انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة فصلت

تفسير القرطبيالآيات 33–54

تفسير سورة فصلت آية آية، من تفسير القرطبي.

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ۝٣٣ وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌ ۝٣٤ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ۝٣٥ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝٣٦

قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً} هذا توبيخ للذين تواصَوْا باللغو في القرآن. والمعنى: أيّ كلام أحسن من القرآن، ومن أحسن قولاً من الداعي إلى الله وطاعته وهو محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن سيرين والسدي وابن زيد والحسن: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان الحسن إذا تلا هذه الآية يقول: هذا رسول الله، هذا حبيب الله، هذا وليّ الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا والله أحب أهل الأرض إلى الله؛ أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب إليه. وقالت عائشة رضي الله عنها وعكرمة وقيس بن أبي حازم ومجاهد: نزلت في المؤذّنين. قال فضيل بن رفيدة: كنت مؤذناً لأصحاب عبد الله بن مسعود، فقال لي عاصم بن هبيرة: إذا أذّنت فقلت: الله أكبر الله أكبر لا إلٰه إلا الله، فقل وأنا من المسلمين؛ ثم قرأ هذ الآية؛ قال ابن العربي؛ الأول أصح؛ لأن الآية مكية والأذان مدني؛ وإنما يدخل فيها بالمعنى؛ لا أنه كان المقصود وقت القول، ويدخل فيها أبو بكر الصدّيق حين قال في النبيّ صلى الله عليه وسلم وقد خنقه الملعون

{ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ } [غافر: 28] وتتضمن كل كلام حسن فيه ذكر التوحيد والإيمان.

قلت: وقول ثالث وهو أحسنها؛ قال الحسن: هذه الآية عامة في كل من دعا إلى الله. وكذا قال قيس بن أبي حازم قال: نزلت في كل مؤمن. قال: ومعنى «وَعَمِلَ صَالِحاً» الصلاة بين الأذان والإقامة. وقاله أبو أمامة؛ قال: صلى ركعتين بين الأذان والإقامة. وقال عكرمة: «وَعَمِلَ صَالِحَاً» صلّى وصام. وقال الكلبي: أدى الفرائض.

قلت: وهذا أحسنها مع اجتناب المحارم وكثرة المندوب. والله أعلم. {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} قال ابن العربي: وما تقدّم يدل على الإسلام، لكن لما كان الدعاء بالقول والسيف يكون للاعتقاد ويكون للحجة، وكان العمل يكون للرياء والإخلاص، دل على أنه لا بدّ من التصريح بالاعتقاد لله في ذلك كله، وأن العمل لوجهه.

مسألة: لما قال الله تعالى: {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} ولم يقل له اشترط إن شاء الله، كان في ذلك رد على من يقول أنا مسلم إن شاء الله.

قوله تعالى: {وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ} قال الفراء: «لاَ» صلة أي «وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ» وأنشد:

ما كان يَرْضَى رسولُ اللَّهِ فِعْلَهُمُوالطَّيِّبانِ أبو بكر ولا عمرُ

أراد أبو بكر وعمر؛ أي لا يستوي ما أنت عليه من التوحيد، وما المشركون عليه من الشرك. قال ابن عباس: الحسنة لا إلٰه إلا الله، والسيئة الشرك. وقيل: الحسنة الطاعة، والسيئة الشرك. وهو الأول بعينه. وقيل: الحسنة المداراة، والسيئة الغلظة. وقيل: الحسنة العفو، والسيئة الانتصار. وقال الضحاك: الحسنة العلم، والسيئة الفحش. وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: الحسنة حبّ آل الرسول، والسيئة بغضهم.

قوله تعالى: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} نسخت بآية السيف، وبقي المستحب من ذلك: حسن العشرة والاحتمال والإغضاء. قال ابن عباس: أي ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك. وعنه أيضاً: هو الرجل يسبّ الرجل فيقول الآخر إن كنت صادقاً فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك. وكذلك يروى في الأثر: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال ذلك لرجل نال منه. وقال مجاهد: «بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» يعني السلام إذا لقي من يعاديه؛ وقاله عطاء. وقول ثالث ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في الأحكام وهو المصافحة. وفي الأثر: «تصافحوا يَذهبِ الغِلُّ». ولم ير مالك المصافحة، وقد اجتمع مع سفيان فتكلما فيها فقال سفيان: قد صافح رسول الله صلى الله عليه وسلم جعفراً حين قدم من أرض الحبشة؛ فقال له مالك: ذلك خاص. فقال له سفيان: ما خَصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصّنا، وما عَمّه يعمّنا، والمصافحة ثابتة فلا وجه لإنكارها. وقد روى قتادة قال قلت لأنس: هل كانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. وهو حديث صحيح. وفي الأثر: «من تمام المحبة الأخذ باليد». ومن حديث محمد بن إسحاق وهو إمام مقدّم، عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، فقرع الباب فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرياناً يجر ثوبه ـ والله ما رأيته عرياناً قبله ولا بعده ـ فاعتنقه وقبّله.

