انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة فاطر

تفسير الطبريالآيات 1–26

تفسير سورة فاطر آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة فاطر

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 35:57

  1. 1 الآيات 1–14في هذه الصفحة 14:03
  2. 2 الآيات 15–40في هذه الصفحة 16:43
  3. 3 الآيات 41–45 5:11

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُو۟لِىٓ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝١

يقول تعالـى ذكره: الشكر الكامل للـمعبود الذي لا تصلـح العبـادة إلا له، ولا ينبغي أن تكون لغيره خالق السموات السبع والأرض، {جاعِلِ الـمَلائِكَةِ رُسُلاً} إلـى من يشاء من عبـاده، وفـيـما شاء من أمره ونهيه {أُولـي أجْنِـحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُبـاعَ} يقول: أصحاب أجنـحة: يعنـي ملائكة، فمنهم من له اثنان من الأجنـحة، ومنهم من له ثلاثة أجنـحة، ومنهم من له أربعة، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أُولـي أجْنِـحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُبـاعَ} قال بعضهم: له جناحان، وبعضهم: ثلاثة، وبعضهم أربعة.

واختلف أهل العربـية فـي علة ترك إجراء مَثْنَى وثلاث وربـاع، وهي ترجمة عن أجنـحة، وأجنـحة نكرة، فقال بعض نـحويـيّ البصرة. تُرك إجراؤهنّ لأنهنّ مصروفـات عن وجوههنّ، وذلك أن مثنى مصروف عن اثنـين، وثلاث عن ثلاثة، ورُبـاع عن أربعة، فصرف نظيرُ عمَرَ، وزُفَرَ، إذ صُرِف هذا عن عامر إلـى عمر، وهذا عن زافر إلـى زُفر، وأنشد بعضهم فـي ذلك:

وَلَقَدْ قَتَلْتُكُمُ ثُناءَ وَمَوْحَدَا وترَكْتُ مَرَّةَ مِثْلَ أمْسِ الـمُدْبِرِ

وقال آخر منهم: لـم يصرف ذلك لأنه يوهم به الثلاثة والأربعة، قال: وهذا لا يستعمل إلا فـي حال العدد. وقال بعض نـحويـيّ الكوفة: هنّ مصروفـات عن الـمعارف، لأن الألف واللام لا تدخـلها، والإضافة لا تدخـلها قال: ولو دخـلتها الإضافة والألف واللام لكانت نكرة، وهي ترجمة عن النكرة قال: وكذلك ما كان فـي القرآن، مثل: { أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى }، وكذلك وُحاد وأحاد، وما أشبهه من مصروف العدد.

وقوله: {يَزِيدُ فِـي الـخَـلْقِ ما يَشاءُ} وذلك زيادته تبـارك وتعالـى فـي خـلق هذا الـملك من الأجنـحة علـى الآخر ما يشاء، ونقصانه عن الآخر ما أحبّ، وكذلك ذلك فـي جميع خـلقه يزيد ما يشاء فـي خـلق ما شاء منه، وينقص ما شاء من خـلق ما شاء، له الـخـلق والأمر، وله القدرة والسلطان {إنَّ اللّهَ علـى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} يقول: إن الله تعالـى ذكره قدير علـى زيادة ما شاء من ذلك فـيـما شاء، ونقصان ما شاء منه مـمن شاء، وغير ذلك من الأشياء كلها، لا يـمتنع علـيه فعل شيء أراده سبحانه وتعالـى.

مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٢

يقول تعالـى ذكره: مفـاتـيح الـخير ومغالقه كلها بـيده فما يفتـح الله للناس من خير فلا مُغلق له، ولا مـمسك عنهم، لأن ذلك أمره لا يستطيع أمره أحد، وكذلك ما يغلق من خير عنهم فلا يبسطه علـيهم، ولا يفتـحه لهم، فلا فـاتـح له سواه، لأن الأمور كلها إلـيه وله. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ما يَفْتَـحِ اللَّهُ للنَّاس مِنْ رَحْمَةٍ}: أي من خير {فَلا مُـمْسِكَ لَهَا} فلا يستطيع أحد حبسها {وَما يُـمْسِكْ فَلا مُرْسِلُ لَهُ مِنْ بَعْدهِ}.

وقال تعالـى ذكره: {فَلا مُـمْسِكَ لَهَا} فأنث ما لذكر الرحمة من بعده، وقال: {وَما يُـمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} فذكر للفظ «ما» لأن لفظه لفظ مذكر، ولو أنَّث فـي موضع التذكير للـمعنى، وذكر فـي موضع التأنـيث للفظ جاز، ولكنّ الأفصح من الكلام التأنـيث إذا ظهر بعد ما يدلّ علـى تأنـيثها والتذكير إذا لـم يظهر ذلك.

وقوله: {وَهُوَ العَزِيزُ الـحَكِيـمُ} يقول: وهو العزيز فـي نِقمته مـمن انتقم منه من خـلقه بحبس رحمته عنه وخيراته، الـحكيـم فـي تدبـير خـلقه، وفتـحه لهم الرحمة إذا كان فتـح ذلك صلاحاً، وإمساكه إياه عنهم إذا كان إمساكه حكمة.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ۝٣

يقول تعالـى ذكره للـمشركين به من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم من قُرَيش: {يَا أيُّهَا الناسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ} التـي أنعمها {عَلَـيْكُم} بفتـحه لكم من خيراته ما فتـح وبَسْطِه لكم من العيش ما بسط وفكِّروا فـانظروا هل من خالق سوى فـاطر السموات والأرض الذي بـيده مفـاتـيح أرزاقكم ومغالقها {يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} فتعبدوه دونه {لا إلَهَ إلاَّ هُوَ} يقول: لا معبود تنبغي له العبـادة إلا الذي فطر السموات والأرض، القادر علـى كلّ شيء، الذي بـيده مفـاتـح الأشياء وخزائنها، ومغالق ذلك كله، فلا تعبدوا أيها الناس شيئاً سواه، فإنه لا يقدر علـى نفعكم وضرّكم سواه، فله فأخـلصوا العبـادة، وإياه فأفردوا بـالألوهة {فَأنَّى تُؤْفَكُونَ} يقول: فأيّ وجه عن خالقكم ورازقكم الذي بـيده نفعكم وضرّكم تصرفون، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فأنَّى تُؤْفَكُونَ} يقول الرجل: إنه لـيوفك عنى كذا وكذا.

