انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة فاطر

تفسير الطبريالآيات 27–44

تفسير سورة فاطر آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة فاطر

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 35:57

  1. 1 الآيات 15–40في هذه الصفحة 16:43
  2. 2 الآيات 41–45في هذه الصفحة 5:11

التفسير الصوتي لسورة فاطر كاملًا (3 مقاطع)

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌۢ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ۝٢٧ وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلْأَنْعَٰمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَٰٓؤُا۟ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ۝٢٨

يقول تعالـى ذكره: ألـم تر يا مـحمد أن الله أنزل من السماء غيثاً، فأخرجنا به ثمرات مختلفـاً ألوانها يقول: فسقـيناه أشجاراً فـي الأرض، فأخرجنا به من تلك الأشجار ثمرات مختلفـاً ألوانها، منها الأحمر، ومنها الأسود والأصفر، وغير ذلك من ألوانها {وَمِنَ الـجِبـالِ جُدَدٌ بِـيضٌ وَحُمْرٌ} يقول تعالـى ذكره: ومن الـجبـال طرائق، وهي الـجدد، وهي الـخطط تكون فـي الـجبـال بـيض وحمر وسود، كالطرق واحدتها جدّة ومنه قول امرىء القـيس فـي صفة حمار:

كأنَّ سَرَاتَهُ وَجُدَّةَ مَتْنِهِ كَنائِنُ يَجْرِي فَوْقَهُنَّ دَلِـيصُ

يعنـي بـالـجدّة: الـخطة السوداء تكون فـي متن الـحمار.

وقوله: {مُخْتَلِفٌ ألْوَانُها} يعنـي: مختلف ألوان الـجدد {وَغَرَابِـيبُ سُودٍ}، وذلك من الـمقدّم الذي هو بـمعنى التأخير وذلك أن العرب تقول: هو أسود غربـيب، إذا وصفوه بشدّة السواد، وجعل السواد ههنا صفة للغرابـيب. وقوله: {وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوَانُهُ} كما من الثمرات والـجبـال مختلف ألوانه بـالـحُمرة والبـياض والسواد والصفرة، وغير ذلك. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، فـي قوله: {ألَـمْ تَرَ أنَّ اللّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفـاً ألْوَانُها} أحمر وأخضر وأصفر. {وَمِنَ الـجِبـالِ جُددٌ بِـيضٌ}: أي طرائق بـيض {وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوَانُها} أي جبـال حمر وبـيض {وَغَرابِـيبُ سُودٌ} هو الأسود، يعنـي لونه كما اختلف ألوان هذه اختلف ألوان الناس والدوابّ والأنعام كذلك.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَمِنَ الـجِبـالِ جُدَدٌ بِـيضٌ} طرائق بـيض، وحمر وسود، وكذلك الناس مختلف ألوانهم.

حدثنا عمرو بن عبد الـحميد الآملـي، قال: ثنا مروان، عن جُوَيبر، عن الضحاك قوله {وَمِنَ الـجِبـالِ جُدَدٌ بِـيضٌ} قال: هي طرائق حمر وسود.

وقوله: {إنَّـمَا يَخْشى اللّهَ مِنْ عِبـادِهِ العُلَـماءُ} يقول تعالـى ذكره: إنـما يخاف اللّهَ فـيتقـي عقابه بطاعته العلـماءُ، بقدرته علـى ما يشاء من شيء، وأنه يفعل ما يريد، لأن من علـم ذلك أيقن بعقابه علـى معصيته، فخافه ورهبه خشية منه أن يعاقبه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {إنَّـمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبـادِهِ العُلَـماءُ} قال: الذين يعلـمون أن الله علـى كلّ شيء قدير.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّـمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبـادِهِ العُلَـماءُ} قال: كان يقال: كفـى بـالرهبة عِلـماً.

وقوله: {إنَّ اللّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} يقول تعالـى ذكره: إن الله عزيز فـي انتقامه مـمن كفر به، غفور لذنوب من آمن به وأطاعه.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَٰرَةً لَّن تَبُورَ ۝٢٩ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦٓ إِنَّهُۥ غَفُورٌ شَكُورٌ ۝٣٠

يقول تعالـى ذكره: إن الذين يقرؤون كتاب الله الذي أنزله علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم {وأقامُوا الصَّلاةَ} يقول: وأدّوا الصلاة الـمفروضة لـمواقـيتها بحدودها. وقال: وأقاموا الصلاة بـمعنى: ويقـيـموا الصلاة. وقوله: {وأنْفَقُوا مِـمَّا رَزَقْناهُمْ سِرّاً وَعَلانِـيَةً} يقول: وتصدّقوا بـما أعطيناهم من الأموال سرًّا فـي خفـاء، وعلانـية: جهاراً. وإنـما معنى ذلك أنهم يؤدّون الزكاة الـمفروضة، ويتطوّعون أيضاً بـالصدقة منه بعد أداء الفرض الواجب علـيهم فـيه. وقوله: {يَرْجُونَ تِـجارَةً لَنْ تَبُورَ} يقول تعالـى ذكره: يرجون بفعلهم ذلك تـجارة لن تبور: لن تكسد ولن تهلك من قولهم: بـارت السوق: إذا كسدت وبـار الطعام. وقوله: {تِـجارَةً} جواب لأوّل الكلام. وقوله: {لِـيُوَفِّـيَهُمْ أُجُورَهُمْ} يقول: ويوفـيهم الله علـى فعلهم ذلك ثواب أعمالهم التـي عملوها فـي الدنـيا {وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} يقول: وكي يزيدهم علـى الوفـاء من فضله ما هو له أهل. وكان مطرف بن عبد الله يقول: هذه آية القراء.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عمرو بن عاصم، قال: ثنا معتـمر، عن أبـيه، عن قتادة، قال: كان مطرف إذا مرّ بهذه الآية: {إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللّهِ} يقول: هذه آية القراء.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يزيد، عن مطرف بن عبد الله، أنه قال فـي هذه الآية: {إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللّهِ...} إلـى آخر الآية، قال: هذه آية القراء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان مطرف بن عبد الله يقول: هذه آية القراء {لِـيُوَفِّـيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِه}ِ.

