انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الزمر

تفسير الطبريالآيات 19–45

تفسير سورة الزمر آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الزمر

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 54:36

  1. 1 الآيات 8–31في هذه الصفحة 16:33
  2. 2 الآيات 32–52في هذه الصفحة 15:07

التفسير الصوتي لسورة الزمر كاملًا (4 مقاطع)

أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ ۝١٩ لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ وَعْدَ ٱللَّهِ لَا يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ ۝٢٠

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَـيْهِ كَلِـمَةُ العَذَابِ}: أفمن وجبت علـيه كلـمة العذاب فـي سابق علـم ربك يا مـحمد بكفره به، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَـيْه كَلِـمَةُ العَذَابِ} بكفره.

وقوله: {أَفأنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِـي النَّارِ} يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: أفأنت تنقذ يا مـحمد من هو فـي النار من حق علـيه كلـمة العذاب، فأنت تنقذه فـاستغنى بقوله: {تُنْقِذُ مَنْ فِـي النَّارِ} عن هذا. وكان بعض نـحويـي الكوفة يقول: هذا مـما يراد به استفهام واحد، فـيسبق الاستفهام إلـى غير موضعه، فـيردّ الاستفهام إلـى موضعه الذي هو له. وإنـما الـمعنى والله أعلـم: أفأنت تنقذ من فـي النار من حقَّت علـيه كلـمة العذاب. قال: ومثله من غير الاستفهام:

{أَيَعِدُكُمْ أنَّكُمُ إذا مِتُّـمْ وكُنْتُـمْ تُرابـاً وَعِظاماً أنَّكُمْ مُخْرِجُونَ} فردّد «أنكم» مرّتـين. والـمعنى والله أعلـم: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متـم ومثله قوله: { لا تَـحْسَبنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِـمَا أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِـما لَـمْ يَفْعَلُوا فَلا تَـحْسَبَنَّهُمْ بِـمَفـازَة مِنَ العَذَابِ }}. وكان بعضهم يستـخطىء القول الذي حكيناه عن البصريـين، ويقول: لا تكون فـي قوله: {أَفَأنْتَ تُتْقِذُ مَنْ فِـي النَّارِ} كناية عمن تقدم، لا يقال: القوم ضربت من قام، يقول: الـمعنى: ألتـجرئة أفأنت تُنقذ من فـي النار منهم. وإنـما معنى الكلـمة: أفأنت تهدي يا مـحمد من قد سبق له فـي علـم الله أنه من أهل النار إلـى الإيـمان، فتنقذه من النار بـالإيـمان؟ لست علـى ذلك بقادر.

وقوله: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقُوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِـيَّةٌ} يقول تعالـى ذكره: لكن الذين اتقوا ربهم بأداء فرائضه واجتناب مـحارمه، لهم فـي الـجنة غرف من فوقها غرف مبنـية علالـيّ بعضها فوق بعض {تَـجْرِي مِنْ تَـحْتِها الأنهارُ} يقول تعالـى ذكره: تـجري من تـحت أشجار جناتها الأنهار. وقوله: {وَعَدَ اللّهُ} يقول جلّ ثناؤه: وعدنا هذه الغرف التـي من فوقها غرف مبنـية فـي الـجنة، هؤلاء الـمتقـين {لا يُخْـلفُ اللّهُ الـمِيعادَ} يقول جلّ ثناؤه: والله لا يخـلفهم وعده، ولكنه يوفـي بوعده.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُۥ يَنَٰبِيعَ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُۥ حُطَٰمًا إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ ۝٢١

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {ألَـمْ تَرَ} يا مـحمد {أنَّ اللّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً} وهو الـمطر {فَسَلَكَهُ يَنابِـيعَ فِـي الأرْضِ} يقول: فأجراه عيوناً فـي الأرض واحدها ينبوع، وهو ما جاش من الأرض. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يـمان، عن سفـيان، عن جابر، عن الشعبـيّ، فـي قوله: {فَسَلَكَهُ يَنابِـيعَ فِـي الأرْضِ} قال: كلّ ندى وماء فـي الأرض من السماء نزل.

قال: ثنا ابن يـمان، عن سفـيان، عن جابر، عن الـحسن بن مسلـم بن بـيان، قال: ثم أنبت بذلك الـماء الذي أنزله من السماء فجعله فـي الأرض عيوناً زرعاً {مُخْتَلِفـا ألْوَانُهُ} يعنـي: أنواعاً مختلفة من بـين حنطة وشعير وسمسم وأرز، ونـحو ذلك من الأنواع الـمختلفة {ثُمَّ يَهِيجُ فَتراهُ مُصْفَرّاً} يقول: ثم يـيبس ذلك الزرع من بعد خُضرته، يقال للأرض إذا يبس ما فـيها من الـخضر وذوي: هاجت الأرض، وهاج الزرع.

وقوله: {فَتراه مُصْفَرّاً} يقول: فتراه من بعد خُضرته ورطوبته قد يبس فصار أصفر، وكذلك الزرع إذا يبس أصفر {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً} والـحُطام: فتات التبن والـحشيش، يقول: ثم يجعل ذلك الزرع بعد ما صار يابساً فُتاتاً متكسراً.

وقوله: {إنَّ فِـي ذلكَ لَذِكْرَى لأُولـي الألْبـابِ} يقول تعالـى ذكره: إن فـي فعل الله ذلك كالذي وصف لذكرى وموعظة لأهل العقول والـحجا يتذكرون به، فـيعلـمون أن من فعل ذلك فلن يتعذّر علـيه إحداث ما شاء من الأشياء، وإنشاء ما أراد من الأجسام والأعراض، وإحياء من هلك من خـلقه من بعد مـماته وإعادته من بعد فنائه، كهيئته قبل فَنائه، كالذي فُعِل بـالأرض التـي أنزل علـيها من بعد موتها الـماء، فأنبت بها الزرعَ الـمختلف الألوان بقدرته.

أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِۦ فَوَيْلٌ لِّلْقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٢٢

يقول تعالـى ذكره: أفمن فَسَح الله قلبه لـمعرفته، والإقرار بوحدانـيته، والإذعان لربوبـيته، والـخضوع لطاعته {فَهُوَ عَلـى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} يقول: فهو علـى بصيرة مـما هو علـيه ويقـين، بتنوير الـحقّ فـي قلبه، فهو لذلك لأمر الله متبع، وعما نهاه عنه منته فـيـما يرضيه، كمن أقسى الله قلبه، وأخلاه من ذكره، وضيَّقه عن استـماع الـحق، واتِّبـاع الهدى، والعمل بـالصواب؟ وترك ذكر الذي أقسى الله قلبه، وجوابَ الاستفهام اجتزاء بـمعرفة السامعين الـمراد من الكلام، إذ ذكر أحد الصنفـين، وجعل مكان ذكر الصنف الآخر الـخبر عنه بقوله: {فَوَيْـلٌ للْقاسِيَةِ قُلُوبُهمْ مِنْ ذِكْرِ اللّهِ}. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللّهُ صَدْرَهُ للإسْلامِ فَهُوَ عَلـى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} يعنـي: كتاب الله، هو الـمؤمن به يأخذ، وإلـيه ينتهي.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللّهُ صَدْرَهُ للإسْلامِ} قال: وسع صدره للإسلام، والنور: الهُدَى.

حُدثت عن ابن أبـي زائدة عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {أَفَمَنْ شَرَحَ اللّهُ صَدْرَهُ للإسْلامِ} قال: لـيس الـمنشرح صدره مثل القاسي قلبه.

قوله: {فَوَيْـلٌ للقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللّهِ} يقول تعالـى ذكره: فويـل للذين جَفَت قلوبهم ونأت عن ذكر الله وأعرضت، يعنـي عن القرآن الذي أنزله تعالـى ذكره، مذكِّراً به عبـاده، فلـم يؤمن به، ولـم يصدّق بـما فـيه. وقـيـل: {مِنْ ذِكْرِ اللّهِ} والـمعنى: عن ذكر الله، فوضعت «من» مكان «عن»، كما يقال فـي الكلام: أتـخمت من طعام أكلته، وعن طعام أكلته بـمعنى واحد.

وقوله: {أُولَئِكَ فِـي ضَلالٍ مُبِـينٍ} يقول تعالـى ذكره: هؤلاء القاسية قلوبهم من ذكر الله فـي ضلال مُبـين، لـمن تأمَّله وتدبَّره بفهم أنه فـي ضلال عن الـحقّ جائر.

ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَٰبًا مُّتَشَٰبِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ ۝٢٣

يقول تعالـى ذكره: {اللّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الـحَدِيثِ كِتابـاً} يعنـي به القرآن {مُتَشابِهاً} يقول: يشبه بعضه بعضاً، لا اختلاف فـيه، ولا تضادّ، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {اللّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الـحَدِيثِ كِتابـاً مُتَشابِهاً}... الآية تشبه الآية، والـحرف يشبه الـحرف.

حدثنا مـحمَّد قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {كِتابـا مُتَشابِها} قال: الـمتشابه: يشبه بعضه بعضاً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جُبَـير، فـي قوله: {كِتابـاً مُتَشابِهاً} قال: يشبه بعضه بعضاً، ويصدّق بعضه بعضاً، ويدلّ بعضه علـى بعض.

وقوله: {مَثانِـيَ} يقول: تُثْنَـي فـيه الأنبـاء والأخبـار والقضاء والأحكام والـحُجَج. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن أبـي رجاء، عن الـحسن، فـي قوله: {اللّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الـحَدِيثِ كِتابـاً مُتَشابِهاً مَثانِـيَ} قال: ثنى الله فـيه القضاء، تكون السورة فـيها الآية فـي سورة أخرى آية تشبهها، وسُئل عنها عكرمة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {كِتابـاً مُتَشابِهاً مَثانِـيَ} قال: فـي القرآن كله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {مَثانِـيَ} قال: ثَنَى الله فـيه الفرائض، والقضاء، والـحدود.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {مَثانِـيَ} قال: كتاب الله مثانـي، ثَنَى فـيه الأمرَ مراراً.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي، فـي قوله: {مَثَانِـيَ} قال: كتاب الله مثانـي، ثَنَى فـيه الأمر مراراً.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {مَثَانِـيَ} ثنى فـي غير مكان.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {مَثانِـيَ} مردَّد، ردّد موسى فـي القرآن وصالـح وهود والأنبـياء فـي أمكنة كثـيرة.

وقوله: {تَقْشَعِر مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} يقول تعالـى ذكره: تقشعرّ من سمَاعه إذا تُلـي علـيهم جلودُ الذين يخافون ربهم {ثُمَّ تَلِـينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلـى ذِكْرِ اللّهِ} يعنـي إلـى العمل بـما فـي كتاب الله، والتصديق به.

وذُكر أن هذه الآية نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أن أصحابه سألوه الـحديث. ذكر الرواية بذلك:

حدثنا نصر بن عبد الرحمن الأَوْديّ، قال: ثنا حَكام بن سلـم، عن أيوب بن موسى، عن عمرو الـمَلَئي عن ابن عبـاس، قالوا: يا رسول الله لو حدثتنا؟ قال: فنزلت: {اللّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الـحَدِيثِ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أيوب بن سيار أبـي عبد الرحمن، عن عمرو بن قـيس، قال: قالوا: يا نبـيّ الله، فذكر مثله.

{ذلكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ} يقول تعالـى ذكره: هذا الذي يصيب هؤلاء القوم الذين وصفت صفتهم عند سماعهم القرآن من اقشعرار جلودهم، ثم لـينها ولـين قلوبهم إلـى ذكر الله من بعد ذلك، {هُدَى اللّهِ} يعنـي: توفـيق الله إياهم وفَّقهم له {يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ} يقول: يهدي تبـارك وتعالـى بـالقرآن من يشاء من عبـاده.

وقد يتوجَّه معنى قوله: {ذلكَ هُدَى} إلـى أن يكون ذلك من ذكر القرآن، فـيكون معنى الكلام: هذا القرآن بـيان الله يهدي به من يشاء، يوفق للإيـمان به من يشاء.

وقوله: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هادٍ} يقول تعالـى ذكره: ومن يخذلْه الله عن الإيـمان بهذا القرآن والتصديق بـما فـيه، فـيضله عنه، فَما له من هاد يقول: فما له من مُوَفِّق له، ومسدد يسدده فـي اتبـاعه.

أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِۦ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَقِيلَ لِلظَّٰلِمِينَ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ۝٢٤ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ۝٢٥

اختلف أهل التأويـل فـي صفة اتقاء هذا الضالّ بوجهه سُوء العذاب، فقال بعضهم: هو أن يُرْمَى به فـي جهنـم مكبوبـاً علـى وجهه، فذلك اتقاؤه إياه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {أَفَمَنْ يَتَّقِـي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذَابِ} قال: يَخِرّ علـى وجهه فـي النار، يقول: هو مثل

{ أَفَمَنْ يُـلْقَـى فِـي النَّارِ خَيْرٌ أمْ مَنْ يَأتِـي آمنا يَوْمَ القِـيامَةِ }}؟.

وقال آخرون: هو أن ينطلق به إلـى النار مكتوفـاً، ثم يرمَى به فـيها، فأوّل ما تـمسّ النار وجهه وهذا قول يُذكر عن ابن عبـاس من وجه كرهت أن أذكره لضعف سنده وهذا أيضاً مـما ترك جوابه استغناء بدلالة ما ذكر من الكلام علـيه عنه. ومعنى الكلام: أفمن يتقـي بوجهه سوء العذاب يوم القـيامة خير، أم من ينعم فـي الـجنان؟.

وقوله: {وَقِـيـلَ للظَّالِـمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُـمْ تَكْسِبُونَ} يقول: ويقال يومئذٍ للظالـمين أنفسهم بإكسابهم إياها سخط الله. ذوقوا الـيوم أيها القوم وَبـالَ ما كنتـم فـي الدنـيا تكسبون من معاصي الله.

وقوله: {كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} يقول تعالـى ذكره: كذب الذين من قبل هؤلاء الـمشركين من قُريش من الأمـم الذين مضوا فـي الدهور الـخالـية رسلهم {فَأتاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعَرُونَ} يقول: فجاءهم عذاب الله من الـموضع الذي لا يشعرون: أي لا يعلـمون بـمـجيئه منه.

فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلْخِزْىَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ۝٢٦

يقول تعالـى ذكره: فعجل الله لهؤلاء الأمـم الذين كذّبوا رسلهم الهوان فـي الدنـيا، والعذاب قبل الآخرة، ولـم ينظِرهم إذ عتوا عن أمر ربهم {وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ} يقول: ولعذاب الله إياهم فـي الآخرة إذا أدخـلهم النار، فعذّبهم بها، أكبر من العذاب الذي عذّبهم به فـي الدنـيا، لو كانوا يعلـمون يقول: لو علـم هؤلاء الـمشركون من قريش ذلك.

وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ۝٢٧ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ۝٢٨

يقول تعالـى ذكره: ولقد مثَّلنا لهؤلاء الـمشركين بـالله من كلّ مثل من أمثال القرون للأمـم الـخالـية، تـخويفـاً منَّا لهم وتـحذيراً {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} يقول: لـيتذكروا فـينزجروا عما هم علـيه مقـيـمون من الكفر بـالله.

وقوله: {قُرآناً عَرَبِـيًّا} يقول تعالـى ذكره: لقد ضربنا للناس فـي هذا القرآن من كلّ مثل قرآناً عربـياً {غيرَ ذِي عِوَجٍ} يعنـي: ذي لبس، كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا رقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {قُرآناً عَرَبـيًّا غيرَ ذِي عِوَجٍ}: غير ذي لبس.

ونصب قوله: {قُرآناً عَرَبـيًّا} علـى الـحال من قوله: هذا القرآن، لأن القرآن معرفة، وقوله {قُرآناً عَرَبِـيًّا} نكرة.

وقوله: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} يقول: جعلنا قرآناً عربـياً إذ كانوا عربـاً، لـيفهموا ما فـيه من الـمواعظ، حتـى يتقوا ما حذّرهم الله فـيه من بأسه وسطوته، فـينـيبوا إلـى عبـادته وإفراد الألوهة له، ويتبّرؤوا من الأنداد والآلهة.

ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَٰكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝٢٩

يقول تعالـى ذكره: مثَّل الله مثلاً للكافر بـالله الذي يعبد آلهة شَتَّـى، ويطيع جماعة من الشياطين، والـمؤمن الذي لا يعبُد إلا الله الواحد، يقول تعالـى ذكره: ضرب الله مثلاً لهذا الكافر رجلاً فـيه شركاء. يقول: هو بـين جماعة مالكين متشاكسين، يعنـي مختلفـين متنازعين، سيئة أخلاقهم، من قولهم: رجل شَكس: إذا كان سيىء الـخـلق، وكل واحد منهم يستـخدمه بقدر نصيبه ومِلْكه فـيه، ورجلاً سَلَـماً لرجل، يقول: ورجلاً خُـلُوصاً لرجل يعنـي الـمؤمن الـموحد الذي أخـلص عبـادته لله، لا يعبد غيره ولا يدين لشيء سواه بـالربوبـية.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {وَرَجُلاً سَلَـماً} فقرأ ذلك بعض قرّاء أهل مكة والبصرة: «وَرَجُلاً سالِـمَاً» وتأوّلوه بـمعنى: رجلاً خالصاً لرجل. وقد رُوي ذلك أيضاً عن ابن عبـاس.

حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن جرير بن حازم، عن حميد، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس أنه قرأها: «سالِـمَاً لِرَجُلٍ» يعنـي بـالألف، وقال: لـيس فـيه لأحد شيء.

وقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والكوفة: {وَرَجُلاً سَلَـماً لِرَجُلٍ} بـمعنى: صلـحاً.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علـماء من القرّاء، متقاربتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب وذلك أن السَّلَـم مصدر من قول القائل: سَلِـيـم فلان لله سَلَـماً بـمعنى: خَـلَص له خُـلوصاً، تقول العرب: ربح فلان فـي تـجارته رِبْحاً ورَبَحاً، وسَلِـم سِلْـماً وسَلَـماً وسلامة، وأن السالـم من صفة الرجل، وسلـم مصدر من ذلك. وأما الذي توهمه من رغب من قراءة ذلك سَلَـماً من أن معناه صلـحاً، فلا وجه للصلـح فـي هذا الـموضع، لأن الذي تقدم من صفة الآخر، إنـما تقدّم بـالـخبر عن اشتراك جماعة فـيه دون الـخبر عن حربه بشيء من الأشياء، فـالواجب أن يكون الـخبر عن مخالفه بخـلوصه لواحد لا شريك له، ولا موضع للـخبر عن الـحرب والصلـح فـي هذا الـموضع. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: «رَجُلاً فِـيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سالِـماً لِرَجُلٍ» قال: هذا مثل إله البـاطل وإله الـحقّ.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِـيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ} قال: هذا الـمشرك تتنازعه الشياطين، لا يقرّبه بعضهم لبعض «وَرَجُلاً سالِـماً لِرَجُلٍ» قال: هو الـمؤمن أخـلص الدعوة والعبـادة.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِـيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ}... إلـى قوله: {بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَـمُونَ} قال: الشركاء الـمتشاكسون: الرجل الذي يعبد آلهة شتـى كلّ قوم يعبدون إلهاً يرضونه ويكفرون بـما سواه من الآلهة، فضرب الله هذا الـمثل لهم، وضرب لنفسه مثلاً، يقول: رجلا سَلِـمَ لرجل يقول: يعبدون إلهاً واحداً لا يختلفون فـيه.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِـيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ} قال: مثل لأوثانهم التـي كانوا يعبدون.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: «ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِـيهِ شُرَكاءُ مُتشاكِسُونَ وَرَجُلاً سالِـماً لِرَجُلٍ» قال: أرأيت الرجل الذي فـيه شركاء متشاكسون كلهم سيىء الـخـلق، لـيس منهم واحد إلا تلقاه آخذاً بطرف من مال لاستـخدامه أسواؤُهم، والذي لا يـملكه إلا واحد، فإنـما هذا مثل ضربه الله لهؤلاء الذين يعبدون الآلهة، وجعلوا لهاً فـي أعناقهم حقوقاً، فضربه الله مثلاً لهم، وللذي يعبده وحده {هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الـحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَـمُونَ}. وفـي قوله: «وَرَجُلاً سالِـمَاً لِرَجُلٍ» يقول: لـيس معه شرك.

وقوله: {هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً} يقول تعالـى ذكره: هل يستوي مثلُ هذا الذي يخدمُ جماعة شركاء سيئة أخلاقهم مختلفة فـيه لـخدمته مع منازعته شركاءه فـيه والذي يخدم واحداً لا ينازعه فـيه منازع إذا أطاعه عرف له موضع طاعته وأكرمه، وإذا أخطأ صفح له عن خطئه، يقول: فأيّ هذين أحسن حالاً وأروح جسماً وأقلّ تعبـاً ونصبـاً؟ كما:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {هَلْ يَسْتِويانِ مَثَلاً الـحَمْدَ لِلّهِ بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَـمُونَ} يقول: من اختُلف فـيه خير، أم من لـم يُخْتلَف فـيه؟.

وقوله: {الـحَمْدِ لِلّهِ} يقول: الشكر الكامل، والـحمدُ التامّ لله وحده دون كلّ معبود سواه. وقوله: {بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَـمُونَ} يقول جل ثناؤه: وما يستوي هذا الـمشترك فـيه، والذي هو منفرد ملكه لواحد، بل أكثر هؤلاء الـمشركين بـالله لا يعلـمون أنهما لا يستويان، فهم بجهلهم بذلك يعبدون آلهة شتـى من دون الله. وقـيـل: {هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً} ولـم يقل: مثلـين لأنهما كلاهما ضُربـا مثلاً واحداً، فجرى الـمثل بـالتوحيد، كما قال جلّ ثناؤه:

{ وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَـمَ وأُمَّهُ آيَةً }إذ كان معناهما واحداً فـي الآية. والله أعلـم.

إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ۝٣٠ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ۝٣١ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُۥٓ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَٰفِرِينَ ۝٣٢

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إنك يا محمد ميت عن قليل، وإن هؤلاء المكذّبيك من قومك والمؤمنين منهم ميتون {ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} يقول: ثم إن جميعكم المؤمنين والكافرين يوم القيامة عند ربكم تختصمون فيأخذ للمظلوم منكم من الظالم، ويفصل بين جميعكم بالحقّ.

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: عنى به اختصام المؤمنين والكافرين، واختصام المظلوم والظالم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} يقول: يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدي الضالّ، والضعيف المستكبر.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} قال: أهل الإسلام وأهل الكفر.

حدثني ابن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا ابن الدراوردي، قال: ثني محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عبد الله بن الزبير، قال: لما نزلت هذه الآية:

{ إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهُمْ مَّيِّتُونَ ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ }قال الزبير: يا رسول الله، أينكر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:نَعَمْ حتى يُؤدَّى إلى كُلِّ ذي حَقَ حَقُّهُ».

وقال آخرون: بل عُني بذلك اختصام أهل الإسلام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، عن ابن عمر، قال: نزلت علينا هذه الآية وما ندري ما تفسيرها حتى وقعت الفتنة، فقلنا: هذا الذي وعدنا ربُّنا أن نختصم فيه {ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ}.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ابن عون، عن إبراهيم، قال: لما نزلت:

{ إنكَ مَيِّتٌ وإنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إنَّكُمْ }}... الآية، قالوا: ما خصومتنا بيننا ونحن إخوان، قال: فلما قُتل عثمان بن عفان، قالوا: هذه خصومتنا بيننا.

حُدثت عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله {ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} قال: هم أهل القبلة.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: عُني بذلك: إنك يا محمد ستموت، وإنكم أيها الناس ستموتون، ثم إن جميعكم أيها الناس تختصمون عند ربكم، مؤمنكم وكافركم، ومحقوكم ومبطلوكم، وظالموكم ومظلوموكم، حتى يؤخذ لكلِّ منكم ممن لصاحبه قبله حق حقُّه.

وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب لأن الله عمّ بقوله: {ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} خطاب جميع عباده، فلم يخصص بذلك منهم بعضاً دون بعض، فذلك على عمومه على ما عمه الله به وقد تنزل الآية في معنى، ثم يكون داخلاً في حكمها كلّ ما كان في معنى ما نزلت به.

وقوله: {فَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بالصّدْقِ إذْ جاءَهُ} يقول تعالى ذكره: فمن من خلق الله أعظم فرية ممن كذب على الله، فادّعى أن له ولدا وصاحبه، أو أنه حرَّم ما لم يحرمه من المطاعم {وكَذَّبَ بالصّدْقِ إذْ جاءَهُ} يقول: وكذّب بكتاب الله إذ أنزله على محمد، وابتعثه الله به رسولاً، وأنكر قول لا إله إلا الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وكَذَّبَ بالصّدْق إذ جاءَهُ}: أي بالقرآن وقوله: {ألَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى للْكافِرِينَ} يقول تبارك وتعالى: أليس في النار مأوى ومسكن لمن كفر بالله، وامتنع من تصديق محمد صلى الله عليه وسلم، واتباعه على ما يدعوه إليه مما أتاه به من عند الله من التوحيد، وحكم القرآن؟

وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ ۝٣٣ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٣٤

اختلف أهل التأويل في الذي جاء بالصدق وصدّق به، وما ذلك، فقال بعضهم: الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: والصدق الذي جاء به: لا إله إلا الله، والذي صدّق به أيضاً، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {وَالَّذِي جاءَ بالصِّدْقِ} يقول: من جاء بلا إله إلا الله {وَصَدَّقَ بِهِ} يعني: رسوله.

وقال آخرون: الذي جاء بالصدق: رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي صدّق به: أبو بكر رضي الله عنه. ذكر من قال ذلك:

حدثني أحمد بن منصور، قال: ثنا أحمد بن مصعد المروزي، قال: ثنا عمر بن إبراهيم بن خالد، عن عبد الملك بن عمير، عن أسيد بن صفوان، عن عليّ رضي الله عنه، في قوله: {وَالَّذِي جاءَ بالصِّدْقِ} قال: محمد صلى الله عليه وسلم، وصدّق به، قال: أبو بكر رضي الله عنه

وقال آخرون: الذي جاء بالصدق: رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصدق: القرآن، والمصدقون به: المؤمنون. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَالَّذِي جاءَ بالصِّدْقِ} قال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالقرآن، وصدّق به المؤمنون.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَالَّذِي جاءَ بالصِّدْقِ} رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدّق به المسلمون.

وقال آخرون: الذي جاء بالصدق جبريل، والصدق: القرآن الذي جاء به من عند الله، وصدّق به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: {وَالَّذِي جاءَ بالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ} محمد صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: الذي جاء بالصدق: المؤمنون، والصدق: القرآن، وهم المصدِّقون به. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد قوله: {وَالَّذِي جاءَ بالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} قال: الذين يجيئون بالقرآن يوم القيامة، فيقولون: هذا الذي أعطيتمونا فاتبعنا ما فيه.

قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد {وَالَّذِي جاءَ بالصِّدْقِ وَصَدَّقِ بِهِ} قال: هم أهل القرآن يجيئون به يوم القيامة يقولون: هذا الذي أعطيتمونا، فاتبعنا ما فيه.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره عنى بقوله: {وَالَّذِي جاءَ بالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} كلّ من دعا إلى توحيد الله، وتصديق رسوله، والعمل بما ابتعث به رسوله صلى الله عليه وسلم من بين رسل الله وأتباعه والمؤمنين به، وأن يقال: الصدق هو القرآن، وشهادة أن لا إله إلا الله، والمصدّق به: المؤمنون بالقرآن، من جميع خلق الله كائنا من كان من نبيّ الله وأتباعه.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن قوله تعالى ذكره: {وَالَّذِي جاءَ بالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} عُقيب قوله:

{ فَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ على اللَّهِ، وَكَذَّبَ بالصّدْقِ إذْ جاءَهُ }وذلك ذمّ من الله للمفترين عليه، المكذّبين بتنزيله ووحيه، الجاحدين وحدانيته، فالواجب أن يكون عقيب ذلك مدح من كان بخلاف صفة هؤلاء المذمومين، وهم الذين دعوهم إلى توحيد الله، ووصفه بالصفة التي هو بها، وتصديقهم بتنزيل الله ووحيه، والذين هم كانوا كذلك يوم نزلت هذه الآية، رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن بعدهم، القائمون في كل عصر وزمان بالدعاء إلى توحيد الله، وحكم كتابه، لأن الله تعالى ذكره لم يخصّ وصفه بهذه الصفة التي في هذه الآية على أشخاص بأعيانهم، ولا على أهل زمان دون غيرهم، وإنما وصفهم بصفة، ثم مدحهم بها، وهي المجيء بالصدق والتصديق به، فكل من كان كذلك وصفه فهو داخل في جملة هذه الآية إذا كان من بني آدم.

ومن الدليل على صحة ما قلنا أن ذلك كذلك في قراءة ابن مسعود: «والَّذِينَ جاءُوا بالصدْقِ وصدَّقُوا بِهِ» فقد بين ذلك من قراءته أن الذي من قوله {وَالَّذِي جاءَ بالصِّدْقِ} لم يعن بها واحد بعينه، وأنه مراد بها جِمَاعٌ ذلك صفتهم، ولكنها أخرجت بلفظ الواحد، إذ لم تكن مؤقتة. وقد زعم بعض أهل العربية من البصريين، أن «الذي» في هذا الموضع جُعل في معنى جماعة بمنزلة «مَن». ومما يؤيد ما قلنا أيضاً قوله: {أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ} فجُعل الخبر عن «الذي» جماعا، لأنها في معنى جماع. وأما الذين قالوا: عني بقوله: {وَصَدَّقَ بِهِ}: غير الذي جاء بالصدق، فقول بعيد من المفهوم، لأن ذلك لو كان كما قالوا لكان التنزيل: والذي جاء بالصدق، والذي صدق به أولئك هم المتقون فكانت تكون «الذي» مكرّرة مع التصديق، ليكون المصدق غير المصدق فأما إذا لم يكرّر، فإن المفهوم من الكلام، أن التصديق من صفة الذي جاء بالصدق، لا وجه للكلام غير ذلك. وإذا كان ذلك كذلك، وكانت «الذي» في معنى الجماع بما قد بيَّنا، كان الصواب من القول فـي تأويـله ما بَيَّنا.

وقوله: {أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ} يقول جلّ ثناؤه: هؤلاء الذين هذه صفتهم، هم الذين اتقوا الله بتوحيده والبراءة من الأوثان والأنداد، وأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، فخافوا عقابه، كما:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، {أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ} يقول: اتقوا الشرك.

وقوله: {لَهُمْ ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ} يقول تعالى ذكره: لهم عند ربهم يوم القيامة، ما تشتهيه أنفسهم، وتلذّه أعينهم {ذلكَ جَزَاءُ المُحْسِنِينَ} يقول تعالى ذكره: هذا الذي لهم عند ربهم، جزاء من أحسن في الدنيا فأطاع الله فيها، وأتمر لأمره، وانتهى عما نهاه فيها عنه.

لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى عَمِلُوا۟ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٣٥

يقول تعالى ذكره: وجزى هؤلاء المحسنين ربهم بإحسانهم، كي يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا في الدنيا من الأعمال، فيما بينهم وبين ربهم، بما كان منهم فيها من توبة وإنابة مما اجترحوا من السيئات فيها {ويَجْزِيهُمْ أجْرَهُمْ} يقول: ويثيبهم ثوابهم {بأحْسَنِ الَّذي كانُوا} في الدنيا {يَعْمَلُونَ} مما يرضى الله عنهم دون أسوئها، كما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد:

{ وَالَّذِي جاءَ بالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ }}: أي ولهم ذنوب، أي ربّ نعم { لَهُمْ }فيها { ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبّهِمْ ذلكَ جَزَاءُ المُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزيَهُم أجْرَهُمْ بأحْسَنِ الَّذي كانُوا يَعْمَلُونَ }}، وقرأ: { إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ }}... إلى أن بلغ { وَمَغْفِرَةٌ }لئلا ييأس من لهم الذنوب أن لا يكونوا منهم { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ }}، وقرأ: { إنَّ المْسُلمينَ والمُسْلِمات... } إلى آخر الآية.

أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ ۝٣٦ وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِى ٱنتِقَامٍ ۝٣٧

اختلفت القرّاء في قراءة: {ألَيْسَ اللَّهُ بكافٍ عَبْدَهُ} فقرأ ذلك بعض قراء المدينة وعامة قرّاء أهل الكوفة: «ألَيْسَ اللَّهُ بكافٍ عِبادَهُ» على الجماع، بمعنى: أليس الله بكاف محمداً وأنبياءه من قبله ما خوفتهم أممهم من أن تنالهم آلهتهم بسوء وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة، وبعض قرّاء الكوفة: {بكافٍ عَبْدَهُ} على التوحيد، بمعنى: أليس الله بكاف عبده محمداً.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قَرَأةِ الأمصار. فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب لصحة مَعْنَيَيْهَما واستفاضة القراءة بهما في قَرَأةِ الأمصار. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدّيّ {ألَيْسَ اللَّهُ بكافٍ عِبدَهُ} يقول: محمد صلى الله عليه وسلم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبدَهُ} قال: بلى، والله ليكفينه الله ويعزّه وينصره كما وعده.

