انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الزمر

تفسير الطبريالآيات 46–67

تفسير سورة الزمر آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الزمر

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 54:36

  1. 1 الآيات 32–52في هذه الصفحة 15:07
  2. 2 الآيات 53–75في هذه الصفحة 15:30

التفسير الصوتي لسورة الزمر كاملًا (4 مقاطع)

قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ عَٰلِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۝٤٦

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد، الله خالق السموات والأرض {عالمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ} الذي لا تراه الأبصار، ولا تحسه العيون والشهادة الذي تشهده أبصار خلقه، وتراه أعينهم {أنْتَ تَحْكُمُ بينَ عِبادِكَ} فتفصل بينهم بالحقّ يوم تجمعهم لفصل القضاء بينهم {فيما كانُوا فِيهِ} في الدنيا {يَخْتَلِفُونَ} من القول فيك، وفي عظمتك وسلطانك، وغير ذلك من اختلافهم بينهم، فتقضي يومئذ بيننا وبين هؤلاء المشركين الذين إذا ذكرت وحدك اشمأزّت قلوبهم، وإذا ذكر مَنْ دونك استبشروا بالحقّ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: {فاطِرَ السَّمَوَاتِ والأرْضِ} فاطر: قال خالق. وفي قوله {عالِمَ الغَيْبِ} قال: ما غاب عن العباد فهو يعلمه، {وَالشَّهادَةِ}: ما عرف العباد وشهدوا، فهو يعلمه.

وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا۟ يَحْتَسِبُونَ ۝٤٧

يقول تعالى ذكره: ولو أن لهؤلاء المشركين بالله يوم القيامة، وهم الذين ظلموا أنفسهم {ما فِي الأرْض جَمِيعاً} في الدنيا من أموالها وزينتها {وَمِثْلَهُ مَعَهُ} مضاعفاً، فقبل ذلك منهم عوضاً من أنفسهم، لفدوا بذلك كله أنفسهم عوضاً منها، لينجو من سوء عذاب الله، الذي هو معذّبهم به يومئذ {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ} يقول: وظهر لهم يومئذ من أمر الله وعذابه، الذي كان أعدّه لهم، ما لم يكونوا قبل ذلك يحتسبون أنه أعدّه لهم.

وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝٤٨

يقول تعالى ذكره: وظهر لهؤلاء المشركين يوم القيامة {سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا} من الأعمال في الدنيا، إذ أعطوا كتبهم بشمائلهم {وَحاقَ بِهِمْ ما كانوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} ووجب عليهم حينئذ، فلزمهم عذاب الله الذي كان نبيّ الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا يعدهم على كفرهم بربهم، فكانوا به يسخرون، إنكاراً أن يصيبهم ذلك، أو ينالهم تكذيباً منهم به، وأحاط ذلك بهم.

فَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَٰهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍۭ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝٤٩

يقول تعالى ذكره: فإذا أصاب الإنسان بؤس وشدّة دعانا مستغيثاً بنا من جهة ما أصابه من الضرّ، {ثُمَّ إذَا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا} يقول: ثم إذا أعطيناه فرجاً مما كان فيه من الضرّ، بأن أبدلناه بالضرّ رخاء وسعة، وبالسقم صحة وعافية، فقال: إنما أعطيت الذي أعطيت من الرخاء والسعة في المعيشة، والصحة في البدن والعافية، على علم عندي، يعني على علم من الله بأني له أهل لشرفي ورضاه بعملي (عندي) يعني: فيما عندي، كما يقال: أنت محسن في هذا الأمر عندي: أي فيما أظنّ وأحسب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ثُمَّ إذَا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا} حتى بلغ {عَلى عِلْمِ} عندي: أي على خير عندي.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {إذَا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا} قال: أعطيناه.

وقوله: {أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ}: أي على شرف أعطانيه.

وقوله: {بَلْ هَيَ فِتْنَةٌ} يقول تعالى ذكره: بل عطيتنا إياهم تلك النعمة من بعد الضرّ الذي كانوا فيه فتنة لهم يعني بلاء ابتليناهم به، واختباراً اختبرناهم به {وَلَكِنَّ أكْثَرَهُم}ْ لجهلهم، وسوء رأيهم {لا يَعْلَمُونَ} لأي سبب أعطوا ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ}: أي بلاء.

قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ۝٥٠ فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُوا۟ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْ هَٰٓؤُلَآءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُوا۟ وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ۝٥١

يقول تعالى ذكره: قد قال هذه المقالة يعني قولهم: لنعمة الله التي خولهم وهم مشركون: أوتيناه على علم عندنا {الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} يعني: الذي من قبل مشركي قُرَيش من الأمم الخالية لرسلها، تكذيباً منهم لهم، واستهزاء بهم. وقوله: {فَمَا أغْنَى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسَبُونَ} يقول: فلم يغن عنهم حين أتاهم بأس الله على تكذيبهم رسل الله واستهزائهم بهم ما كانوا يكسبون من الأعمال، وذلك عبادتهم الأوثان. يقول: لم تنفعهم خدمتهم إياها، ولم تشفع آلهتهم لهم عند الله حينئذ، ولكنها أسلمتهم وتبرأت منهم. وقوله: {فأَصَابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا} يقول: فأصاب الذين قالوا هذه المقالة من الأمم الخالية، وبال سيئات ما كسبوا من الأعمال، فعوجلوا بالخزي في دار الدنيا، وذلك كقارون الذي قال حين وعظ

{ إنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُون اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرينَ }يقول الله جل ثناؤه: {وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤلاَءِ} يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: والذين كفروا بالله يا محمد من قومك، وظلموا أنفسهم وقالوا هذه المقالة سيُصِيبُهُمْ أيضاً وبال {سيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} كما أصاب الذين من قبلهم بقيلهموها {وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ} يقول: وما يفوتون ربهم ولا يسبقونه هربا في الأرض من عذابه إذا نزل بهم، ولكنه يصيبهم { سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِد لِسُنةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً }ففعل ذلك بهم، فأحلّ بهم خزيه في عاجل الدنيا فقتلهم بالسيف يوم بدر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي {قَدْ قَالَها الَّذِينَ مِنَ قَبْلِهِمْ} الأمم الماضية {وَالَّذِينَ ظَلَمُوا} من هؤلاء، قال: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

أَوَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝٥٢

يقول تعالى ذكره: أو لم يعلم يا محمد هؤلاء الذين كشفنا عنهم ضرهم، فقالوا: إنما أوتيناه على علم منا، أن الشدة والرخاء والسعة والضيق والبلاء بيد الله، دون كلّ من سواه، يبسط الرزق لمن يشاء، فيوسعه عليه، ويقدر ذلك على من يشاء من عباده، فيضيقه، وأن ذلك من حجج الله على عباده، ليعتبروا به ويتذكروا، ويعلموا أن الرغبة إليه والرهبة دون الآلهة والأنداد. {إنّ فِي ذلك لآياتٍ} يقول: إن في بسط الله الرزق لمن يشاء، وتقتيره على من أراد الآيات، يعني: دلالات وعلامات {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يعني: يصدّقون بالحقّ، فيقرّون به إذا تبيَّنوه وعلموا حقيقته أن الذي يفعل ذلك هو الله دون كل ما سواه.

قُلْ يَٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ۝٥٣

اختلف أهل التأويل في الذين عُنُوا بهذه الآية، فقال بعضهم: عني بها قوم من أهل الشرك، قالوا لما دعوا إلى الإيمان بالله: كيف نؤمن وقد أشركنا وزنينا، وقتلنا النفس التي حرّم الله، والله يعد فاعل ذلك النار، فما ينفعنا مع ما قد سلف منا الإيمان، فنزلت هذه الآية. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {قُل يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} وذلك أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أنه من عبد الأوثان، ودعا مع الله إلها آخر، وقتل النفس التي حرّم الله لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم، وقد عبدنا الآلهة، وقتلنا النفس التي حرّم الله ونحن أهل الشرك؟ فأنزل الله: {يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} يقول: لا تيأسوا من رحمتي، إن الله يغفر الذنوب جميعاً وقال:

{ وأنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ وأسْلِمُوا لَهُ }وإنما يعاتب الله أولي الألباب وإنما الحلال والحرام لأهل الإيمان، فإياهم عاتب، وإياهم أمر إن أسرف أحدهم على نفسه، أن لا يقنط من رحمة الله، وأن ينيب ولا يبطىء بالتوبة من ذلك الإسراف، والذنب الذي عمل وقد ذكر الله في سورة آل عمران المؤمنين حين سألوا الله المغفرة، فقالوا: { رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإسْرافَنا فِي أمْرِنا وَثَبِّتْ أقْدَامَنا }فينبغي أن يعلم أنهم قد كانوا يصيبون الإسراف، فأمرهم بالتوبة من إسرافهم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {الَّذِينَ أَسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ} قال: قتل النفس في الجاهلية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: نزلت هذه الآيات الثلاث بالمدينة في وحشيّ وأصحابه {يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ} إلى قوله:

{ مِنْ قَبْلِ أنْ يَأْتِيكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ }}.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، قال: قال زيد بن أسلم، في قوله: {يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} قال: إنما هي للمشركين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ} حتى بلغ {الذُّنُوبَ جَمِيعاً} قال: ذكر لنا أن أناساً أصابوا ذنوباً عظاماً في الجاهلية، فلما جاء الإسلام أشفقوا أن لا يُتاب عليهم، فدعاهم الله بهذه الآية: {يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ}.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ في قوله: {يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ} قال: هؤلاء المشركون من أهل مكة، قالوا: كيف نجيبك وأنت تزعم أنه من زنى، أو قتل، أو أشرك بالرحمن كان هالكاً من أهل النار؟ فكلّ هذه الأعمال قد عملناها فأنزلت فيهم هذه الآية: {يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ}.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ}... الآية قال: كان قوم مسخوطين في أهل الجاهلية، فلما بعث الله نبيه قالوا: لو أتينا محمداً صلى الله عليه وسلم فآمنا به واتبعناه فقال بعضهم لبعض: كيف يقبلكم الله ورسوله في دينه؟ فقالوا: ألا نبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً؟ فلما بعثوا، نزل القرآن: {قُل يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} فقرأ حتى بلغ:

{ فأكُونَ مِنَ المُحْسِنِين }}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الشعبيّ، قال: تجالس شتير بن شكل ومسروق فقال شتير: إما أن تحدث ما سمعت من ابن مسعود فأصدّقك، وإما أن أحدّث فتصدّقني فقال مسروق: لا بل حدّث فأصدّقك، فقال: سمعت ابن مسعود يقول: إن أكبر آية فرجا في القرآن {يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} فقال مسروق: صدقت.