وقوله: {إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} يقول: إن الله غفور لذنوب هؤلاء القوم الذين هذه صفتهم، شكور لـحسناتهم، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ}: إنه غفور لذنوبهم، شكور لـحسناتهم.

وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِۦ لَخَبِيرٌۢ بَصِيرٌ ۝٣١

يقول تعالـى ذكره: {وَالَّذِي أوْحَيْنا إلَـيْكَ مِنَ الكِتابِ} يا مـحمد، وهو هذا القرآن الذي أنزله الله علـيه {هُوَ الـحَقُّ} يقول: هو الـحقّ علـيك وعلـى أمتك أن تعمل به، وتتبع ما فـيه دون غيره من الكتب التـي أُوحيت إلـى غيرك {مُصَدّقاً لِـمَا بَـينَ يَدَيْهِ} يقول: هو يصدّق ما مضى بـين يديه، فصار أمامه من الكتب التـي أنزلتها إلـى من قبلك من الرسل، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَالَّذِي أوْحَيْنا إلَـيْكَ مِنَ الكِتابِ هُوَ الـحَقُّ مُصَدّقاً لِـمَا بـينَ يَدَيْهِ} للكتب التـي خـلت قبله.

وقوله: {إنَّ اللّهَ بِعِبـادِهِ لـخَبِـيرٌ بَصِيرٌ} يقول تعالـى ذكره: إن الله بعبـاده لذو علـم وخبرة بـما يعملون بصير بـما يصلـحهم من التدبـير.

ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌۢ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ۝٣٢

اختلف أهل التأويـل فـي معنى الكتاب الذي ذكر الله فـي هذه الآية أنه أورثه الذين اصطفـاهم من عبـاده، ومن الـمصطفون من عبـاده، والظالـم لنفسه، فقال بعضهم: الكتاب: هو الكتب التـي أنزلها الله من قبل الفُرقان، والـمصطفون من عبـاده: أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم، والظالـم لنفسه: أهل الإجرام منهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنا الكِتابَ...} إلـى قوله: {الفَضْلُ الكَبِـيرُ} هم أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم، ورّثهم الله كل كتاب أنزله، فظالـمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حسابـاً يسيراً، وسابقهم يدخـل الـجنة بغير حساب.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الـحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو بن قـيس، عن عبد الله بن عيسى، عن يزيد بن الـحارث، عن شقـيق، عن أبـي وائل، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القـيامة: ثلث يدخـلون الـجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابـاً يسيراً، وثلث يجيئون بذنوب عظام، حتـى يقول: ما هؤلاء؟ وهو أعلـم تبـارك وتعالـى، فتقول الـملائكة: هؤلاء جاؤوا بذنوب عظام إلاَّ أنهم لـم يُشركوا بك، فـيقول الربّ: أدخـلوا هؤلاء فـي سعة رحمتـي. وتلا عبد الله هذه الآية: {ثُمَّ أَوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا}.

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا عون، قال: ثنا عبد الله بن الـحارث بن نوفل، قال: ثنا كعب الأحبـار أن الظالـم لنفسه من هذه الأمة، والـمقتصد، والسابق بـالـخيرات: كلهم فـي الـجنة ألـم تر أن الله قال: {ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا...} إلـى قوله: كُلَّ كَفُورٍ.

حدثنـي علـيّ بن سعيد الكندي، قال: ثنا عبد الله بن الـمبـارك، عن عوف، عن عبد الله بن الـحارث بن نوفل، قال: سمعت كعبـاً يقول: {فَمِنْهُمْ ظالِـمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بـالـخَيْرَاتِ بإذْنِ اللّهِ} قال: كلهم فـي الـجنة، وتلا هذه الآية: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُـلُونَها}.

حدثنا الـحسن بن عرفة، قال: ثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن عوف بن أبـي جبلة، قال: ثنا عبد الله بن الـحارث بن نوفل، قال: ثنا كعب أن الظالـم من هذه الأمة، والـمقتصد، والسابق بـالـخيرات، كلهم فـي الـجنة ألـم تر أن الله قال: {ثُمَّ أَوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا...} إلـى قوله:

{ لُغُوبِ } والذين كفروا لهم نار جهنـم، قال: قال كعب: فهؤلاء أهل النار.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن عوف، قال: سمعت عبد الله بن الـحارث يقول: قال كعب: إن الظالـم لنفسه، والـمقتصد، والسابق بـالـخيرات من هذه الأمة: كلهم فـي الـجنة، ألـم تر أن الله يقول: {ثُمَّ أَوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا...} حتـى بلغ قوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُـلُونَها}.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، قال: أخبرنا حميد، عن إسحاق بن عبد الله بن الـحارث عن أبـيه، أن ابن عبـاس سأل كعبـاً عن قوله تعالـى: {ثُمَّ أَوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا...} إلـى قوله: {بإذْنِ اللّهِ} فقال: تـماست مناكبهم ورب الكعبة، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الـحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو بن قـيس، عن أبـي إسحاق السبـيعي، فـي هذه الآية: {ثُمَّ أَوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا} قال: قال أبو إسحاق: أما ما سمعت منذ ستـين سنة، فكلهم ناج.

قال: ثنا عمرو، عن مـحمد بن الـحنفـية، قال: إنها أمة مرحومة الظالـم مغفور له، والـمقتصد فـي الـجنات عند الله، والسابق بـالـخيرات فـي الدرجات عند الله.

