَّـمْلُ} قال: كان نـمل سلـيـمان بن داود مثل الذبـاب.

فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحًا تَرْضَىٰهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝١٩

يقول تعالـى ذكره: فتبسّم سلـيـمان ضاحكاً من قول النـملة التـي قالت ما قالت، وقال: {رَبّ أوْزِعْنِـي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ التـي أنْعَمْتَ عَلـيَّ} يعنـي بقوله {أوْزِعْنِـي}: ألهمنـي. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {قالَ رَبّ أوْزِعْنِـي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ} يقول: اجعلنـي.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله الله: {رَبّ أوْزِعْنِـي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ التـي أنْعَمْتَ عَلـيَّ} قال: فـي كلام العرب، تقول: أوزع فلان بفلان، يقول: حرض علـيه. وقال ابن زيد: {أوْزِعْنِـي} ألهمنـي وحرّضنـي علـى أن أشكر نعمتك التـي أنعمت علـيّ وعلـى والديّ.

وقوله: {وأنْ أعْمَلَ صَالِـحا تَرْضَاهُ} يقول: وأوزعنـي أن أعمل بطاعتك وما ترضاه {وأدّخِـلْنِـي بِرَحْمَتِكَ فِـي عِبـادِكَ الصَّالِـحِينَ} يقول: وأدخـلنـي برحمتك مع عبـادك الصالـحين، الذين اخترتهم لرسالتك وانتـخبتهم لوحيك، يقول: أدخـلنـي من الـجنة مداخـلهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وأدْخِـلْنِـي بِرَحْمَتِكَ فِـي عبـادِكَ الصَّالِـحينَ} قال: مع عبـادك الصالـحين الأنبـياء والـمؤمنـين.

وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِىَ لَآ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ ۝٢٠ لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَا۟ذْبَحَنَّهُۥٓ أَوْ لَيَأْتِيَنِّى بِسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ ۝٢١

يقول تعالى ذكره: {وَتَفَقَّدَ} سليمان {الطيْرَ فَقالَ مالـيَ لا أرَى الهُدْهُدَ}. وكان سبب تفقده الطير وسؤاله عن الهدهد خاصة من بـين الطير، ما:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، قال: سمعت عمران عن أبـي مُـجَلِّز، قال: جلس ابن عبـاس إلـى عبد الله بن سلام، فسأله عن الهدهد: لـم تفقَّده سلـيـمان من بـين الطير فقال عبد الله بن سلام: إن سلـيـمان نزل منزلة فـي مسير له، فلـم يدر ما بُعْدَ الـماء، فقال: من يعلـم بُعْدَ الـماء؟ قالوا: الهدهد، فذاك حين تفقده.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا عمران بن حدير، عن أبـي مـجلِّز، عن ابن عبـاس وعبد الله ابن سلام بنحوه.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن الـمنهال، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: كان سلـيـمان بن داود يوضع له ستّ مئة كرسي، ثم يجيء أشراف الإنس فـيجلسون مـما يـلـيه، ثم تـجيء أشراف الـجنّ فـيجلسون مـما يـلـي الإنس، قال: ثم يدعو الطير فتظلهم، ثم يدعو الريح فتـحملهم، قال: فـيسير فـي الغداة الواحدة مسيرة شهر، قال: فبـينا هو فـي مسيره إذا احتاج إلـى الـماء وهو فـي فلاة من الأرض، قال: فدعا الهدهد، فجاءه فنقر الأرض، فـيصيب موضع الـماء، قال: ثم تـجيء الشياطين فـيسلـخونه كما يسلـخ الإهاب، قال: ثم يستـخرجون الـماء. فقال له نافع بن الأزرق: قـف يا وقاف أرأيت قولك الهدهد يجيء فـينقر الأرض، فـيصيب الـماء، كيف يبصر هذا، ولا يبصر الفخّ يجيء حتـى يقع فـي عنقه؟ قال: فقال له ابن عبـاس: ويحك إن القدر إذا جاء حال دون البصر.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه، قال: كان سلـيـمان بن داود إذا خرج من بـيته إلـى مـجلسه عكفت علـيه الطير، وقام له الـجنّ والإنس حتـى يجلس علـى سريره، حتـى إذا كان ذات غداة فـي بعض زمانه غدا إلـى مـجلسه الذي كان يجلس فـيه، فتفقد الطير. وكان فـيـما يزعمون يأتـيه نوبـاً من كل صنف من الطير طائر، فنظر فرأى من أصناف الطير كلها قد حضره إلا الهدهد، فقال: مالـي لا أرى الهدهد

