انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة فاطر

تفسير البغويالآيات 1–45

تفسير سورة فاطر آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُو۟لِىٓ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝١

{ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}، خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق، {جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِىۤ أَجْنِحَةٍ}، ذوي أجنحة {مَّثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ}، قال قتادة ومقاتل: بعضهم له جناحان، وبعضهم له ثلاثة أجنحة، وبعضهم له أربعة أجنحة، ويزيد فيها ما يشاء وهو قوله: {يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ}.

وقال ابن مسعود في قوله عزّ وجلّ:

{ { لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرىٰ } } [النجم: 18]، قال رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح.

وقال ابن شهاب في قوله: "يزيد في الخلق ما يشاء" قال: حسن الصوت.

وعن قتادة قال: هو الملاَحَة في العينين. وقيل: هو العقل والتمييز.

{ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}.

مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٢ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ۝٣ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ۝٤ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ۝٥

{مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ}، [قيل: من مطر ورزق]، {فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا}، لا يستطيع أحد على حبسها، {وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ}، فيما أمسك {ٱلْحَكِيمُ}، فيما أرسل.

أخبرنا الإِمام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا عبيد بن أسباط، أخبرنا أبي، أخبرنا عبد الملك بن عمير، عن وَرَّاد, عن المغيرة بن شعبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة:

لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا مُعطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ».

{يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ}، قرأ حمزة والكسائي «غيرِ» بجر الراء، وقرأ الآخرون برفعها على معنى هل خالق غير الله، لأن «مِنْ» زيادة، وهذا استفهام على طريق التقرير كأنه قال: لا خالق غير الله، {يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}، أي: من السماء المطر ومن الأرض النبات، {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ}.

{وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ}، يُعزي نبيه صلى الله عليه وسلم، {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلاُْمُورُ}.

{يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ}، يعني وعد يوم القيامة، {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ}، وهو الشيطان.

إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا۟ حِزْبَهُۥ لِيَكُونُوا۟ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ۝٦ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ۝٧ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنًا فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ ۝٨

{إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً}، أي: عادوه بطاعة الله ولا تطيعوه، {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ}، أي: أشياعه وأولياءه، {لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ}، أي: ليكونوا في السعير، ثم بيّن حال موافقيه ومخالفيه فقال:

{ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}.

قوله تعالى: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءَ عَمَلِهِ}، قال ابن عباس: نزلت في أبي جهل ومشركي مكة. وقال سعيد بن جبير: نزلت في أصحاب الأهواء والبدع.

وقال قتادة: منهم الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم، فأما أهل الكبائر فليسوا منهم لأنهم لا يستحلون الكبائر.

{أَفَمَن زُيِّنَ} شُبِّه ومُوِّه عليه وحُسِّنَ {لَهُ سُوۤءَ عَمَلِهِ} أي: قبيح عمله، {فَرَءَاهُ حَسَناً}، زين له الشيطان ذلك بالوسواس.

وفي الآية حذف مجازه: أفمن زُيّن له سوء عمله فرأى الباطل حقاً كمن هداه الله فرأى الحق حقاً والباطل باطلاً، {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ}.

وقيل: جوابه تحت قوله: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ}، فيكون معناه: أفمن زين له سوء عمله فأضله الله ذهبت نفسك عليه حسرة، أي تتحسر عليه فلا تذهب نفسك عليهم حسرات.

وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير مجازه: أفمن زُيّن له سوء عمله فرآه حسناً فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، والحسرة شدة الحزن على ما فات من الأمر، ومعنى الآية: لا تغتم بكفرهم وهلاكهم إن لم يؤمنوا.

وقرأ أبو جعفر: "فلا تُذْهِب" بضم التاء وكسر الهاء "نَفْسَك" نصب، {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}.

وَٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَٰهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ ۝٩ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرْفَعُهُۥ وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُو۟لَٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ ۝١٠

{وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ} من القبور.

قوله عزّ وجلّ: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً}، قال الفراء: معنى الآية من كان يريد أن يعلم لمن العزة فللَّه العزة جميعاً.