وقال آخرون: بل عُني بذلك أهل الإسلام، وقالوا: تأويل الكلام: إن الله يغفر الذنوب جميعاً لمن يشاء، قالوا: وهي كذلك في مصحف عبد الله، وقالوا: إنما نزلت هذه الآية في قوم صدّهم المشركون عن الهجرة وفتنوهم، فأشفقوا أن لا يكون لهم توبة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: ثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال يعني عمر: كنا نقول: ما لمن افتتن من توبة وكانوا يقولون ما الله بقابل منا شيئاً، تركنا الإسلام ببلاء أصابنا بعد معرفته، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنزل الله فيهم: {يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ}... الآية، قال عمر: فكتبتها بيدي، ثم بعثت بها إلى هشام بن العاص، قال هشام: فلما جاءتني جعلت أقرؤها ولا أفهمها، فوقع في نفسي أنها أنزلت فينا لما كنا نقول، فجلست على بعيري، ثم لحقت بالمدينة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إنما أنزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، ونفر من المسلمين، كانوا أسلموا ثم فتنوا وعذّبوا، فافتنوا كنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عدلاً أبداً قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عُذّبوه، فنزلت هؤلاء الآيات، وكان عمر بن الخطاب كاتباً قال: فكتبها بيده ثم بعث بها إلى عَيَّاش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، إلى أولئك النفر، فأسلموا وهاجروا.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا يونس، عن ابن سيرين، قال: قال علي رضي الله عنه: أي آية في القرآن أوسع؟ فجعلوا يذكرون آيات من القرآن:

{ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أوْ يظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً }ونحوها، فقال علي: ما في القرآن آية أوسع من: {يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ}... إلى آخر الآية.

حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سعيد الأزدي، عن أبي الكنود، قال: دخل عبد الله المسجد، فإذا قاصّ يذكر النار والأغلال، قال: فجاء حتى قام على رأسه، فقال يا مذكِّرُ أتقنط الناس {يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ...} الآية.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، عن القرظي أنه قال في هذه الآية: {يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} قال: هي للناس أجمعين.

حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي قنبل، قال: سمعت أبا عبد الرحمن المزني يقول: ثني أبو عبيد الرحمن الجلائي، أنه سمع ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

ما أُحِبُّ أنَّ لي الدُّنْيا وَما فِيها بهَذهِ الآيَةِ»: {يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ}... الآية، فقال رجل: يا رسول الله، ومن أشرك؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أَلا وَمَنْ أشْرَكَ، ألا وَمَنْ أشْرَكَثلاث مَرَّات.

وقال آخرون: نزل ذلك في قوم كانوا يرون أهل الكبائر من أهل النار، فأعلمهم الله بذلك أنه يغفر الذنوب جميعاً لمن يشاء. ذكر من قال ذلك:

حدثني ابن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: ثنا أبو معاذ الخراساني، عن مقاتل بن حيان، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى أو نقول: إنه ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة، حتى نزلت هذه الآية

{ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تبْطِلوا أعْمالَكُمْ }فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش، قال: فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها قلنا: قد هلك، حتى نزلت هذه الآية { إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلكَ لِمَنْ يَشاءُ }فلما نزلت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحداً أصاب منها شيئاً خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني تعالى ذكره بذلك جميع من أسرف على نفسه من أهل الإيمان والشرك، لأن الله عمّ بقوله {يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ} جميع المسرفين، فلم يخصص به مسرفاً دون مسرف.

فإن قال قائل: فيغفر الله الشرك؟ قيل: نعم إذا تاب منه المشرك. وإنما عني بقوله {إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذنُوبَ جَمِيعاً} لمن يشاء، كما قد ذكرنا قبل، أن ابن مسعود كان يقرؤه: وأن الله قد استثنى منه الشرك إذا لم يتب منه صاحبه، فقال: إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فأخبر أنه لا يغفر الشرك إلا بعد توبة بقوله:

{ إلاَّ مَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صَالِحاً }فأما ما عداه فإن صاحبه في مشيئة ربه، إن شاء تفضل عليه، فعفا له عنه، وإن شاء عدل عليه فجازاه به.

وأما قوله: {لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} فإنه يعني: لا تيأسوا من رحمة الله. كذلك:

حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس.

وقد ذكرنا ما في ذلك من الروايات قبل فيما مضى وبيَّنا معناه.

وقوله: {إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} يقول: إن الله يستر على الذنوب كلها بعفوه عن أهلها وتركه عقوبتهم عليها إذا تابوا منها {إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ} بهم، أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها.

وَأَنِيبُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا۟ لَهُۥ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ۝٥٤ وَٱتَّبِعُوٓا۟ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ۝٥٥

يقول تعالى ذكره: وأقبلوا أيها الناس إلى ربكم بالتوبة، وارجعوا إليه بالطاعة له، واستجيبوا له إلى ما دعاكم إليه من توحيده، وإفراد الألوهة له، وإخلاص العبادة له، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأَنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ}: أي أقبلوا إلى ربكم.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدّي {وأنِيبُوا} قال: أجيبوا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأَنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ} قال: الإنابة: الرجوع إلى الطاعة، والنزوع عما كانوا عليه، ألا تراه يقول:

{ مُنِيبِينَ إلَيْهِ وَاتَّقُوهُ }}.

وقوله: {وأَسْلِمُوا لَهُ} يقول: واخضعوا له بالطاعة والإقرار بالدين الحنيفي {مِنْ قَبْلِ أنْ يأْتِيَكُمُ العَذابُ} من عنده على كفركم به {ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ} يقول: ثم لا ينصركم ناصر، فينقذكم من عذابه النازل بكم.

وقوله: {وَاتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} يقول تعالى ذكره: واتبعوا أيها الناس ما أمركم به ربكم في تنزيله، واجتنبوا ما نهاكم فيه عنه، وذلك هو أحسن ما أنزل إلينا من ربنا.

فإن قال قائل: ومن القرآن شيء وهو أحسن من شيء؟ قيل له: القرآن كله حسن، وليس معنى ذلك ما توهمت، وإنما معناه: واتبعوا مما أنزل إليكم ربكم من الأمر والنهي والخبر، والمثل، والقصص، والجدل، والوعد، والوعيد أحسنه وأحسنه أن تأتمروا لأمره، وتنتهوا عما نهى عنه، لأن النهي مما أنزل في الكتاب، فلو عملوا بما نهوا عنه كانوا عاملين بأقبحه، فذلك وجهه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {واتَّبِعُوا أحْسَن ما أنْزِل إلَيْكمْ مِنْ رَبِّكُمْ} يقول: ما أمرتم به في الكتاب {مِنْ قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ}.

وقوله: {مِنْ قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً} يقول: من قبل أن يأتيكم عذاب الله فجأة {وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} يقول: وأنتم لا تعلمون به حتى يغشاكم فجأة.

أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِى جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ ۝٥٦

يقول تعالى ذكره: وأنيبوا إلى ربكم، وأسلموا له {أنْ تَقُولَ نَفْسٌ} بمعنى لئلا تقول نفس: {يا حَسْرَتا على ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ}، وهو نظير قوله:

{ وألْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسي أنْ تَمِيدَ بِكُمْ }بمعنى: أن لا تميد بكم، فأن، إذ كان ذلك معناه، في موضع نصب.

وقولهُّ: {يا حَسْرَتا} يعني أن تقول: يا ندما، كما:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثني أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {يا حَسْرَتا} قال: الندامة.

والألف في قوله {يا حَسْرَتا} هي كناية اسم المتكلم، وإنما أريد: يا حسرتي ولكن العرب تحوّل الياء في كناية اسم المتكلم في الاستغاثة ألفا، فتقول: يا ويلتا، ويا ندما، فيخرجون ذلك على لفظ الدعاء، وربما قيل: يا حسرة على العباد، كما قيل: يا لهف، ويا لهفاً عليه وذكر الفراء أن أبا ثرْوانَ أنشده:

تَزُورُونَها وَلا أزُورُ نِساءَكُمْأَلَهْفِ لأَوْلادِ الإماء الحَوَاطِبِ

خفضاً كما يخفض في النداء إذا أضافه المتكلم إلى نفسه، وربما أدخلوا الهاء بعد هذه الألف، فيخفضونها أحياناً، ويرفعونها أحياناً وذكر الفراء أن بعض بني أسد أنشد:

يا رَبّ يا رَبَّاهِ إيَّاكَ أَسَلْعَفْرَاءَ يا رَبَّاهُ مِنْ قَبْلِ الأجَلْ

خفضاً، قال: والخفض أكثر في كلامهم، إلا في قولهم: يا هَناه، ويا هَنْتاه، فإن الرفع فيها أكثر من الخفض، لأنه كثير في الكلام، حتى صار كأنه حرف واحد.

وقوله: {على ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} يقول: على ما ضيعت من العمل بما أمرني الله به، وقصرت في الدنيا في طاعة الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد، في قوله: {يا حَسْرَتَا على ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} يقول: في أمر الله.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {على ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} قال: في أمر الله.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: {على ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} قال: تركت من أمر الله.

وقوله: {وَإنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} يقول: وإن كنت لمن المستهزئين بأمر الله وكتابه ورسوله والمؤمنين به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: {أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا على ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} قال: فلم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل يسخر بأهل طاعة الله، قال: هذا قول صنف منهم.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {وَإنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} يقول: من المستهزئين بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالكتاب، وبما جاء به.

أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ۝٥٧ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِى كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٥٨

يقول تعالى ذكره: وأنيبوا إلى ربكم أيها الناس، وأسلموا له، أن لا تقول نفس يوم القيامة: يا حسرتا على ما فرّطت في جنب الله، في أمر الله، وأن لا تقول نفس أخرى: لو أن الله هداني للحقّ، فوفقني للرشاد لكنت ممن اتقاه بطاعته واتباع رضاه، أو أن لا تقول أخرى حين ترى عذاب الله فتعاينه {لَوْ أنَّ لي كَرَّةً} تقول: لو أن لي رجعة إلى الدنيا {فأكُونَ مِنَ المُحْسِنينَ} الذين أحسنوا في طاعة ربهم، والعمل بما أمرتهم به الرسل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة

{ يا حَسْرَتا على ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ }}... الآية، قال: هذا قول صنف منهم {أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدَانِي...} الآية، قال: هذا قول صنف آخر: {أوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العَذَابَ}... الآية، يعني بقوله {لَوْ أنَّ لي كَرَّةً} رجعة إلى الدنيا، قال: هذا صنف آخر.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله:

{ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا على ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ }قال: أخبر الله ما العباد قائلوه قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه، قال: { وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرً }} { { أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا على ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} } {أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدَانِي...} إلى قوله: {فأكُونَ مِنَ المُحْسِنينَ} يقول: من المهتدين، فأخبر الله سبحانه أنهم لو رُدّوا لم يقدروا على الهدي، وقال: { وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لمَا نُهُوا عَنْهُ وَإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }وقال: { وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتِهُمْ وأبْصَارَهُمْ }كما لم يؤمنوا به أول مرة، قال: ولو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى، كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا.

وفي نصب قوله {فأَكُونَ} وجهان أحدهما: أن يكون نصبه على أنه جواب لو والثاني: على الرد على موضع الكرة، وتوجيه الكرة في المعنى إلى: لو أن لي أن أكر، كما قال الشاعر:

فَما لَكَ مِنْها غيرُ ذِكْرى وَحَسْرَةٍوَتَسأَلَ عَنْ رُكْبانِها أيْنَ يَمَّمُوا؟

فنصب تسأل عطفاً بها على موضع الذكرى، لأن معنى الكلام: فمالك (...) بيرسلَ على موضع الوحي في قوله: { إلاَّ وَحْياً }}.

بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ ءَايَٰتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٥٩

يقول تعالى ذكره مكذباً للقائل:

{ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ }}، وللقائل: { لَوْ أنَّ لي كَرَّةً فأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ }}: ما القول كما تقولون {بَلَى قَدْ جاءَتْكَ} أيها المتمني على الله الرد إلى الدنيا لتكون فيها من المحسنين {آياتِي} يقول: قد جاءتك حججي من بين رسول أرسلته إليك، وكتاب أنزلته يتلى عليك ما فيه من الوعد والوعيد والتذكير {فَكَذَّبْتَ} بآياتي {واسْتَكْبَرْتَ} عن قبولها واتباعها {وكُنْتُ مِنَ الكافِرِينَ} يقول: وكنت ممن يعمل عمل الكافرين، ويستنّ بسنتهم، ويتبع منهاجهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: يقول الله ردّاً لقولهم، وتكذيباً لهم، يعني لقول القائلين:

{ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي }}، والصنف الآخر: {بَلى قَدْ جاءَتْكَ إياتي...} الآية.

وبفتح الكاف والتاء من قوله {قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ} على وجه المخاطبة للذكور، قرأه القرّاء في جميع أمصار الإسلام. وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ ذلك بكسر جميعه على وجه الخطاب للنفس، كأنه قال: أن تقول نفس: يا حسرتا على ما فرّطت في جنب الله، بلى قد جاءتكِ أيتها النفس آياتي، فكذّبتِ بها، أجرى الكلام كله على النفس، إذا كان ابتداء الكلام بها جرى، والقراءة التي لا أستجيز خلافها، ما جاءت به قرّاء الأمصار مجمعة عليه، نقلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الفتح في جميع ذلك.

وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ ۝٦٠

يقول تعالى ذكره: {وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرَى} يا محمد هؤلاء {الَّذِينَ كَذَبُوا على اللَّهِ} من قومك فزعموا أن له ولداً، وأن له شريكاً، وعبدوا آلهة من دونه {وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} والوجوه وإن كانت مرفوعة بمسودة، فإن فيها معنى نصب، لأنها مع خبرها تمام ترى، ولو تقدّم قوله مسودّة قبل الوجوه، كان نصباً، ولو نصب الوجوه المسودّة ناصب في الكلام لا في القرآن، إذا كانت المسودّة مؤخرة كان جائزاً، كما قال الشاعر:

ذَرِينِي إنَّ أمْرَكِ لَنْ يُطاعَاوَما ألْفَيْتَنِي حِلْمِي مُضَاعَا

فنصب الحلم والمضاع على تكرير ألفيتني، وكذلك تفعل العرب في كلّ ما احتاج إلى اسم وخبر، مثل ظنّ وأخواتها وفي «مسودّة» للعرب لغتان: مسودّة، ومسوادّة، وهي في أهل الحجاز يقولون فيما ذكر عنهم: قد اسوادّ وجهه، واحمارّ، واشهابّ. وذكر بعض نحويي البصرة عن بعضهم أنه قال: لا يكون أفعالّ إلا في ذي اللون الواحد نحو الأشهب، قال: ولا يكون في نحو الأحمر، لأن الأشهب لون يحدث، والأحمر لا يحدث.