وقد بـيَّنت معنى الإفك، وتأويـل قوله: {تُؤْفَكُونَ} فـيـما مضى بشواهده الـمغنـية عن تكريره.

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ۝٤ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ۝٥

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: وإن يكذّبك يا مـحمد هؤلاء الـمشركون بـالله من قومك فلا يحزننك ذاك، ولا يعظم علـيك، فإن ذلك سنة أمثالهم من كفرة الأمـم بـالله، من قبلهم، وتكذيبهم رسل الله التـي أرسلها إلـيهم من قبلك، ولن يعدو مشركو قومك أن يكونوا مثلهم، فـيتبعوا فـي تكذيبك منهاجهم، ويسلكوا سبـيـلهم {وَإلـى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} يقول تعالـى ذكره: وإلـى الله مرجع أمرك وأمرهم، فمـحلّ بهم العقوبة، إن هم لـم ينـيبوا إلـى طاعتنا فـي اتبـاعك، والإقرار بنبوّتك، وقبول ما دعوتهم إلـيه من النصيحة، نظير ما أحللنا بنظرائهم من الأمـم الـمكذّبة رسلها قبلك، ومنـجِّيك وأتبـاعك من ذلك، سنتنا بـمن قبلك فـي رسلنا وأولـيائنا. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَإنْ يُكَذّبوكَ فَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} يعزّي نبـيه كما تسمعون.

وقوله: {يا أيها النَّاسُ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقّ} يقول تعالـى ذكره لـمشركي قريش، الـمكذّبـي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس إن وعد الله إياكم بأسه علـى إصراركم علـى الكفر به، وتكذيب رسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم، وتـحذيركم، وتـحذيركم نزول سطوته بكم علـى ذلك حقّ، فأيقنوا بذلك، وبـادروا حلول عقوبتكم بـالتوبة والإنابة إلـى طاعة الله والإيـمان به وبرسوله {فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الـحَياةُ الدُّنْـيا} يقول: فلا يغرّنكم ما أنتـم فـيه من العيش فـي هذه الدنـيا ورياستكم التـي تترأسون بها فـي ضعفـائكم فـيها عن اتبـاع مـحمد والإيـمان {وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بـاللَّهِ الغَرُورُ} يقول: ولا يخدعنكم بـالله الشيطان، فـيـمنـيكم الأمانـيّ، ويعدكم من الله العدات الكاذبة، ويحملكم علـى الإصرار علـى كفركم بـالله، كما:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بـاللّهِ الغَرُورُ} يقول: الشيطان.

إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا۟ حِزْبَهُۥ لِيَكُونُوا۟ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ۝٦

يقول تعالـى ذكره: {إنَّ الشَّيْطانَ} الذي نهيتكم أيها الناس أن تغترّوا بغروره إياكم بـالله {لَكُمْ عَدُوّ فـاتَّـخِذُوهُ عَدُوّاً} يقول: فأنزلوه من أنفسكم منزل العدوّ منكم، واحذروه بطاعة الله واستغشاشكم إياه، خذركم من عدوّكم الذي تـخافون غائلته علـى أنفسكم، فلا تطيعوه ولا تتَّبعوا خطواته، فإنه إنـما يدعو حزبه، يعنـي شيعته، ومن أطاعه إلـى طاعته والقبول منه، والكفر بـالله {لِـيَكُونُوا منْ أصحَابِ السَّعِيرِ} يقول: لـيكونوا من الـمخـلدين فـي نار جهنـم التـي تتوقد علـى أهلها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوّ فـاتَّـخِذُوهُ عَدُوّاً} فإنه لـحقّ علـى كلّ مسلـم عدواته، وعدواته أن يعاديه بطاعة الله {إنـمَا يَدْعُو حِزْبَهُ} وحزبه: أولـياؤه {لِـيَكُونُوا مِنْ أصحَابِ السَّعِيرِ}: أي لـيسوقهم إلـى النار، فهذه عداوته.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {إنَّـمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِـيَكونُوا مِنْ أصحَابِ السَّعِيرِ} وقال: هؤلاء حزبه من الإنس، يقول: أولئك حزب الشيطان، والـحزب: ولاته الذين يتولاهم ويتولونه، وقرأ:

{ إنَّ وَلِـيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وَهوَ يَتَوَلَّـى } الصَّالِـحِينَ.

ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ۝٧

يقول تعالـى ذكره: {الَّذِينَ كَفَروا} بـالله ورسوله {لَهُمْ عَذَابٌ} من الله {شَدِيدٌ}، وذلك عذاب النار. وقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا} يقول: والذين صدّقوا الله ورسوله، وعملوا بـما أمرهم الله، وانتهوا عما نهاهم عنه {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} من الله لذنوبهم {وأجْرٌ كَبِـيرٌ} وذلك الـجنة، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِـيرٌ} وهي الـجنة.

أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنًا فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ ۝٨

يقول تعالـى ذكره: أفمن حسَّن له الشيطان أعماله السيئة من معاصي الله والكفر به، وعبـادة ما دونه من الآلهة والأوثان، فرآه حسناً، فحسب سيىء ذلك حسناً، وظنّ أن قُبحه جميـل، لتزيـين الشيطان ذلك له، ذهبت نفسك علـيهم حسرات وحذف من الكلام: ذهبت نفسك علـيهم حسرات، اكتفـاء بدلالة قوله: {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَـيْهِمْ حَسَرَاتٍ} منه. وقوله: {فإنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ} يقول: فإن الله يخذل من يشاء عن الإيـمان به واتبـاعك وتصديقك، فـيضله عن الرشاد إلـى الـحقّ فـي ذلك، {ويهدي من يشاء} يقول: ويوفِّق من يشاء للإيـمان به واتبـاعك، والقبول منك، فتهديه إلـى سبـيـل الرشاد {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَـيْهِمْ حَسَراتٍ} يقول: فلا تُهلك نفسك حزناً علـى ضلالتهم وكفرهم بـالله، وتكذيبهم لك. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أفمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرآهُ حَسَناً فإنَّ اللّهِ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ} قال قتادة والـحسن: الشيطان زين لهم {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَـيْهِمْ حَسَرَاتٍ}: أي لا يُحزنك ذلك علـيهم، فإن الله يضلّ من يشاء، ويهدي من يشاء.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قول الله: {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَـيْهِمْ حَسَراتٍ} قال: الـحسرات: الـحزن، وقرأ قول الله: {يا حَسْرَتا علـى ما فَرَّطْتُ فِـي جَنْبِ اللّهِ}.

ووقع قوله: {فإنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ} موضع الـجواب، وإنـما هو منبع الـجواب، لأن الـجواب هو الـمتروك الذي ذكرت، فـاكتفـى به من الـجواب لدلالته علـى الـجواب ومعنى الكلام.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَـيْهِمْ حَسَراتٍ} فقرأته قرّاء الأمصار سوى أبـي جعفر الـمدنـي {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ} بفتـح التاء من {تَذهَبْ}، ونفسك برفعها. وقرأ ذلك أبو جعفر: «فَلا تُذْهِبْ» بضم التاء من {تَذْهَبْ}، ونفسَك بنصبها، بـمعنى: لا تذهب أنت يا مـحمد نفسك.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا ما علـيه قرّاء الأمصار، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه.

وقوله: {إنَّ اللّهَ عَلِـيـمٌ بِـمَا يَصْنَعُونَ} يقول تعالـى ذكره: إن الله يا مـحمد ذو علـم بـما يصنع هؤلاء الذين زيَّن لهم الشيطان سوء أعمالهم، وهو مـحصيه علـيهم، ومـجازيهم به جزاءهم.

وَٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَٰهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ ۝٩

يقول تعالـى ذكره: والله الذي أرسل الرياح فتثـير السحاب للـحَيا والغيث {فَسقْناهُ إلـى بَلَدٍ مَيِّتٍ} يقول: فسقناه إلـى بلد مـجدب الأهل، مـحل الأرض، داثر لا نبت فـيه ولا زرع {فَأحْيَـيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها} يقول: فأخصبنا بغيث ذلك السحاب الأرض التـي سقناه إلـيها بعد جدوبها، وأنبتنا فـيها الزرع بعد الـمـحل {كَذلكَ النُّشُورُ} يقول تعالـى ذكره: هكذا يُنْشِر الله الـموتـى بعد بلائهم فـي قبورهم، فـيحيـيهم بعد فنائهم، كما أحيـينا هذه الأرض بـالغيث بعد مـماتها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن سلـمة بن كهيـل، قال: ثنا أبو الزعراء، عن عبد الله، قال: يكون بـين النفختـين ما شاء الله أن يكون، فلـيس من بنـي آدم إلاَّ وفـي الأرض منه شيء. قال: فـيرسل الله ماء من تـحت العرش منـيًّا كمنـيّ الرجل، فتنبت أجسادهم ولـحمانهم من ذلك، كما تنبت الأرض من الثرى، ثم قرأ: {وَاللّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرّياحَ فَتُثـيرُ سَحَابـاً فَسقْناهُ إلـى بَلَدٍ مَيِّتْ...} إلـى قوله: {كَذلكَ النُشُورُ} قال: ثم يقوم ملَك بـالصور بـين السماء والأرض، فـينفخ فـيه، فتنطلق كلّ نفس إلـى جسدها، فتدخـل فـيه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَاللّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرّياحَ فَتُثـيرُ سحَابـاً} قال: يرسل الرياح فتسوق السحاب، فأحيا الله به هذه الأرض الـميتة بهذا الـماء، فكذلك يبعثه يوم القـيامة.

مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرْفَعُهُۥ وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُو۟لَٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ ۝١٠

اختلف أهل التأويـل فـي معنى قوله: {مَنْ كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعاً} فقال بعضهم: معنى ذلك: من كان يريد العزّة بعبـادة الآلهة والأوثان، فإن العزة لله جميعاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {مَنْ كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ} يقول: من كان يريد العزّة بعبـادته الآلهة {فإنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً}.

وقال آخرون: معنى ذلك: من كان يريد العزة فلـيتعزّز بطاعة الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {مَنْ كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعاً} يقول: فلـيتعزّز بطاعة الله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: من كان يريد علـم العزّة لـمن هي، فإنه لله جميعاً كلها: أي كلّ وجه من العزّة فللّه.

والذي هو أولـى الأقوال بـالصواب عندي قول من قال: من كان يريد العزّة، فبـالله فلـيتعزّز، فللّه العزّة جميعاً، دون كلّ ما دونه من الآلهة والأوثان.

وإنـما قلت: ذلك أولـى بـالصواب، لأن الآيات التـي قبل هذه الآية، جرت بتقريع الله الـمشركين علـى عبـادتهم الأوثان، وتوبـيخه إياهم، ووعيده لهم علـيها، فأولـى بهذه أيضاً أن تكون من جنس الـحث علـى فراق ذلك، فكانت قصتها شبـيهة بقصتها، وكانت فـي سياقها.

