انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة فاطر

تفسير القرطبيالآيات 27–45

تفسير سورة فاطر آية آية، من تفسير القرطبي.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌۢ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ۝٢٧ وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلْأَنْعَٰمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَٰٓؤُا۟ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ۝٢٨

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} هذه الرؤية رؤية القلب والعلم؛ أي ألم ينته علمك ورأيت بقلبك أن الله أنزل؛ فـ«ـأنّ» واسمها وخبرها سدّت مسدّ مفعولي الرؤية. {فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ} هو من باب تلوين الخطاب. {مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} نصبت «مُخْتَلِفاً» نعتاً لـ«ـثَمَرَاتٍ». {أَلْوَانُهَا} رفع بمختلف، وصلح أن يكون نعتاً لـ«ـثَمَرَات» لما عاد عليه من ذكره. ويجوز في غير القرآن رفعه؛ ومثله رأيت رجلاً خارجاً أبوه. {بِهِ} أي بالماء وهو واحد، والثمرات مختلفة. {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا} الجدد جمع جُدّة، وهي الطرائق المختلفة الألوان، وإن كان الجميع حجراً أو تراباً. قال الأخفش: ولو كان جمع جديد لقال: جُدُد (بضم الجيم والدال) نحو سرير وسرر وقال زهير:

كأنه أسفع الخدّين ذو جُدُدطاوٍ ويرتع بعد الصيف عُريانا

وقيل: إن الجدد القِطع، مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته؛ حكاه ابن بحر. قال الجوهريّ: والجُدَّة الخُطّة التي في ظهر الحمار تخالف لونه. والجُدّة الطريقة، والجمع جدد؛ قال تعالى: {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا} أي طرائق تخالف لون الجبل. ومنه قولهم: ركب فلان جُدَّةً من الأمر؛ إذا رأى فيه رأياً. وكساء مجدّد: فيه خطوط مختلفة. الزمخشري: وقرأ الزهريّ «جدد» بالضم جمع جديدة، وهي الجدّة؛ يقال: جديدة وجُدُد وجدائد؛ كسفينة وسفن وسفائن. وقد فسّر بها قول أبي ذُؤيب:

جَـوْن السَّـراة لـه جـدائـد أربـعُ

وروي عنه «جَدَد» بفتحتين، وهو الطريق الواضح المسفر، وضعه موضع الطرائق والخطوط الواضحة المنفصل بعضها من بعض. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ} وقرِىء: «والدواب» مخففاً. ونظير هذا التخفيف قراءة من قرأ: «وَلاَ الضّألين» لأن كل واحد منهما فرّ من التقاء الساكنين، فحرّك ذلك أوّلهما، وحذف هذا آخرهما؛ قاله الزمخشريّ. {وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} أي فيهم الأحمر والأبيض والأسود وغير ذلك، وكل ذلك دليل على صانع مختار. وقال: «مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ» فذكَّر الضمير مراعاة لـ«ـمن»؛ قاله المؤرِّج. وقال أبو بكر بن عياش: إنما ذكر الكناية لأجل أنها مردودة إلى «ما» مضمرة؛ مجازه: ومن الناس ومن الدواب ومن الأنعام ما هو مختلف ألوانه، أي أبيض وأحمر وأسود. {وَغَرَابِيبُ سُودٌ} قال أبو عبيدة: الغِربيب الشديد السواد؛ ففي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: ومن الجبال سود غرابيب. والعرب تقول للشديد السواد الذي لونه كلون الغراب: أسود غربيب. قال الجوهري: وتقول هذا أسود غربيب؛ أي شديد السواد. وإذا قلت: غرابيب سود، تجعل السود بدلاً من غرابيب لأن توكيد الألوان لا يتقدم. وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:إن الله يبغض الشيخ الغربيب يعني الذي يخضِب بالسواد. قال امرؤ القيس:

العين طامحة واليد سابحةوالرِّجْل لافحة والوجه غربيب

وقال آخر يصف كَرْماً:

ومن تعاجيب خلق الله غاطيةٌيُعصَر منها مُلاحِيٌّ وغِربيب

{كَذَلِكَ} هنا تمام الكلام؛ أي كذلك تختلف أحوال العباد في الخشية، ثم استأنف فقال: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} يعني بالعلماء الذين يخافون قدرته؛ فمن علم أنه عز وجل قدير أيقن بمعاقبته على المعصية، كما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ» قال: الذين علموا أن الله على كل شيء قدير. وقال الربيع بن أنس: من لم يخش الله تعالى فليس بعالِم. وقال مجاهد: إنما العالِم من خشي الله عز وجل. وعن ابن مسعود: كفى بخشية الله تعالى علماً وبالاغترار جهلاً. وقيل لسعد بن إبراهيم: مَن أفقه أهل المدينة؟ قال أتقاهم لربه عز وجل. وعن مجاهد قال: إنما الفقيه من يخاف الله عز وجل. وعن علي رضي الله عنه قال: إن الفقيه حقَّ الفقيه من لم يُقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله تعالى، ولم يؤمّنهم من عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره؛ إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فقه فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها. وأسند الدارميّ أبو محمد عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إن فضل العالِم على العابد كفضلي على أدناكم ـ ثم تلا هذه الآية ـ {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ}. إن الله وملائكته وأهلَ سمواته وأهل أرضيه والنونَ في البحر يُصلون على الذين يعلّمون الناس الخيرالخبر مرسل. قال الدارمي: وحدثني أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد عن يزيد بن حازم قال حدثني عمي جرير بن زيد أنه سمع تُبَيْعاً يحدّث عن كعب قال: إني لأجد نعت قوم يتعلمون لغير العمل، ويتفقهون لغير العبادة، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة، ويلبسون جلود الضأن، قلوبهم أمرُّ من الصبر؛ فبي يغترّون، وإياي يخادعون، فبي حلفت لأتيحنَّ لهم فتنة تذر الحليم فيهم حيران. خرّجه الترمذيّ مرفوعاً من حديث أبي الدرداء وقد كتبناه في مقدّمة الكتاب. الزمخشريّ: فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ» بالرفع «مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءَ» بالنصب، وهو عمر بن عبد العزيز، وتُحكى عن أبي حنيفة. قلت: الخشية في هذه القراءة استعارة، والمعنى: إنما يجلّهم ويعظمهم كما يُجَلّ المهيب المخشيُّ من الرجال بين الناس من بين جميع عباده. {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} تعليل لوجوب الخشية، لدلالته على عقوبة العصاة وقهرهم، وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم. والمعاقِب والمثيب حقّه أن يخشى.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَٰرَةً لَّن تَبُورَ ۝٢٩ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦٓ إِنَّهُۥ غَفُورٌ شَكُورٌ ۝٣٠