وقوله: {ألَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى للْمُتَكَبِّرِين} يقول: أليس في جهنم مأوى ومسكن لمن تكبر على الله، فامتنع من توحيده، والإنتهاء إلى طاعته فيما أمره ونهاه عنه.

وَيُنَجِّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝٦١ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ۝٦٢

يقول تعالى ذكره: وينجي الله من جهنم وعذابها، الذين اتقوه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه في الدنيا، بمفازتهم: يعني بفوزهم، وهي مفعلة منه. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل، وإن خالفت ألفاظ بعضهم اللفظة التي قلناها في ذلك ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {وَيُنْجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقُوا بِمفَازَتِهِمْ} قال: بفضائلهم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَيُنْجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقُوا بِمفَازَتِهِمْ} قال: بأعمالهم، قال: والآخرون يحملون أوزارهم يوم القيامة

{ وَمِنْ أوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بغَيرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ }}.

واختلفت القراء في ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة، وبعض قراء مكة والبصرة: {بِمفَازَتِهِمْ} على التوحيد. وقرأته عامة قراء الكوفة: «بِمفَازَاتِهِمْ» على الجماع.

والصواب عندي من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، لاتفاق معنييهما والعرب توحد مثل ذلك أحياناً وتجمع بمعنى واحد، فيقول أحدهم: سمعت صوت القوم، وسمعت أصواتهم، كما قال جل ثناؤه:

{ إنَّ أَنْكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ }}، ولم يقل: أصوات الحمير، ولو جاء ذلك كذلك كان صواباً.

وقوله: {لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} يقول تعالى ذكره: لا يمس المتقين من أذى جهنم شيء، وهو السوء الذي أخبر جل ثناؤه أنه لن يمسهم، ولا هم يحزنون يقول: ولا هم يحزنون على ما فاتهم من آراب الدنيا، إذ صاروا إلى كرامة الله ونعيم الجنان.

وقوله: {اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهُوَ على كل شيءٍ وَكِيلٌ} يقول تعالى ذكره: الله الذي له الألوهة من كل خلقه الذي لا تصلح العبادة إلا له، خالق كل شيء، لا ما لا يقدر على خلق شيء، وهو على كل شيء وكيل يقول: وهو على كل شيء قيم بالحفظ والكلاءة.

لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ۝٦٣

يقول تعالى ذكره: له مفاتيح خزائن السموات والأرض، يفتح منها على من يشاء، ويمسكها عمن أحب من خلقه واحدها: مقليد. وأما الإقليد: فواحد الأقاليد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {مَقالِيدُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ} مفاتيحها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لَهُ مَقالِيدُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ} أي مفاتيح السموات والأرض.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {لَهُ مَقالِيدُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ} قال: خزائن السموات والأرض.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {لَهُ مَقالِيدُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ} قال: المقاليد: المفاتيح، قال: له مفاتيح خزائن السموات والأرض.

وقوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ} يقول تعالى ذكره: والذين كفروا بحجج الله فكذبوا بها وأنكروها، أولئك هم المغبونون حظوظهم من خيرات السموات التي بيده مفاتيحها، لأنهم حرموا ذلك كله في الآخرة بخلودهم في النار، وفي الدنيا بخذلانهم عن الإيمان بالله عزّ وجلّ.

قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُوٓنِّىٓ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَٰهِلُونَ ۝٦٤ وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٦٥

يقول تعالى ذكره لنبيه: قل يا محمد لمشركي قومك، الداعيك إلى عبادة الأوثان: {أفَغَيرَ اللَّهِ} أيها الجاهلون بالله {تَأْمُرُونِّي} أن {أعْبُدُ} ولا تصلح العبادة لشيء سواه.

واختلف أهل العربية في العامل، في قوله {أفَغَيْرَ} النصب، فقال بعض نحويي البصرة: قل أفغير الله تأمروني، يقول: أفغير الله أعبد تأمروني، كأنه أراد الإلغاء، والله أعلم، كما تقول: ذهب فلأن يدري، جعله على معنى: فما يدري. وقال بعض نحويي الكوفة: «غير» منتصبة بأعبد، وأن تحذف وتدخل، لأنها علم للاستقبال، كما تقول: أريد أن أضرب، وأريد أضرب، وعسى أن أضرب، وعسى أضرب، فكانت في طلبها الاستقبال، كقولك: زيداً سوف أضرب، فلذلك حُذفت وعمل ما بعدها فيما قبلها، ولا حاجة بنا إلى اللغو.