وقوله: {إلَـيْه يَصْعَدُ الكَلِـمُ الطَّيِّب} يقول تعالـى ذكره: إلـى الله يصعد ذكر العبد إياه وثناؤه علـيه {والعَمَلُ الصَّالِـحُ يَرْفَعُهُ} يقول: ويرفع ذكر العبد ربه إلـيه عمله الصالـح، وهو العمل بطاعته، وأداء فرائضه، والانتهاء إلـى ما أمر به. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن إسماعيـل الأحمسي، قال: أخبرنـي جعفر بن عون، عن عبد الرحمن بن عبد الله الـمسعودي، عن عبد الله بن الـمخارق، عن أبـيه الـمخارق بن سلـيـم، قال: قال لنا عبد الله: إذا حدّثناكم بحديث أتـيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله. إن العبد الـمسلـم إذا قال: سبحان الله وبحمده، الـحمد لله لا إله إلاَّ الله، والله أكبر، تبـارك الله، أخذهنّ ملك، فجعلهنّ تـحت جناحيه، ثم صعد بهنّ إلـى السماء، فلا يـمرّ بهنّ علـى جمع من الـملائكة إلاَّ استغفروا لقائلهنّ حتـى يحيـي بهنّ وجه الرحمن، ثم قرأ عبد الله: {إلَـيْهِ يَصْعَدُ الكَلِـمُ الطَّيِّبِ والعَمَلُ الصَّالِـحُ يَرْفَعُهُ}.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، قال: أخبرنا سعيد الـجريري، عن عبد الله بن شقـيق، قال: قال كعب: إن لسبحان الله، والـحمد لله، ولا إله إلاَّ الله، والله أكبر، لدوياً حول العرش كدويّ النـحل، يذكرن بصاحبهنّ، والعمل الصالـح فـي الـخزائن.

حدثنـي يونس، قال: ثنا سفـيان، عن لـيث بن أبـي سلـيـم، عن شهر بن حوشب الأشعري، قوله: {إِلـيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِـمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِـحُ يَرْفَعُهُ} قال: العمل الصالـح يرفع الكلـم الطيب.

حدثنـي علـيّ، ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {إلَـيْهِ يَصْعَدُ الكَلِـمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصَّالِـحُ يَرْفَعُهُ} قال: الكلام الطيب: ذكر الله، والعمل الصالـح: أداء فرائضه فمن ذَكَر الله سبحانه فـي أداء فرائضه، حُمِل علـيه ذكر الله فصعد به إلـى الله، ومن ذكر الله، ولـم يؤدّ فرائضه، رُدّ كلامه علـى عمله، فكان أولـى به.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {إلَـيْهِ يَصْعَدُ الكَلِـمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالِـحُ يَرْفَعُهُ} قال: العمل الصالـح يرفع الكلام الطيب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة قوله: {إلَـيْهِ يَصْعَدُ الكَلِـمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصَّالِـحُ يَرْفَعُهُ} قال: قال الـحسن وقتادة: لا يقبل الله قولاً إلاَّ بعمل، من قال وأحسن العمل قبل الله منه.

وقوله: {وَالَّذِينَ يَـمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ} يقول تعالـى ذكره: والذين يكسبون السيئات لهم عذاب جهنـم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنـي سعيد، عن قتادة، قوله: {وَالَّذِينَ يَـمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} قال: هؤلاء أهل الشرك.

وقوله: {وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} يقول: وعمل هؤلاء الـمشركين يَبور، فـيبطُل فـيذهب، لأنه لـم يكن لله، فلـم ينفع عامله. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ}: أي يفسد.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا سفـيان، عن لـيث بن أبـي سلـيـم، عن شهر بن حوشب {وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} قال: هم أصحاب الرياء.

حدثنـي مـحمد بن عمارة، قال: ثنا سهل بن أبـي عامر، قال: ثنا جعفر الأحمر، عن شهر بن حوشب، فـي قوله {وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} قال: هم أصحاب الرياء.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} قال: بـار فلـم ينفعهم، ولـم ينتفعوا به، وضرّهم.

وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَٰجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِى كِتَٰبٍ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ۝١١

يقول تعالـى ذكره: {وَاللّهُ خَـلَقَكُمْ} أيها الناس {مِنْ تُرابٍ} يعنـي بذلك أنه خـلق أبـاهم آدم من تراب، فجعل خـلق أبـيهم منه لهم خـلقاً {ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ} يقول: ثم خـلقكم من نطفة الرجل والـمرأة {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أزْوَاجاً} يعنـي أنه زوّج منهم الأنثى من الذكر. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَاللّهُ خَـلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ} يعنـي آدم {ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ} يعنـي ذرّيته {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أزْوَاجاً} فزوّج بعضكم بعضاً.

وقوله: {وَما تَـحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إلاَّ بعِلْـمِهِ} يقول تعالـى ذكره: وما تـحمل من أنثى منكم أيها الناس من حمل ولا نطفة إلاَّ وهو عالـم بحملها إياه ووضعها، وما هو؟ ذكر أو أنثى؟ لا يخفـى علـيه شيء من ذلك.

وقوله: {وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلاَّ فِـي كِتابٍ} اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معناه: وما يعمر من معمر فـيطول عمره، ولا ينقص من عمر آخر غيره عن عمر هذا الذي عمّر عمراً طويلاً {إلاَّ فِـي كِتابٍ} عنده مكتوب قبل أن تـحمل به أمه، وقبل أن تضعه، قد أحصى ذلك كله وعلـمه قبل أن يخـلقه، لا يُزاد فـيـما كتب له ولا ينقص. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ...} إلـى {يَسِيرٌ} يقول: لـيس أحد قضيت له طول العمر والـحياة إلاَّ وهو بـالِغ ما قدّرت له من العمر، وقد قضيت ذلك له، وإنـما ينتهي إلـى الكتاب الذي قدّرت له، لا يزاد علـيه ولـيس أحد قضيت له أنه قصير العمر والـحياة ببـالغ العمر، ولكن ينتهي إلـى الكتاب الذي قدّرت له لا يزاد علـيه، فذلك قوله: {وَلا يُنْقَصُ مِنْ عمُرِهِ إلاَّ فِـي كِتابٍ} يقول: كلّ ذلك فـي كتاب عنده.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: من قضيت له أن يعمر حتـى يُدركه الكبر، أو يعمر أنقص من ذلك، فكلّ بـالغ أجله الذي قد قضى له، كلّ ذلك فـي كتاب.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلاَّ فِـي كِتابٍ} قال: ألا ترى الناس: الإنسانُ يعيش مئة سنة، وآخرُ يـموت حين يولد؟ فهذا هذا.