قلت: قد روي عن مالك جواز المصافحة وعليها جماعة من العلماء. وقد مضى ذلك في «يوسف» وذكرنا هناك حديث البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودة بينهما ونصيحة إلا أُلقيت ذنوبهما بينهما».

قوله تعالى: {فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} أي قريب صديق. قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان بن حرب، كان مؤذياً للنبي صلى الله عليه وسلم، فصار له وليًّا بعد أن كان عدوّاً بالمصاهرة التي وقعت بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم فصار وليًّا في الإسلام حميماً بالقرابة. وقيل: هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره الله تعالى بالصبر عليه والصفح عنه، ذكره الماوردي. والأول ذكره الثعلبي والقشيري وهو أظهر؛ لقوله تعالى: {فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}. وقيل: كان هذا قبل الأمر بالقتال. قال ابن عباس: أمره الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعل الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوّهم. وروي أن رجلاً شتم قَنْبَراً مولى عليّ بن أبي طالب فناداه عليّ يا قَنَبْر! دع شاتمك، والْه عنه ترضي الرحمن وتسخط الشيطان، وتعاقب شاتمك، فما عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه. وأنشدوا:

ولَلْكَفُّ عن شَتْم اللّئيم تَكَرُّماًأَضَرُّ له مِنْ شَتْمِهِ حين يُشْتَمُ

وقال آخر:

وما شَيْءٌ أحَبُّ إلى سفِيهٍإذا سبّ الكَريمَ مِن الْجَوَابِ مُتَارَكَةُ السّفيهِ بلا جوابٍأَشَدُّ على السَّفِيهِ من السِّبابِ

وقال محمود الورّاق:

سَأُلزِم نفسي الصَّفْحَ عن كلّ مذنِبٍوإن كَثُرتْ منه لَديّ الْجَرائمُ فما الناس إلاَ واحِدٌ مِن ثلاثةٍشريفٌ ومَشْرُوفٌ ومِثْلٌ مقاومُ فأما الذي فَوْقي فَأَعْرِفُ قَدْرَهوَأَتْبَعُ فيه الْحَقَّ والْحَقُّ لازِمُ وأما الذِي دونِي فإنْ قال صُنْتُ عنإِجابتِهِ عِرضِي وإن لاَمَ لائِمُ وأما الذي مِثلِي فإنْ زَلَّ أو هَفاتَفَضَّلْتُ إنّ الفَضْلَ بالحِلم حاكِمُ

{وَمَا يُلَقَّاهَا} يعني هذه الفَعلة الكريمة والخصلة الشريفة {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} بكظم الغيظ واحتمال الأذى. {وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} أي نصيب وافر من الخير؛ قاله ابن عباس. وقال قتادة ومجاهد: الحظ العظيم الجنة. قال الحسن: والله ما عظم حظ قط دون الجنة. وقيل: الكناية في «يُلَقَّاهَا» عن الجنة؛ أي ما يلقاها إلا الصابرون؛ والمعنى متقارب.

قوله تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ} تقدّم في آخر «الأعراف» مستوفًى. {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} من كيده وشره {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لاستعاذتك {ٱلْعَلِيمُ} بأفعالك وأقوالك.