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} هذه آية القراء العاملين العالمين الذين يقيمون الصلاة الفرض والنفل، وكذا في الإنفاق. وقد مضى في مقدّمة الكتاب ما ينبغي أن يَتخلّق به قارىء القرآن. {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} قال أحمد بن يحيـى: خبر «إن» «يرجون». {وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} قيل: الزيادة الشفاعة في الآخرة. وهذا مِثل الآية الأخرى:

{ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ـ إلى قوله ـ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ }[النور: 37 ـ 38]، وقوله في آخر النساء: { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ }[النساء: 173] وهناك بيناه. {إِنَّهُ غَفُورٌ} للذنوب. {شَكُورٌ } يقبل القليل من العمل الخالص، ويثيب عليه الجزيل من الثواب.

وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِۦ لَخَبِيرٌۢ بَصِيرٌ ۝٣١

قوله تعالى: {وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} يعني القرآن. {هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي من الكتب. {إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ}.

ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌۢ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ۝٣٢ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ۝٣٣ وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ۝٣٤ ٱلَّذِىٓ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِۦ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ۝٣٥

فيه أربع مسائل:

الأولى: هذه الآية مشكلة؛ لأنه قال جل وعز: {ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} ثم قال: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} وقد تكلم العلماء فيها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. قال النحاس: فمن أصح ما روي في ذلك ما روي عن ابن عباس «فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ» قال: الكافر؛ رواه ابن عُيَيْنة عن عمرو ابن دينار عن عطاء عن ابن عباس أيضاً. وعن ابن عباس أيضاً «فَمِنْهُمْ ظَالِم لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ» قال: نجت فرقتان، ويكون التقدير في العربية: فمنهم من عبادنا ظالم لنفسه؛ أي كافر. وقال الحسن: أي فاسق. ويكون الضمير الذي في «يَدْخُلُونَهَا» يعود على المقتصِد والسابق لا على الظالم. وعن عكرمة وقتادة والضحاك والفرّاء أن المقتصد المؤمن العاصي، والسابق التّقي على الإطلاق. قالوا: وهذه الآية نظير قوله تعالى في سورة الواقعة: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً } الآية. قالوا وبعيد أن يكون ممن يصطفى ظالم. ورواه مجاهد عن ابن عباس. قال مجاهد: «فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ» أصحاب المشأمة، «وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ» أصحاب الميمنة، «وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ» السابقون من الناس كلهم. وقيل: الضمير في «يَدْخُلُونَهَا» يعود على الثلاثة الأصناف، على ألا يكون الظالم هاهنا كافراً ولا فاسقاً. وممن روي عنه هذا القول عمر وعثمان وأبو الدرداء، وابن مسعود وعقبة بن عمرو وعائشة، والتقدير على هذا القول: أن يكون الظالم لنفسه الذي عمل الصغائر و(المقتصد) قال محمد بن يزيد: هو الذي يعطي الدنيا حقها والآخرة حقها؛ فيكون «جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا» عائداً على الجميع على هذا الشرح والتبيين؛ وروي عن أبي سعيد الخدري. وقال كعب الأحبار: استوت مناكبهم ـ وربّ الكعبة ـ وتفاضلوا بأعمالهم. وقال أبو إسحاق السَّبِيعي: أما الذي سمعت منذ ستين سنة فكلهم ناجٍ. وروى أسامة بن زيد أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال:

كلهم في الجنة. وقرأ عمر بن الخطاب هذه الآية ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:سابِقُنا سابق ومُقْتَصِدُنا ناجٍ وظالمنا مغفور له. فعلى هذا القول يقدّر مفعول الاصطفاء من قوله: {أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} مضافا حُذف كما حذف المضاف في { وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ }[يوسف: 82] أي اصطفينا دينهم، فبقي اصطفيناهم؛ فحذف العائد إلى الموصول كما حذف في قوله: { وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ }[هود: 31] أي تزدريهم، فالاصطفاء إذاً موجه إلى دينهم، كما قال تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ } [البقرة: 132]. قال النحاس: وقول ثالث: يكون الظالم صاحبَ الكبائر، والمقتصد الذي لم يستحق الجنة بزيادة حسناته على سيئاته؛ فيكون: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} للذين سبقوا بالخيرات لا غير. وهذا قول جماعة من أهل النظر؛ لأن الضمير في حقيقة النظر لما يليه أولى.