فـالهاء التـي فـي قوله {وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} علـى هذا التأويـل وإن كانت فـي الظاهر أنها كناية عن اسم الـمْعَمَّر الأوّل، فهي كناية اسم آخر غيره، وإنـما حسُن ذلك لأن صاحبها لو أظهر لظهر بلفظ الأوّل، وذلك كقولهم: عندي ثوب ونصفه، والـمعنى: ونصف الآخر.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما يُعمَّر من معمَّر ولا ينقص من عمره بفناء ما فنـي من أيام حياته، فذلك هو نقصان عمره. والهاء علـى هذا التأويـل للـمُعَمَّر الأوّل، لأن معنى الكلام: ما يطوّل عمر أحد، ولا يذهب من عمره شيء، فـيُنْقَص إلاَّ وهو فـي كتاب عبد الله مكتوب قد أحصاه وعلـمه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن أبـي مالك فـي هذه الآية: {وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلاَّ فِـي كِتابٍ} قال: ما يقضي كم أيامه التـي عددت له إلاَّ فـي كتاب.

وأولـى التأويـلـين فـي ذلك عندي الصواب، التأويـل الأوّل وذلك أن ذلك هو أظهر معنـيـيه، وأشبههما بظاهر التنزيـل.

وقوله: {إنَّ ذلكَ علـى اللّهِ يَسيرٌ}: يقول تعالـى ذكره: إن إحصاء أعمار خـلقه علـيه يسير سهل، طويـلُ ذلك وقصيره، لا يتعذّر علـيه شيء منه.

وَمَا يَسْتَوِى ٱلْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝١٢

يقول تعالـى ذكره: وما يعتدل البحران فـيستويان، أحدهما عَذْب فُرات والفرات: هو أعذب العذب، {وهذا مِلْـحٌ أُجَاجٌ} يقول: والآخر منهما ملـح أجاج، وذلك هو ماء البحر الأخضر والأُجاج: الـمرّ، وهو أشدّ الـمياه مُلوحة، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَهَذَا مِلْـحٌ أُجاجٌ} والأُجاج: الـمرّ.

وقوله: {وَمِنْ كُلَ تَأْكُلُونَ لَـحْماً طَرِيًّا} يقول: ومن كلّ البحار تأكلون لـحماً طَرِياً، وذلك السمك من عذبهما الفرات، وملـحهما الأجاج {وتَسْتَـخْرِجُونَ حِلْـيَةً تَلْبَسُونَها} يعنـي: الدرّ والـمرجان تستـخرجونها من الـملـح الأجاج. وقد بـيَّنا قبل وجه {تَسْتَـخْرِجُونَ حِلْـيَةً}، وإنـما يستـخرج من الـملـح فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته {وَتَرَى الفُلْكَ فِـيهِ مَوَاخِرَ} يقول تعالـى ذكره: وترى السفن فـي كل تلك البحار مواخر، تـمخُر الـماء بصدورها، وذلك خرقها إياه إذا مرّت واحدتها ماخرة. يقال منه: مَخَرت تـمخُر، وتـمخَر مَخْراً، وذلك إذا اشقَّت الـماء بصدورها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَمِنْ كُلّ تَأكُلُونَ لَـحْماً طَرِيًّا}: أي منهما جميعاً {وتَسْتَـخْرِجونَ حِلْـيَةً تَلْبَسُونَها} هذا اللؤلؤ، {وترى الفُلك فـيه مواخر}: فـيه السفن مُقبلةً ومدبرة بريح واحدة.

حدثنا علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَتَرَى الفُلْكَ فِـيه مَوَاخِرَ} يقول: جَوارِي.

وقوله: {لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} يقول: لتطلبوا بركوبكم فـي هذه البحار فـي الفلك من معايشكم، ولتتصرّفوا فـيها فـي تـجاراتكم، وتشكروا الله علـى تسخيره ذلك لكم، وما رزقكم منه من طيبـات الرزق، وفـاخر الـحلـيّ.

يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ۝١٣

يقول تعالـى ذكره: يدخـل اللـيـل فـي النهار، وذلك ما نقص من اللـيـل أدخـله فـي النهار فزاده فـيه، ويولـج النهار فـي اللـيـل، وذلك ما نقص من أجزاء النهار زاد فـي أجزاء اللـيـل، فأدخـله فـيها، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يُولِـجُ اللَّـيْـلَ فِـي النَّهارِ وَيُولِـجُ النَّهارَ فِـي اللَّـيْـلِ} زيادة هذا فـي نقصان هذا، ونقصان هذا فـي زيادة هذا.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {يُولِـجُ اللَّـيْـلَ فِـي النَّهارِ وَيُولِـجُ النَّهارَ فِـي اللَّـيْـلِ} يقول: هو انتقاص أحدهما من الآخر.

وقوله: {وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلّ يَجْرَي لأَجَلٍ مُسَمًّى} يقول: وأَجْرى لكم الشمس والقمر نعمة منه علـيكم، ورحمة منه بكم، لتعلـموا عدد السنـين والـحساب، وتعرفوا اللـيـل من النهار.

وقوله: {كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى} يقول: كل ذلك يجري لوقت معلوم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لاِءَجَلٍ مُسَمًّى} أجل معلوم، وحدّ لا يُقَصِّر دونه ولا يتعدّاه.

وقوله: {ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ} يقول: الذي يفعل هذه الأفعال معبودكم أيها الناس الذي لا تصلـح العبـادة إلاَّ له، وهو الله ربكم، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الـمُلْكُ}: أي هو الذي يفعل هذا.

