انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الرعد

تفسير البغويالآيات 30–43

تفسير سورة الرعد آية آية، من تفسير البغوي.

كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَٰكَ فِىٓ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ لِّتَتْلُوَا۟ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَٰنِ قُلْ هُوَ رَبِّى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ۝٣٠

قوله عزّ وجلّ {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِيۤ أُمَّةٍ}: كما أرسلنا الأنبياءَ إلى الأمم أرسلناك إلى هذه الأمة، {قَدْ خَلَتْ}، مضت، {مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ لِّتَتْلُوَاْ}، لتقرأ، {عَلَيْهِمُ ٱلَّذِىۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ}.

قال قتادة، ومقاتل، وابن جريج: الآية مدنية نزلت في صُلح الحديبية، وذلك أن سهيل بن عَمرو لمَّا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم واتفقوا على أن يكتبوا كتاب الصلح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: اكتبْ "بسم الله الرحمن الرحيم"، قالوا: لا نعرف الرَّحمنَ إلا صاحب اليمامة - يعنون مسيلمةَ الكذّابَ - اكتب كما كنتَ تكتب: "باسمكَ اللهم"، فهذا معنى قوله: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ}.

والمعروف أن الآية مكية، وسبب نزولها: أنا أبا جهل سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الحِجْر يدعُو يا الله يارَحمن، فرجع إلى المشركين فقال: إن محمداً يدعو إلهين؛ يدعو الله، ويدعو إلهاً آخر يسمى الرحمن، ولا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى:

{ قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ }[الإِسراء: 110].

وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها نزلت في كفَّار قريش حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: اسجدوا للرحمن، قالوا: وما الرحمن؟ قال الله تعالى: {قُلْ}، لهم يامحمد إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته، {هُوَ رَبِّى لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ}، اعتمدتُ {وَإِلَيْهِ مَتَابِ}، أي: توبتي ومرجعي.

قوله عزّ وجلّ: {وَلَوْ أَنَّ قُرْءَاناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ}، الآية. نزلت في نفر من مشركي مكة؛ منهم أبو جهل بن هشام، وعبدالله بن أبي أمية؛ جلسوا خلف الكعبة وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاهم، فقال له عبدالله بن أبي أمية: إن سرَّك أن نتبعك فسير جبال مكة بالقرآن فأذهِبْها عنا حتى تنفسخ، فإنها أرض ضيقة لمزارعنا، واجعل لنا فيها عيوناً وأنهاراً، لنغرس فيها الأشجار ونزرعَ، ونتخذ البساتين، فلستَ كما زعمت بأهون على ربك من داوود عليه السلام حيث سخر له الجبال تُسبح معه، أو سخِّرْ لنا الريحَ فنركبهَا إلى الشام لميرتنا وحوائجنا ونرجعَ في يومنا، فقد سُخرت الريح لسُليمانَ كما زعمتَ، ولستَ بأهون على ربك من سُليمان، وأحيي لنا جدَّك قُصَيَّاً أو مَنْ شئت من آبائنا وموتانا لنسأله عن أمرك أحقُّ ما تقول أم باطل، فإن عيسى كان يحيي الموتى، ولستَ بأهون على الله منه.

وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ بَل لِّلَّهِ ٱلْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَا۟يْـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا۟ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ۝٣١

فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَلَوْ أَنَّ قُرْءَاناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ} فأذهبت عن وجه الأرض، {أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ}، أي: شققت فجعلت أنهاراً وعُيوناً {أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ} واختلفوا في جواب "لو":

فقال قوم: جوابه محذوف، اكتفاء بمعرفةِ السامعين مرادَه وتقديره: لكان هذا القرآن، كقول الشاعر:

فَأُقْسِمُ لَوْ شَيءٌ أَتَانَا رَسُولُه سِوَاكَ ولَكِنْ لم نَجِدْ لَكَ مَدْفَعَاً

أراد: لرددناه، وهذا معنى قول قتادة قال: لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل بقرآنكم.