وقوله: {ويُخَوّفُونَكَ بالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ويخوّفك هؤلاء المشركون يا محمد بالذين من دون الله من الأوثان والآلهة أن تصيبك بسوء، ببراءتك منها، وعيبك لها، والله كافيك ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ويُخَوِّفُونَكَ بالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} الآلهة، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى شعب بسُقام ليكسر العزَّى، فقال سادِنُها، وهو قيِّمها: يا خالد أنا أحذّركها، إن لها شدّة لا يقوم إليها شيء، فمشى إليها خالد بالفأس فهشّم أنفها.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {ويُخَوفُونَكَ بالَّذِينَ مِنَ دُونِهِ} يقول: بآلهتهم التي كانوا يعبدون.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ويُخَوّفُونَكَ بالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} قال: يخوّفونك بآلهتهم التي من دونه.

وقوله: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هاد} يقول تعالى ذكره: ومن يخذله الله فيضلَّه عن طريق الحق وسبيل الرشد، فما له سواه من مرشد ومسدّد إلى طريق الحقّ، وموفِّق للإيمان بالله، وتصديق رسوله، والعمل بطاعته {وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلّ} يقول: ومن يوفِّقه الله للإيمان به، والعمل بكتابه، فما له من مضلّ، يقول: فما له من مزيغ يزيغه عن الحقّ الذي هو عليه إلى الارتداد إلى الكفر {ألَيسَ اللَّهُ بعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ} يقول جل ثناؤه: أليس الله يا محمد بعزيز في انتقامه من كفرة خلقه، ذي انتقام من أعدائه الجاحدين وحدانيته.

وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلْ أَفَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَٰتُ رَحْمَتِهِۦ قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ۝٣٨

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين العادلين بالله الأوثان والأصنام: مَنْ خلق السموات والأرض؟ ليقولنّ: الذي خلقهنّ الله فإذا قالوا ذلك، فقل: أفرأيتم أيها القوم هذا الذي تعبدون من دون الله من الأصنام والآلهة {إنْ أرَادَنِي اللَّهُ بِضُرَ} يقول: بشدة في معيشتي، هل هنَّ كاشفات عني ما يصيبني به ربي من الضر؟ {أوْ أرَادَنِي بِرَحْمَةٍ} يقول: إن أرادني ربي أن يصيبني سعة في معيشتي، وكثرة مالي، ورخاء وعافية في بدني، هل هن ممسكات عني ما أراد أن يصيبني به من تلك الرحمة؟ وترك الجواب لاستغناء السامع بمعرفة ذلك، ودلالة ما ظهر من الكلام عليه. والمعنى: فإنهم سيقولون لا، فقل: حسبي الله مما سواه من الأشياء كلها، إياه أعبد، وإليه أفزع في أموري دون كلّ شيء سواه، فإنه الكافي، وبيده الضرّ والنفع، لا إلى الأصنام والأوثان التي لا تضر ولا تنفع، {عَلَيْه يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ} يقول: على الله يتوكل من هو متوكل، وبه فليثق لا بغيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَئِنْ سألْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} حتى بلغ {كاشِفاتُ ضُرِّهِ} يعني: الأصنام {أوْ أرَادَنِي برَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ}.

واختلفت القراء في قراءة {كاشِفاتُ ضُرّهِ} و {مُمْسِكاتُ رَحْمَتِه}، فقرأه بعضهم بالإضافة وخفض الضر والرحمة، وقرأه بعض قراء المدينة وعامة قرّاء البصرة بالتنوين، ونصب الضر والرحمة.

والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان مشهورتان، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، وهو نظير قوله:

{ كَيْد الكافِرينَ }في حال الإضافة والتنوين.

قُلْ يَٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَٰمِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ۝٣٩ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ۝٤٠

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لمشركي قومك، الذي اتخذوا الأوثان والأصنام آلهة يعبدونها من دون الله اعملوا أيها القوم على تمكنكم من العمل الذي تعملون ومنازلكم، كما:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {عَلى مَكانَتِكُمْ} قال: على ناحيتكم {إنّي عامِلٌ} كذلك على تؤدة على عمل من سلف من أنبياء الله قبلي {فَسَوْفَ تَعْلَمونَ} إذا جاءكم بأس الله، من المحقّ منا من المبطل، والرشيد من الغويّ.

وقوله: {مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ} يقول تعالى ذكره: من يأتيه عذاب يخزيه، ما أتاه من ذلك العذاب، يعني: يذلّه ويهينه {وَيحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} يقول: وينزل عليه عذاب دائم لا يفارقه.

إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِۦ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ۝٤١

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إنا أنزلنا عليك يا محمد الكتاب تبيانا للناس بالحقّ {فَمَن اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ} يقول: فمن عمل بما في الكتاب الذي أنزلناه إليه واتبعه فلنفسه، يقول: فإنما عمل بذلك لنفسه، وإياها بغى الخير لا غيرها، لأنه أكسبها رضا الله والفوز بالجنة، والنجاة من النار. {وَمَنْ ضَلَّ} يقول: ومن جار عن الكتاب الذي أنزلناه إليك، والبيان الذي بيَّناه لك، فضل عن قصد المحجة، وزال عن سواء السبيل، فإنما يجور على نفسه، وإليها يسوق العطب والهلاك، لأنه يكسبها سخط الله، وأليم عقابه، والخزي الدائم. {وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بوَكِيل} يقول تعالى ذكره: وما أنت يا محمد على من أرسلتك إليه من الناس برقيب ترقب أعمالهم، وتحفظ عليهم أفعالهم، إنما أنت رسول، وإنما عليك البلاغ، وعلينا الحساب، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بوَكِيلٍ} أي بحفيظ.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: {وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بوَكِيلٍ} قال: بحفيظ.

ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ۝٤٢

يقول تعالى ذكره: ومن الدلالة على أن الألوهة لله الواحد القهار خالصة دون كلّ ما سواه، أنه يميت ويحيي، ويفعل ما يشاء، ولا يقدر على ذلك شيء سواه فجعل ذلك خبراً نبههم به على عظيم قُدرته، فقال: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها} فيقبضها عند فناء أجلها، وانقضاء مدة حياتها، ويتوفى أيضاً التي لم تمت في منامها، كما التي ماتت عند مماتها {فَيُمْسِكُ التي قَضَى عَلَيْها المَوْتَ}. ذُكر أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام، فيتعارف ما شاء الله منها، فإذا أراد جميعها الرجوع إلى أجسادها أمسك الله أرواح الأموات عنده وحبسها، وأرسل أرواح الأحياء حتى ترجع إلى أجسادها إلى أجل مسمى وذلك إلى انقضاء مدة حياتها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جُبير، في قوله: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها}... الآية. قال: يجمع بين أرواح الأحياء، وأرواح الأموات، فيتعارف منها ما شاء الله أن يتعارف، فيمسك التي قضى عليها الموت، ويُرسل الأخرى إلى أجسادها.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها} قال: تقبض الأرواح عند نيام النائم، فتقبض روحه في منامه، فتلقى الأرواح بعضها بعضاً: أرواح الموتى وأرواح النيام، فتلتقي فتساءل، قال: فيخلّي عن أرواح الأحياء، فترجع إلى أجسادها، وتريد الأخرى أن ترجع، فيحبس التي قضى عليها الموت، ويرسِلُ الأخرى إلى أجل مسمى، قال: إلى بقية آجالها.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتها والتي لَمْ تَمُتْ فِي منَامِها} قال: فالنوم وفاة {فَيُمْسِكُ التي قَضَى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرَى} التي لم يقبضها {إلى أجَلٍ مُسَمًّى}.

وقوله: {إنَّ فِي ذلكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} يقول تعالى ذكره: إن في قبض الله نفس النائم والميت وإرساله بعدُ نَفْسَ هذا ترجع إلى جسمها، وحبسه لغيرها عن جسمها لعبرةً وعظة لمن تفكر وتدبر، وبيانا له أن الله يحيي من يشاء من خلقه إذا شاء، ويميت من شاء إذا شاء.

أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَمْلِكُونَ شَيْـًٔا وَلَا يَعْقِلُونَ ۝٤٣ قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعًا لَّهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۝٤٤

يقول تعالى ذكره: أم اتخذ هؤلاء المشركون بالله من دونه آلهتهم التي يعبدونها شفعاء تشفع لهم عند الله في حاجاتهم. وقوله: {قُلْ أوَ لَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهم: أتتخذون هذه الآلهة شفعاء كما تزعمون ولو كانوا لا يملكون لكم نفعاً ولا ضراً، ولا يعقلون شيئاً، قل لهم: إن تكونوا تعبدونها لذلك، وتشفع لكم عند الله، فأخلصوا عبادتكم لله، وأفردوه بالألوهية، فإن الشفاعة جميعاً له، لا يشفع عنده إلا من أذن له، ورضي له قولاً، وأنتم متى أخلصتم له العبادة، فدعوتموه، وشفعكم {لهُ ملكُ السمواتِ والأرض}، يقول: له سلطان السموات والأرض ومُلكها، وما تعبدون أيها المشركون من دونه ملك له يقول: فاعبدوا الملك لا المملوك الذي لا يملك شيئاً. {ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يقول: ثم إلى الله مصيركم، وهو معاقبكم على إشراككم به، إن متم على شرككم.

ومعنى الكلام: لله الشفاعة جميعاً، له مُلك السموات والأرض، فاعبدوا المالك الذي له مُلك السموات والأرض، الذي يقدر على نفعكم في الدنيا، وعلى ضرّكم فيها، وعند مرجعكم إليه بعد مماتكم، فإنكم إليه ترجعون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاء} الآلهة {قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً} الشفاعة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً} قال: لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه.

وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ۝٤٥

يقول تعالى ذكره: وإذا أفرد الله جلّ ثناؤه بالذكر، فدعي وحده، وقيل لا إله إلا الله، اشمأزّت قلوب الذين لا يؤمنون بالمعاد والبعث بعد الممات. وعني بقوله: {اشْمأَزَّتْ}: نفرت من توحيد الله. {وَإذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} يقول: وإذا ذُكر الآلهة التي يدعونها من دون الله مع الله، فقيل: تلك الغرانيق العُلى، وإن شفاعتها لترتجى، إذا الذين لا يؤمنون بالآخرة يستبشرون بذلك ويفرحون، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بالآخِرَة}: أي نفرت قلوبهم واستكبرت {وَإذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} الآلهة {إذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {اشمأَزَّتْ} قال: انقبضت، قال: وذلك يوم قرأ عليهم «النجم» عند باب الكعبة.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ قوله: {اشْمأزَّتْ} قال: نفرت {وَإذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} أوثانهم.

الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