وقوله: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وَإلى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ} يقول تعالى ذكره: ولقد أوحى إليك يا محمد ربك، وإلى الذين من قبلك من الرسل {لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} يقول: لئن أشركت بالله شيئاً يا محمد، ليبطلنّ عملك، ولا تنال به ثواباً، ولا تدرك جزاء إلا جزاء من أشرك بالله، وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم ومعنى الكلام: ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطنّ عملك، ولتكونن من الخاسرين، وإلى الذين من قبلك، بمعنى: وإلى الذين من قبلك من الرسل من ذلك، مثل الذي أوحى إليك منه، فاحذر أن تشرك بالله شيئاً فتهلك.

ومعنى قوله: {وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ} ولتكونن من الهالكين بالإشراك بالله إن أشركت به شيئاً.

بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ۝٦٦ وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦ وَٱلْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّٰتٌۢ بِيَمِينِهِۦ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝٦٧

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تعبد ما أمرك به هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بعبادته، بل الله فاعبد دون كلّ ما سواه من الآلهة والأوثان والأنداد {وكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} لله على نعمته عليك بما أنعم عليك من الهداية لعبادته، والبراءة من عبادة الأصنام والأوثان. ونصب اسم الله بقوله {فاعْبُدْ} وهو بعده، لأنه رد كلام، ولو نصب بمضمر قبله، إذ كانت العرب تقول: زيد فليقم، وزيداً فليقم، رفعاً ونصباً، الرفع على فلينظر زيد، فليقم، والنصب على انظروا زيداً فليقم، كان صحيحاً جائزاً.

وقوله: {وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} يقول تعالى ذكره: وما عظَّم الله حقّ عظمته، هؤلاء المشركون بالله، الذين يدعونك إلى عبادة الأوثان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} قال: هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن الله على كلّ شيء قدير، فقد قدر الله حقّ قدره، ومن لم يؤمن بذلك، فلم يقدر الله حقّ قدره.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {وَما قَدَرُوا اللَّهٍ حَقَّ قَدْرِهِ}: ما عظَّموا الله حقّ عظمته.

وقوله: {والأرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ} يقول تعالى ذكره: والأرض كلها قبضته في يوم القيامة {والسَّمَوَاتُ} كلها {مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} فالخبر عن الأرض منتاه عند قوله: يوم القيامة، والأرض مرفوعة بقوله {قَبْضَتُهُ}، ثم استأنف الخبر عن السموات، فقال: {والسَّمَوَاتُ مَطْوياتٌ بيَمِينِهِ} وهي مرفوعة بمطويات.

ورُوي عن ابن عباس وجماعة غيره أنهم كانوا يقولون: الأرض والسموات جميعاً في يمينه يوم القيامة. ذكر الرواية بذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {والأرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ} يقول: قد قبض الأرضين والسموات جميعاً بيمينه، ألم تسمع أنه قال: {مَطْوِياتٌ بِيَمِينِهِ} يعني: الأرض والسموات بيمينه جميعاً، قال ابن عباس: وإنما يستعين بشماله المشغولة يمينه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثني أبي عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، قال: ما السموات السبع، والأرضون السبع في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم

قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثني أبي، عن قتادة، قال: ثنا النضر بن أنس، عن ربيعة الجُرْسي، قال: {والأرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} قال: ويده الأخرى خلو ليس فيها شيء.

حدثني عليّ بن الحسن الأزديّ، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن عمار بن عمرو، عن الحسن، في قوله: {والأرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ} قال: كأنها جوزة بقضها وقضيضها.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {والأرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ} يقول: السموات والأرض مطويات بيمينه جميعاً.

وكان ابن عباس يقول: إنما يستعين بشماله المشغولة يمينه، وإنما الأرض والسموات كلها بيمينه، وليس في شماله شيء.

حدثنا الربيع، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني أُسامة بن زيد، عن أبي حازم، عن عبد الله بن عمر، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على المنبر يخطب الناس، فمر بهذه الآية: {وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يَأْخُذُ السَّمَوَاتِ والأرْضَينِ السَّبْعَ فَيَجْعَلُها في كَفِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ بِهِما كمَا يَقُولُ الغُلامُ بالكُرَةِ: أنا اللَّهُ الوَاحِدُ، أنا اللَّهُ العَزِيزُحتى لقد رأينا المنبر وإنه ليكاد أن يسقط به.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، قال: ثني منصور وسليمان، عن إبراهيم، عن عبيدة السَّلْماني، عن عبد الله، قال: جاء يهوديّ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إن الله يمسك السموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والخلائق على أصبع، ثم يقول: أنا الملك قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وقال: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة عن عبد الله، قال: فضحك النبيّ صلى الله عليه وسلم تعجباً وتصديقاً.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، عن منصور، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين جاءه حبر من أحبار اليهود، فجلس إليه، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:

حَدِّثْنا»، قال: إن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة، جعل السموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والماء والشجر على أصبع، وجميع الخلائق على أصبع ثم يهزهنّ ثم يقول: أنا الملك، قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقاً لما قال، ثم قرأ هذه الآية: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ...} الآية».

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، نحو ذلك.