وقوله: {لَهُ الـمُلْكُ} يقول تعالـى ذكره: له الـملك التامّ الذي لا شيء إلاَّ وهو فـي ملُكه وسلطانه.

وقوله {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَـمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} يقول تعالـى ذكره: والذين تعبدون أيها الناس من دون ربكم الذي هذه الصفة التـي ذكرها فـي هذه الآيات الذي له الـمُلك الكامل، الذي لا يُشبهه ملك، صفته {ما يَـمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} يقول: ما يـملكون قِشْر نواة فما فوقها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا عوف، عمن حدّثه، عن ابن عبـاس فـي قوله: {ما يَـمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} قال: هو جلد النواة.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {مِنْ قِطْمِيرٍ} يقول: الـجلد الذي يكون علـى ظهر النواة.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {ما يَـمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} يعنـي: قشر النواة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {مِن قِطْمِيرٍ} قال: لفـافة النواة كسحاة البـيضة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، فـي قوله: {ما يَـمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} والقطمير: القشرة التـي علـى رأس النواة.

حدثنا عمرو بن عبد الـحميد، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن جُوَيبر، عن بعض أصحابه، فـي قوله: {ما يَـمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} قال: هو القِمع الذي يكون علـى التـمرة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا مرّة، عن عطية، قال: القطمير: قشر النواة.

إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا۟ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا۟ مَا ٱسْتَجَابُوا۟ لَكُمْ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ۝١٤

قوله: {إنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا ما اسْتَـجابُوا لَكُمْ} يقول تعالـى ذكره: إن تدعوا أيها الناس هؤلاء الآلهة التـي تعبدونها من دون الله لا يسمعوا دعاءكم، لأنها جماد لا تفهم عنكم ما تقولون {وَلَوْ سَمِعُوا ما اسْتَـجابُوا لَكُمْ} يقول: ولو سمعوا دعاءكم إياهم، وفهموا عنكم أنها قولكم، بأن جُعل لهم سمع يسمعون به، ما استـجابوا لكم، لأنها لـيست ناطقة، ولـيس كلّ سامع قولاً متـيسِّراً له الـجواب عنه. يقول تعالـى ذكره للـمشركين به الآلهة والأوثان: فكيف تعبدون من دون الله من هذه صفته، وهو لا نفع لكم عنده، ولا قُدرة له علـى ضرّكم، وتَدَعون عبـادة الذي بـيده نفعكم وضرّكم، وهو الذي خـلقكم وأنعم علـيكم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا ما اسْتَـجابُوا لَكُمْ} أي ما قَبِلوا ذلك عنكم، ولا نفعوكم فـيه.

وقوله: {وَيَوْمَ القِـيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} يقول تعالـى ذكره للـمشركين من عبدة الأوثان: ويوم القـيامة تتبرأ آلهتكم التـي تعبدونها من دون الله من أن تكون كانت لله شريكاً فـي الدنـيا، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَيَوْمَ القِـيامَةِ يكْفُرُونَ بشِرْكِكمْ} إياهم، ولا يرضَوْن، ولا يُقِرّون به.

وقوله: {وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِـيرٍ} يقول تعالـى ذكره: ولا يخبرك يا مـحمد عن آلهة هؤلاء الـمشركين وما يكون من أمرها وأمر عَبَدَتها يوم القـيامة، من تَبَرُّئها منهم، وكفرها بهم، مثل ذي خبرة بأمرها وأمرهم وذلك الـخبـير هو الله الذي لا يخفـى علـيه شيء كان أو يكون سبحانه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلا يُنَبِّئُكَ مثْلُ خَبِـير} والله هو الـخبـير أنه سيكون هذا منهم يوم القـيامة.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ ۝١٥

يقول تعالـى ذكره: يا أيها الناس أنتـم أولو الـحاجة والفقر إلـى ربكم، فإياه فـاعبدوا، وفـي رضاه فسارعوا، يغنكم من فقركم، وتُنْـجح لديه حوائجكم {وَاللّهُ هُوَ الغَنِـيُّ} عن عبـادتكم إياه، وعن خدمتكم، وعن غير ذلك من الأشياء، منكم ومن غيركم، {الـحَمِيدُ} يعنـي: الـمـحمود علـى نِعَمه، فإن كلّ نعمة بكم وبغيركم فمنه، فله الـحمد والشكر بكلّ حال.

إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ۝١٦ وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ ۝١٧ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰٓ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِۦ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ۝١٨

يقول تعالـى ذكره: إن يشأ يُهلككم أيها الناس ربكم، لأن أنشأكم من غير ما حاجة به إلـيكم {ويَأْتِ بِخَـلْقٍ جَدِيدٍ} يقول: ويأت بخـلق سواكم يُطيعونه، ويأتـمرون لأمره، وينتهون عما نهاهم عنه، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنْ يَشأْ يُذْهِبْكُمْ ويَأْتِ بِخَـلْقٍ جَدِيدٍ}: أي ويأت بغيركم.

وقوله: {وَما ذَلكَ علـى اللّهِ بِعَزِيزٍ} يقول: وما إذهابكم والإتـيان بخـلق سواكم علـى الله بشديد، بل ذلك علـيه يسير سهل، يقول: فـاتقوا الله أيها الناس، وأطيعوه قبل أن يفعل بكم ذلك.