قلت: القول الوسط أوْلاها وأصحها إن شاء الله؛ لأن الكافر والمنافق لم يصطفَوا بحمد الله، ولا اصطفى دينهم. وهذا قول ستة من الصحابة، وحسْبُك. وسنزيده بياناً وإيضاحاً في باقي الآية.

الثانية: قوله تعالى: {أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ} أي أعطينا. والميراث عطاء حقيقةً أو مجازاً؛ فإنه يقال فيما صار للإنسان بعد موت آخر. و«الكتابَ» هاهنا يريد به معاني الكتاب وعلمه وأحكامه وعقائده، وكأن الله تعالى لما أعطى أمة محمد صلى الله عليه وسلم القرآن، وهو قد تضمن معاني الكتب المنزلة، فكأنه ورّث أمة محمد عليه السلام الكتاب الذي كان في الأمم قبلنا. {ٱصْطَفَيْنَا} أي اخترنا. واشتقاقه من الصفو، وهو الخلوص من شوائب الكدر. وأصله اصتفَوْنا، فأبدلت التاء طاء والواو ياء. {مِنْ عِبَادِنَا} قيل المراد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس وغيره. وكان اللفظ يحتمل جميع المؤمنين من كل أمة، إلا أن عبارة توريث الكتاب لم تكن إلا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، والأُوَل لم يرثوه. وقيل: المصطفَوْن الأنبياء، توارثوا الكتاب بمعنى أنه انتقل عن بعضهم إلى آخر، قال الله تعالى:

{ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ }[النمل: 16]، وقال: { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } [مريم: 6] فإذا جاز أن تكون النبوّة موروثة فكذلك الكتاب. {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} من وقع في صغيرة. قال ابن عطية: وهذا قول مردود من غير ما وجه. قال الضحاك: معنى {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} أي من ذرِّيَّتهم ظالم لنفسه وهو المشرك. الحسن: من أممهم، على ما تقدّم ذكره من الخلاف في الظالم. والآية في أمّة محمد صلى الله عليه وسلم. وقد اختلفت عبارات أرباب القلوب في الظالم والمقتصد والسابق، فقال سهل بن عبد الله: السابق العالم، والمقتصد المتعلم، والظالم الجاهل. وقال ذو النون المصري: الظالم الذاكر الله بلسانه فقط، والمقتصد الذاكر بقلبه، والسابق الذي لا ينساه. وقال الأنطاكي: الظالم صاحب الأقوال، والمقتصد صاحب الأفعال، والسابق صاحب الأحوال. وقال ابن عطاء: الظالم الذي يحب الله من أجل الدنيا، والمقتصد الذي يحبه من أجل العقبى، والسابق الذي أسقط مراده بمراد الحق. وقيل: الظالم الذي يعبد الله خوفاً من النار، والمقتصد الذي يعبد الله طمعاً في الجنة، والسابق الذي يعبد الله لوجهه لا لسبب. وقيل: الظالم الزاهد في الدنيا، لأنه ظلم نفسه فترك لها حظاً وهي المعرفة والمحبة، والمقتصد العارف، والسابق المحب. وقيل: الظالم الذي يجزع عند البلاء، والمقتصد الصابر على البلاء، والسابق المتلذذ بالبلاء. وقيل: الظالم الذي يعبد الله على الغفلة والعادة، والمقتصد الذي يعبده على الرغبة والرهبة، والسابق الذي يعبده على الهيبة. وقيل: الظالم الذي أُعْطِيَ فمنَع، والمقتصد الذي أُعْطِيَ فبذَل، والسابق الذي مُنع فشكر وآثر. يروى أن عابِدَيْن التقيا فقال: كيف حال إخوانكم بالبصرة؟ قال: بخير، إن أُعطوا شكروا وإن مُنعوا صبروا. فقال: هذه حالة الكلاب عندنا ببلخ! عُبَّادنا إن مُنعوا شكروا وإن أُعطوا آثروا. وقيل: الظالم من استغنى بماله، والمقتصد من استغنى بدينه، والسابق من استغنى بربه. وقيل: الظالم التالي للقرآن ولا يعمل به، والمقتصد التالي للقرآن ويعمل به، والسابق القارىء للقرآن العامل به والعالِم به. وقيل: السابق الذي يدخل المسجد قبل تأذين المؤذن، والمقتصد الذي يدخل المسجد وقد أذّن، والظالم الذي يدخل المسجد وقد أقيمت الصلاة؛ لأنه ظلم نفسه الأجر فلم يحصِّل لها ما حصَّله غيره. وقال بعض أهل العلم في هذا: بل السابق الذي يدرك الوقت والجماعة فيدرك الفضيلتين، والمقتصد الذي إن فاتته الجماعة لم يفرط في الوقت، والظالم الغافل عن الصلاة حتى يفوت الوقت والجماعة، فهو أولى بالظلم. وقيل: الظالم الذي يحب نفسه، والمقتصد الذي يحب دينه، والسابق الذي يحب ربه. وقيل: الظالم الذي ينتصف ولا يُنصف، والمقتصد الذي ينتصف ويُنصف، والسابق الذي يُنصف ولا ينتصف. وقالت عائشة رضي الله عنها: السابق الذي أسلم قبل الهجرة، والمقتصد من أسلم بعد الهجرة، والظالم من لم يسلم إلا بالسيف؛ وهم كلهم مغفور لهم.