وَمِنْ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا۟ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ۝٣٧ فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُوا۟ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْـَٔمُونَ ۝٣٨ وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَٰشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰٓ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٣٩

قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ} علاماته الدالة على وحدانيته وقدرته {ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} وقد مضى في غير موضع. ثم نهى عن السجود لهما؛ لأنهما وإن كانا خلقين فليس ذلك لفضيلة لهما في أنفسهما فيستحقان بها العبادة مع الله؛ لأن خالقهما هو الله ولو شاء لأعدمهما أو طمس نورهما. {وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ} وصورهنّ وسخرهنّ؛ فالكناية ترجع إلى الشمس والقمر والليل والنهار. وقيل: للشمس والقمر خاصة؛ لأن الاثنين جمع. وقيل: الضمير عائد على معنى الآيات {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} وإنما أنث على جمع التكثير ولم يجر على طريق التغليب للمذكر والمؤنث لأنه فيما لا يعقل. {فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ} يعني الكفار عن السجود لله {فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} من الملائكة {يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ} أي لا يملون عبادته. قال زهير:

سَئِمتُ تَكاليف الحياةِ ومَنْ يَعِشْثمانِين حَوْلاً لا أبَا لَكَ يَسْأَمِ

مسألة: هذه الآية آية سجدة بلا خلاف؛ واختلفوا في موضع السجود منها. فقال مالك: موضعه {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}؛ لأنه متصل بالأمر. وكان عليّ وابن مسعود وغيرهم يسجدون عند قوله: {تَعْبُدُونَ}. وقال ابن وهب والشافعي: موضعه {وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ} لأنه تمام الكلام وغاية العبادة والامتثال. وبه قال أبو حنيفة. وكان ابن عباس يسجد عند قوله: «يَسْأَمُونَ». وقال ابن عمر: اسجدوا بالآخرة منهما. وكذلك يروى عن مسروق وأبي عبد الرحمن السلمي وإبراهيم النخعي وأبي صالح ويحيـى بن وثاب وطلحة وزبيد الياميَّين والحسن وابن سيرين. وكان أبو وائل وقتادة وبكر بن عبد الله يسجدون عند قوله: «يَسْأَمُونَ». قال ابن العربي: والأمر قريب.

مسألة: ذكر ابن خُوَيْزِمَنْدَاد: أن هذه الآية تضمنت صلاة كسوف القمر والشمس؛ وذلك أن العرب كانت تقول: إن الشمس والقمر لا يكسفان إلا لموت عظيم، فصلى النبيّ صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف.

قلت: صلاة الكسوف ثابتة في الصحاح البخاري ومسلم وغيرهما. واختلفوا في كيفيتها اختلافاً كثيراً، لاختلاف الآثار، وحسبك ما في صحيح مسلم من ذلك، وهو العمدة في الباب، والله الموفق للصواب.

قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً} الخطاب لكل عاقل أي «وَمِنْ آيَاتِهِ» الدالة على أنه يحيي الموتى {أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً} أي يابسة جدبة؛ هذا وصف الأرض بالخشوع؛ قال النابغة:

رمادٌ كَكُحْلِ الْعَيْنِ لأْياً أُبِينُهُونُوْيٌ كَجِذْمِ الْحَوْضِ أَثْلَمُ خاشِع

والأرض الخاشعة: الغبراء التي تنبت. وبلدة خاشعة: أي مغبرة لا منزل بها. ومكان خاشع. {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ} أي بالنبات؛ قاله مجاهد. يقال: اهتز الإنسان أي تحرك؛ ومنه:

تراه كَنَصْلِ السيفِ يَهْتَزُّ لِلنَّدىإذا لم تَجِدْ عِند امرِىء السَّوْءِ مَطْمَعا

{وَرَبَتْ} أي انتفخت وعلت قبل أن تنبت؛ قاله مجاهد. أي تصعدت عن النبات بعد موتها. وعلى هذا التقدير يكون في الكلام تقديم وتأخير وتقديره: ربت واهتزت. والاهتزاز والربو قد يكونان قبل الخروج من الأرض؛ وقد يكونان بعد خروج النبات إلى وجه الأرض؛ فرُبُوُّها ارتفاعها. ويقال للموضع المرتفع: ربوة ورابية؛ فالنبات يتحرك للبروز ثم يزداد في جسمه بالكبر طولاً وعرضاً. وقرأ أبو جعفر وخالد «وَرَبَأَتْ» ومعناه عظمت؛ من الربيئة. وقيل: «اهْتَزَّتْ» أي استبشرت بالمطر «وَرَبَتْ» أي انتفخت بالنبات. والأرض إذا انشقت بالنبات: وُصِفت بالضحك، فيجوز وصفها بالاستبشار أيضاً. ويجوز أن يقال الربو والاهتزاز واحد؛ وهي حالة خروج النبات. وقد مضى هذا المعنى في «الحج» {إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تقدم في غير موضع.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ۝٤٠ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ وَإِنَّهُۥ لَكِتَٰبٌ عَزِيزٌ ۝٤١ لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ۝٤٢ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ۝٤٣