وقوله: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} يقول تعالـى ذكره: ولا تـحملْ آثمة إثم أخرى غيرها {وَإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلـى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبَى} يقول تعالـى: وإن تسألْ ذاتُ ثِقْل من الذنوب مَنْ يحمل عنها ذنوبها، وتطلب ذلك لـم تـجد من يحمل عنها شيئاً منها، ولو كان الذي سألته ذا قرابة من أب أو أخ. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ أُخْرَى وَإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلـى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبَى} يقول: يكون علـيه وزر لا يجد أحداً يحمل عنه من وزره شيئاً.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَإنْ تَدعُ مُثْقَلةٌ إلـى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ} كنـحو: {لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وَزْرَ أُخْرَى}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَإنْ تَدْع مُثْقَلَةٌ إلـى حِمْلِها} إلـى ذنوبها {لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبَى}: أي قريب القرابة منها، لا يحمل من ذنوبها شيئاً، ولا تـحمل علـى غيرها من ذنوبها شيئاً {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ونصب ذا قربى علـى تـمام «كان» لأن معنى الكلام: ولو كان الذي تسأله أن يحمل عنها ذنوبها ذا قربى لها وأنثت «مثقلة»، لأنه ذهب بـالكلام إلـى النفس، كأنه قـيـل: وإن تدع نفس مثقلة من الذنوب إلـى حمل ذنوبها. وإنـما قـيـل كذلك لأن النفس تؤدّي عن الذكر والأنثى، كما قـيـل:

{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الـمَوْتِ }يعنـي بذلك: كلّ ذكر وأنثى.

وقوله: {إنَّـمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بـالغَيْبِ} يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: إنـما تنذر يا مـحمد الذين يخافون عقاب الله يوم القـيامة من غير معاينة منهم لذلك، ولكن لإيـمانهم بـما أتـيتهم به، وتصديقهم لك فـيـما أنبأتهم عن الله فهؤلاء الذين ينفعهم إنذارك، ويتعظون بـمواعظك، لا الذين طَبَع الله علـى قلوبهم فهم لا يفقهون، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّـمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بـالغَيْبِ}: أي يخشون النار.

وقوله: {وأقامُوا الصَّلاةَ} يقول: وأَدَّوْا الصلاة الـمفروضة بحدودها علـى ما فرضها الله علـيهم. وقوله: {وَمَنْ تَزَكَّى فإنَّـمَا يتَزَكَّى لِنَفْسِهِ} يقول تعالـى ذكره: ومن يتطهَّر من دنس الكفر والذنوب بـالتوبة إلـى الله، والإيـمان به، والعمل بطاعته، فإنـما يتطهَّر لنفسه، وذلك أنه يثـيبها به رضا الله، والفوز بجنانه، والنـجاة من عقابه، الذي أعدّه لأهل الكفر به، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَمَنْ تَزَكَّى فإنَّـمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ}: أي من يعملْ صالـحاً فإنـما يعمله لنفسه.

وقوله: {وَإلـى اللّهِ الـمَصِيرُ} يقول: وإلـى الله مصير كلّ عامل منكم أيها الناس، مؤمنكم وكافركم، وبرّكم وفـاجركم، وهو مـجاز جميعكم بـما قدّم من خير أو شرّ علـى ما أهل منه.

وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ۝١٩ وَلَا ٱلظُّلُمَٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ ۝٢٠ وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلْحَرُورُ ۝٢١ وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَحْيَآءُ وَلَا ٱلْأَمْوَٰتُ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى ٱلْقُبُورِ ۝٢٢ إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ ۝٢٣

يقول تعالـى ذكره: {وَما يَسْتَوِي الأعْمَى} عن دين الله الذي ابتعث به نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم {والبَصِيرُ} الذي قد أبصر فـيه رشده، فـاتبع مـحمداً وصدّقه، وقبل عن الله ما ابتعثه به {وَلا الظُّلُـماتُ} يقول: وما تستوي ظلـمات الكفر، ونور الإيـمان {وَلا الظِّلُّ} قـيـل: ولا الـجنة {وَلا الـحَرُورُ} قـيـل: النار، كأن معناه عندهم: وما تستوي الـجنة والنار والـحَرُور بـمنزلة السَّموم، وهي الرياح الـحارّة. وذكر أبو عبـيدة مَعْمَر بن الـمثنى، عن رُؤْبة بن العَجَّاج، أنه كان يقول: الـحَرور بـاللـيـل، والسموم بـالنهار. وأما أبو عبـيدة فإنه قال: الـحَرور فـي هذا الـموضع والنهار مع الشمس. وأما الفراء فإنه كان يقول: الـحَرُور يكون بـاللـيـل والنهار، والسَّموم لا يكون بـاللـيـل إنـما يكون بـالنهار.

والقول فـي ذلك عندي، أن الـحَرور يكون بـاللـيـل والنهار، غير أنه فـي هذا الـموضع بأن يكون كما قال أبو عبـيدة: أشبه مع الشمس، لأن الظلّ إنـما يكون فـي يوم شمس، فذلك يدلّ علـى أنه أريد بـالـحَرور: الذي يوجد فـي حال وجود الظلّ.

وقوله: {وَما يَسْتَوِي الأحْياءُ وَلا الأمْوَاتُ} يقول: وما يستوي الأحياء القلوب بـالإيـمان بـالله ورسوله، ومعرفة تنزيـل الله، والأموات القلوب لغلبة الكفر علـيها، حتـى صارت لا تعقل عن الله أمره ونهيه، ولا تعرف الهدى من الضلال وكلّ هذه أمثال ضربها الله للـمؤمن والإيـمان، والكافر والكفر. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَما يَسْتَوِي الأعْمَى والبَصِيرُ...} الآية، قال: هو مَثَل ضربه الله لأهل الطاعة وأهل الـمعصية. يقول: وما يستوي الأعمى والظلـمات والـحرور، ولا الأموات، فهو مَثَل أهل الـمعصية. ولا يستوي البصير ولا النور، ولا الظلّ والأحياء، فهو مثل أهل الطاعة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَما يَسْتَوِي الأعْمَى...} الآية خـلقاً، فضل بعضه علـى بعض فأما الـمؤمن فعبد حيّ الأثر، حيّ البصر، حيّ النـية، حيّ العمل. وأما الكافر فعبد ميت، ميت البصر، ميت القلب، ميت العمل.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَما يَسْتَوِي الأعْمَى والبَصِيرُ وَلا الظُّلُـماتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ وَلا الـحَرُورُ وَما يَسْتَوِي الأحْياءُ وَلا الأمْوَاتُ} قال: هذا مثل ضربه الله فـالـمؤمن بصير فـي دين الله، والكافر أعمى، كما لا يستوي الظلّ ولا الـحَرور، ولا الأحياء ولا الأموات، فكذلك لا يستوي هذا الـمؤمن الذي يبصر دينه، ولا هذا الأعمى، وقرأ:

{ أوَ مَنْ كانَ مَيْتاً فأَحْيَـيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَـمْشِي بِهِ فِـي النَّاسِ } قال: الهُدى الذي هداه الله به ونوّر له. هذا مثل ضربه الله لهذا الـمؤمن الذي يبصر دينه، وهذا الكافر الأعمى، فجعل الـمؤمن حياً، وجعل الكافر ميتاً، ميت القلب { أوَ مَنْ كانَ مَيْتاً فأَحْيَـيْناهُ } قال: هديناه إلـى الإسلام كمن مثله فـي الظلـمات أعمى القلب، وهو فـي الظلـمات، أهذا وهذا سواء؟

واختلف أهل العربـية فـي وجه دخول «لا» مع حرف العطف فـي قوله: {وَلا الظُّلُـماتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ وَلا الـحَرُورُ} فقال بعض نـحويِّـي البصرة: قال: ولا الظلّ ولا الـحَرور، فـيشبه أن تكون «لا» زائدة، لأنك لو قلت: لا يستوي عمرو ولا زيد فـي هذا الـمعنى لـم يجز إلاَّ أن تكون «لا» زائدة وكان غيره يقول: إذا لـم تدخـل «لا» مع الواو، فإنـما لـم تدخـل اكتفـاء بدخولها فـي أوّل الكلام، فإذا أدخـلت فإنه يراد بـالكلام أن كلّ واحد منهما لا يساوي صاحبه، فكان معنى الكلام إذا أعيدت «لا» مع الواو عند صاحب هذا القول: لا يساوي الأعمى البصير ولا يساوي البصير الأعمى، فكلّ واحد منهما لا يساوي صاحبه.

وقوله: {إنَّ اللّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أنْتَ بِـمُسْمِعٍ مَنْ فِـي القُبُورِ} يقول تعالـى ذكره: كما لا يقدر أن يسمع من فـي القبور كتاب الله، فـيهديهم به إلـى سبـيـل الرشاد، فكذلك لا يقدر أن ينفع بـمواعظ الله، وبـيان حُججه، من كان ميت القلب من أحياء عبـاده، عن معرفة الله، وفهم كتابه وتنزيـله، وواضح حججه، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إنَّ اللّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أنْتَ بِـمُسْمِعٍ مَنْ فِـي القُبُورِ} كذلك الكافر لا يسمع، ولا ينتفع بـما يسمع.

وقوله: {إنْ أنْتَ إلاَّ نَذِيرٌ} يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ما أنت إلاَّ نذير تُنذر هؤلاء الـمشركين بـالله، الذين طبع الله علـى قلوبهم، ولـم يُرسِلك ربك إلـيهم إلاَّ لتبلغهم رسالته، ولـم يكلفك من الأمر ما لا سبـيـل لك إلـيه فأما اهتداؤهم وقبولهم منك ما جئتهم به، فإن ذلك بـيد الله لا بـيدك، ولا بـيد غيرك من الناس، فلا تذهب نفسُك علـيهم حَسَراتٍ إن هم لـم يستـجيبوا لك.

إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ۝٢٤ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُنِيرِ ۝٢٥ ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ۝٢٦

يقول جلّ ثناؤه لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {إنَّا أرْسَلْناكَ} يا مـحمد {بـالـحَقِّ} وهو الإيـمان بـالله وشرائع الدين التـي افترضها علـى عبـاده {بَشِيراً} يقول: مُبشِّراً بـالـجنة من صدّقك وقبل منك ما جئت به من عند الله من النصيحة {وَنَذِيراً} تُنذر الناسَ مَنْ كذّبك وردّ علـيك ما جئت به من عند الله من النصيحة. {وَإنْ مِنْ أُمَّةٍ إلاَّ خَلا فِـيها نَذِيرٌ} يقول: وما من أمة من الأمـم الدائنة بـملة إلاَّ خلا فـيها من قبلك نذير ينذرهم بأسنا علـى كفرهم بـالله، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَإنْ مِنْ أُمَّةٍ إلاَّ خَلا فِـيها نَذِيرٌ} كلّ أمة كان لها رسول.

وقوله: {وَإنْ يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} يقول تعالـى ذكره مسلـياً نبـيه صلى الله عليه وسلم فـيـما يـلقـى من مشركي قومه من التكذيب: وإن يكذّبك يا مـحمد مشركو قومك، فقد كذّب الذين من قبلهم من الأمـم الذين جاءتهم رسلهم بـالبـينات يقول: بحجج من الله واضحة. {وبـالزُّبُر} يقول: وجاءتهم بـالكتب من عند الله، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {بـالبَـيِّناتِ وبِـالزُّبُرِ} أي الكتب.

وقوله: {وَبـالكِتابِ الـمُنِـيرِ} يقول: وجاءهم من الله الكتاب الـمنـير لـمن تأمَّله وتدبَّره أنه الـحقّ، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَبـالكِتابِ الـمُنِـيرِ} يضعف الشيء وهو واحد.

وقوله: {ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ} يقول تعالـى ذكره: ثم أهلكنا الذين جحدوا رسالة رسلنا، وحقـيقة ما دعوهم إلـيه من آياتنا، وأصرّوا علـى جحودهم {فكَيْفَ كانَ نَكِيرِ} يقول: فـانظر يا مـحمد كيف كان تغيـيري بهم، وحلول عقوبتـي بهم.

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026 10 جمادى الأولى 1448 هـ