انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة فاطر

تفسير القرطبيالآيات 1–26

تفسير سورة فاطر آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُو۟لِىٓ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝١

قوله تعالى: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} يجوز في «فاطر» ثلاثة أوجه: الخفض على النعت، والرفع على إضمار مبتدأ، والنصب على المدح. وحكى سيبويه: الحمد لله أهل الحمد (مثله) وكذا «جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ». والفاطر: الخالق. وقد مضى في «يوسف» وغيرها. والفَطْر. الشق عن الشيء؛ يقال: فطرته فانفطر. ومنه: فَطَر نابُ البعير طلع، فهو بعير فاطر. وتفطّر الشيء تشقق. وسيف فُطار، أي فيه تشقق. قال عنترة:

وسيفي كالعقيقة فهو كِمْعِيسلاحي لا أَفَلّ ولا فُطَارا

والفطر: الابتداء والاختراع. قال ابن عباس: كنت لا أدري ما «فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ» حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي أنا ابتدأتها. والفَطْر. حلب الناقة بالسبابة والإبهام. والمراد بذكر السموات والأرض العالم كله، ونبّه بهذا على أن من قدر على الابتداء قادر على الإعادة. {جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ} لا يجوز فيه التنوين، لأنه لما مضى. {رُسُلاً} مفعول ثان، ويقال على إضمار فعل؛ لأن «فاعلاً» إذا كان لما مضى لم يعمل فيه شيئاً، وإعماله على أنه مستقبل حذف التنوين منه تخفيفاً. وقرأ الضحاك «الحمد لله فطر السموات والأرض» على الفعل الماضي. «جاعِلِ الملائِكةِ رسلاً» الرسل منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، صلى الله عليهم أجمعين. وقرأ الحسن: «جَاعِلُ الملائكة» بالرفع. وقرأ خُليد بن نشيط «جعل الملائكة» وكله ظاهر. {أُوْلِي أَجْنِحَةٍ} نعت، أي أصحاب أجنحة. {مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} أي اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة. قال قتادة: بعضهم له جناحان، وبعضهم ثلاثة، وبعضهم أربعة؛ ينزلون بها من السماء إلى الأرض، ويعرجون من الأرض إلى السماء، وهي مسيرة كذا في وقت واحد، أي جعلهم رسلاً. قال يحيـى بن سلام: إلى الأنبياء. وقال السدّي: إلى العباد برحمة أو نقمة. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام له ستمائة جناح. وعن الزهري أن جبريل عليه السلام قال له: «يا محمد، لو رأيت إسرافيل إن له لاثني عشر ألف جناح منها جناح بالمشرق وجناح بالمغرب وإن العرش لعلى كاهله وإنه في الأحايين ليتضاءل لعظمة الله حتى يعود مثل الوَصْع ـ والوصع عصفور صغير ـ حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته». و«أُولُو» اسم جمع لذو، كما أن هؤلاء اسم جمع لذا، ونظيرهما في المتمكنة: المخاض والخَلِفة. وقد مضى الكلام في «مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاع» في «النساء» وأنه غير منصرف. {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} أي في خلق الملائكة، في قول أكثر المفسرين؛ ذكره المهدويّ. وقال الحسن: «يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ» أي في أجنحة الملائكة ما يشاء. وقال الزهري وابن جريج: يعني حسن الصوت. وقد مضى القول فيه في مقدّمة الكتاب. وقال الهيثم الفارسي: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في منامي، فقال: «أنت الهيثم الذي تُزيِّن القرآن بصوتك جزاك الله خيراً». وقال قتادة: «يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ» الملاحة في العينين والحسن في الأنف والحلاوة في الفم. وقيل: الخط الحسن. وقال مهاجر الكَلاعِي قال النبي صلى الله عليه وسلم:الخط الحسن يزيد الكلام وضوحاً. وقيل: الوجه الحسن. وقيل في الخبر في هذه الآية: هو الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن؛ ذكره القُشَيري. النقاش: هو الشعر الجَعْد. وقيل: العقل والتمييز. وقيل: العلوم والصنائع. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} من النقصان والزيادة. الزمخشري: والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق؛ من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء، وقوة في البطش، وحصافة في العقل، وجزالة في الرأي، وجرأة في القلب، وسماحة في النفس، وذلاقة في اللسان، ولباقة في التكلم، وحسن تأتٍّ في مزاولة الأمور؛ وما أشبه ذلك مما لا يحيط به وصف.

مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٢

قوله تعالى: {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} وأجاز النحويون في غير القرآن «فلا ممسك له» على لفظ «ما» و«لها» على المعنى. وأجازوا «وما يُمْسِك فلا مُرْسِلَ لها». وأجازوا «ما يفتُح الله للناس من رحمة» (بالرفع) تكون «ما» بمعنى الذي. أي إن الرسل بُعثوا رحمة للناس فلا يقدر على إرسالهم غير الله. وقيل: ما يأتيهم به الله من مطر أو رزق فلا يقدر أحد أن يمسكه، وما يمسك من ذلك فلا يقدر أحد على أن يرسله. وقيل: هو الدعاء؛ قاله الضحاك. ابن عباس: من توبة. وقيل: من توفيق وهداية.