وقال قتادة: من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله معناه الدعاء إلى طاعة من له العزة، أي: فليطلب العزة من عند الله بطاعته، كما يقال: من كان يريد المال لفلان، أي: فليطلبه من عنده، وذلك أن الكفار عبدوا الأصنام وطلبوا به التعزز كما قال الله:

{ { وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءالِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ } } [مريم: 81]، وقال: { ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً }[النساء: 139].

{إِلَيْهِ}، أي: إلى الله، {يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ}، وهو قوله لا إله إلا الله، وقيل: هو قول الرجل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا الحجاج بن نصر، أخبرنا المسعودي عن عبد الله بن المحارق، عن أبيه، عن ابن مسعود قال: إذا حدثتكم حديثاً أنبأتكم بمصداقه من كتاب الله عزّ وجلّ: ما من عبد مسلم يقول خمس كلمات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وتبارك الله، إلا أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه ثم صعد بهن فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يحيي بها وجه رب العالمين، ومصداقه من كتاب الله عزّ وجلّ قوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ}، ذكره ابن مسعود.

وقيل: "الكلم الطيب": ذكر الله. وعن قتادة: "إليه يصعد الكلم الطيب" أي: يقبل الله الكلم الطيب.

قوله عزّ وجلّ: {وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ}، أي: يرفع العمل الصالح الكلام الطيب، فالهاء في قوله يرفعه راجعة إلى الكلم الطيب، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، وعكرمة، وأكثر المفسرين.

وقال الحسن وقتادة: الكلم الطيب ذكر الله والعمل الصالح أداء فرائضه، فمن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رُدّ كلامُه على عمله، وليس الإِيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، فمن قال حسناً وعمل غير صالح رَدّ الله عليه قوله، ومن قال حسناً وعمل صالحاً يرفعه العمل ذلك بأن الله يقول: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ}. وجاء في الحديث:

لا يقبل الله قولاً إلا بعمل ولا قولاً ولا عملاً إلاَّ بنية ».

وقال قوم: الهاء في قوله «يرفعه» راجعة إلى العمل الصالح أي: الكلم الطيب يرفع العمل الصالح، فلا يقبل عمل إلا أن يكون صادراً عن التوحيد، وهذا معنى قول الكلبي ومقاتل.

وقيل: الرفع من صفة الله عزّ وجلّ معناه: العمل الصالح يرفعه الله عزّ وجلّ.

وقال سفيان بن عيينة العمل الصالح هو الخالص، يعني أن الإِخلاص سبب قبول الخيرات من الأقوال والأفعال، دليله قوله عزّ وجلّ:

{ { فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَـٰلِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً } } [الكهف: 110]، فجعل نقيض الصالح الشرك والرياء، {وَٱلَّذِينَ يمكرونَ السيئات}، قال الكلبي: أي: الذين يعملون السيئات. وقال مقاتل: يعني الشرك. وقال أبو العالية: يعني الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، كما قال الله تعالى: { { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ } } [الأنفال: 30].

وقال مجاهد: وشهر بن حوشب: هم أصحاب الرياء.

{لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} يبطل ويهلك في الآخرة.

وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَٰجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِى كِتَٰبٍ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ۝١١ وَمَا يَسْتَوِى ٱلْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝١٢

قوله عزّ وجلّ: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ}، أي: آدم، {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ}، يعني: نسله، {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَٰجاً}، ذكراناً وإناثاً، {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ}، لا يطول عمره، {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ}، يعني: من عمر آخر، كما يقال لفلان عندي درهم ونصفه أي: نصف درهم آخر، {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ}، وقيل: قوله: "ولا ينقص من عمره" منصرف إلى الأول، قال سعيد بن جبير: مكتوب في أم الكتاب عمر فلان كذا وكذا سنة ثم يكتب أسفل من ذلك ذهب يوم ذهب يومان ذهب ثلاثة أيام حتى ينقطع عمره.