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: أوّل ما فقد سلـيـمان الهدهد نزل بواد فسأل الإنس عن مائه، فقالوا: ما نعلـم له ماء، فإن يكن أحد من جنودك يعلـم له ماء فـالـجنّ، فدعا الـجنّ فسألهم، فقالوا: ما نعلـم له ماء وإن يكن أحد من جنودك يعلـم له ماء فـالطير، فدعا الطير فسألهم، فقالو: ما نعلـم له ماء، وإن يكن أحد من جنودك يعلـمه فـالهدهد، فلـم يجده، قال: فلذاك أوّل ما فقد الهدهد.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ مالـيَ لا أرَى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِـينَ} قال: تفقد الهدهد من أجل أنه كان يدله علـى الـماء إذا ركب، وإن سلـيـمان ركب ذات يوم فقال: أين الهدهد لـيدلنا علـى الـماء؟ فلـم يجده، فمن أجل ذلك تفقده. فقال ابن عبـاس: إن الهدهد كان ينفعه الـحذر ما لـم يبلغه الأجل فلـما بلغ الأجل لـم ينفعه الـحذر، وحال القدر دون البصر.

فقد اختلف عبد الله بن سلام والقائلون بقوله ووهب بن منبه، فقال عبد الله: كان سبب تفقده الهدهد وسؤاله عنه لـيستـخبره عن بُعد الـماء فـي الوادي الذي نزل به فـي مسيره. وقال وهب بن منبه: كان تفقده إياه وسؤاله عنه لإخلاله بـالنوبة التـي كان ينوبها والله أعلـم بأيّ ذلك كان إذ لـم يأتنا بأيّ ذلك كان تنزيـل، ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح.

فـالصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن سلـيـمان أنه تفقد الطير، إما للنوبة التـي كانت علـيها وأخـلت بها، وإما لـحاجة كانت إلـيها عن بُعد الـماء.

وقوله: {فَقالَ مالِـيَ لا أرَى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِـينَ} يعنـي بقوله {مالـيَ لا أرَى الهُدْهُدَ} أخطأه بصرى فلا أراه وقد حضر أم هو غائب فـيـما غاب من سائر أجناس الـخـلق فلـم يحضر. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه {مالِـيَ لا أرَى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغَائِبِـينَ} أخطأه بصري فـي الطير، أم غاب فلـم يحضر؟

وقوله: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابـاً شَدِيداً} يقول: فلـما أخبر سلـيـمان عن الهدهد أنه لـم يحضر وأنه غائب غير شاهد، أقسم {لأُعَذِّبَنَّه عَذَابـاً شَدِيداً} وكان تعذيبه الطير فـيـما ذُكر عنه إذا عذّبها أن ينتف ريشها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا الـحمانـي، عن الأعمش، عن الـمنهال، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس، فـي قوله {لأُعَذّبَنَّهُ عَذَابـاً شَدِيداً} قال: نتف ريشه.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن عطية، عن شريك، عن عطاء، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، فـي {لأُعَذّبَنَّهُ عَذَابـاً شَدِيداً} عذابه: نتفه وتشميسه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {لأُعَذّبَنَّهُ عَذَابـاً شَدِيداً} قال: نتف ريشه وتشميسه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {لأُعَذّبَنَّهُ عَذَابـاً شَدِيداً} قال: نتف ريشه كله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله {لأُعَذّبَنَّهُ عَذَابـاً شدِيداً} قال: نتف ريش الهدهد كله، فلا يغفو سنة.

قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قَتادة، قال: نتف ريشه.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {لأُعَذّبَنَّهُ عَذَابـاً شَدِيداً} يقول: نتف ريشه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان أنه حدّث أن عذابه الذي كان يعذّب به الطير نتف جناحه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: قـيـل لبعض أهل العلـم: هذا الذبح، فما العذاب الشديد؟ قال: نتف ريشه بتركه بَضعة تنزو.

حدثنا سعيد بن الربـيع الرازيّ، قال: ثنا سفـيان، عن عمرو بن بشار، عن ابن عبـاس، فـي قوله {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابـاً شَدِيداً} قال: نتفه.

حدثنـي سعيد بن الربـيع، قال: ثنا سفـيان، عن حسين بن أبـي شدّاد، قال: نتفه وتشميسه.