وقال آخرون: الكتاب الذي أورث هؤلاء القوم، هو شهادة أن لا إله إلاَّ الله والـمصطفون هم أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم والظالـم لنفسه منهم هو الـمنافق، وهو فـي النار والـمقتصد، والسابق بـالـخيرات فـي الـجنة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو عمار الـحسين بن حريث الـمروزي، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن حسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة، عن عبد الله {فَمِنهُمْ ظالِـمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بـالـخَيْرَاتِ} قال: اثنان فـي الـجنة، وواحد فـي النار.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا...} إلـى آخر الآية، قال: جعل أهل الإيـمان علـى ثلاثة منازل، كقوله:

{ أصحَابُ الشّمالِ ما أصحَابُ الشّمال وأصحَابُ الـيَـمِينِ ما أصحَابُ الـيَـمِينِ والسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الـمُقَرَّبُونَ } فهم علـى هذا الـمثال.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الـحسين، عن يزيد، عن عكرمة {فَمِنْهُمْ ظالِـمٌ لنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ...} الآية، قال: الاثنان فـي الـجنة، وواحد فـي النار، وهي بـمنزلة التـي فـي الواقعة:

{ وأصحَابُ الـيَـمِينِ ما أصحَابُ الـيَـمِينِ وأصحَابُ الشّمالِ ما أصحَابُ الشّمالِ والسَّابِقونَ السَّابِقُونَ }

حدثنا سهل بن موسى، قال: ثنا عبد الـمـجيد، عن ابن جريج، عن مـجاهد، فـي قوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا فَمِنْهُمْ ظالِـمٌ لِنَفْسِهِ} قال: هم أصحاب الـمشأمة {وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ} قال: هم أصحاب الـميـمنة {وَمِنْهُمْ سابِقٌ بـالـخَيْراتِ} قال: هم السابقون من الناس كلهم.

حدثنا الـحسن بن عرفة قال: ثنا مروان بن معاوية، قال: قال عوف، قال الـحسن: أما الظالـم لنفسه فإنه هو الـمنافق، سقط هذا. وأما الـمقتصد والسابق بـالـخيرات، فهما صاحبـا الـجنة.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن عوف، قال: قال الـحسن: الظالـم لنفسه: الـمنافق.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ثمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا} شهادة أن لا إله إلاَّ الله {فَمِنْهُمْ ظالِـمٌ لِنَفْسِهِ} هذا الـمنافق فـي قول قتادة والـحسن {وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ} قال: هذا صاحب الـيـمين {وَمِنْهُمْ سابِقٌ بـالـخَيْرَاتِ} قال: هذا الـمقرّب. قال قتادة: كان الناس ثلاث منازل فـي الدنـيا، وثلاث منازل عند الـموت، وثلاث منازل فـي الآخرة. أما الدنـيا، فكانوا: مؤمن، ومنافق، ومشرك. وأما عند الـموت، فإن الله قال:

{ فأمَّا إنْ كانَ مِنَ الـمُقَرَّبِـينَ فَرْوحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيـمٍ وأمَّا إنْ كانَ مِنْ أصحَابِ الـيَـمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أصحَابِ الـيَـمينِ وأمَّا إنْ كانَ مِنَ الـمُكَذّبِـينَ الضَّالِّـينَ فَنُزُلٌ منْ حَمِيـمٍ وَتَصْلِـيَةُ جَحِيـمٍ }. وأما فـي الآخرة فكانوا أزواجاً ثلاثة، { وأصحَابُ الـمَيْـمَنَةِ ما أصحَابُ الـمَيْـمَنَةِ وأصحَابُ الـمَشأمَةِ ما أصحَابُ الـمَشْأَمَةِ والسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الـمُقَرَّبُونَ }

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا فَمِنْهُمْ ظالِـمٌ لِنَفْسِهِ} قال: هم أصحاب الـمشأمة {وَمِنْهُمْ مُقْتَصِد} قال: أصحاب الـميـمنة، {وَمِنْهُمْ سابِقٌ بـالـخَيْرَاتِ} قال: فهم السابقون من الناس كلهم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا فَمِنْهُمْ ظالِـمٌ لِنَفْسِهِ} قال: سقط هذا {وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بـالـخَيْرَاتِ بإذْنِ اللّهِ} قال: سبق هذا بـالـخيرات، وهذا مقتصد علـى أثره.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب تأويـل من قال: عنى بقوله: {ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا} الكتب التـي أُنزلت من قبل الفرقان.

فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يكون ذلك معناه، وأمة مـحمد صلى الله عليه وسلم لا يتلون غير كتابهم، ولا يعملون إلاَّ بـما فـيه من الأحكام والشرائع؟ قـيـل: إن معنى ذلك علـى غير الذي ذهبت إلـيه، وإنـما معناه: ثم أورثنا الإيـمان بـالكتاب الذين اصطفـينا، فمنهم مؤمنون بكلّ كتاب أنزله الله من السماء قبل كتابهم وعاملون به، لأن كل كتاب أنزل من السماء قبل الفرقان، فإنه يأمر بـالعمل بـالفرقان عند نزوله، وبـاتبـاع من جاء به، وذلك عمل من أقرّ بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وبـما جاء به، وعمل بـما دعاه إلـيه بـما فـي القرآن، وبـما فـي غيره من الكتب التـي أنزلت قبله.

وإنـما قـيـل: عنى بقوله {ثُمَّ أوْرَثْنا الكتابَ} الكتب التـي ذكرنا لأن الله جلّ ثناؤه قال لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم

{ { وَالَّذِي أوْحَيْنَا إلَـيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الـحَقُّ مُصَدِّقاً لِـمَا بَـيْنَ يَدَيْهِ }ثم أتبع ذلك قوله {ثُمَّ أَوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا} فكان معلوماً، إذ كان معنى الـميراث إنـما هو انتقال معنى من قوم إلـى آخرين، ولـم تكن أمة علـى عهد نبـينا صلى الله عليه وسلم انتقل إلـيهم كتاب من قوم كانوا قبلهم غير أمته، أن ذلك معناه. وإذ كان ذلك كذلك، فبـيِّنٌ أن الـمصطفـين من عبـاده هم مؤمنو أمته وأما الظالـم لنفسه، فإنه لأن يكون من أهل الذنوب والـمعاصي التـي هي دون النفـاق والشرك عندي أشبه بـمعنى الآية من أن يكون الـمنافق أو الكافر، وذلك أن الله تعالـى ذكره أتبع هذه الآية قوله: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُـلُونَها }فعمَّ بدخول الـجنة جميع الأصناف الثلاثة.