وقال كعب الأحبار حين حضر عمر رضي الله عنه الوفاة: والله لو دعا عمر ربه أن يؤخر أجله لأخر، فقيل له إن الله عزّ وجلّ يقول:

{ { فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَـئَخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } } [الأعراف: 34] فقال: هذا إذا حضر الأجل فأما قبل ذلك فيجوز أن يزاد وينقص، وقرأ هذه الآية {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ}، أي: كتابة الآجال والأعمال على الله هين.

قوله عزّ وجلّ: {وَمَا يَسْتَوِى ٱلْبَحْرَانِ}، يعني: العذب والمالح، ثم ذكرهما فقال: {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ}، طيب، {سَآئِغٌ شَرَابُهُ}، أي: جائز في الحلق هنيء، {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ}، شديد الملوحة. وقال الضحاك: هو المر. {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً}، يعني: الحيتان من العذاب والمالح جميعاً، {وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً}، أي: من المالح دون العذب {تَلْبَسُونَهَا}، يعني اللؤلؤ. وقيل: نسب اللؤلؤ إليهما لأنه يكون في البحر الأجاج عيون عذبة تمتزج بالملح فيكون اللؤلؤ من ذلك، {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ}، جواري مقبلة ومدبرة بريح واحدة، {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ}، بالتجارة، {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، الله على نعمه.

يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ۝١٣ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا۟ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا۟ مَا ٱسْتَجَابُوا۟ لَكُمْ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ۝١٤ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ ۝١٥ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ۝١٦ وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ ۝١٧ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰٓ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِۦ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ۝١٨ وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ۝١٩ وَلَا ٱلظُّلُمَٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ ۝٢٠ وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلْحَرُورُ ۝٢١ وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَحْيَآءُ وَلَا ٱلْأَمْوَٰتُ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى ٱلْقُبُورِ ۝٢٢ إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ ۝٢٣ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ۝٢٤ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُنِيرِ ۝٢٥ ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ۝٢٦

{يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لاَِجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ}، يعني: الأصنام، {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ}، وهو لفافة النواة، وهي القشرة الرقيقة التي تكون على النواة.

{إِن تَدْعُوهُمْ}، يعني: إن تدعوا الأصنام، {لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ} ما أجابوكم، {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ} يتبرؤون منكم ومن عبادتكم إياها، ويقولون: ما كنتم إيانا تعبدون. {وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}، يعني: نفسه أي: لا ينبئك أحد مثلي خبير عالم بالأشياء.

{يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ}، إلى فضل الله والفقير المحتاج، {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ}، الغني عن خلقه المحمود في إحسانه إليهم.

{إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ}, شديد.

{وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ}، أي: نفس مثقلة بذنوبها غيرها، {إِلَىٰ حِمْلِهَا}، أي: حمل ما عليها من الذنوب، {لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ}، أي: ولو كان المدعو ذا قرابة له ابنه أو أباه أو أمه أو أخاه. قال ابن عباس: يلقى الأب والأم ابنه فيقول: يا بني احمل عني بعض ذنوبي، فيقول: لا أستطيع حسبي ما عليّ.

{إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ}، يخافون، {رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ}، ولم يروه. وقال الأخفش: تأويله أي: إنذارك إنما ينفع الذين يخشون ربهم بالغيب، {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَمَن تَزَكَّىٰ}، صلح وعمل خيراً، {فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ}، لها ثوابه، {وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ}.

{وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ}، يعني: الجاهل والعالم. وقيل: الأعمى عن الهدى والبصير بالهدى، أي: المؤمن والمشرك.

{وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ}، يعني: الكفر والإِيمان.

{وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ}، يعني: الجنة والنار، قال ابن عباس: "الحرور": الريح الحارة بالليل، و"السموم" بالنهار. وقيل: "الحرور" يكون بالنهار مع الشمس.

{وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ}، يعني: المؤمنين والكفار. وقيل: العلماء والجهال.

{إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ}، حتى يتعظ ويجيب، {وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى ٱلْقُبُورِ}، يعني: الكفار شبههم بالأموات في القبور حين لم يجيبوا.

{إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ}، ما أنت إلاّ منذرٌ تخوّفهم بالنار.

{إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرَاً وَنَذِيرَاً وإِنْ مِّنْ أُمَّةٍ}، ما من أمة فيما مضى {إِلاَّ خَلاَ}، سلف، {فِيهَا نَذِيرٌ}، نبي منذر.

{وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ}، الواضح كرر ذلك الكتاب بعد ذكر الزبر على طريق التأكيد.

{ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ}.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌۢ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ۝٢٧ وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلْأَنْعَٰمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَٰٓؤُا۟ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ۝٢٨

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ}، طرق وخطط، واحدتها جدة، مثل: مدة ومدد، {بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ}، يعني: سود غرابيب على التقديم والتأخير، يقال: أسود غربيب، أي: شديد السواد تشبيهاً بلون الغراب، أي: طرائق سود.

{وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَـٰمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُ}، ذكر الكناية لأجل {من}، وقيل: رد الكناية إلى ما في الإِضمار، مجازه: ومن الناس والدواب والأنعام ما هو مختلف ألوانه، {كَذَلِكَ}، يعني كما اختلف ألوان الثمار والجبال، وتم الكلام هاهنا ثم ابتدأ فقال:

{إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ}، قال ابن عباس: يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عمر بن حفص، أخبرنا الأعمش، أخبرنا مسلم، عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها: صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فخطب فحمد الله ثم قال:

ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية ».

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ».

وقال مسروق: كفى بخشية الله علماً وكفى بالاغترار بالله جهلاً. وقال رجل للشعبي: أفتني أيها العالم، فقال الشعبي: إنما العالم من خشي الله عزّ وجلّ.

{إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}، أي: عزيز في ملكه غفور لذنوب عباده.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَٰرَةً لَّن تَبُورَ ۝٢٩ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦٓ إِنَّهُۥ غَفُورٌ شَكُورٌ ۝٣٠ وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِۦ لَخَبِيرٌۢ بَصِيرٌ ۝٣١ ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌۢ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ۝٣٢ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ۝٣٣ وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ۝٣٤

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ}، يعني: قرأوا القرآن، {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَـٰرَةً لَّن تَبُورَ}، لن تفسد ولن تهلك، والمراد من التجارة ما وعد الله من الثواب.

قال الفراء: قوله "يرجون" جواب لقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ}.

{لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ}، جزاء أعمالهم بالثواب، {وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} قال ابن عباس: يعني سوى الثواب مما لم ترَ عين ولم تسمع أذن، {إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ}، قال ابن عباس: يغفر العظيم من ذنوبهم ويشكر اليسير من أعمالهم.

{وَٱلَّذِىۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ}، يعني القرآن، {هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقَاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}, من الكتب {إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ}.

{ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ}, يعني: الكتاب الذي أنزلناه إليك الذي ذكر في الآية الأولى، وهو القرآن، جعلناه ينتهي إلى، {ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}.

ويجوز أن يكون «ثم» بمعنى الواو، أي وأورثنا، كقوله:

{ { ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنواْ } } [البلد: 17]، أي: وكان من الذين آمنوا، ومعنى "أورثنا" أعطينا، لأن الميراث عطاء، قاله مجاهد.

وقيل: «أورثنا» أي أخرنا، ومنه الميراث لأنه أخّر عن الميت، ومعناه: أخرنا القرآن عن الأمم السالفة وأعطيناكموه، وأَهّلْنَاكم له.

{الذين اصطفينا من عبادنا}، قال ابن عباس: يريد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قسمهم ورتبهم فقال: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَٰتِ}, روي عن أسامة بن زيد في قوله عزّ وجلّ: "فمنهم ضالم لنفسه" الآية، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

كلهم من هذه الأمة ».

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه، أخبرنا محمد بن علي بن الحسين بن القاضي، أخبرنا بكر بن محمد المروزي، أخبرنا أبو قلابة، حدثنا عمرو بن الحصين، عن الفضل بن عميرة، عن ميمون الكردي، عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت عمر بن الخطاب قرأ على المنبر: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}، الآية، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له، قال أبو قلابة: فحدثت به يحيى بن معين فجعل يتعجب منه.