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا} أي يميلون عن الحق في أدلتنا. والإلحاد: الميل والعدول. ومنه اللحد في القبر؛ لأنه أميل إلى ناحية منه. يقال: ألحد في دين الله أي حاد عنه وعدل. ولَحَد لغة فيه. وهذا يرجع إلى الذين قالوا:

{ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ }[فصلت: 26] وهم الذين ألحدوا في آياته ومالوا عن الحق فقالوا: ليس القرآن من عند الله، أو هو شعر أو سحر؛ فالآيات آيات القرآن. قال مجاهد: «يُلْحِدُونَ في آيَاتِنَا» أي عند تلاوة القرآن بالمُكَاءِ والتَّصْدِيةِ واللَّغو والغِناء. وقال ابن عباس: هو تبديل الكلام ووضعه في غير موضعه. وقال قتادة: «يُلْحِدُونَ في آيَاتِنَا» يكذبون في آياتنا. وقال السدي: يعاندون ويشاقون. وقال ابن زيد: يشركون ويكذبون. والمعنى متقارب. وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل. وقيل: الآيات المعجزات، وهو يرجع إلى الأوّل فإن القرآن معجز. {أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ} على وجهه وهو أبو جهل في قول ابن عباس وغيره. {خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً} قيل: النبي صلى الله عليه وسلم؛ قاله مقاتل. وقيل: عثمان. وقيل: عمار بن ياسر. وقيل: حمزة. وقيل: عمر بن الخطاب. وقيل: أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي. وقيل: المؤمنون. وقيل: إنها على العموم؛ فالذي يلقى في النار الكافر، والذي يأتي آمناً يوم القيامة المؤمن؛ قاله ابن بحر. {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} أمر تهديد؛ أي بعد ما علمتم أنهما لا يستويان فلا بد لكم من الجزاء. {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وعيد بتهديد وتوعد.

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ} الذكر هاهنا القرآن في قول الجميع؛ لأن فيه ذكر ما يحتاج إليه من الأحكام. والخبر محذوف (تقديره) هالكون أو معذَّبون. وقيل: الخبر

{ أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ }[فصلت: 44] واعترض قوله: «مَا يُقَالُ لَكَ» ثم رجع إلى الذكر فقال: { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً }[فصلت: 44] ثم قال: «أولَئِكَ يُنَادَونَ» والأوّل الاختيار؛ قال النحاس: عند النحويين جميعاً فيما علمت. {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} أي عزِيز على الله؛ قاله ابن عباس؛ وعنه: عزيز من عند الله. وقيل: كريم على الله. وقيل: «عَزِيزٌ» أي أعزه الله فلا يتطرّق إليه باطل. وقيل: ينبغي أن يعز ويُجلّ وألا يلغى فيه. وقيل: «عَزِيزٌ» من الشيطان أن يبدّله؛ قاله السدي. مقاتل: منع من الشيطان والباطل. السدي: غير مخلوق فلا مثل له. وقال ابن عباس أيضاً: «عَزِيزٌ» أي ممتنع عن الناس أن يقولوا مثله. {لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} أي لا يكذبه شيء مما أنزل الله من قبل ولا ينزل من بعده كتاب يبطله وينسخه؛ قاله الكلبي. وقال السدي وقتادة: «لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ» يعني الشيطان {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} لا يستطيع أن يغيّر ولا يزيد ولا ينقص. وقال سعيد بن جبير: لا يأتيه التكذيب «مِنْ بَيْنِ يدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ». ابن جريج: «لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ» فيما أخبر عما مضى ولا فيما أخبر عما يكون. وعن ابن عباس: «مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ» من الله تعالى {وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} يريد من جبريل صلى الله عليه وسلم، ولا من محمد صلى الله عليه وسلم. {تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} ابن عباس: «حَكيم» في خلقه «حَمِيدٍ» إليهم. قتادة: «حَكِيمٍ» في أمره «حَمِيدٍ» إلى خلقه.