قلت: ذكر هذا الأقوال وزيادةً عليها الثعلبيّ في تفسيره. وبالجملة فهم طرفان وواسطة، وهو المقتصد الملازم للقصد وهو ترك الميل؛ ومنه قول جابر بن حُنَيّ التَّغْلبيّ:

نعاطي الملوك السّلم ما قصدوا لناوليس علينا قتلُهم بمحرّم

أي نعاطيهم الصلح ما ركبوا بنا القصد، أي ما لم يجوروا، وليس قتلهم بمحرّم علينا إن جاروا؛ فلذلك كان المقتصد منزلة بين المنزلتين، فهو فوق الظالم لنفسه ودون السابق بالخيرات. {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} يعني إتياننا الكتاب لهم. وقيل: ذلك الاصطفاء مع علمنا بعيوبهم هو الفضل الكبير. وقيل: وعدُ الجنة لهؤلاء الثلاثة فضل كبير.

الثالثة: وتكلم الناس في تقديم الظالم على المقتصد والسابق فقيل: التقديم في الذكر لا يقتضي تشريفاً؛ كقوله تعالى:

{ لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ }[الحشر: 20]. وقيل: قدم الظالم لكثرة الفاسقين منهم وغلبتهم، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم، والسابقين أقل من القليل؛ ذكره الزمخشري ولم يذكره غيره. وقيل: قدّم الظالم لتأكيد الرجاء في حقه، إذ ليس له شيء يتكل عليه إلا رحمة ربه. واتكل المقتصد على حسن ظنه، والسابق على طاعته. وقيل: قدّم الظالم لئلا ييئس من رحمة الله، وأخّر السابق لئلا يعجب بعمله. وقال جعفر بن محمد بن علي الصادق رضي الله عنه: قدّم الظالم ليخبر أنه لا يتقرّب إليه إلا بصرف رحمته وكرمه، وأن الظلم لا يؤثر في الاصطفائية إذا كانت ثَمَّ عناية، ثم ثنّى بالمقتصدين لأنهم بين الخوف والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكر الله، وكلهم في الجنة بحرمة كلمة الإخلاص: «لا إلٰه إلا الله محمد رسول الله». وقال محمد بن علي الترمذي: جمعهم في الاصطفاء إزالةً للعلل عن العطاء؛ لأن الاصطفاء يوجب الإرث، لا الإِرث يوجب الاصطفاء، ولذلك قيل في الحكمة: صحح النسبة ثم ادّع في الميراث. وقيل: أخّر السابق ليكون أقرب إلى الجنات والثواب، كما قدّم الصوامع والبيع في «سورة الحج» على المساجد، لتكون الصوامع أقربَ إلى الهدم والخراب، وتكون المساجد أقرب إلى ذكر الله. وقيل: إن الملوك إذا أرادوا الجمع بين الأشياء بالذكر قدّموا الأدنى؛ كقوله تعالى: { لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }[الأعراف: 167]، وقوله: { يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ }[الشورى: 49]، وقوله: { لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ } [الحشر: 20].

قلت: ولقد أحسن من قال:

وغاية هذا الجود أنت وإنمايوافي إلى الغايات في آخر الأمر

الرابعة: قوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} جمعهم في الدخول لأنه ميراث، والعاق والبارّ في الميراث سواء إذا كانوا معترفين بالنسب؛ فالعاصي والمطيع مقرّون بالرب. وقرىء: «جَنَّةُ عَدْنٍ» على الإِفراد، كأنها جنة مختصة بالسابقين لقلتهم؛ على ما تقدّم. و«جَنَّاتِ عَدْنٍ» بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر؛ أي يدخلون جنات عدن يدخلونها. وهذا للجميع، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. وقرأ أبو عمرو «يُدخَلونها» بضم الياء وفتح الخاء. قال: لقوله: «يُحَلَّوْن». وقد مضى في «الحج» الكلام في قوله تعالى: { يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ }[الحج: 23].

{وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ} قال أبو ثابت: دخل رجل المسجد فقال اللهم ارحم غُربتي وآنس وحدتي ويسر لي جليساً صالحاً. فقال أبو الدرداء: لئن كنت صادقاً فلأنا أسعد بذلك منك، سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول:

{ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ} ـ قال ـ فيجيء هذا السابق فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حساباً يسيراً، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام ويوبخ ويقرّع ثم يدخل الجنة فهم الذين قالوا: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ}. وفي لفظ آخر: وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين يتلقاهم الله برحمته فهم الذين يقولون {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ـ إلى قوله ـ {وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ}. وقيل: هو الذي يؤخذ منه في مقامه؛ يعني يكفَّر عنه بما يصيبه من الهمّ والحزن، ومنه قوله تعالى: { مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ }[النساء: 123] يعني في الدنيا. قال الثعلبيّ: وهذا التأويل أشبه بالظاهر؛ لأنه قال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا}، ولقوله: {ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} والكافر والمنافق لم يصطفَوْا.

قلت: وهذا هو الصحيح، وقد قال صلى الله عليه وسلم:

ومَثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر. فأخبر أن المنافق يقرؤه، وأخبر الحق سبحانه وتعالى أن المنافق في الدرك الأسفل من النار، وكثير من الكفار واليهود والنصارى يقرؤونه في زماننا هذا. وقال مالك: قد يقرأ القرآن من لا خير فيه. والنَّصَب: التعب. واللُّغوب: الإعياء.