وقال آخرون: جواب لو مقدَّم. وتقدير الكلام: وهم يكفرون بالرحمن {وَلَوْ أَنَّ قُرْءَاناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ}، كأنه قال: لو سيرت به الجبال {أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ} لكفروا بالرحمن ولم يؤمنوا، لِما سبقَ من علمنا فيهم، كما قال:

{ { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ } } [الأنعام: 111] ثم قال:

{بَل لِلَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً}، أي: في هذه الأشياء إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل.

{أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ}، قال أكثر المفسرين: معناه أفلم يعلم. قال الكلبي: هي لغة النَّخَع.

وقيل: هي لغة هوازن، يدل عليه قراءة ابن عباس: "أفلم يتبين الذين آمنوا".

وأنكر الفرَّاء أن يكون ذلك بمعنى العلم، وزعم أنه لم يسمع أحداً من العرب يقول: يئستُ، بمعنى: علمتُ، ولكن معنى العلم فيه مضمر.

وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمعوا هذا من المشركين طمعوا في أن يفعلَ الله ما سألوا فيؤمنوا فنزل: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} يعني: الصحابة رضي الله عنهم أجمعين من إيمان هؤلاء، أي ألم ييأسُوا علماً، وكلٌّ مَن علم شيئاً يئس من خلافه، يقول: ألم ييئسهم العلمُ، {أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً}.

{وَلاَ يَزَالُ ٱلذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ} من كفرهم وأعمالهم الخبيثة {قَارِعَةٌ} أي: نازلة وداهية تقرعهم من أنواع البلاء، أحياناً بالجدب، وأحياناً بالسلب، وأحياناً بالقتل والأسر.

وقال ابن عباس: أراد بالقارعة: السرايا التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثهم إليهم.

{أَوْ تَحُلُّ}، يعني: السرية أو القارعة، {قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ}، وقيل: أو تحلُّ: أي تنزل أنت يامحمد بنفسك قريباً من ديارهم، {حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ}، قيل: يوم القيامة. وقيل: الفتح والنصر وظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ}، وكان الكفار يسألون هذه الأشياء على سبيل الاستهزاء فأنزل الله تسليةً لنبيه صلى الله عليه وسلم.

{وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ}.

وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ۝٣٢ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ أَم بِظَٰهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا۟ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ ۝٣٣

{وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ}، كما استهزؤا بك، {فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ}، أمهلتهم وأطلت لهم المدة، ومنه "المَلَوانِ"، وهما: الليل والنهار، {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} عاقبتهم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار، {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}، أي: عقابي لهم.

{أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}، أي: حافظها، ورازقها، وعالم بها، ومجازيها بما عملت. وجوابه محذوف، تقديره: كمن ليس بقائم بل عاجز عن نفسه.

{وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ} بيّنُوا أسماءهم.

وقيل: صفوهم ثم انظروا هَلْ هي أهل لأن تُعبد؟

{أَمْ تُنَبِّئُونَهُ} أي: تخبرون الله تعالى:{بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى ٱلأَرْضِ}، فإنه لا يعلم لنفسه شريكاً ولا في الأرض إلهاً غيره، {أَم بِظَـٰهِرٍ} يعني: أم تتعلقون بظاهر، {مِّنَ ٱلْقَوْلِ}، مسموعٍ، وهو في الحقيقة باطل لا أصل له.

وقيل: بباطلٍ من القول، قال الشاعر:

وعَيُّرَنَي الوَاشُونَ أَنِّي أُحِبُّهَاوَتْلِكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا

أي: زائل.

{بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ}، كيدهم. وقال مجاهد: شركهم وكذبهم على الله.

{وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ}، أي: صرفوا عن الدين.

قرأ أهلُ الكوفة ويعقوب {وصدّوا} وفي حم المؤمن {وصُدّ} بضم الصاد فيهما، وقرأ الآخرون بالفتح لقوله تعالى:

{ { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } } [الحج: 25]، وقوله: { { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } } [النحل: 88 وغيرها].

{وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ}، بخذلانه إيّاهُ، {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}.