{أو لأذبحنه}، يقول: أو لأقتلنه. كما:

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: أوْ لأَذْبَحَنَّه يقول: أو لأقتلنه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا عبـاد بن العوّام، عن حُصَين، عن عبد الله بن شدّاد: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابـا شَدِيدا أَوْ لأَذْبحَنَّهُ...} الآية، قال: فتلقاه الطير، فأخبره، فقال: ألـم يستثن؟

وقوله: {أوْ لَيَأْتِيَنِّي بسُلْطانٍ مُبِـينٍ} يقول: أو لـيأتـينـي بحجة تبـين لسامعها صحتها وحقـيقتها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا علـيّ بن الـحسين الأزديّ، قال: ثنا الـمعافـىَ بن عمران، عن سفـيان، عن عمار الدُّهْنـي، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس، قال: كل سلطان فـي القرآن فهو حجة.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {أوْلَـيَأْتِـيَنِّـي بِسُلْطانٍ مَبِـينٍ} يقول: ببـينة أعذره بها، وهو مثل قوله:

{ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فـي آياتِ اللَّهِ بغَيْرِ سُلْطانٍ }يقول: بغير بـيِّنة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفـيان، عن رجل، عن عكرِمة، قال: كل شيء فـي القرآن سلطان، فهو حجة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا عبد الله، بن يزيد، عن قَبـاث بن رَزِين، أنه سمع عكرِمة يقول: سمعت ابن عبـاس يقول: كلّ سلطان فـي القرآن فهو حجة، كان لهدهد سلطان.

حدثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قَتادة {أوْلَـيَأْتِـيَنِّـي بِسُلْطانٍ مُبِـينٍ} قال: بعذر بـين.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه {أوْلَـيأْتِـيَنِّـي بِسُلْطانٍ مُبِـينِ}: أي بحجة عذر له فـي غيبته.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {أوْلـيَأْتِـيَنِّـي بِسُلْطانٍ مُبِـينِ} يقول: ببـينة، وهو قول الله

{ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِـي آياتِ اللَّهِ بغَيْرِ سُلْطانٍ }بغير بـينة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {أوْلَـيَأْتِـيَنِّـي بِسُلْطانٍ مُبِـينٍ} قال: بعذر أعذره فـيه.

فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍۭ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ۝٢٢

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {فَمَكَثَ غيرَ بَعِيدٍ} فمكث سلـيـمان غير طويـل من حين سأل عن الهدهد، حتـى جاء الهدهد.

واختلف القرّاء فـي قراءة قوله: {فَمَكَثَ} فقرأت ذلك عامة قرّاء الأمصار سوى عاصم: «فَمَكُثَ» بضمّ الكاف، وقرأه عاصم بفتـحها، وكلتا القراءتـين عندنا صواب، لأنهما لغتان مشهورتان، وإن كان الضمّ فـيها أعجب إلـيّ، لأنها أشهر اللغتـين وأفصحهما.]

وقوله: {فَقالَ أحَطْتُ بِـمَا لَـمْ تُـحِطْ بِهِ} يقول: فقال الهدهد حين سأله سلـيـمان عن تـخـلفه وغيبته: أحطب بعلـم ما لـم تـحط به أنت يا سلـيـمان. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {أحَطْتُ بِـمَا لَـمْ تـحِطْ بِه} قال: ما لـم تعلـم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه {فمَكَثَ غيرَ بَعيدٍ} ثم جاء الهدهد، فقال له سلـيـمان: ما خـلَّفك عن نوبتك؟ قال: أحطت بـما لـم تـحط به.

وقوله: {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبإ بِنَبإ يَقِـينٍ} يقول: وجئتك من سبإ بخبر يقـين. وهو ما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبإٍ بِنَبإٍ يَقِـينٍ}: أي أدركت ملكا لـم يبلغه ملكك.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {مِنْ سَبإٍ} فقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والكوفة {مِنْ سَبإٍ} بـالإجراء. الـمعنـي أنه رجل اسمه سبأ. وقرأه بعض قرّاء أهل مكة والبصرة {مِنْ سَبإٍ} بترك الإجراء، علـى أنه اسم قبـيـلة أو لامرأة.