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا۟ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَٰلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ ۝٣٦ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَٰلِحًا غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ فَذُوقُوا۟ فَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ۝٣٧

قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ} لما ذكر أهل الجنة وأحوالهم ومقالتهم، ذكر أهل النار وأحوالهم ومقالتهم. {لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ} مثل:

{ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ }[اطه: 74]. {وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا} مثل: { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } [النساء: 56]. {كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} أي كافر بالله ورسوله. وقرأ الحسن «فيموتون» بالنون، ولا يكون للنفي حينئذٍ جواب، ويكون «فيموتون» عطفاً على «يُقْضَى» تقديره لا يقضى عليهم ولا يموتون؛ كقوله تعالى: {وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ }. قال الكسائي: {وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } بالنون في المصحف لأنه رأس آية و{لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ} لأنه ليس رأس آية. ويجوز في كل واحد منهما ما جاز في صاحبه. {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا} أي يستغيثون في النار بالصوت العالي. والصراخ الصوت العالي، والصارخ المستغيث، والمصرِخ المغيث. قال:

كنا إذا ما أتانا صارخ فَزِعٌكان الصراخُ له قرَع الظَّنَابيب

{رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا} أي يقولون ربنا أخرجنا من جهنم وردّنا إلى الدنيا. {نَعْمَلْ صَالِحاً} قال ابن عباس: نقل: لا إله إلا الله. وهو معنى قولهم: {غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ} أي من الشرك؛ أي نؤمن بدل الكفر، ونطيع بدل المعصية، ونمتثل أمر الرسل. {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} هذا جواب دعائهم؛ أي فيقال لهم، فالقول مضمر. وترجم البخاري: (باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر لقوله عز وجل: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ} يعني الشيب) حدّثنا عبد السلام بن مُطَهَّر قال حدّثنا عمر بن علي قال حدّثنا مَعْن بن محمد الغِفاري عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُرِيّ عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:أعذر الله إلى امرىء أخّر أجله حتى بلغه ستين سنة. قال الخَطّابي: «أعذر إليه» أي بلغ به أقصى العذر، ومنه قولهم: قد أعذر من أنذر؛ أي أقام عذر نفسه في تقديم نذارته. والمعنى: أن من عمره الله ستين سنة لم يبق له عذر؛ لأن الستين قريب من معترك المنايا، وهو سنُّ الإنابة والخشوع وترقُّب المنية ولقاء الله تعالى؛ ففيه إعذار بعد إعذار، الأوّل بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، والمَوْتانُ في الأربعين والستين. قال عليّ وابن عباس وأبو هريرة في تأويل قوله تعالى: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ}: إنه ستون سنة. وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال في موعظته:ولقد أبلغ في الإعذار من تقدّم في الإنذار وإنه لينادي منادٍ من قِبل الله تعالى أبناء الستين «أولم نعمركم ما يتذكّر فِيهِ من تذكَّر وجاءكم النذِير». وذكر الترمذي الحكيم من حديث عطاء بن أبي رَباح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إذا كان يوم القيامة نودي أبناء الستين وهو العمر الذي قال الله {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ}. وعن ابن عباس أيضاً أنه أربعون سنة. وعن الحسن البصري ومسروق مثله. ولهذا القول أيضاً وجه، وهو الصحيح؛ والحجة له قوله تعالى: { حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً } [الأحقاف: 15] الآية. ففي الأربعين تناهي العقل، وما قبل ذلك وما بعده منتقص عنه، والله أعلم. وقال مالك: أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا والعلم ويخالطون الناس، حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس واشتغلوا بالقيامة حتى يأتيهم الموت. وقد مضى هذا المعنى في سورة «الأعراف». وخرَّج ابن ماجه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أعمار أمّتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من تجاوز ذلك».

قوله تعالى: {وَجَاءكُمُ ٱلنَّذِيرُ} وقرىء «وجاءتكم النُّذرُ» واختلف فيه؛ فقيل القرآن. وقيل الرسول؛ قاله زيد بن علي وابن زيد. وقال ابن عباس وعكرمة وسفيان ووكيع والحسين بن الفضل والفرّاء والطبري: هو الشيب. وقيل: النذيرُ الحُمَّى. وقيل: موت الأهل والأقارب. وقيل: كمال العقل. والنذير بمعنى الإنذار.

قلت: فالشيب والحُمَّى وموتُ الأهل كلُّه إنذار بالموت؛ قال صلى الله عليه وسلم:

الحُمَّى رائدُ الموت. قال الأزهري: معناه أن الحمى رسول الموت، أي كأنها تُشعر بقدومه وتُنْذرُ بمجيئه. والشيب نذير أيضاً؛ لأنه يأتي في سنّ الاكتهال، وهو علامة لمفارقة سنّ الصِّبَا الذي هو سِنُّ اللهو واللعب. قال:

رأيت الشيب من نُذُرِ المنايالصاحبه وحسْبُك مِن نذير

وقال آخر:

فقلت لها المشيبُ نذيرُ عمريولست مسودا وجه النذير

وأما موت الأهل والأقارب والأصحاب والإخوان فإنذار بالرحيل في كل وقت وأوان، وحين وزمان. قال:

وأراك تحملهم ولستَ تردّهمفكأنني بك قد حُمِلت فلم تُردَّ

وقال آخر:

الموت في كل حين ينشر الكَفَنَاونحن في غفلة عمّا يُرادُ بنا

وأما كمال العقل فبِه تُعرف حقائق الأمور ويفصل بين الحسنات والسيئات؛ فالعاقل يعمل لآخرته ويرغب فيما عند ربه؛ فهو نذير. وأما محمد صلى الله عليه وسلم فبعثَه الله بشيراً ونذيراً إلى عباده قطعاً لحججهم؛ قال الله تعالى: { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ }[النساء: 165]، وقال: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً }[الإسراء: 15].