لَّهُمْ عَذَابٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ ۝٣٤ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّعُقْبَى ٱلْكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ ۝٣٥ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ ٱلْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُۥ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشْرِكَ بِهِۦٓ إِلَيْهِ أَدْعُوا۟ وَإِلَيْهِ مَـَٔابِ ۝٣٦

{لَّهُمْ عَذَابٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا}، بالقتل والأسر، {وَلَعَذَابُ ٱلأَخِرَةِ أَشَقُّ}، أشد، {وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ}، مانع يمنعهم من العذاب.

قوله عزّ وجلّ: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} أي: صفة الجنة، كقوله تعالى:

{ { وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ } } [النحل: 60] أي: الصفة العليا، {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ}، أي: صفة الجنة التي وعد المتقون أن الأنهار تجري من تحتها.

وقيل: "مثلُ" صلةٌ مجازُها "الجنة التي وُعد المتقون تجري من تحتها الأنهار".

{أُكُلُهَا دَآئِمٌ} أي: لا ينقطع ثمرها ونعيمها، {وَظِلُّهَا}، أي: ظلها ظليل، لا يزول، وهو ردّ على الجهمية حيث قالوا إن نعيم الجنة يفنى.

{تِلْكَ عُقْبَىٰ} أي: عاقبة {ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} يعني: الجنة، {وَّعُقْبَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٱلنَّارُ}.

قوله عزّ وجلّ: {وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} يعني: القرآن وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم {يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} من القرآن، {وَمِنَ ٱالأَحْزَابِ} يعني: الكفار الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم اليهود والنصارى، {مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ}، هذا قول مجاهد وقتادة.

وقال الآخرون: كان ذكر الرحمن قليلاً في القرآن في الابتداء فلما أسلم عبدالله بن سلام وأصحابه ساءهم قلة ذكره في القرآن مع كثر ذكره في التوراة، فلما كرر الله ذكره في القرآن فرحوا به فأنزل الله سبحانه وتعالى: {وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ}، يعني: مشركي مكة حين كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب الصلح: بسم الله الرحمن الرحيم، قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب، فأنزل الله عزّ وجلّ:

{ { وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَـٰفِرُونَ } } [الأنبياء: 36] { { وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ } } [الرعد: 30]

وإنما قال "بعضه" لأنهم كانوا لا ينكرون ذكر الله وينكرون ذكر الرحمن.

{قُلْ}، يامحمد، {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُواْ وَإِلَيْهِ مَآبِ}، أي: مرجعي.

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَٰهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا وَاقٍ ۝٣٧ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَٰجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ۝٣٨

{وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً}، يقول: كما أنزلنا إليك الكتابَ يامحمد، فأنكره الأحزاب، كذلك أنزلنا إليك الحكم والدين عربياً، نُسِبَ إلى العرب لأنه نزل بلغتهم فكذب به الأحزاب.

وقيل: نظم الآية: كما أنزلتُ الكتبُ على الرسل بلغاتهم، كذلك أنزلنا عليك الكتاب حكماً عربياً.

{وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم}، في الملة. وقيل: في القبلة، {بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلاَ وَاقٍ}، يعني: من ناصر ولا حافظ.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ}، روي أن اليهود. ـ وقيل: إن المشركين ـ قالوا: إنَّ هذا الرجل ليست له همة إلا في النساء فأنزل الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً}، وما جعلناهم ملائكة لا يأكلُون ولا يشربُون ولا ينكحون.

{وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}، هذا جواب عبدالله بن أبي أمية. ثم قال:

{لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ}، يقول: لكل أمر قضاهُ الله كتابٌ قد كتبهُ فيه ووقت يقع فيه.

وقيل لكل آجل أَجَّلهُ الله كابٌ أثبت فيه.

وقيل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: أي، لكل كتاب أجلٌ ومدة، أي: الكتب المنزلةُ لكل واحدٍ منها وقت ينزل فيه.

يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ ۝٣٩

{يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ}، قرأ ابن كثير وأبو عمرو، وعاصم ويعقوب {وَيُثْبِتُ} بالتخفيف وقرأ الآخرون بالتشديد.