قلت: ولفظ الرحمة يجمع ذلك؛ إذ هي منكر للإشاعة والإبهام، فهي متناولة لكل رحمة على البدل، فهو عام في جميع ما ذكر. وفي موطأ مالك: أنه بلغه أن أبا هريرة كان يقول إذا أصبح وقد مُطر الناس: مُطرنا بَنْوء الفتح، ثم يتلو هذه الآية {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا}. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تقدم.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ۝٣

قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} معنى هذا الذكر الشكرُ. {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ} يجوز في «غير» الرفع والنصب والخفض، فالرفع من وجهين: أحدهما: بمعنى هل من خالق إلا الله؛ بمعنى ما خالق إلا الله. والوجه الثاني: أن يكون نعتاً على الموضع؛ لأن المعنى: هل خالق غير الله، و«من» زائدة. والنصب على الاستثناء. والخفض على اللفظ. قال حُميد الطويل: قلت للحسن: من خلق الشر؟ فقال سبحان الله! هل من خالق غير الله جل وعز، خلق الخير والشر. وقرأ حمزة والكسائي: «هَلْ مِنْ خَالِقٍ غيرِ اللَّهِ» بالخفض. الباقون بالرفع. {يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أي المطر. {وَٱلأَرْضِ} أي النبات. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } من الأَفْك (بالفتح) وهو الصرف؛ يقال: ما أفكَك عن كذا، أي ما صرفك عنه. وقيل: من الإفك (بالكسر) وهو الكذب، ويرجع هذا أيضاً إلى ما تقدم؛ لأنه قول مصروف عن الصدق والصواب، أي من أين يقع لكم التكذيب بتوحيد الله. والآية حجة على القدرية لأنه نفى خالقاً غير الله وهم يثبتون معه خالقين، على ما تقدم في غير موضع.

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ۝٤

قوله تعالى: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ} يعني كفار قريش. {فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} يعزِّي نبيّه ويسلّيه صلى الله عليه وسلم؛ وليتأسَّى بمن قبله في الصبر. {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} قرأ الحسن والأعرج ويعقوب وابن عامر وأبو حيوة وابن مُحَيْصِن وحميد والأعمش وحمزة ويحيـى والكسائيّ وخلف (بفتح التاء) على أنه مسمى الفاعل. واختاره أبو عبيد لقوله تعالى:

{ أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ }[الشورى: 53] الباقون «تُرْجَع» على الفعل المجهول.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ۝٥

قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} هذا وعظ للمكذبين للرسول بعد إيضاح الدليل على صحة قوله: إن البعث والثواب والعقاب حق. {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} قال سعيد بن جُبير: غرور الحياة الدنيا أن يشتغل الإنسان بنعيمها ولذاتها عن عمل الآخرة، حتى يقول: يا ليتني قدّمت لحياتي. {وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } قال ابن السكيت وأبو حاتم: «الغَرور» الشيطان. وغرور جمع غَرّ، وغَرٌّ مصدر. ويكون «الغَرور» مصدراً وهو بعيد عند غير أبي إسحاق؛ لأن «غررته» متعدّ، والمصدر المتعدّي إنما هو على فَعْل؛ نحو: ضربته ضرباً، إلا في أشياء يسيرة لا يقاس عليها؛ قالوا: لزمْته لُزوماً، ونَهَكه المرض نُهوكاً. فأما معنى الحرف فأحسن ما قيل فيه ما قاله سعيد بن جبير، قال: الغرور بالله أن يكون الإنسان يعمل بالمعاصي ثم يتمنّى على الله المغفرة. وقراءة العامة «الغَرور» (بفتح الغين) وهو الشيطان؛ أي لا يغرّنكم بوساوسه في أنه يتجاوز عنكم لفضلكم. وقرأ أبو حَيْوة وأبو السَّمّال العدويّ ومحمد بن السَّمَيْقَع «الغُرور» (برفع الغين) وهو الباطل؛ أي لا يغرّنكم الباطل. وقال ابن السكيت: والغُرور (بالضم) ما اغترّ به من متاع الدنيا. قال الزجاج: ويجوز أن يكون الغرور جمع غارّ؛ مثل قاعد وقعود. النحاس: أو جمع غَرّ، أو يُشبّه بقولهم: نهكه المرض نهوكاً ولزمه لزوماً. الزمخشريّ: أو مصدر «غره» كاللزوم والنهوك.

إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا۟ حِزْبَهُۥ لِيَكُونُوا۟ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ۝٦ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ۝٧

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً} أي فعادوه ولا تطيعوه. ويدلكم على عداوته إخراجه أباكم من الجنة، وضمانه إضلالكم في قوله:

{ وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ }[النساء: 119] الآية. وقوله: { لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ }[الأعراف: 16 ـ 17] الآية. فأخبرنا جل وعز أن الشيطان لنا عدوّ مبين، واقتص علينا قصته، وما فعل بأبينا آدم صلى الله عليه وسلم، وكيف انتدب لعداوتنا وغرورنا من قبل وجودنا وبعده، ونحن على ذلك نتولاه ونطيعه فيما يريد منا مما فيه هلاكنا، وكان الفضيل بن عِياض يقول: يا كذاب يا مُفْتَرٍ، اتق الله ولا تَسُبَّ الشيطان في العلانية وأنت صديقه في السر. وقال ابن السماك: يا عجباً لمن عصى المحسن بعد معرفته بإحسانه! وأطاع اللعين بعد معرفته بعداوته! وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» مجوَّداً. و«عدُوّ» في قوله: «إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ» يجوز أن يكون بمعنى معادٍ، فيثنّى ويجمع ويؤنث. ويكون بمعنى النسب فيكون موحداً بكل حال؛ كما قال جل وعز: { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ }[الشعراء: 77]. وفي المؤنث على هذا أيضاً عدوّ. النحاس: فأما قول بعض النحويين إن الواو خفية فجاؤوا بالهاء فخطأ، بل الواو حرف جلد. {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ} كفّت «ما» «إنّ» عن العمل فوقع بعدها الفعل. {حِزْبَهُ} أي أشياعه. {لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} فهذه عداوته. {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} يكون «الَّذِينَ» بدلاً «مِنْ أَصْحَابِ» فيكون في موضع خفض، أو يكون بدلاً من «حِزْبَه» فيكون في موضع نصب، أو يكون بدلاً من الواو فيكون في موضع رفع. وقول رابع وهو أحسنها: يكون في موضع رفع بالابتداء ويكون خبره «لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ»؛ وكأنه سبحانه بيّن حال موافقته ومخالفته، ويكون الكلام قد تَمّ في قوله: {مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} ثم ابتدأ فقال: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} في موضع رفع بالابتداء أيضاً، وخبره {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} أي لذنوبهم. {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} وهو الجنة.

أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنًا فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ ۝٨

قوله تعالى: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءَ عَمَلِهِ} «مَن» في موضع رفع بالابتداء، وخبره محذوف. قال الكسائي: والذي يدلّ عليه قوله تعالى: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} فالمعنى: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً ذهبت نفسك عليهم حسرات. قال: وهذا كلام عربيّ طريف لا يعرفه إلا قليل. وذكره الزمخشريّ عن الزجاج. قال النحاس: والذي قاله الكسائي أحسن ما قيل في الآية، لما ذكره من الدلالة على المحذوف، والمعنى أن الله جل وعز نهى نبيّه عن شدة الاغتمام بهم والحزن عليهم، كما قال جل وعز: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} قال أهل التفسير: قاتِل. قال نصر بن عليّ: سألت الأصمعيّ عن

قول النبيّ صلى الله عليه وسلم في أهل اليمن: «هم أرقُّ قلوباً وأبخع طاعةً» ما معنى أبخع؟ فقال: أنصح. فقلت له: إن أهل التفسير مجاهداً وغيرَه يقولون في قول الله عز وجل: «لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ»: معناه قاتِل نفسك. فقال: هو من ذاك بعينه، كأنه من شدة النصح لهم قاتل نفسه. وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير، مجازه: أفمن زُيّن له سوء عمله فرآه حَسَناً، فلا تَذْهب نفسُك عليهم حسرات، فإن الله يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء. وقيل: الجواب محذوف؛ المعنى أفمن زين له سوءُ عمله كمن هدى، ويكون يدل على هذا المحذوف {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ}. وقرأ يزيد بن القَعْقاع: «فَلاَ تُذْهِبْ نَفْسَك» وفي {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءَ عَمَلِهِ} أربعة أقوال، أحدها: أنهم اليهود والنصارى والمجوس؛ قاله أبو قِلابة. ويكون «سُوءُ عَمَلِهِ» معاندة الرسول عليه الصلاة والسلام. الثاني: أنهم الخوارج؛ رواه عمر بن القاسم. فيكون «سُوءُ عَمَلِهِ» تحريف التأويل. الثالث: الشيطان؛ قاله الحسن. ويكون «سُوءُ عَمَلِهِ» الإغواء. الرابع: كفار قريش؛ قاله الكلبي. ويكون «سُوءُ عَمَلِهِ» الشرك. وقال: إنها نزلت في العاص بن وائل السَّهْمِي والأسود بن المطلب. وقال غيره: نزلت في أبي جهل بن هشام. {فَرَآهُ حَسَناً} أي صواباً؛ قاله الكلبيّ. وقيل: جميلاً.

قلت: والقول بأن المراد كفار قريش أظهر الأقوال؛ لقوله تعالى:

{ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ }[البقرة: 272]، وقوله: { وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ }[آل عمران: 176]، وقوله: { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً }[الكهف: 6]، وقوله: { لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } [الشعراء: 3]، وقوله في هذه الآية: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}. وهذا ظاهر بيّن، أي لا ينفع تأسفك على مقامهم على كفرهم، فإن الله أضلهم. وهذه الآية تردّ على القدرية قولهم على ما تقدم؛ أي أفمن زُيِّن له سوءُ عمله فرآه حسناً تريد أن تهديه، وإنما ذلك إلى الله لا إليك، والذي إليك هو التبليغ. وقرأ أبو جعفر وشيبة وابن مُحَيْصن: «فَلاَ تُذهِب» بضم التاء وكسر الهاء «نفسَك» نصباً على المفعول، والمعنيان متقاربان. «حَسَرَاتٍ» منصوب مفعول من أجله؛ أي فلا تذهب نفسك للحسرات. و«عَلَيْهم» صلة «تذهب»، كما تقول: هلك عليه حُبًّا ومات عليه حزناً. وهو بيان للمتحسر عليه. ولا يجوز أن يتعلق بالحسرات؛ لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته. ويجوز أن يكون حالاً كأن كلها صارت حسرات لفرط التحسر؛ كما قال جرير:

مَشقَ الهواجِرُ لحمَهُنَّ مع السُّرَىحتى ذَهَبْنَ كَلا كِلاً وَصُدُورا

يريد: رجعن كَلاَ كِلاً وصدوراً؛ أي لم يبق إلا كلاكلها وصدورها. ومنه قول الآخر:

فعلى إثرهم تساقط نفسِيحسرات وذكرهم لي سقام

أو مصدراً. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}.

وَٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَٰهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ ۝٩

قوله تعالى: {وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ} مَيّت ومَيْت واحد، وكذا مَيِّتَة ومَيْتة؛ هذا قول الحُذّاق من النحويين. وقال محمد بن يزيد: هذا قول البصريين، ولم يستثن أحداً، واستدلّ على ذلك بدلائل قاطعة. وأنشد:

ليس من مات فاستراح بِمَيْتٍإنما الْميت ميّت الأحياء إنما المَيْت من يعيش كئيباًكاسِفاً بالُه قليل الرجاء

قال: فهل ترى بين مَيّت ومَيْت فرقا، وأنشد:

هَيْنون لَيْنون أيسارٌ بنو يَسَرسُواس مَكْرُمة أبناء أَيْسار

قال: فقد أجمعوا على أن هَيْنون وَلَيْنون واحد، وكذا مَيّت ومَيْت، وسَيّد وسَيْد. قال: «فَسُقْنَاهُ» بعد أن قال: «وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ» وهو من باب تلوين الخطاب. وقال أبو عبيدة: سبيله «فَتَسُوقُه»، لأنه قال: «فَتُثِيرُ سَحَاباً». الزمخشري: فإن قلت: لم جاء «فتثير» على المضارعة دون ما قبله وما بعده؟ قلت: لتحكي الحال التي تقع فيها إثارة الرياح السحابَ، وتستحضر تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الربانية؛ وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية بحال تُستغرب، أو تهمّ المخاطب أو غير ذلك؛ كما قال تأبَّط شَرًّا:

بأني قد لقيت الغول تهوىبسَهْب كالصحيفة صحصحان فأضربها بلا دَهش فخرتصريعاً لليدين وللجران