قوله تعالى: {فَذُوقُواْ} يريد عذاب جهنم؛ لأنكم ما اعتبرتم ولا اتّعظتم. {فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ } أي مانع من عذاب الله.

إِنَّ ٱللَّهَ عَٰلِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝٣٨

تقدم معناه في غير موضع. والمعنى: علم أنه لو ردّكم إلى الدنيا لم تعملوا صالحاً، كما قال:

{ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ }[الأنعام: 28]. و{عَالِمُ} إذا كان بغير تنوين صلح أن يكون للماضي والمستقبل، وإذا كان منوّناً لم يجز أن يكون للماضي.

هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُۥ وَلَا يَزِيدُ ٱلْكَٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ ٱلْكَٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا ۝٣٩

قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ} قال قتادة: خَلَفاً بعد خَلَف؛ قَرْناً بعد قرن. والخلف هو التالي للمتقدّم، ولذلك قيل لأبي بكر: يا خليفة الله؛ فقال: لست بخليفة الله، ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا راض بذلك. {فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي جزاء كفره وهو العقاب والعذاب. {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً} أي بُغضاً وغضباً. {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً} أي هلاكاً وضلالاً.

قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَمْ ءَاتَيْنَٰهُمْ كِتَٰبًا فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَتٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّٰلِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا ۝٤٠

قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ} «شركاءكم» منصوب بالرؤية، ولا يجوز رفعه، وقد يجوز الرفع عند سيبويه في قولهم: قد علمت زيداً أبو من هو؟ لأن زيداً في المعنى مستفهم عنه. ولو قلت: أرأيت زيداً أبو من هو؟ لم يجز الرفع. والفرق بينهما أن معنى هذا أخبرني عنه، وكذا معنى هذا أخبروني عن شركائكم الذين تدعون من دون الله، أعبدتموهم لأن لهم شركة في خلق السموات، أم خلقوا من الأرض شيئا! {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً} أي أم عندهم كتاب أنزلناه إليهم بالشركة. وكان في هذا رَدٌّ على من عبد غير الله عز وجل؛ لأنهم لا يجدون في كتاب من الكتب أن الله عز وجل أمر أن يُعْبَد غيره. {فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّنْهُ} قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم «على بيّنةٍ» بالتوحيد، وجمع الباقون. والمعنيان متقاربان إلا أن قراءة الجمع أولى؛ لأنه لا يخلو من قرأه «على بينةٍ» من أن يكون خالف السواد الأعظم، أو يكون جاء به على لغة من قال: جاءني طلحت، فوقف بالتاء، وهذه لغة شاذة قليلة؛ قاله النحاس. وقال أبو حاتم وأبو عبيد: الجمع أولى لموافقته الخط، لأنها في مصحف عثمان «بينات» بالألف والتاء. {بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً} أي أباطيل تغرّ، وهو قول السادة للسِّفْلة: إن هذه الآلهة تنفعكم وتقرّبكم. وقيل: إن الشيطان يَعِد المشركين ذلك. وقيل: وعدهم بأنهم ينصرون عليهم.

إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِهِۦٓ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ۝٤١

قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ} لما بيّن أن آلهتهم لا تقدر على خلق شيء من السموات والأرض بيّن أن خالقهما وممسكهما هو الله، فلا يوجد حادث إلا بإيجاده، ولا يبقى إلا ببقائه. و«أن» في موضع نصب بمعنى كراهة أن تزولاً، أو لئلا تزولا، أو يحمل على المعنى؛ لأن المعنى أن الله يمنع السموات والأرض أن تزولا، فلا حاجة على هذا إلى إضمار، وهذا قول الزجاج. {وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ} قال الفرّاء: أي ولو زالتا ما أمسكهما من أحد. و«إن» بمعنى ما. قال: وهو مثل قوله:

{ وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ }[الروم: 51]. وقيل: المراد زوالهما يوم القيامة. وعن إبراهيم قال: دخل رجل من أصحاب ابن مسعود إلى كعب الأحبار يتعلم منه العلم، فلما رجع قال له ابن مسعود: ما الذي أصبت من كعب؟ قال: سمعت كعباً يقول: إن السماء تدور على قُطْب مثل قطب الرّحَى، في عمود على مِنكب مَلَك؛ فقال له عبد الله؛ وددتُ أنك انقلبت براحلتك ورحلها، كذب كعب، ما ترك يهوديَّته! إن الله تعالى يقول: «إن الله يُمسِك السمواتِ والأرضَ أن تزولا» إن السموات لا تدور، ولو كانت تدور لكانت قد زالت. وعن ابن عباس نحوه، وأنه قال لرجل مقبل من الشام: من لقِيت به؟ قال كعباً. قال: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: إن السموات على منكب مَلَك. قال: كذب كعب، أما ترك يهوديَّته بعدُ! إن الله تعالى يقول: «إِن الله يُمسِك السموات والأرض أن تزولا» والسموات سبع والأرضون سبع، ولكن لما ذكّرهما أجراهما مجرى شيئين، فعادت الكناية إليهما، وهو كقوله تعالى: { أَنَّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا } [الأنبياء: 30] ثم ختم الآية بقوله: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} لأن المعنى فيما ذكره بعض أهل التأويل: أن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا من كفر الكافرين، وقولِهم اتخذ الله ولداً. قال الكلبي: لما قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله، كادت السموات والأرض أن تزولا عن أمكنتهما، فمنعهما الله، وأنزل هذه الآية فيه؛ وهو كقوله تعالى: { لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ } [مريم: 89 ـ 90] الآية.

وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلْأُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا ۝٤٢ ٱسْتِكْبَارًا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَكْرَ ٱلسَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِۦ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ ٱلْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا ۝٤٣

قوله تعالى: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ} هم قريش أقسموا قبل أن يبعث الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، حين بلغهم أن أهل الكتاب كذّبوا رسلهم، فلَعنوا مَن كذّب نبيَّه منهم، وأقسموا بالله جلّ اسمه {لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ} أي نبيّ {لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ} يعني ممن كذّب الرسل من أهل الكتاب. وكانت العرب تتمنى أن يكون منهم رسول كما كانت الرسل من بني إسرائيل، فلما جاءهم ما تمنَّوْه وهو النذير من أنفسهم، نفروا عنه ولم يؤمنوا به. {ٱسْتِكْبَاراً} أي عُتُوًّا عن الإيمان {وَمَكْرَ ٱلسَّيِّىءِ} أي مكر العمل السيىء وهو الكفر وخَدْع الضعفاء، وصدّهم عن الإيمان ليكثر أتباعهم. وأنّث «مِن إِحدى الأمم» لتأنيث أُمّة؛ قاله الأخفش. وقرأ حمزة والأخفش «ومكر السَّيِّىء وَلا يَحِيق الْمَكْرُ السَّيِّىءُ» فحذف الإعراب من الأوّل وأثبته في الثاني. قال الزجاج: وهو لحن؛ وإنما صار لحناً لأنه حذف الإعراب منه. وزعم المبرِّد أنه لا يجوز في كلام ولا في شعر؛ لأن حركات الإعراب لا يجوز حذفها، لأنها دخلت للفرق بين المعاني. وقد أعظم بعض النحويين أن يكون الأعمش على جلالته ومحله يقرأ بهذا، قال: إنما كان يقف عليه، فغلط من أدّى عنه، قال: والدليل على هذا أنه تمام الكلام، وأن الثاني لما لم يكن تمام الكلام أعرب باتفاق، والحركة في الثاني أثقل منها في الأوّل لأنها ضمة بين كسرتين. وقد احتج بعض النحويين لحمزة في هذا بقول سيبويه، وأنه أنشد هو وغيره:

إذا اعـوجـجـن قـلـتُ صاحِـبْ قَـوِّمِ

وقال الآخر:

فاليوم أشْرَبْ غيرَ مُسْتَحْقِبٍإثماً مِن الله ولا واغلِ

وهذا لا حجة فيه؛ لأن سيبويه لم يجزه، وإنما حكاه عن بعض النحويين، والحديث إذا قيل فيه عن بعض العلماء لم يكن فيه حجة، فكيف وإنما جاء به على وجه الشذوذ ولضرورة الشعر وقد خولف فيه. وزعم الزجاج أن أبا العباس أنشده:

إذا اعـوجـجـن قـلـت صـاح قـوّم

وأنه أنشد:

فـالـيـوم اشـرب غيـر مستـحقِـبٍ

بوصل الألف على الأمر؛ ذكر جميعه النحاس. الزمخشريّ: وقرأ حمزة «ومكر السَّيّىءْ» بسكون الهمزة، وذلك لاستثقاله الحركات، ولعله اختلس فظن سكوناً، أو وقف وقفة خفيفة ثم ابتدأ «ولا يحِيق». وقرأ ابن مسعود «ومَكْراً سيئاً». وقال المهدويّ: ومن سكّن الهمزة من قوله: {وَمَكْرَ ٱلسَّيِّىءِ} فهو على تقدير الوقف عليه، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، أو على أنه أسكن الهمزة لتوالي الكسرات والياءات، كما قال:

فـالـيـوم اشـرب غيـر مستـحقـب

قال القشيريّ: وقرأ حمزة «ومكر السيىءْ» بسكون الهمزة، وخطّأه أقوام. وقال قوم: لعله وقف عليه لأنه تمام الكلام، فغلط الراوي وروي ذلك عنه في الإدراج، وقد سبق الكلام في أمثال هذا، وقلنا: ما ثبت بالاستفاضة أو التواتر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأه فلا بدّ من جوازه، ولا يجوز أن يقال: إنه لحن، ولعل مراد من صار إلى التخطئة أن غيره أفصح منه، وإن كان هو فصيحاً. {وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} أي لا ينزل عاقبة الشرك إلا بمن أشرك. وقيل: هذا إشارة إلى قتلهم ببدر.