فإن قال قائل: فإن قوله

{ يَدْخُـلُونَها }إنـما عنى به الـمقتصد والسابق قـيـل له: وما برهانك علـى أن ذلك كذلك من خبر أو عقل؟ فإن قال: قـيام الـحجة أن الظالـم من هذه الأمة سيدخـل النار، ولو لـم يدخـل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد وجب أن لا يكون لأهل الإيـمان وعيد قـيـل: إنه لـيس فـي الآية خبر أنهم لا يدخـلون النار، وإنـما فـيها إخبـار من الله تعالـى ذكره أنهم يدخـلون جنات عَدْن، وجائز أن يدخـلها الظالـم لنفسه بعد عقوبة الله إياه علـى ذنوبه التـي أصابها فـي الدنـيا، وظلـمه نفسه فـيها بـالنار، أو بـما شاء من عقابه، ثم يُدخـله الـجنة، فـيكون مـمن عمه خبر الله جلّ ثناؤه بقوله { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخَـلُونَها }

وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنـحو الذي قلنا فـي ذلك أخبـارٌ، وإن كان فـي أسانـيدها نظر، مع دلـيـل الكتاب علـى صحته علـى النـحو الذي بـيَّنت. ذكر الرواية الواردة بذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: ثنا سفـيان عن الأعمش، قال: ذكر أبو ثابت أنه دخـل الـمسجد، فجلس إلـى جنب أبـي الدرداء، فقال: اللهمّ آنس وحشتـي، وارحم غُرْبتـي، ويسِّر لـي جلـيساً صالـحاً، فقال أبو الدرداء: لئن كنت صادقاً لأنا أسعد به منك سأحدّثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لـم أحدّث به منذ سمعته ذَكَرَ هذه الآية: {ثُمَّ أَوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا فَمِنْهُمْ ظالِـمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بـالـخَيْرَاتِ} فأما السابق بـالـخيرات، فـيدخـلها بغير حساب، وأما الـمقتصد فـيحاسب حسابـاً يسيراً، وأما الظالـم لنفسه فـيصيبه فـي ذلك الـمكان من الغمّ والـحزن، فذلك قوله:

{ الـحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنَّا الـحَزَنَ }

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة عن الولـيد بن الـمغيرة، أنه سمع رجلاً من ثقـيف حدّث عن رجل من كنانة، عن أبـي سعيد الـخدريّ، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال فـي هذه الآية: {ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا فَمِنْهُمْ ظالِـمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بـالـخَيْرَاتِ بإذْنِ الله} قال:

هؤلاء كلهم بـمنزلة واحدة، وكلهم فـي الـجنة

وعنى بقوله: {الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا}: الذين اخترناهم لطاعتنا واجتبـيناهم. وقوله: {فَمِنْهُمْ ظالِـمٌ لِنَفْسِهِ} يقول: فمن هؤلاء الذين اصطفـينا من عبـادنا، من يظلـم نفسه بركوبه الـمآثم، واجترامه الـمعاصي، واقترافه الفواحش {وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ} وهو غير الـمبـالغ فـي طاعة ربه، وغير الـمـجتهد فـيـما ألزمه من خدمة ربه، حتـى يكون عمله فـي ذلك قصداً {وَمِنْهُمْ سابِقٌ بـالـخَيْرَاتِ} وهو الـمبرز الذي قد تقدّم الـمـجتهدين فـي خدمة ربه، وأداء ما لزمه من فرائضه، فسبقهم بصالـح الأعمال، وهي الـخيرات التـي قال الله جلّ ثناؤه {بِإذْنِ اللّهِ} يقول: بتوفـيق الله إياه لذلك.

وقوله: {ذَلكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِـيرُ} يقول تعالـى ذكره: سبوق هذا السابق من سبقه بـالـخيرات بإذن الله، وهو الفضل الكبـير الذي فضل به من كان مقصِّراً عن منزلته فـي طاعة الله من الـمقتصد والظالـم لنفسه.

جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ۝٣٣ وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ۝٣٤

يقول تعالـى ذكره: بساتـين إقامة يدخـلونها هؤلاء الذين أورثناهم الكتاب، الذين اصطفـينا من عبـادنا يوم القـيامة {يُحَلَّوْنَ فِـيها مِنْ أساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ} يـلبسون فـي جنات عدن أسورة من ذهب {وَلُؤْلُؤاً وَلِبـاسُهُمْ فِـيها حَرِيرٌ} يقول: ولبـاسهم فـي الـجنة حرير.

وقوله: {وَقالُوا الـحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنَّا الـحَزَنَ} اختلف أهل التأويـل فـي الـحَزَن الذي حمد الله علـى إذهابه عنهم هؤلاء القوم، فقال بعضهم: ذلك الـحزَن الذي كانوا فـيه قبل دخولهم الـجنة من خوف النار، إذ كانوا خائفـين أن يدخـلوها. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي قتادة بن سعيد بن قتادة السدوسيّ، قال: ثنا معاذ بن هشام صاحب الدستوائي، قال: ثنا أبـي، عن عمرو بن مالك، عن أبـي الـجوزاء، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {الـحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنَّا الـحَزَنَ} قال: حزن النار.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن معمر، عن يحيى بن الـمختار، عن الـحسن

{ وَإذَا خاطَبَهُمُ الـجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً } قال: إن الـمؤمنـين قوم ذُلُل، ذلَّت والله الأسماع والأبصار والـجوارح، حتـى يحسبهم الـجاهل مَرْضَى، وما بـالقوم مرض، وإنهم لأصحة القلوب، ولكن دخـلهم من الـخوف ما لـم يدخـل غيرهم، ومنعهم من الدنـيا علـمهم بـالآخرة، فقالوا: {الـحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنَّا الـحَزَنَ}، والـحَزَن، والله ما حزنهم حزن الدنـيا، ولا تعاظم فـي أنفسهم ما طلبوا به الـجنة أبكاهم الـخوف من النار، وإنه من لا يتعزّ بعزاء الله يقطِّع نفسه علـى الدنـيا حسرات، ومن لـم ير لله علـيه نعمة إلاَّ فـي مطعم أو مشرب، فقد قلّ علـمه، وحضر عذابه.

وقال آخرون: عُنـي به الـموت. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبـيه، عن عطية، فـي قوله: {الـحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنَّا الـحَزَنَ} قال: الـموت.