واختلف المفسرون في معنى الظالم والمقتصد والسابق.

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن عيسى الصيرفي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي، حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن رجل، عن أبي ثابت أن رجلاً دخل المسجد فقال: اللهم ارحم غربتي وآنس وحشتي، وسُقْ إليّ جليساً صالحاً، فقال أبو الدرداء: لئن كنت صادقاً لأنا أسعد بك منك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَٰتِ} فقال:

أمّا السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب، وأمّا المقتصد فيحاسب حساباً يسيراً، وأمّا الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم، ثم يدخل الجنةثم قرأ هذه الآية: {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِىۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ}.

وقال عقبة بن صهبان سألت عائشة عن قول الله عزّ وجلّ: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} الآية، فقالت: يا بني كلهم في الجنة أمّا السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وأمّا المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأمّا الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم، فجعلت نفسها معنا.

وقال مجاهد، والحسن، وقتادة: فمنهم ظالم لنفسه وهم أصحاب المشئمة، ومنهم مقتصد وهم أصحاب الميمنة، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله هم السابقون المقربون من الناس كلهم.

وعن ابن عباس قال: السابق: المؤمن المخلص، والمقتصد المرائي، والظالم: الكافر نعمة الله غير الجاحد لها، لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة فقال: {جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا}.

وقال بعضهم: يذكر ذلك عن الحسن، قال: السابق من رجحت حسناته على سيئاته، والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته، والظالم من رجحت سيئاته على حسناته.

وقيل: الظالم من كان ظاهره خيراً من باطنه، والمقتصد الذي استوى ظاهره وباطنه، والسابق الذي باطنه خير من ظاهره.

وقيل: الظالم من وحّد الله بلسانه ولم يوافق فعله قوله، والمقتصد من وحّد الله بلسانه وأطاعه. بجوارحه، والسابق من وحّد الله بلسانه وأطاعه بجوارحه وأخلص له عمله.

وقيل: الظالم التالي للقرآن، والمقتصد القارىء له العالم به، والسابق القارىء له العالم به العامل بما فيه.

وقيل: الظالم أصحاب الكبائر والمقتصد أصحاب الصغائر، والسابق الذي لم يرتكب كبيرة ولا صغيرة.

وقال سهل بن عبد الله: السابق العالم، والمقتصد المتعلم، والظالم الجاهل.

قال جعفر الصادق: بدأ بالظالمين إخباراً بأنه لا يتقرب إليه إلا بكرمه، وأن الظلم لا يؤثر في الاصطفاء، ثم ثنّى بالمقتصدين لأنهم بين الخوف والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكره، وكلهم في الجنة.

وقال أبو بكر الوراق: رتّبهم هذا الترتيب على مقامات الناس، لأن أحوال العبد ثلاثة: معصية وغفلة ثم توبة ثم قربة، فإن عصى دخل في حيز الظالمين، فإذا تاب دخل في جملة المقتصدين، وإذا صحت التوبة وكثرت العبادة والمجاهدة دخل في عداد السابقين.

وقال بعضهم: المراد بالظالم الكافر ذكره الكلبي.

وقيل: المراد منه المنافق، فعلى هذا لا يدخل الظالم في قوله: {جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} وحمل هذا القائل الاصطفاء على الاصطفاء في الخلقة وإرسال الرسول إليهم وإنزال الكتب والأول هو المشهور أن المراد من جميعهم المؤمنون، وعليه عامة أهل العلم.

قوله: {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَٰتِ} أي: سابق إلى الجنة أو إلى رحمة الله بالخيرات، أي: بالأعمال الصالحات، {بِإِذُنِ ٱللَّهِ}، أي: بأمر الله وإرادته، {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ}، يعني: إيراثهم الكتاب.