لأنه قصد أن يصوّر لقومه الحالة التي تشجع فيها بزعمه على ضرب الغول، كأنه يُبصرهم إياها، ويطلعهم على كنهها مشاهدة للتعجب من جرأته على كل هول، وثباته عند كل شدّة. وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت، لما كانا من الدلائل على القدرة الباهرة قيل: «فسقنا» و«أحيينا» معدولاً بهما عن لفظة الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدل عليه. وقراءة العامة «الرياح». وقرأ ابن مُحَيْصن وابن كثير والأعمش ويحيـى وحمزة والكسائي «الريح» توحيداً. وقد مضى بيان هذه الآية والكلام فيها مستوفى. {كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ} أي كذلك تُحيون بعد ما متُّم؛ من نشر الإنسان نشوراً. فالكاف في محل الرفع؛ أي مثل إحياء الموت نشر الأموات. وعن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله، كيف يحيـي الله الموتى، وما آية ذلك في خلقه؟ قال: «أمَا مررتَ بوادي أهلِك مُمْحِلاً ثم مررت به يهتّز خَضِراً» قلت: نعم يا رسول الله. قال: «فكذلك يحيـي الله الموتى وتلك آيته في خلقه» وقد ذكرنا هذا الخبر في «الأعراف» وغيرها.

مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرْفَعُهُۥ وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُو۟لَٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ ۝١٠

قوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً} التقدير عند الفراء: من كان يريد علم العزة. وكذا قال غيره من أهل العلم. أي من كان يريد علم العزة التي لا ذلة معها؛ لأن العزة إذا كانت تؤدّي إلى ذلة فإنما هي تعرض للذلّة، والعزةُ التي لا ذُلّ معها لله عز وجل. {جَمِيعاً} منصوب على الحال. وقدّر الزجاج معناه: من كان يريد بعبادته الله عز وجل العزّةَ ـ والعزة له سبحانه ـ فإن الله عز وجل يُعِزه في الآخرة والدنيا.

قلت: وهذا أحسن، وروي مرفوعاً على ما يأتي. {فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً} ظاهر هذا إيئاس السامعين من عزته، وتعريفهم أن ما وجب له من ذلك لا مطمع فيه لغيره؛ فتكون الألف واللام للعهد عند العالمِين به ـ سبحانه ـ وبما وجب له من ذلك، وهو المفهوم من قوله الحق في سورة يونس:

{ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ }[يونس: 65]. ويحتمل أن يريد سبحانه أن ينبّه ذوي الأقدار والهمم مِن أين تنال العزة ومن أين تُستحق؛ فتكون الألف واللام للاستغراق، وهو المفهوم من آيات هذه السورة. فمن طلب العزة من الله وصدقه في طلبها بافتقار وذل، وسكون وخضوع، وجدها عنده ـ إن شاء الله ـ غير ممنوعة ولا محجوبة عنه؛ قال صلى الله عليه وسلم: من تواضع لله رفعه الله. ومن طلبها من غيره وَكَله إلى من طلبها عنده. وقد ذكر قوماً طلبوا العزة عند من سواه فقال: { ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } [النساء: 139]. فأنبأك صريحاً لا إشكال فيه أن العزة له يُعِزّ بها من يشاء ويُذِل من يشاء. وقال صلى الله عليه وسلم مفسّراً لقوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً}:من أراد عز الدارين فليطع العزيز. وهذا معنى قول الزجاج. ولقد أحسن من قال:

وإذا تذلّلت الرقاب تواضعاًمنا إليك فعزّها في ذلها

فمن كان يريد العزة لينال الفوز الأكبر، ويدخل دار العزة ـ ولله العزة ـ فليقصِد بالعزة الله سبحانه والاعتزازَ به؛ فإنه من اعتز بالعبد أذله الله، ومن اعتز بالله أعزه الله.

قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ} وتم الكلام. ثم تبتدىء {وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} على معنى: يرفعه الله، أو يرفع صاحبه. ويجوز أن يكون المعنى: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب؛ فيكون الكلام متصلاً على ما يأتي بيانه. والصعود هو الحركة إلى فوق، وهو العروج أيضاً. ولا يتصوّر ذلك في الكلام لأنه عَرض، لكن ضرب صعوده مثلاً لقبوله؛ لأن موضع الثواب فوق، وموضع العذاب أسفل. وقال الزجاج: يقال ارتفع الأمر إلى القاضي أي علمه؛ فهو بمعنى العلم. وخص الكلام والطيب بالذكر لبيان الثواب عليه. وقوله: «إِلَيْهِ» أي إلى الله يصعد. وقيل: يصعد إلى سمائه والمحل الذي لا يجري فيه لأحد غيرِه حكم. وقيل: أي يحمل الكتاب الذي كتب فيه طاعات العبد إلى السماء. و«الْكَلِمُ الطَّيِّبُ» هو التوحيد الصادر عن عقيدة طيّبة. وقيل: هو التحميد والتمجيد، وذكر الله ونحوه. وأنشدوا:

لا ترض من رجل حلاوةَ قولهحتى يُزَيِّن ما يقول فَعَالُ فإذا وزنت فَعاله بمقالهفتوَازَنَا فإخاء ذاك جَمالُ

وقال ابن المُقَفّع: قول بلا عمل، كثرِيد بلا دسم، وسحابٍ بلا مطر، وقوسٍ بلا وتر. وفيه قيل:

لا يكون المقال إلا بفعلٍكلُّ قولٍ بلا فعالٍ هَبَاءُ إنّ قولاً بلا فعالٍ جمِيلونِكاحاً بلا وَلِيّ سواء

وقرأ الضحاك «يُصعد» بضم الياء. وقرأ جمهور الناس «الكلِم» جمع كلمة. وقرأ أبو عبد الرحمن «الكلام».