وقال آخرون: عُنـي به حزن الـخبز. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن حفص، يعنـي ابن حميد، عن شمر، قال: لـما أدخـل الله أهل الـجنة الـجنة، قالوا {الـحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنَّا الـحَزَنَ} قال: حزن الـخبز.

وقال آخرون: عُنـي بذلك: الـحَزَن من التعب الذي كانوا فـيه فـي الدنـيا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَقالُوا الـحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنَّا الـحَزَنَ} قال: كانوا فـي الدنـيا يعملون وينصَبون وهم فـي خوف، أو يحزنون.

وقال آخرون: بل عُنـي بذلك الـحزن الذي ينال الظالـم لنفسه فـي موقـف القـيامة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، قال: ذكر أبو ثابت أن أبـا الدرداء، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

أمَّا الظَّالِـمُ لِنَفْسِهِ، فَـيُصِيبُهُ فِـي ذَلكَ الـمَكانِ مِنَ الغَمّ والـحَزَنِ، فَذلكَ قَوْلُهُ: {الـحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنَّا الـحَزَنَ}

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أخبر عن هؤلاء القوم الذين أكرمهم بـما أكرمهم به أنهم قالوا حين دخـلوا الـجنة {الـحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنَّا الـحَزَنَ} وخوف دخول النار من الـحزن، والـجَزَع من الـموت من الـحزن، والـجزع من الـحاجة إلـى الـمطعم من الـحزن، ولـم يخصص الله إذ أخبر عنهم أنهم حمدوه علـى إذهابه الـحزن عنهم نوعاً دون نوع، بل أخبر عنهم أنهم عموا جميع أنوع الـحزن بقولهم ذلك، وكذلك ذلك، لأن من دخـل الـجنة فلا حزن علـيه بعد ذلك، فحمدهم علـى إذهابه عنهم جميع معانـي الـحزن.

وقوله: {إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل هذه الأصناف الذين أخبر أنه اصطفـاهم من عبـاده عند دخولهم الـجنة: إن ربنا لغفور لذنوب عبـاده الذين تابوا من ذنوبهم، فساترها علـيهم بعفوه لهم عنهم، شكور لهم علـى طاعتهم إياه، وصالـح ما قدّموا فـي الدنـيا من الأعمال. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة فـي قوله: {إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} لـحسناتهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن حفص، عن شمر {إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} غفر لهم ما كان من ذنب، وشكر لهم ما كان منهم.

ٱلَّذِىٓ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِۦ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ۝٣٥

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل الذين أدخـلوا الـجنة {إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أحَلَّنا دَارَ الـمُقامَةِ}: أي ربنا الذي أنزلنا هذه الدار، يعنون الـجنة فدار الـمُقامة: دار الإقامة التـي لا نقلة معها عنها، ولا تـحوّل والـميـم إذا ضمت من الـمُقامة، فهي من الإقامة، فإذا فتـحت فهي من الـمـجلس، والـمكان الذي يُقام فـيه، قال الشاعر:

يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ وَيَوْمُ سَيْرٍ إلـى الأعْدَاءِ تأْوِيبِ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {الَّذِي أحَلَّنا دَارَ الـمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ} أقاموا فلا يتـحوّلون.

وقوله: {لا يَـمَسُّنا فِـيها نَصَبٌ} يقول: لا يصيبنا فـيها تعب ولا وجع {وَلا يَـمَسُّنا فِـيها لُغُوبٌ} يعنـي بـاللغوب: العناء والإعياء. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبـيد، قال: ثنا موسى بن عمير، عن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {لا يَـمَسُّنا فِـيها نَصَبٌ وَلا يَـمَسُّنا فِـيها لُغُوبٌ} قال: اللغوب: العناء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لا يَـمَسُّنا فِـيها نَصَبٌ}: أي وجع.

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا۟ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَٰلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ ۝٣٦ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَٰلِحًا غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ فَذُوقُوا۟ فَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ۝٣٧

يقول تعالـى ذكره: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا} بـالله ورسوله {لَهُمْ نارُ جَهَنَّـمَ} يقول: لهم نار جهنـم مخـلَّدين فـيها، لا حظّ لهم فـي الـجنة ولا نعيـمها، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {لَهُمْ نَارُ جَهَنَّـمَ لاَ يُقْضَى عَلَـيْهِمْ} بـالـموت فـيـموتوا، لأنهم لو ماتوا لاستراحوا

. {وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها} يقول: ولا يخفف عنهم من عذاب نار جهنـم بإماتتهم، فـيخفف ذلك عنهم، كما:

حدثنـي مُطرِّف بن عبد الله الضَّبِّـي، قال: ثنا أبو قُتـيبة، قال: ثنا أبو هلال الراسبـيّ، عن قتادة عن أبـي السوداء، قال: مساكين أهل النار لا يـموتون، لو ماتوا لاستراحوا.

حدثنـي عقبة عن سنان القزاز، قال: ثنا غَسان بن مضر، قال: ثنا سعيد بن يزيد وحدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن سعيد بن يزيد وحدثنا سَوّار بن عبد الله، قال: ثنا بشر بن الـمفضل، ثنا أبو سَلَـمة، عن أبـي نضرة، عن أبـي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أمَّا أهْلُ النَّارالَّذِينَ هُمْ أهْلُها فإنَّهُمْ لا يَـمُوتُونَ فِـيها ولا يَحْيَوْنَ، لكنَّ ناساً أو كما قال تُصِيبُهُمْ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ، أو قال: بِخَطاياهُمْ، فَـيُـمِيتُهُمْ إماتَةً حتـى إذَا صَارُوا فَحْماً أَذِنَ فِـي الشَّفـاعَةِ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبـائِرَ، فَبُثُّوا علـى أهْلِ الـجَنَّةِ، فَقالَ: يا أهلَ الـجَنَّةِ أفِـيضُوا عَلَـيْهِمْ فَـيَنْبُتَونَ كمَا تَنْبُتُ الـحَبَّةُ فِـي حَمِيـلِ السَّيْـلِ فقال رجل من القوم حينئذٍ: كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان بـالبـادية.