ثم أخبر بثوابهم فقال: {جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا}، يعني: الأصناف الثلاثة، قرأ أبو عمرو و«يُدْخَلونها» بضم الياء وفتح الخاء، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم الخاء، {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}. {وَقَالُواْ}, أي: ويقولون إذا دخلوا الجنة: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِىۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ}, والحَزَنُ واحد كالبَخل والبُخل. قال ابن عباس: حزن النار. وقال قتادة: حزن الموت. وقال مقاتل: حزنوا لأنهم كانوا لا يدرون ما يصنع الله بهم. وقال عكرمة: حزن الذنوب والسيئات وخوف رد الطاعات. وقال القاسم: حزن زوال النعم وتقليب القلب، وخوف العاقبة، وقيل: حزن أهوال يوم القيامة. وقال الكلبي: ما كان يحزنهم في الدنيا من أمر يوم القيامة. وقال سعيد بن جبير: هَمّ الخبز في الدنيا. وقيل: هَمّ المعيشة. وقال الزجاج: أذهب الله عن أهل الجنة كل الأحزان ما كان منها لمعاشٍ أو لمعادٍ.

أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن الضحاك الخطيب، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإِسفرايني، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإِسماعيلي، أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد الترابي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في منشرهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم، ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنّا الحزَنَ ».

قوله تعالى: {إِنَّ ربَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ}.

ٱلَّذِىٓ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِۦ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ۝٣٥ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا۟ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَٰلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ ۝٣٦ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَٰلِحًا غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ فَذُوقُوا۟ فَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ۝٣٧

{ٱلَّذِىۤ أَحَلَّنَا} أنزلنا، {دَارَ ٱلْمُقَامَةِ}, أي: الإِقامة، {مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ}, أي: لا يصيبنا فيها عناء ومشقة، {وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ}, إعياء من التعب.

قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ}، أي: لا يهلكون فيستريحوا كقوله عزّ وجلّ:

{ { فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ } } [القصص: 15]، أي: قتله. وقيل: لا يقضي عليهم الموت فيموتوا، كقوله: { { وَنَادَوْاْ يٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } } [الزخرف: 77]، أي: ليقض علينا الموت فنستريح، {وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا}، من عذاب النار، {كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَ كَفور}، كافر، قرأ أبو عمرو: «يجزي» بالياء وضمها وفتح الزاي «كل» رفع على غير تسمية الفاعل، وقرأ الآخرون بالنون وفتحها وكسر الزاي، «كلَّ» نصب.

{وَهُم يَصْطَرِخُونَ}، يستغيثون ويصيحون، {فِيهَا} وهم يفتعلون من الصراخ وهو الصياح يقولون: {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا}، منها من النار، {نَعْمَلْ صَـٰلِحاً غَيْرَ ٱلَّذِى كُـنَّا نَعْمَلُ}، في الدنيا من الشرك والسيئات، فيقول الله لهم توبيخاً:

{أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ}، قيل: هو البلوغ. وقال عطاء وقتادة والكلبي: ثمان عشرة سنة. وقال الحسن: أربعون سنة. وقال ابن عباس: ستون سنة، يروي ذلك عن علي وهو العمر الذي أعذر الله تعالى إلى ابن آدم.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد السلام بن مطهر، حدثنا عمر بن علي، عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

أعذر الله تعالى إلى امرىء أخر أجله حتى بلّغه ستين سنة ».

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا إبراهيم بن سهلويه، حدثنا الحسن بن عرفة، أخبرنا المحاربي عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلىالله عليه وسلم:

أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك ».

قوله: {وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ}، يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم، هذا قول أكثر المفسرين. وقيل: القرآن. وقال عكرمة، وسفيان بن عيينة، ووكيع: هو الشيب. معناه: أوَلم نعمركم حتى شبتم. ويقال: الشيب نذير الموت. وفي الأثر: ما من شعرة تبيضُّ إلا قالت لأختها استعدي فقد قرب الموت.

قوله: {فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ}.

إِنَّ ٱللَّهَ عَٰلِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝٣٨ هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُۥ وَلَا يَزِيدُ ٱلْكَٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ ٱلْكَٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا ۝٣٩

{إِنَّ ٱللَّهَ عَـٰلِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}.

{هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ فِى ٱلأَرْضِ}, أي: يخلف بعضكم بعضاً، وقيل: جعلكم أمة خلفت من قبلها. ورأت فيمن قبلها، ما ينبغي أن تعتبرَ به. {فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ}، أي: عليه وبال كفره {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً}، غضباً {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً}.

قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَمْ ءَاتَيْنَٰهُمْ كِتَٰبًا فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَتٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّٰلِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا ۝٤٠ إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِهِۦٓ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ۝٤١ وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلْأُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا ۝٤٢

{قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}، أي: جعلتموهم شركائي بزعمكم يعني: الأصنام، {أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ أَمْ ءَاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰباً}، قال مقاتل: هل أعطينا كفار مكة كتاباً، {فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّنْهُ}، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وحفص، «بينة» على التوحيد، وقرأ الآخرون: «بينات» على الجمع، يعني دلائل واضحة منه في ذلك الكتاب من ضروب البيان.

{بَلْ إِن يَعِدُ}، أي: ما يَعِدُ، {ٱلظَّـٰلِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً}، والغرور ما يغر الإِنسان مما لا أصل له، قال مقاتل: يعني ما يَعِدُ الشيطان كفار بني آدم من شفاعة الآلهة لهم في الآخرة غرور وباطل.

قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ}، أي: كيلا تزولا، {وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ}، أي: ما يمسكهما أحد من بعده، أي: أحد سواه، {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً}، فإن قيل: فما معنى ذكر الحلم هاهنا؟ قيل: لأن السموات والأرض همت بما همت به من عقوبة الكفار فأمسكهما الله تعالى عن الزوال بحلمه وغفرانه أن يعاجلهم بالعقوبة.

{وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ}, يعني: كفار مكة لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم رسلهم فكذبوهم، وأقسموا بالله وقالوا لو أتانا رسول الله لنكوننّ أهدى ديناً منهم، وذلك قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بعث محمد كذبوه، فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ}, رسول، {لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلاُْمَمِ}, يعني: من اليهود والنصارى, {فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ}, محمد صلى الله عليه وسلم، {مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً}، أي ما زادهم مجيئه إلا تباعداً عن الهدى.

ٱسْتِكْبَارًا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَكْرَ ٱلسَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِۦ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ ٱلْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا ۝٤٣ أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُۥ مِن شَىْءٍ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ إِنَّهُۥ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ۝٤٤ وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِۦ بَصِيرًۢا ۝٤٥

{ٱسْتِكْبَاراً فِى ٱلأَرْضِ}، نصب "استكباراً" على البدل من النفور، {وَمَكْرَ ٱلسَّيِّىءِ}, يعني: العمل القبيح، أضيف المكر إلى صفته، قال الكلبي: هو اجتماعهم على الشرك وقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ حمزة «مكر السيىء» ساكنة الهمزة تخفيفاً وهي قراءة الأعمش، {وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ}, أي: لا يحل ولا يحيط المكر السيىء، {إِلاَّ بِأَهْلِهِ}, فقتلوا يوم بدر، وقال ابن عباس: عاقبة الشرك لا تحل إلا بمن أشرك. والمعنى: وبال مكرهم راجع إليهم، {فَهَلْ يَنظُرُونَ}, ينتظرون، {إِلاَّ سُنَّةَ آلأَوَّلِينَ}, إلا أن ينزل بهم العذاب كما نزل بمن مضى من الكفار، {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً}.

{أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلاَْرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ}, يعني: ليفوت عنه، {مِنْ شَىْءٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً}.

{وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ}, من الجرائم، {مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا}, يعني: على ظهر الأرض، كناية عن غير مذكور، {مِن دَآبَّةٍ}, كما كان في زمان نوح أهلك الله ما على الأرض إلا من كان في سفينة نوح، {وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أهل طاعته وأهل معصيته.

السبت، 24 أكتوبر 2026 13 جمادى الأولى 1448 هـ