والصواب من القول فـي ذلك أن يُقال: إنهما قراءتان مشهورتان، وقد قرأ بكل واحدة منهما علـماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب فـالإجراء فـي سبأ، وغير الإجراء صواب، لأن سبأ إن كان رجلاً كما جاء به الأثر، فإنه إذا أريد به اسم الرجل أُجري، وإن أريد به اسم القبـيـلة لـم يُجْرَ، كما قال الشاعر فـي إجرائه:

الْوَارِدُونَ وَتَـيْـمٌ فـي ذَرَا سَبإٍقَدْ عَضَّ أعْناقَهُمْ جِلدُ الـجَوَاميسِ

يروى: ذرا، وذرى، وقد حُدثت عن الفرّاء عن الرؤاسي أنه سأل أبـا عمرو بن العلاء كيف لـم يجر سبأ؟ قال: لست أدري ما هو فكأن أبـا عمرو ترك إجراءه، إذ لـم يدرِ ما هو، كما تفعل العرب بـالأسماء الـمـجهولة التـي لا تعرفها من ترك الإجراء. حكي عن بعضهم: هذا أبو معرورَ قد جاء، فترك إجراءه إذ لـم يعرفه فـي أسمائهم. وإن كان سبأ جبلاً، أجري لأنه يُراد به الـجبل بعينه، وإن لـم يجر فلأنه يجعل اسما للـجبل وما حوله من البقعة.

إِنِّى وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ۝٢٣ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَعْمَٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ۝٢٤

يقول تعالـى مخبراً عن قـيـل الهدهد لسلـيـمان مخبراً بعذره فـي مغيبه عنه: {إنِّـي وَجَدْتُ امْرأةً تَـمْلِكُهُمْ} يعنـي تـملك سبأ، وإنـما صار هذا الـخبر للهدهد عذراً وحجة عند سلـيـمان، درأ به عنه ما كان أُوعد به، لأن سلـيـمان كان لا يرى أن فـي الأرض أحداً له مـملكة معه، وكان مع ذلك صلى الله عليه وسلم رجلاً جُبِّب إلـيه الـجهاد والغزو، فلـما دله الهدهد علـى ملك بـموضع من الأرض هو لغيره، وقوم كفرة يعبدون غير الله، له فـي جهادهم وغزوهم الأجر الـجزيـل، والثواب العظيـم فـي الآجل، وضمّ مـملكة لغيره إلـى ملكه، حقَّت للهدهد الـمعذرة، وصحّت له الـحجة فـي مغيبه عن سلـيـمان.

وقوله: {وأُوتِـيَتْ مِنْ كُلّ شَيْءٍ} يقول: وأوتـيت من كلّ شيء يؤتاه الـملك فـي عاجل الدنـيا مـما يكون عندهم من العتاد والآلة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي عُبَـيدة البـاجي، عن الـحسن، قوله: {وأُوتِـيَتْ مِنْ كُلّ شَيْءٍ} يعنـي: من كل أمر الدنـيا.

وقوله {ولَهَا عَرْشٌ عَظيـمٌ} يقول: ولها كرسي عظيـم. وعُنـي بـالعظيـم فـي هذا الـموضع: العظيـم فـي قدره، وعظم خطره، لا عظمه فـي الكبر والسعة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الـخراسانـي، عن ابن عبـاس، قوله {وَلهَا عَرْشٌ عَظِيـمٌ} قال: سرير كريـم، قال: حَسن الصنعة، وعرشها: من ذهب قوائمه من جوهر ولؤلؤ.

قال: ثنـي حجاج، عن أبـي عُبـيدة البـاجي، عن الـحسن، قوله: {ولَهَا عَرْشٌ عَظيـمٌ}: يعنـي سرير عظيـم.]

وقوله: {وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ للشَّمْس مِنْ دُونِ اللَّهِ} يقول: وجدت هذه الـمرأة ملكة سبأ، وقومها من سبأ، يسجدون للشمس فـيعبدونها من دون الله. وقوله: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعمالَهُمْ} يقول: وحسَّن لهم إبلـيس عبـادتهم الشمس، وسجودهم لها من دون الله، وحبَّب ذلك إلـيهم {فَصَّدَّهُمْ عَنِ السَّبِـيـلِ} يقول: فمنعهم بتزيـينه ذلك لهم أن يتبعوا الطريق الـمستقـيـم، وهو دين الله الذي بعث به أنبـياءه، ومعناه: فصدّهم عن سبـيـل الـحقّ {فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ} يقول: فهم لـما قد زين لهم الشيطان ما زين من السجود للشمس من دون الله والكفر به لا يهتدون لسبـيـل الـحقّ ولا يسلكونه، ولكنهم فـي ضلالهم الذي هم فـيه يتردّدون.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