فإن قال قائل: وكيف قـيـل: {ولاَ يخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِهَا} وقد قـيـل فـي موضع آخر:

{ كُلَّـما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً }؟ قـيـل: معنى ذلك: ولا يخفف عنهم من هذا النوع من العذاب.

وقوله: {كَذَلكَ نَـجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} يقول تعالـى ذكره: هكذا يكافـىء كلّ جحود لنعم ربه يوم القـيامة، بأن يدخـلهم نار جهنـم بسيئاتهم التـي قدّموها فـي الدنـيا.

وقوله: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِـيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صَالِـحاً غيرَ الَّذِي كُنَّا نعملُ} يقول تعالـى ذكره: هؤلاء الكفـار يستغيثون، ويضجون فـي النار، يقولون: يا ربنا أخرجنا نعمل صالـحاً: أي نعمل بطاعتك {غَيرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} قبلُ من معاصيك. وقوله: {يَصْطَرخُونَ} يفتعلون من الصُّراخ، حوّلتْ تاؤها طاء لقرب مخرجها من الصاد لـما ثَقُلت.

وقوله: {أوَ لَـمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِـيهِ مَنْ تَذَكَّرَ} اختلف أهل التأويـل فـي مبلغ ذلك، فقال بعضهم: ذلك أربعون سنة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا بشر بن الـمفضل، قال: ثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَـيـم، عن مـجاهد، قال: سمعت ابن عبـاس يقول: العمر الذي أعذر الله إلـى ابن آدم {أوَ لَـمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِـيهِ مَنْ تَذَكَّرَ}: أربعون سنة.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، عن مـجالد، عن الشعبـي، عن مسروق أنه كان يقول: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة، فلـيأخذ حِذْره من الله.

وقال آخرون: بل ذلك ستون سنة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن ابن خُثَـيْـم، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس {أو لَـمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِـيهِ مَنْ تَذَكَّرَ} قال: ستون سنة.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عبد الله بن عثمان بن خُثَـيْـم، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، قال: العمر الذي أعذر الله فـيه لابن آدم ستون سنة.

حدثنا علـيّ بن شعيب، قال: ثنا مـحمد بن إسماعيـل بن أبـي كديك، عن إبراهيـم بن الفضل، عن أبـي حسين الـمكيّ، عن عطاء بن أبـي رَبـاح، عن ابن عبـاس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إذَا كانَ يَوْمُ القِـيامَةِ نُودِيَ: أيْنَ أبْناءُ السِّتِّـينَ، وَهُوَ العُمُرُ الَّذِي قالَ اللّهُ: {أوَ لَـمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِـيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ}

حدثنـي أحمد بن الفرج الـحِمْصِيّ، قال: ثنا بقـية بن الولـيد، قال: ثنا مُطَرِّف بن مازن الكنانـيّ، قال: ثنـي معمر بن راشد، قال: سمعت مـحمد بن عبد الرحمن الغفـاريّ يقول: سمعت أبـا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لَقَدْ أَعْذَرَ اللّهُ إلـى صَاحِبِ السِّتِّـينَ سَنَةً والسَّبْعِينَ

حدثنا أبو صالـح الفزاري، قال: ثنا مـحمد بن سوار، قال: ثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد القاريُّ الإسكندريّ، قال: ثنا أبو حازم، عن سعيد الـمقبريّ، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَنْ عَمَّرَهُ اللّهُ سِتِّـينَ سَنَةً فَقَدْ أعْذَرَ إلَـيْهِ فِـي العُمْرِ

حدثنا مـحمد بن سوار، قال: ثنا أسد بن حميد، عن سعيد بن طريف، عن الأصبغ بن نبـاتة، عن علـيّ رضي الله عنه، فـي قوله: {أوَ لَـمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِـيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ} قال: العمر الذي عمركم الله به ستون سنة.

وأشبه القولـين بتأويـل الآية إذ كان الـخبر الذي ذكرناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبراً فـي إسناده بعض من يَجِب التثبت فـي نقله، قول من قال ذلك أربعون سنة، لأن فـي الأربعين يتناهى عقل الإنسان وفهمه، وما قبل ذلك وما بعده منتقَص عن كماله فـي حال الأربعين.

وقوله: {وَجاءَكُمُ النَّذيرُ} اختلف أهل التأويـل فـي معنى النذير، فقال بعضهم: عنى به مـحمداً صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ} قال: النذير: النبـيّ. وقرأ:

{ هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولـى }.

وقـيـل: عَنَى به الشيب. فتأويـل الكلام إذن: أو لـم نعمركم يا معشر الـمشركين بـالله من قُرَيش من السنـين، ما يتذكر فـيه من تذكر، من ذوي الألبـاب والعقول، واتعظ منهم من اتعظ، وتاب من تاب، وجاءكم من الله منذر يُنذركم ما أنتـم فـيه الـيوم من عذاب الله، فلـم تتذكَّروا مواعظ الله، ولـم تقبلوا من نذير الله الذي جاءكم ما أتاكم به من عند ربكم.

إِنَّ ٱللَّهَ عَٰلِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝٣٨

يقول تعالـى ذكره: {فَذُوقُوا} نار عذاب جهنـم الذي قد صَلِـيتـموه أيها الكافرون بـالله {فَمَا للظَّالِـمِينَ مِنْ نَصِير} يقول: فما للكافرين الذين ظلـموا أنفسهم فأكسَبُوها غضب الله بكفرهم بـالله فـي الدنـيا من نصير ينصرهم من الله لـيستنقذهم من عقابه. وقوله: {إنَّ اللّهَ عالِـمُ غَيْبِ السَّمَوَاتِ والأرْضِ} يقول تعالـى ذكره: إن الله عالـم ما تُـخْفون أيها الناس فـي أنفسكم وتُضْمرونه، وما لـم تضمروه ولـم تنوُوه مـما ستنوُونه، وما هو غائب عن أبصاركم فـي السموات والأرض، فـاتقوه أن يَطَّلع علـيكم، وأنتـم تضمرون فـي أنفسكم من الشكّ فـي وحدانـية الله، أو فـي نبوّة مـحمد، غير الذي تبدونه بألسنتكم، {إِنَّه عَلِـيـمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}.

هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُۥ وَلَا يَزِيدُ ٱلْكَٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ ٱلْكَٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا ۝٣٩

يقول تعالـى ذكره: الله الذي جعلكم أيها الناس خلائف فـي الأرض من بعد عاد وثمود، ومن مضى من قبلكم من الأمـم فجعلكم تـخـلفونهم فـي ديارهم ومساكنهم، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فـي الأرْضِ} أمة بعد أُمة، وقرناً بعد قرن.

وقوله: {فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَـيْهِ كُفْرُهُ} يقول تعالـى ذكره: فمن كفر بـالله منكم أيها الناس، فعلـى نفسه ضرّ كفره، لا يضرّ بذلك غير نفسه، لأنه الـمعاقب علـيه دون غيره. وقوله: {وَلا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إلاَّ مَقْتاً} يقول تعالـى: ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلاَّ بُعداً من رحمة الله {وَلا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إلاَّ خَساراً} يقول: ولا يزيد الكافرين كفرهم بـالله إلاَّ هلاكاً.

قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَمْ ءَاتَيْنَٰهُمْ كِتَٰبًا فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَتٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّٰلِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا ۝٤٠

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} يا مـحمد لـمشركي قومك {أرأيْتُـمْ} أيها القوم {شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ أرُونِـي ماذَا خَـلَقُوا مِنَ الأرْضِ} يقول: أرونـي أيّ شيء خـلقوا من الأرض {أمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِـي السَّمَوَاتِ} يقول: أم لشركائكم شرك مع الله فـي السموات، إن لـم يكونوا خَـلَقوا من الأرض شيئاً {أَمْ آتَـيْناهُمْ كِتابـاً فَهُمْ عَلـى بَـيِّنَةٍ مِنْهُ} يقول: أم آتـينا هؤلاء الـمشركين كتابـاً أنزلناه علـيهم من السماء بأن يشركوا بـالله الأوثان والأصنام، فهم علـى بـيِّنة منه، فهم علـى برهان مـما أمرتهم فـيه من الإشراك بـي. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {قُلْ أرأيْتُـمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ أرُونِـي ماذَا خَـلَقُوا مِنَ الأرْضِ} لا شيء والله خَـلَقوا منها {أمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِـي السَّمَوَاتِ} لا والله ما لهم فـيها شرك {أمْ آتَـيْناهُمْ كِتابـاً فَهُمْ عَلـى بَـيِّنَةٍ} منه، يقول: أم آتـيناهم كتابـاً فهو يأمرهم أن يشركوا.

وقوله: {بَلْ إنْ يَعِدُ الظَّالِـمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إلاَّ غُرُوراً} وذلك قول بعضهم لبعض:

{ ما نعْبُدُهُمْ إلاَّ لِـيُقَرّبُونا إلـى اللّهِ زُلْفَـى }خداعاً من بعضهم لبعض وغروراً، وإنـما تزلفهم آلهتهم إلـى النار، وتقصيهم من الله ورحمته.

إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِهِۦٓ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ۝٤١

يقول تعالـى ذكره: {إنَّ اللّهَ يُـمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ} لئلا تزولا من أماكنهما {وَلَئِنْ زَالَتا} يقول: ولو زالتا {إنْ أمْسَكَهُما مِنْ أحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ} يقول: ما أمسكهما أحد سواه. ووضعت «لئن» فـي قوله {وَلَئِنْ زَالَتا} فـي موضع «لو» لأنهما يجابـان بجواب واحد، فـيتشابهان فـي الـمعنى ونظير ذلك قوله:

{ وَلَئِنْ أرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يكْفُرُونَ }بـمعنى: ولو أرسلنا ريحاً، وكما قال: { ولئن أتَـيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ }بـمعنى: لو أتـيت. وقد بـيَّنا ذلك فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثَنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّ اللّهَ يُـمْسِكُ السَّمَوَات والأرْضَ أنْ تَزُولا} من مكانهما.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن أبـي وائل، قال: جاء رجل إلـى عبد الله، فقال: من أين جئت؟ قال: من الشأم، قال: مَن لقـيتَ؟ قال: لقـيتُ كعبـاً، فقال: ما حدّثك كعب؟ قال: حدثنـي أن السموات تدور علـى منكب ملك، قال: فصدّقته أو كذّبته؟ قال: ما صدّقته ولا كذّبته، قال: لوددت أنك افتديت من رحلتك إلـيه براحلتك ورحلها، وكذب كعب إن الله يقول: {إنَّ اللّهَ يُـمْسِكُ السَّمَوَاتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِنْ أحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ}.

حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيـم، قال: ذهب جُندَب البَجَلـيّ إلـى كعب الأحبـار، فقدم علـيه ثم رجع، فقال له عبد الله: حدِّثنا ما حدّثك، فقال: حدثنـي أن السماء فـي قطب كقطب الرحا، والقطب عمود علـى مَنكِب ملك، قال عبد الله: لوددت أنك افتديت رحلتك بـمثل راحلتك ثم قال: ما تنتكت الـيهودية فـي قلب عبد فكادت أن تفـارقه، ثم قال: {إنَّ اللّهَ يُـمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ أنْ تَزُولا} كفـى بها زوالاً أن تدور.

وقوله: {إنَّهُ كانَ حَلِـيـماً غَفُوراً} يقول تعالـى ذكره: إن الله كان حلـيـماً عمن أشرك وكفر به من خـلقه فـي تركه تعجيـل عذابه له، غفوراً لذنوب من تاب منهم، وأناب إلـى الإيـمان به، والعمل بـما يرضيه.

وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلْأُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا ۝٤٢ ٱسْتِكْبَارًا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَكْرَ ٱلسَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِۦ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ ٱلْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا ۝٤٣

يقول تعالـى ذكره: وأقسم هؤلاء الـمشركون بـالله جهد أيـمانهم يقول: أشدّ الإيـمان، فبـالغوا فـيها، لئن جاءهم من الله مُنذر ينذرهم بأس الله {لَـيَكُونُنَّ أهْدَى مِنْ إحْدَى الأُمَـمِ} يقول: لـيكونُنّ أسلك لطريق الـحقّ، وأشدّ قبولاً لِـما يأتـيهم به النذير من عند الله، من إحدى الأَمـم التـي خـلت من قبلهم {فَلَـمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ} يعنـي بـالنذير: مـحمداً صلى الله عليه وسلم، يقول: فلـما جاءهم مـحمد ينذرهم عقاب الله علـى كفرهم، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَلَـمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ} وهو مـحمد صلى الله عليه وسلم.