حدثني سليمان بن عبد الجبار، وعباس بن أبي طالب، قالا: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: مرّ يهوديّ بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وهو جالس، فقال:

يا يَهُوديُّ حَدّثْنا»، فقال: كيف تقول يا أبا القاسم يوم يجعل الله السماء على ذه، والأرض على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه، فأنزل الله {وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِه...} الآية.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم أبلغك أن الله يحمل الخلائق على أصبع، والسموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع؟ قال فضحك النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، فأنزل الله {وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ...} إلى آخر الآية.

وقال آخرون: بل السموات في يمينه، والأرضون في شماله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عليّ بن داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا ابن أبي حازم، قال: ثني أبو حازم، عن عبيد الله بن مِقْسَمِ، أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول:

يَأْخُذُ الجَبَّارُ سَمَوَاتِهِ وأرْضِهِ بِيَدَيْهِوقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، وجعل يقبضهما ويبسطهما، قال: ثمَّ يَقُولُ:أنا الرَّحْمَنُ أنا المَلِكُ، أيْنَ الجَبَّارُونَ، أيْنَ المُتَكَبِّرُونَوتمايل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه، وعن شماله، حتى نظرت إلى المنبر يتحركّ من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول: أساقطٌ هو برسول الله صلى الله عليه وسلم؟.

حدثني أبو علقمة الفروي عبد الله بن محمد، قال: ثني عبد الله بن نافع، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن عبيد بن عمير، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

يَأْخُذُ الجَبَّارُ سَمَوَاتِهِ وأرْضَهُ بيَدِهِ»، وقبض يده فجعل يقبضها ويبسطها، ثم يقول:أنا الجَبَّارُ، أنا المَلِكُ، أيْن الجَبَّارُونَ، أيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟قال: ويميل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه وعن شماله، حتى نظرت إلى المنبر يتحركّ من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم؟».

حدثني الحسن بن علي بن عياش الحمصي، قال: ثنا بشر بن شعيب، قال: أخبرني أبي، قال: ثنا محمد بن مسلم بن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أنه كان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يَقْبِضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الأرْضَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَطْوِي السموات بيمينه، ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ؟».

حُدثت عن حرملة بن يحيى، قال: ثنا إدريس بن يحيى القائد، قال: أخبرنا حيوة، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إنَّ اللَّهَ يَقْبِضُ الأرْضَ يَوْمَ القيامَةِ بِيَدِهِ، وَيَطْوِي السَّماءَ بِيَمينهِ وَيَقُولُ: أنا المَلِكُ».

حدثني محمد بن عون، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا سعيد بن ثوبان الكلاعي عن أبي أيوب الأنصاري، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حبرٌ من اليهود، قال: أرأيت إذ يقول الله في كتابه: {والأرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوَيَّاتٌ بِيَمينهِ} فأين الخلق عند ذلك؟ قال:

هُمْ فِيها كَرقْمِ الكِتابِ

حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا عمرو بن حمزة، قال: ثني سالم، عن أبيه، أنه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

يَطْوِي اللَّهُ السَّمَوَاتِ فيأْخُذُهُنَّ بِيَمِينِهِ وَيَطْوِي الأرْضَ فَيأْخُذُها بِشمالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ أيْنَ الجَبَّارُونَ؟ أينَ المُتَكَبِّرُونَ؟».

وقيل: إن هذه الآية نزلت من أجل يهودي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفة الرب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، عن محمد، عن سعيد، قال: أتى رهط من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد، هذا الله خلق الخلق، فمن خلقه؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتُقِع لونه، ثم ساورهم غضباً لربه فجاءه جبريل فسكنه، وقال: اخفض عليك جناحك يا محمد، وجاءه من الله جواب ما سألوه عنه، قال: يقول الله تبارك وتعالى:

{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أحَدٌ }فلما تلاها عليهم النبيّ صلى الله عليه وسلم قالوا: صف لنا ربك كيف خلقه، وكيف عضده، وكيف ذراعه؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم أشد من غضبه الأول، ثم ساورهم، فأتاه جبريل فقال مثل مقالته، وأتاه بجواب ما سألوه عنه {وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: تكلمت اليهود في صفة الربّ، فقال ما لم يعلموا ولم يروا، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} ثم بيَّن للناس عظمته فقال: {والأرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ}، فجعل صفتهم التي وصفوا الله بها شركاً.

وقال بعض أهل العربية من أهل البصرة {والأرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} يقول في قدرته نحو قوله:

{ وَما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ }}: أي وما كانت لكم عليه قدرة وليس الملك لليمين دون سائر الجسد، قال: وقوله {قَبْضَتُهُ} نحو قولك للرجل: هذا في يدك وفي قبضتك. والأخبار التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه وغيرهم، تشهد على بطول هذا القول.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن حبيب بن أبي عمرة، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن عائشة، قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن قوله {والأرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ} فأين الناس يومئذ؟ قال:

عَلى الصِّراطِ».

وقوله سبحانه وتعالى: {عَمَّا يُشْرِكُونَ} يقول تعالى ذكره تنزيهاً وتبرئة لله، وعلوّاً وارتفاعاً عما يشرك به هؤلاء المشركون من قومك يا محمد، القائلون لك: اعبد الأوثان من دون الله، واسجد لألهتنا.

السبت، 24 أكتوبر 2026 13 جمادى الأولى 1448 هـ