واختلفوا في معنى الآية:

فقال سعيد بن جبير وقتادة: يمحوا الله ما يشاء من الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله، ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه.

وقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة والشقاوة.

وروينا عن حذيفة بن أَسِيْدٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم:

يدخُلُ المَلَكُ على النُّطْفَةِ بعدما تستقرُّ في الرَّحِم بأربعين، أو خمس وأربعين ليلةً، فيقول: ياربِّ أَشَقِيٌّ أم سعيدٌ؟ فَيُكْتَبَانِ، فيقولُ: أَيْ ربِّ أذكرٌ أم أنثى؟ فَيُكْتَبَانِ، ويُكْتَبُ عملُه وأثرهُ وأجلُه ورزقُه، ثم تُطوى الصحف فلا يُزاد فيها ولا يُنْقَصُ".

وعن عمر وابن مسعود ـ رضي الله عنهما ـ أنهما قالا: يمحو السعادةَ والشقاوةَ أيضاً، ويمحو الرِزق والأجلَ ويثبتُ ما يشاء.

ورُوي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت عليَّ الشقاوة فامحني، وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. ومثله عن ابن مسعود.

وفي بعض الآثار: أن الرجل يكون قد بقي من عُمُره ثلاثون سنة فيقطع رحمه فترد إلى ثلاثة أيام، والرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثة أيام فيصل رحمه فيمدُّ إلى ثلاثين سنةً.

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد ابْن زنجويه، حدثنا عبدالله بن صالح، حدثني الليث بن سعد، حدثني زيادة بن محمد الأنصاري، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ينزل الله عزّ وجلّ في آخر ثلاث ساعات يَبْقَيْنَ من الليل، فينظر في الساعة الأولى منهن في أم الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت".

وقيل: معنى الآية: أن الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم وأقوالهم، فيحموا الله من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثوابٌ ولا عقاب، مثل قوله: أكلت، شربت، دخلت، خرجت، ونحوها من كلام هو صادق فيه ويثبت ما فيه ثواب وعقاب، هذا قول الضحاك والكلبي.

وقال الكلبي: يكتب القول كله، حتى إذا كان يوم الخميس طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب.

وقال عطية عن ابن عباس: هو الرجل يعمل بطاعة الله عزّ وجلّ ثم يعود لمعصيةِ الله فيموت على ضلالة فهو الذي يمحو، والذي يثبت: الرجل يعمل بطاعة الله، فيموت وهو في طاعةِ الله عزَّ وجلَّ فهو الذي يثبت.

وقال الحسن: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} أي من جاء أجله يذهب به ويثبت من لم يجيء أجله إلى أجله.

وعن سعيد بن جبير قال: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} من ذنوب العباد فيغفرها ويثبت ما يشاء فلا يغفرها.

وقال عكرمة: {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} من الذنوب بالتوبة، ويثبت بدل الذنوب حسنات، كما قال الله تعالى:

{ { فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ } } [الفرقان: 70]. وقال السدي: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} يعني القمر {وَيُثْبِتُ} يعني الشمس، بيانه قوله تعالى: { { فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ ٱلْلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً } } [الإِسراء: 12]

وقال الربيع: هذا في الأرواح يقبضها الله عند النوم، فمن أراد موتَه مَحاه فأمسكه، ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه، بيانه قوله عزّ وجلّ:

{ { ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا } } الآية [الزمر: 42]. {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ}، أي: أصل الكتاب، وهو اللوح المحفوظ الذي لا يبدل ولا يغير.

وقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: هما كتابان: كتابٌ سوى أم الكتاب، يمحو منه ما يشاء ويثبتُ، وأم الكتاب الذي لا يُغيّر منه شيء.

وعن عطاء عن ابن عباس قال: إن لله تعالى لوحاً محفوظاً مسيرة خمسمائة عام، من درة بيضاء لها دفتان من ياقوت، لله فيه كل يوم ثلثمائة وستون لحظة {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ}.

وسأل ابن عباس كعباً عن أم الكتاب؟ فقال: علم الله، ما هو خالق، وما خَلْقُه عاملون.

وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ ۝٤٠ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِۦ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ۝٤١

{ وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ}، من العذاب قبل وفاتك، {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ}، قبل ذلك، {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ}، ليس عليك إلا ذلك، {وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ}، الجزاء يوم القيامة.

قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} يعني: أهل مكة الذين يسألون محمداً صلى الله عليه وسلم الآيات، {أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا}، أكثر المفسرين على أن المراد منه فتح ديار الشرك، فإن ما زاد في ديار الإِسلام فقد نقص من ديار الشرك، يقول: {أَوَلَم يَرَواْ أَنَّا نَأتِى ٱلأَرضَ نَنْقُصُهَا مِن أَطْرَافِهَا} فنفتَحُها لمحمد أرضاً بعد أرض حوالي أرضهم، أفلا يعتبرون؟ هذا قولُ ابن عباس وقتادة وجماعةٍ.

وقال قوم: هو خراب الأرض، معناه: أَوَ لَمْ يروا أنا نأتي الأرض فنخربها، ونُهلك أهلَها، أفلا يخافون أن نفعل بهم ذلك؟

وقال مجاهد: هو خراب الأرض وقبض أهلها.

وعن عكرمة قال: قبض الناس. وعن الشعبي مثله.

وقال عطاء وجماعة: نقصانها موت العلماء، وذهاب الفقهاء.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالماً اتَّخذ الناس رُؤساءَ جُهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضَلُّوا وأَضَلُّوا «.

وقال الحسن: قال عبدالله بن مسعود: موتُ العالم ثلمةٌ في الإِسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: عليكم بالعلم قبل أن يُقبض وقَبضُه ذهابُ أهله.

وقال علي رضي الله عنه: إنما مثل الفقهاء كمثل الأكف إذا قطعت كفّ لم تَعُدْ.

وقال سليمان: لا يزال الناس بخير ما بقي الأول حتى يتعلم الآخِرُ، فإذا هلك الأولُ قبل أن يتعلّم الآخر هَلكَ الناس.

وقيل لسعيد بن جبير: ما علامة هلاك النّاسِ؟ قال: هلاك عُلمائهم.

{وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ}، لا راد لقضائه، ولا ناقض لحكمه، {وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}.

وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّٰرُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ ۝٤٢ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلْكِتَٰبِ ۝٤٣

{وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}، يعني: من قبل مشركي مكة، والمكر: إيصالُ المكروه إلى الإِنسان من حيث لا يشعر.

{فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً}، أي: عند الله جزاء مكرهم. وقيل: إن الله خالق مكرهم جميعاً، بيده الخيرُ والشرُ، وإليه النفع والضر، فلا يضر مَكْرُ أحدٍ أحداً إلا بإذنه.

{يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّـٰرُ}، قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو {الكفار} على التوحيد، وقرأ الآخرون {الكافّر} على الجمع. {لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ} أي: عاقبة الدار الآخرة حين يدخلون النار، ويدخل المؤمنون الجنة.

{وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ}، إني رسوله إليكم {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ}، يريد: مؤمني أهل الكتاب يشهدون أيضاً على ذلك.

قال قتادة: هو عبدُ الله بنُ سلام.

وأنكر الشعبي هذا وقال: السورة مكية، وعبدُ الله بن سلام بالمدينة.

وقال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير{وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ} أهو عبدالله بن سلام؟ فقال: وكيف يكون عبدالله بن سلام وهذه السورة مكية؟

وقال الحسن ومجاهد: {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ} هو الله عزّ وجلّ، يدلُّ عليه: قراءة عبدالله بن عباس، {وَمَنْ عِندَهُ}، بكسر الميم والدال، أي: من عند الله عزّ وجلّ، وقرأ الحسن وسعيد بن جبير {ومِنْ عندِه} بكسر الميم والدال {عُلِمَ الكتاب} على الفعل المجهول، دليل هذه القراءة قوله تعالى:

{ { وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً } } [الكهف: 65] وقوله: { ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ }[الرحمن:1 - 2].
الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 16 جمادى الأولى 1448 هـ