وقوله: {ما زَادَهُمْ إلاَّ نُفُوراً} يقول: ما زادهم مـجِيء النذير من الإيـمان بـالله واتبـاع الـحقّ، وسلوك هدى الطريق، إلاَّ نفوراً وهربـاً.

وقوله: {اسْتِكْبـاراً فِـي الأرْضِ} يقول: نفروا استكبـاراً فـي الأرض، وخِدْعة سيئة، وذلك أنهم صدّوا الضعفـاء عن اتبـاعه مع كفرهم به. والـمكر هاهنا: هو الشرك، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَمَكْرَ السَّيِّىءِ} وهو الشرك.

وأضيف الـمكر إلـى السيىء، والسيىء من نعت الـمكر، كما قـيـل:

{ إن هذا لهو حقّ الـيقـين }. وقـيـل: إن ذلك فـي قراءة عبد الله: «وَمَكْراً سَيِّئاً»، وفـي ذلك تـحقـيق القول الذي قلناه من أن السيىء فـي الـمعنى من نعت الـمكر. وقرأ ذلك قرّاء الأمصار غير الأعمش وحمزة بهمزة مـحركة بـالـخفض. وقرأ ذلك الأعمش وحمزة بهمزة وتسكين الهمزة اعتلالاً منهما بأن الـحركات لـما كثرت فـي ذلك ثقل، فسكنا الهمزة، كما قال الشاعر:

إذا اعْوَجَجْنَ قُلْتُ صَاحِبْ قَوّمِ

فسكَّن البـاء، لكثرة الـحركات.

والصواب من القراءة ما علـيه قرّاء الأمصار من تـحريك الهمزة فـيه إلـى الـخفض، وغير جائز فـي القرآن أن يقرأ بكل ما جاز فـي العربـية، لأن القراءة إنـما هي ما قرأت به الأئمة الـماضية، وجاء به السلف علـى النـحو الذي أخذوا عمن قبلهم.

وقوله: {وَلا يَحِيقُ الـمَكْرُ السَّيِّىءُ إلاَّ بأهْلِهِ} يقول: ولا ينزل الـمكر السيىء إلاَّ بأهله، يعنـي بـالذين يـمكرونه وإنـما عَنَى أنه لا يحل مكروه ذلك الـمكر الذي مكره هؤلاء الـمشركون إلاَّ بهم.

وقال قتادة فـي ذلك ما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَلا يَحِيقُ الـمَكْرُ السَّيِّىءُ إلاَّ بأهْلِهِ} وهو الشرك.

وقوله: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ سُنَّةَ الأوَّلِـينَ} يقول تعالـى ذكره: فهل ينتظر هؤلاء الـمشركون من قومك يا مـحمد إلاَّ سنة الله بهم فـي عاجل الدنـيا علـى كفرهم به ألـيـمَ العقاب. يقول: فهل ينتظر هؤلاء إلاَّ أن أُحلّ بهم من نقمتـي علـى شركهم بـي وتكذيبهم رسولـي مثل الذي أحللت بـمن قبلهم من أشكالهم من الأمـم، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ سُنَّتَ الأوَّلِـينَ}: أي عقوبة الأوّلـين.

{فَلَنْ تَـجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً} يقول: فلن تـجد يا مـحمد لسنة الله تغيـيراً.

وقوله: {وَلَنْ تَـجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَـحْوِيلاً} يقول: ولن تـجد لسنَّة الله فـي خـلقه تبديلاً يقول: لن يغير ذلك، ولا يبدّله، لأنه لا مردّ لقضائه.

أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُۥ مِن شَىْءٍ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ إِنَّهُۥ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ۝٤٤

يقول تعالـى ذكره: أو لـم يَسِرْ يا مـحمد هؤلاء الـمشركون بـالله، فـي الأرض التـي أهلكنا أهلها بكفرهم بنا وتكذيبهم رسلنا، فإنهم تـجار يسلكون طريق الشأم {فَـيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} من الأمـم التـي كانوا يـمرون بها ألـم نهلكهم ونـخربْ مساكنهم ونـجعلْهم مثلاً لـمن بعدهم، فـيتعظوا بهم، وينزجروا عما هم علـيه من عبـادة الآلهة بـالشرك بـالله، ويعلـموا أن الذي فعل بأولئك ما فعل

{ وكانُوا أشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَبَطْشاً }لن يتعذّر علـيه أن يفعل بهم مثل الذي فعل بأولئك من تعجيـل النقمة، والعذاب لهم. وبنـحو الذي قلنا فـي قوله: {وكانُوا أشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وكانُوا أشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} يخبركم أنه أعطى القوم ما لـم يعطكم.

وقوله: {وَما كانَ اللّهُ لِـيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِـي السَّمَوَاتِ وَلا فِـي الأرْضِ} يقول تعالـى ذكره: ولن يعجزنا هؤلاء الـمشركون بـالله من عبدة الآلهة، الـمكذّبون مـحمداً فـيسبقونا هربـاً فـي الأرض، إذا نـحن أردنا هلاكهم، لأن الله لـم يكن لـيعجزه شيء يريده فـي السموات ولا فـي الأرض، ولن يقدر هؤلاء الـمشركون أن ينفُذوا من أقطار السموات والأرض. وقوله: {إنَّهُ كانَ عَلِـيـماً قَدِيراً} يقول تعالـى ذكره: إن الله كان علـيـماً بخـلقه، وما هو كائن، ومن هو الـمستـحقّ منهم تعجيـل العقوبة، ومَن هو عن ضلالته منهم راجع إلـى الهدى آئب، قديراً علـى الانتقام مـمن شاء منهم، وتوفـيق من أراد منهم للإيـمان.

الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