قلت: فالكلام على هذا قد يطلق بمعنى الكلِم وبالعكس؛ وعليه يخرج قول أبي القاسم: أقسام الكلام ثلاثة؛ فوضع الكلام موضع الكلم، والله أعلم. {وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: المعنى والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب. وفي الحديث

لا يقبل الله قولاً إلا بعمل، ولا يقبل قولاً وعملاً إلا بنيّة، ولا يقبل قولاً وعملاً ونية إلا بإصابة السنة. قال ابن عباس: فإذا ذكر العبدُ الله وقال كلاماً طيّباً وأدّى فرائضه، ارتفع قوله مع عمله، وإذا قال ولم يؤدّ فرائضه ردّ قوله على عمله. قال ابن عطية: وهذا قول يردّه معتقد أهل السنة ولا يصح عن ابن عباس. والحق أن العاصي التارك للفرائض إذا ذكر الله وقال كلاماً طيباً فإنه مكتوب له متقبَّل منه، وله حسناته وعليه سيئاته، والله تعالى يتقبل من كل من اتقى الشرك. وأيضاً فإن الكلام الطيب عمل صالح، وإنما يستقيم قول من يقول: إن العمل هو الرافع للكلم، بأن يتأوّل أنه يزيده في رفعه وحسن موقعه إذا تعاضد معه. كما أن صاحب الأعمال من صلاة وصيام وغير ذلك، إذا تخلل أعمالَه كَلِمٌ طيّب وذكر الله تعالى كانت الأعمال أشرف؛ فيكون قوله: {وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} موعظة وتذكرة وحَضًّا على الأعمال. وأما الأقوال التي هي أعمال في نفوسها؛ كالتوحيد والتسبيح فمقبولة. قال ابن العربيّ: «إن كلام المرء بذكر الله إن لم يقترن به عمل صالح لم ينفع؛ لأن من خالف قوله فعله فهو وبال عليه. وتحقيق هذا: أن العمل إذا وقع شرطاً في قبول القول أو مرتبطاً، فإنه لا قبول له إلا به، وإن لم يكن شرطاً فيه فإن كلمه الطيب يكتب له، وعمله السّيىء يكتب عليه، وتقع الموازنة بينهما، ثم يحكم الله بالفوز والربح والخسران».

قلت: ما قاله ابن العربيّ تحقيق. والظاهر أن العمل الصالح شرط في قبول القول الطيّب. وقد جاء في الآثار أن العبد إذا قال: لا إلٰه إلا الله بنية صادقة نظرت الملائكة إلى عمله، فإن كان العمل موافقاً لقوله صعدا جميعاً، وإن كان عمله مخالفاً وقف قوله حتى يتوب من عمله. فعلى هذا العملُ الصالح يرفع الكلم الطيّب إلى الله. والكناية في «يرفعه» ترجع إلى الكلم الطيب. وهذا قول ابن عباس وشَهْر بن حَوْشَب وسعيد بن جُبير ومجاهد وقتادة وأبي العالية والضحاك. وعلى أن «الكلِم الطيب» هو التوحيد، فهو الرافع للعمل الصالح؛ لأنه لا يقبل العمل الصالح إلا مع الإيمان والتوحيد. أي والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب؛ فالكناية تعود على العمل الصالح. وروي هذا القول عن شَهْر بن حَوْشَب قال: «الكلم الطيب» القرآن «والعمل الصالح يرفعه» القرآن. وقيل: تعود على الله جل وعز؛ أي أن العمل الصالح يرفعه الله على الكَلِم الطيّب؛ لأن العمل تحقيق الكلِم، والعامل أكثر تعباً من القائل، وهذا هو حقيقة الكلام؛ لأن الله هو الرافع الخافض. والثاني والأوّل مجاز، ولكنه سائغ جائز. قال النحاس: القول الأوّل أولاها وأصحها لعلوّ من قال به، وأنه في العربية أولى؛ لأن القرّاء على رفع العمل. ولو كان المعنى: والعمل الصالح يرفعه الله، أو العمل الصالح يرفعه الكلم الطيّب، لكان الاختيار نصف العمل. ولا نعلم أحداً قرأه منصوباً إلا شيئاً رُوي عن عيسى بن عمر أنه قال: قرأه أناس «والعملَ الصالحَ يرفعه الله». وقيل: والعمل الصالح يرفع صاحبه، وهو الذي أراد العزة وعلم أنها تُطلب من الله تعالى؛ ذكره القشيريّ.

الثانية: ذكروا عند ابن عباس أن الكلب يقطع الصلاة، فقرأ هذه الآية: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}. وهذا استدلال بعموم على مذهب السلف في القول بالعموم، وقد دخل في الصلاة بشروطها، فلا يقطعها عليه شيء إلا بثبوت ما يوجب ذلك؛ من مثل ما انعقدت به من قرآن أو سنة أو إجماع. وقد تعلق من رآى ذلك بقوله عليه السلام:

«يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود»فقلت: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأبيض من الكلب الأحمر؟ فقال: «إن الأسود شيطان» خرجه مسلم. وقد جاء ما يعارض هذا، وهو ما خرّجه البخاري عن ابن أخي ابن شهاب أنه سأل عمه عن الصلاة يقطعها شيء؟ فقال: لا يقطعها شيء، أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم فيصلي من الليل، وإني لمعترضة بينه وبين القبلة على فراش أهله.

قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} ذكر الطبري في (كتاب آداب النفوس): حدثني يونس بن عبد الأعلى قال حدثنا سفيان عن لَيْث بن أبي سليم عن شَهْر بن حَوْشَب الأشعري في قوله عز وجل: {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} قال: هم أصحاب الرياء؛ وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال أبو العالية: هم الذين مكروا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم لما اجتمعوا في دار الندوة. وقال الكلبي: يعني الذين يعملون السيئات في الدنيا. مقاتل: يعني الشرك، فتكون «السّيئات» مفعولة. ويقال: بار يبور إذا هلك وبطل. وبارت السوق أي كسدت، ومنه: نعوذ بالله من بوار الأيِّم وقوله:

{ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً } [الفتح: 12] أي هلكى. والمكر: ما عمل على سبيل احتيال وخديعة. وقد مضى في «سبأ».

وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَٰجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِى كِتَٰبٍ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ۝١١

قوله تعالى: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} قال سعيد عن قتادة قال: يعني آدم عليه السلام، والتقدير على هذا: خلق أصلكم من تراب. {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} قال: أي التي أخرجها من ظهور آبائكم. {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً} قال: أي زوّج بعضكم بعضاً، فالذكر زوج الأنثى ليتم البقاء في الدنيا إلى انقضاء مدّتها. {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} أي جعلكم أزواجاً فيتزوّج الذكر بالأنثى فيتناسلان بعلم الله، فلا يكون حمل ولا وضع إلا والله عالم به، فلا يخرج شيء عن تدبيره. {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ} سماه معمّراً بما هو صائر إليه. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: «وَمَا يُعَمَّر مِنْ مُعَمَّر» إلا كتب عمره، كم هو سنة كم هو شهراً كم هو يوماً كم هو ساعة؛ ثم يكتب في كتاب آخر: نقص من عمره يوم، نقص شهر، نقص سنة، حتى يستوفى أجله. وقاله سعيد بن جبير أيضاً، قال: فما مضى من أجله فهو النقصان، وما يستقبل فهو الذي يعمره؛ فالهاء على هذا للمعمر. وعن سعيد أيضاً: يكتب عمره كذا وكذا سنة، ثم يكتب في أسفل ذلك: ذهب يوم، ذهب يومان، حتى يأتي على آخره. وعن قتادة: المعمّر من بلغ ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة. ومذهب الفرّاء في معنى «وَمَا يُعَمَّر مِنْ مُعَمَّرٍ» أي ما يكون من عمره «وَلاَ يُنْقص من عمرِهِ» بمعنى معمر آخر، أي ولا ينقص الآخر من عمره إلا في كتاب. فالكناية في «عمره» ترجع إلى آخر غير الأوّل. وكنَّى عنه بالهاء كأنه الأوّل، ومثله قولك: عندي درهم ونصفه، أي نصف آخر. وقيل: إن الله كتب عمر الإنسان مائة سنة إن أطاع، وتسعين إن عصى، فأيهما بلغ فهو في كتاب. وهذا مثل قوله عليه الصلاة والسلام:

من أحبّ أن يُبْسَط له في رزقه ويُنْسأ له في أثره فليصِلْ رحمه أي أنه يكتب في اللوح المحفوظ: عمر فلان كذا سنة، فإن وصل رحمه زيد في عمره كذا سنة. فبيّن ذلك في موضع آخر من اللوح المحفوظ، إنه سيصل رحمه فمن اطلع على الأوّل دون الثاني ظن أنه زيادة أو نقصان. وقد مضى هذا المعنى عند قوله تعالى: { يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ } [الرعد: 39] والكناية على هذا ترجع إلى العمر. وقيل: المعنى وما يعمَّر من معمَّر أي هرم، ولا ينقص آخر من عمر الهرم إلا في كتاب؛ أي بقضاء من الله جل وعز. روي معناه عن الضحاك واختاره النحاس، قال: وهو أشبهها بظاهر التنزيل. وروي نحوه عن ابن عباس. فالهاء على هذا يجوز أن تكون للمعمّر، ويجوز أن تكون لغير المعمر. {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أي كتابة الأعمال والآجال غير متعذر عليه. وقراءة العامة «يُنْقَص» بضم الياء وفتح القاف. وقرأت فرقة منهم يعقوب «يَنقُص» بفتح الياء وضم القاف، أي لا ينقص من عمره شيء. يقال: نقص الشيءُ بنفسه ونقصه غيرُه، وزاد بنفسه وزاده غيره، متعدّ ولازم. وقرأ الأعرج والزهري «مِن عُمْره» بتخفيف الميم. وضمها الباقون. وهما لغتان مثل السُّحْق والسُّحُق. و«يَسِيرٌ» أي إحصاء طويل الأعمار وقصيرها لا يتعذر عليه شيء منها ولا يعزب. والفعل منه: يَسُر. ولو سميت به إنساناً انصرف؛ لأنه فعيل.

وَمَا يَسْتَوِى ٱلْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝١٢

قوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} فيه أربع مسائل:

الأولى: قال ابن عباس: «فُراتٌ» حلو، و«أُجَاجٌ» مرّ. وقرأ طلحة: «هذا مَلِح أجاج» بفتح الميم وكسر اللام بغير ألف. وأما المالح فهو الذي يجعل فيه الملح. وقرأ عيسى وابن أبي إسحاق «سيغ شرابه» مثل سيد وميت. {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً} لا اختلاف في أنه منهما جميعاً. وقد مضى في «النحل» الكلام فيه.

الثانية: قوله تعالى: {وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} مذهب أبي إسحاق أن الحلية إنما تستخرج من الملح، فقيل منهما لأنهما مختلطان. وقال غيره: إنما تستخرج الأصداف التي فيها الحلية من الدرّ وغيره من المواضع التي فيها العذب والملح نحو العيون، فهو مأخوذ منهما؛ لأن في البحر عيوناً عذبة، وبينهما يخرج اللؤلؤ عند التمازج. وقيل: من مطر السماء. وقال محمد بن يزيد قولاً رابعاً، قال: إنما تستخرج الحلية من الملح خاصة. النحاس: وهذا أحسنها وليس هذا عنده، لأنهما مختلطان، ولكن جمعا ثم أخبر عن أحدهما كما قال جل وعز:

{ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ }[القصص: 73]. وكما تقول: لو رأيت الحسن والحجاج لرأيت خيراً وشَرًّا. وكما تقول: لو رأيت الأصمعي وسيبويه لملأت يدك لغة ونحواً. فقد عرف معنى هذا، وهو كلام فصيح كثير، فكذا: {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} فاجتمعا في الأوّل وانفرد الملح بالثاني.

الثالثة: وفي قوله: {تَلْبَسُونَهَا} دليل على أن لباس كل شيء بحسبه؛ فالخاتم يجعل في الإصبع، والسوار في الذراع، والقلادة في العنق، والخلخال في الرجل. وفي البخاري والنسائي عن ابن سِيرين قال قلت لعبيدة: افتراش الحرير كلبسه؟ قال نعم. وفي الصحاح عن أنس «فقمت على حصير لنا قد اسودّ من طول ما لبس». الحديث.