وقال الشاعر:

وقد دفعوا المنية فاستقلتذراعاً بعد ما كانت تحيق

أي تنزل، وهذا قول قُطْرُب. وقال الكلبيّ: «يَحِيق» بمعنى يُحيط. والحَوْق الإحاطة، يقال: حاق به كذا أي أحاط به. وعن ابن عباس أن كعباً قال له: إني أجد في التوارة «من حفَر لأخيه حُفرةً وقع فيها؟» فقال ابن عباس: فإني أوجِدُك في القرآن ذلك. قال: وأين؟ قال: فاقرأ «ولا يَحِيق المكر السيىء إلا بِأهلِهِ». وفي أمثال العرب «من حفَر لأخيه جُبًّا وَقع فيه مُنْكَبّاً» وروى الزُّهريّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:لا تَمكر ولا تُعِن ماكراً فإن الله تعالى يقول: {وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}، ولا تَبْغِ ولا تُعنْ باغياً فإن الله تعالى يقول؛ « { فَمن نَكَث فإنما يَنْكُثُ على نفسِهِ }» [الفتح:10] وقال تعالى: { إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } [يونس:23] وقال بعض الحكماء:

يأيها الظالم في فعلهوالظلم مردود على من ظلم إلى متى أنت وحتى متىتُحصي المصائب وَتنسى النِّعم

وفي الحديث:المكر والخديعة في النار. فقوله: «في النار» يعني في الآخرة تدخل أصحابها في النار؛ لأنها من أخلاق الكفار لا من أخلاق المؤمنين الأخيار؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في سياق هذا الحديث:وليس من أخلاق المؤمن المكر والخديعة والخيانة. وفي هذا أبلغ تحذير عن التخلق بهذه الأخلاق الذميمة، والخروج عن أخلاق الإيمان الكريمة.

قوله تعالى: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ آلأَوَّلِينَ} أي إنما ينتظرون العذاب الذي نزل بالكفار الأولين. {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً} أي أجرى الله العذاب على الكفار، ويجعل ذلك سُنة فيهم، فهو يعذب بمثله من استحقه، لا يقدر أحد أن يبدّل ذلك، ولا أن يحوّل العذاب عن نفسه إلى غيره. والسُّنّة الطريقة، والجمع سُنَن. وقد مضى في «آل عمران» وأضافها إلى الله عز وجل. وقال في موضع آخر:

{ سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا } [الإسراء: 77] فأضاف إلى القوم لتعلّق الأمر بالجانبين؛ وهو كالأجل، تارة يضاف إلى الله، وتارة إلى القوم؛ قال الله تعالى: { فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ }[العنكبوت: 5] وقال: «فإذا جاء أجلهم».

أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُۥ مِن شَىْءٍ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ إِنَّهُۥ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ۝٤٤

بين السنة التي ذكرها؛ أي أو لم يروا ما أنزلنا بعاد وثمود، وبمَدْيَنَ وأمثالهم لما كذّبوا الرسل، فتدبروا ذلك بنظرهم إلى مساكنهم ودورهم، وبما سمعوا على التواتر بما حلّ بهم، أفليس فيه عبرة وبيان لهم؛ ليسوا خيراً من أولئك ولا أقوى، بل كان أولئك أقوى؛ دليله قوله: {وَكَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} أي إذا أراد إنزال عذاب بقوم لم يعْجزه ذلك. {إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً}.

وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِۦ بَصِيرًۢا ۝٤٥

قوله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ} يعني من الذنوب. {مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} قال ابن مسعود: يريد جميع الحيوان مما دَبّ ودَرَج. قال قتادة: وقد فُعل ذلك زمن نوح عليه السلام. وقال الكلبيّ: {مِن دَآبَّةٍ} يريد الجنّ والإنس دون غيرهما؛ لأنه مُكَلَّفان بالعقل. وقال ابن جرير والأخفش والحسين بن الفضل: أراد بالدابة هنا الناس وحدهم دون غيرهم.

قلت: والأوّل أظهر؛ لأنه عن صحابيّ كبير. قال ابن مسعود: كاد الجُعَل أن يُعذب في جُحره بذنب ابن آدم. وقال يحيـى بن أبي كثير: أمَر رجل بالمعروف ونَهى عن المنكر، فقال له رجل: عليك بنفسك؛ فإن الظالم لا يضر إلا نفسه. فقال أبو هريرة: كذبت؟ والله الذي لا إلٰه إلا هو ـ ثم قال ـ والذي نفسي بيده إن الحُبَارَى لتموت هُزْلاً في وَكرها بظلم الظالم. وقال الثُّمَالي ويحيـى بن سلام في هذه الآية: يحبس الله المطر فيهلك كل شيء. وقد مضى في «البقرة» نحو هذا عن عكرمة ومجاهد في تفسير {وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ} هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجَدْب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم. وذكرنا هناك حديث البَرَاء بن عازب قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ} قال: «دواب الأرض». {وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} قال مقاتل: الأجل المسمى هو ما وعدهم في اللّوح المحفوظ. وقال يحيـى: هو يوم القيامة. {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ} أي بمن يستحق العقاب منهم {بَصِيراً }. ولا يجوز أن يكون العامل في «إذا» «بصِيراً» كما لا يجوز: اليوم إن زيداً خارج. ولكن العامل فيها «جاء» لشبهها بحروف المجازاة، والأسماء التي يجازَى بها يعمل فيها ما بعدها. وسيبويه لا يرى المجازاة بـ«ـإذا» إلا في الشعر، كما قال:

إذا قَصُرت أسيافنا كان وصلهاخُطانا إلى أعدائنا فنضاربِ

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