الرابعة: قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ} قال النحاس: أي ماء الملح خاصة، ولولا ذلك لقال فيهما. وقد مَخَرت السفينة تَمْخُر إذا شقت الماء. وقد مضى هذا في «النحل». {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} قال مجاهد: التجارة في الفُلك إلى البلدان البعيدة في مدّة قريبة؛ كما تقدّم في «البقرة». وقيل: ما يستخرج من حليته ويصاد من حيتانه. {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} على ما آتاكم من فضله. وقيل: على ما أنجاكم من هَوْله.

يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ۝١٣

قوله تعالى: {يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} تقدّم في «آل عمران» وغيرها. {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى} تقدّم في «لقمان» بيانه. {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ} أي هذا الذي من صنعه ما تقرّر هو الخالق المدبر، والقادر المقتدر؛ فهو الذي يعبد. {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ} يعني الأصنام. {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} أي لا يقدرون عليه ولا على خلقه. والقِطمير: القشرة الرقيقة البيضاء التي بين الثمرة والنواة؛ قاله أكثر المفسرين. وقال ابن عباس: هو شق النواة؛ وهو اختيار المبَرِّد، وقاله قتادة. وعن قتادة أيضاً: القِطمير القِمْع الذي على رأس النواة. الجوهري: ويقال هي النكتة البيضاء التي في ظهر النواة، تنبت منها النخلة.

إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا۟ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا۟ مَا ٱسْتَجَابُوا۟ لَكُمْ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ۝١٤

قوله تعالى: {إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ} أي إن تستغيثوا بهم في النوائب لا يسمعوا دعاءكم؛ لأنها جمادات لا تبصر ولا تسمع. {وَلَوْ سَمِعُواْ مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ} إذ ليس كل سامع ناطقاً. وقال قتادة: المعنى لو سمعوا لم ينفعوكم. وقيل: أي لو جعلنا لهم عقولاً وحياة فسمعوا دعاءكم لكانوا أطوع لله منكم، ولما استجابوا لكم على الكفر. {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ} أي يجحدون أنكم عبدتموهم، ويتبرءون منكم. ثم يجوز أن يرجع هذا إلى المعبودين مما يعقل؛ كالملائكة والجن والأنبياء والشياطين؛ أي يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقاً، وأنهم أمروكم بعبادتهم؛ كما أخبر عن عيسى بقوله:

{ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ }[المائدة: 116]. ويجوز أن يندرج فيه الأصنام أيضاً، أي يحييها الله حتى تخبر أنها ليست أهلاً للعبادة. {وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} هو الله جل وعز؛ أي لا أحد أخبر بخلق الله من الله، فلا ينبئك مثله في عمله.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ ۝١٥

قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ} أي المحتاجون إليه في بقائكم وكل أحوالكم. الزمخشرِيّ: «فإن قلت لِم عرّف الفقراء؟ قلت: قصد بذلك أن يريهم أنهم لشدّة افتقارهم إليه هم جنس الفقراء، وإن كانت الخلائق كلهم مفتقرين إليه من الناس وغيرِهم؛ لأن الفقر مما يتبع الضعف، وكلما كان الفقير أضعف كان أفقر؛ وقد شهد الله سبحانه على الإنسان بالضعف في قوله: {وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً}، وقال:

{ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ }[الروم: 54] ولو نكَّر لكان المعنى: أنتم بعض الفقراء. فإن قلت: قد قوبل «الفقراء» بـ«الغنيّ» فما فائدة «الحميد»؟ قلت: لما أثبت فقرهم إليه وغناه عنهم، وليس كل غنيّ نافعاً بغناه إلا إذا كان الغنيّ جواداً منعماً، وإذا جاد وأنعم حمده المنعَم عليهم واستحق عليهم الحمد ـ ذكر «الحميد» ليدلّ به على أنه الغنيّ النافع بغناه خلقه، الجواد المنعم عليهم، المستحق بإنعامه عليهم أن يحمدوه». وتخفيف الهمزة الثانية أجود الوجوه عند الخليل، ويجوز تخفيف الأولى وحدها وتخفيفهما وتحقيقهما جميعاً. {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ } تكون «هو» زائدة، فلا يكون لها موضع من الإعراب، وتكون مبتدأة فيكون موضعها رفعاً.

إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ۝١٦ وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ ۝١٧

قوله تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ} فيه حذف؛ المعنى إن يشأْ أن يذهبكم يذهبكم؛ أي يفنيكم. {وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} أي أطوع منكم وأزكى. {وَمَا ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ } أي ممتنع عسير متعذر. وقد مضى هذا في «إبراهيم».

وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰٓ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِۦ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ۝١٨

تقدم الكلام فيه، وهو مقطوع مما قبله. والأصل «تَوْزَر» حذفت الواو اتباعاً ليزر. {وَازِرَةٌ} نعت لمحذوف، أي نفس وازرة. وكذا {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا} قال الفرّاء: أي نفس مثقلة أو دابة. قال: وهذا يقع للمذكر والمؤنث. قال الأخفش: أي وإن تدع مثقلة إنساناً إلى حملها وهو ذنوبها. والحملْ ما كان على الظهر، والحمَلْ حمل المرأة وحملة النخلة؛ حكاهما الكسائيّ بالفتح لا غير. وحكى ابن السِّكيت أن حمل النخلة يفتح ويكسر. {لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} التقدير على قول الأخفش: ولو كان الإنسان المدعوّ ذا قربى. وأجاز الفرّاء ولو كان ذو قربى. وهذا جائز عند سيبويه، ومثله

{ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ }[البقرة: 280] فتكون «كان» بمعنى وقع، أو يكون الخبر محذوفاً؛ أي وإن كان فيمن تطالبون ذو عسرة. وحكى سيبويه: الناس مجزيون بأعمالهم إن خير فخير؛ على هذا. وخيراً فخير؛ على الأوّل. وروي عن عكرمة أنه قال: بلغني أن اليهودي والنصرانيّ يرى الرجل المسلم يوم القيامة فيقول له: ألم أكن قد أسديت إليك يداً؛ ألم أكن قد أحسنت إليك؟ فيقول بلى. فيقول: انفعني؛ فلا يزال المسلم يسأل الله تعالى حتى ينقص من عذابه. وأن الرجل ليأتي إلى أبيه يوم القيامة فيقول: ألم أكن بك باراً، وعليك مشفقاً، وإليك محسناً، وأنت ترى ما أنا فيه، فهب لي حسنة من حسناتك، أو احمل عني سيئة؛ فيقول: إن الذي سألتني يسير؛ ولكني أخاف مثل ما تخاف. وأن الأب ليقول لابنه مثل ذلك فيرد عليه نحواً من هذا. وأن الرجل ليقول لزوجته: ألم أكن أحسن العِشرة لك، فاحملي عني خطيئة لعلي أنجو؛ فتقول: إن ذلك ليسير ولكني أخاف مما تخاف منه. ثم تلا عكرمة: {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ}. وقال الفُضيل بن عياض: هي المرأة تلقى ولدها فتقول: يا ولدي، ألم يكن بطني لك وعاء، ألم يكن ثديي لك سقاء، ألم يكن حجري لك وطاء؛ فيقول: بلى يا أماه؛ فتقول: يا بنيّ، قد أثقلتني ذنوبي فاحمل عني منها ذنباً واحداً؛ فيقول: إليكِ عني يا أماه، فإني بذنبي عنكِ مشغول.

قوله تعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ} أي إنما يقبل إنذارك من يخشى عقاب الله تعالى. وهو كقوله تعالى:

{ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ }[يۤس: 11].

قوله تعالى: {وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ} أي من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه. وقرىء: «ومنِ ازَّكَّى فإنما يَزّكَّى لِنفسِهِ». {وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} أي إليه مرجع جميع الخلق.

وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ۝١٩ وَلَا ٱلظُّلُمَٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ ۝٢٠ وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلْحَرُورُ ۝٢١ وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَحْيَآءُ وَلَا ٱلْأَمْوَٰتُ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى ٱلْقُبُورِ ۝٢٢

قوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ } أي الكافر والمؤمن والجاهل والعالم. مثل:

{ قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ } [المائدة: 100]. {وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ } قال الأخفش سعيد: «لا» زائدة؛ والمعنى ولا الظلمات والنور، ولا الظل والحرور. قال الأخفش: والحرور لا يكون إلا مع شمس النهار، والسَّموم يكون بالليل، وقيل بالعكس. وقال رُوْبة بن العجاج: الحرور تكون بالنهار خاصة، والسموم يكون بالليل خاصة، حكاه المهدوِيّ. وقال الفرّاء: السموم لا يكون إلا بالنهار، والحرور يكون فيهما. النحاس: وهذا أصح؛ لأن الحرور فعول من الحرّ، وفيه معنى التكثير، أي الحرّ المؤذي.

قلت: وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

قالت النار ربِّ أكل بعضي بعضاً فأذَنْ لي أتنفس فأذِن لها بنَفَسين نَفَسٍ في الشتاء ونفس في الصيف فما وجدتم من برد أو زمهرير فمن نَفَس جهنم وما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم. وروي من حديث الزهريّ عن سعيد عن أبي هريرة:فما تجدون من الحرّ فمن سمومها وشدّة ما تجدون من البرد فمن زمهريرها وهذا يجمع تلك الأقوال، وأن السموم والحرور يكون بالليل والنهار؛ فتأمله. وقيل: المراد بالظل والحرور الجنة والنار؛ فالجنة ذات ظل دائم، كما قال تعالى: { أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا }[الرعد: 35] والنار ذات حرور، وقال معناه السُّدّي. وقال ابن عباس: أي ظل الليل، وحرّ السموم بالنهار. قُطرُب: الحرور الحر، والظل البرد. {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ} قال ابن قُتيبة: الأحياء العقلاء، والأموات الجهال. قال قتادة: هذه كلها أمثال؛ أي كما لا تستوي هذه الأشياء كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن. {إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ} أي يُسمع أولياءه الذين خلقهم لجنته. {وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ} أي الكفار الذين أمات الكفر قلوبهم؛ أي كما لا تُسمع من مات، كذلك لا تُسمع من مات قلبه. وقرأ الحسن وعيسى الثقفيّ وعمرو بن ميمون: «بِمُسْمِعِ مَن فِي القبورِ» بحذف التنوين تخفيفاً؛ أي هم بمنزلة (أهل) القبور في أنهم لا ينتفعون بما يسمعونه ولا يقبلونه.

إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ ۝٢٣

أي رسول منذِر؛ فليس عليك إلا التبليغ، ليس لك من الهدى شيء إنما الهدى بيد الله تبارك وتعالى.

إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ۝٢٤

قوله تعالى: {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً} أي بشيراً بالجنة أهل طاعته، ونذيراً بالنار أهل معصيته. {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} أي سلف فيها نبيّ. قال ابن جريج: إلا العرب.

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُنِيرِ ۝٢٥ ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ۝٢٦

قوله تعالى: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ} يعني كفار قريش. {فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أنبياءهم، يسلِّي رسوله صلى الله عليه وسلم. {جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي بالمعجزات الظاهرات والشرائع الواضحات. {وَبِٱلزُّبُرِ} أي الكتب المكتوبة. {وَبِٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ} أي الواضح. وكرر الزبر والكتاب وهما واحد لاختلاف اللفظين. وقيل: يرجع البينات والزبر والكتاب إلى معنى واحد، وهو ما أنزل على الأنبياء من الكتب. {ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } أي كيف كانت عقوبتي لهم. وأثبت وَرْش عن نافع وشيبة الياء في «نكيري» حيث وقعت في الوصل دون الوقف. وأثبتها يعقوب في الحالين، وحذفها الباقون في الحالين. وقد مضى هذا كله، والحمد لله.

الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