قوله تعالى: {مَّا يُقَالُ لَكَ} أي من الأذى والتكذيب {إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} يعزي نبيه ويسليه {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ} لك ولأصحابك {وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} يريد لأعدائك وجيعاً. وقيل: أي ما يقال لك من إخلاص العبادة لله إلا ما قد أوحي إلى من قبلك، ولا خلاف بين الشرائع فيما يتعلق بالتوحيد، وهو كقوله:

{ وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [الزمر: 65] أي لم تدعهم إلا إلى ما تدعو إليه جميع الأنبياء، فلا معنى لإنكارهم عليك. وقيل: هو استفهام، أي أيّ شيء يقال لك «إلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ». وقيل: «إِنَّ رَبَّكَ» كلام مبتدأ وما قبله كلام تام إذا كان الخبر مضمراً. وقيل: هو متصل بـ{مَّا يُقَالُ لَكَ}. {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} أي إنما أمرت بالإنذار والتبشير.

وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَٰتُهُۥٓ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُو۟لَٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ ۝٤٤

قوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً} أي بلغة غير العرب {لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} أي بينت بلغتنا فإننا عرب لا نفهم الأعجمية. فبيّن أنه أنزله بلسانهم ليتقرّر به معنى الإعجاز؛ إذ هم أعلم الناس بأنواع الكلام نظماً ونثراً. وإذا عجزوا عن معارضته كان من أدل الدليل على أنه من عند الله، ولو كان بلسان العجم لقالوا لا علم لنا بهذا اللسان.

الثانية: وإذا ثبت هذا ففيه دليل على أن القرآن عربي، وأنه نزل بلغة العرب، وأنه ليس أعجمياً، وأنه إذا نقل عنها إلى غيرها لم يكن قرآناً.

الثالثة: قوله تعالى: {ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي «اَاَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيُّ» بهمزتين مخففتين، والعجميّ الذي ليس من العرب كان فصيحاً أو غير فصيح، والأعجمي الذي لا يفصح كان من العرب أو من العجم. فالأعجم ضدّ الفصيح وهو الذي لا يبين كلامه. ويقال للحيوان غير الناطق أعجم، ومنه «صلاة النهار عجماء» أي لا يجهر فيها بالقراءة فكانت النسبة إلى الأعجم آكد، لأن الرجل العجمي الذي ليس من العرب قد يكون فصيحاً بالعربية، والعربيّ قد يكون غير فصيح؛ فالنسبة إلى الأعجميّ آكد في البيان. والمعنى أقرآن أعجميّ، ونبيّ عربي؟ وهو استفهام إنكار. وقرأ الحسن وأبو العالية ونصر بن عاصم والمغيرة وهشام عن ابن عامر «أَعْجَمِيٌّ» بهمزة واحدة على الخبر. والمعنى «لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ» فكان منهم عربيّ يفهمه العرب، وأعجمي يفهمه العجم. وروى سعيد بن جبير قال: قالت قريش: لولا أنزل القرآن أعجمياً وعربياً فيكون بعض آياته عجمياً وبعض آياته عربياً فنزلت الآية. وأنزل في القرآن من كل لغة فمنه «السجِّيل» وهي فارسية وأصلها سنك كيل؛ أي طين وحجر، ومنه «الفِرْدَوْس» رومية وكذلك «القِسْطَاس» وقرأ أهل الحجاز وأبو عمرو وابن ذكوان وحفص على الاستفهام، إلا أنهم ليَّنُوا الهمزة على أصولهم. والقراءة الصحيحة قراءة الاستفهام. والله أعلم.

قوله تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ} أعلم الله أن القرآن هدى وشفاء لكل من آمن به من الشك والريب والأوجاع. {وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ} أي صمم عن سماع القرآن. ولهذا تواصَوْا باللغو فيه. ونظير هذه الآية:

{ وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً }[الإسراء: 82] وقد مضى مستوفى. وقراءة العامة {عَمًى} على المصدر. وقرأ ابن عباس وعبد الله بن الزبير وعمرو بن العاص ومعاوية وسليمان بن قَتَّة «وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمٍ» بكسر الميم أي لا يتبين لهم. واختار أبو عبيدة القراءة الأولى؛ لإجماع الناس فيها؛ ولقوله أوّلاً: {هُدًى وَشِفَآءٌ} ولو كان هادٍ وشافٍ لكان الكسر في «عَمًى» أجود؛ ليكون نعتاً مثلهما؛ تقديره: «وَالَّذِينَ لاَ يُوْمِنُونَ» في ترك قبوله بمنزلة من في آذانهم «وَقْرٌ وَهُوَ» يعني القرآن «عَلَيْهِمْ» ذو عمى، لأنهم لا يفقهون فحذف المضاف. وقيل المعنى والوقر عليهم عمى. {أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} يقال ذلك لمن لا يفهم من التمثيل. وحكى أهل اللغة أنه يقال للذي يفهم: أنت تسمع من قريب. ويقال للذي لا يفهم: أنت تنادَى من بعيد. أي كأنه ينادى من موضع بعيد منه فهو لا يسمع النداء ولا يفهمه. وقال الضحاك: «يُنَادَوْنَ» يوم القيامة بأقبح أسمائهم «مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ» فيكون ذلك أشد لتوبيخهم وفضيحتهم. وقيل: أي من لم يتدبر القرآن صار كالأعمى الأصم، فهو ينادى من مكان بعيد فينقطع صوت المنادي عنه وهو لم يسمع. وقال علي رضي الله عنه ومجاهد: أي بعيد من قلوبهم. وفي التفسير: كأنما ينادون من السماء فلا يسمعون. وحكى معناه النقاش.

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ۝٤٥ مَّنْ عَمِلَ صَٰلِحًا فَلِنَفْسِهِۦ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٍ لِّلْعَبِيدِ ۝٤٦

قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} يعني التوراة {فَٱخْتُلِفَ فِيهِ} أي آمن به قوم وكذب به قوم. والكناية ترجع إلى الكتاب، وهو تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أي لا يحزنك اختلاف قومك في كتابك، فقد اختلف من قبلهم في كتابهم. وقيل: الكناية ترجع إلى موسى. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} أي في إمهالهم. {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} أي بتعجيل العذاب. {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} من القرآن {مُرِيبٍ} أي شديد الريبة. وقد تقدّم. وقال الكلبي في هذه الآية: لولا أن الله أخّر عذاب هذه الأمة إلى يوم القيامة لأتاهم العذاب كما فعل بغيرهم من الأمم. وقيل: تأخير العذاب لما يخرج من أصلابهم من المؤمنين.

قوله تعالى: {مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ} شرط وجوابه وكذا {وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا}. والله جل وعز مستغن عن طاعة العباد، فمن أطاع فالثواب له، ومن أساء فالعقاب عليه. {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} نَفَى الظلم عن نفسه جل وعز قليله وكثيره، وإذا انتفت المبالغة انتفى غيرها، دليله قوله الحق:

{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً } [يونس: 44] وروى العدول الثقات، والأئمة الأثبات، عن الزاهد العدل، عن أمين الأرض، عن أمين السماء، عن الرب جل جلاله:يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما فلا تظالموا الحديث. وأيضاً فهو الحكيم المالك، وما يفعله المالك في ملكه لا اعتراض عليه؛ إذ له التصرف في ملكه بما يريد.

إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَٰتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى قَالُوٓا۟ ءَاذَنَّٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ۝٤٧ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّوا۟ مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ ۝٤٨

قوله تعالى: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} أي حين وقتها. وذلك أنهم قالوا: يا محمد إن كنت نبيّاً فخبِّرنا متى قيام الساعة فنزلت: {وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ} «مِنْ» زائدة أي وما تخرج ثمرة. {مِّنْ أَكْمَامِهَا} أي من أوعيتها، فالأكمام أوعية الثمرة، واحدها كُمّة وهي كل ظرف لمال أو غيره؛ ولذلك سمي قشر الطَّلْع أعني كُفُرّاه الذي ينشق عن الثمرة كُمّة؛ قال ابن عباس: الكُمّة الكُفُرّى قبل أن تنشق، فإذا انشقت فليست بكمة. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة «الرحمن». وقرأ نافع وابن عامر وحفص «مِنْ ثَمَرَاتٍ» على الجمع. الباقون «ثَمَرَة» على التوحيد والمراد الجمع، لقوله: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ} والمراد الجمع، يقول: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} كما يرد إليه علم الثمار والنتاج. {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} أي ينادي الله المشركين {أَيْنَ شُرَكَآئِي} الذين زعمتم في الدنيا أنها آلهة تشفع. {قَالُوۤاْ} يعني الأصنام. وقيل: المشركون. ويحتمل أن يريدهم جميعاً العابد والمعبود {آذَنَّاكَ} أسمعناك وأعلمناك. يقال: آذن يؤذن: إذا أعلم، قال:

آذَنَتْنَا بِبَيْنها أَسْماءُرُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاء

{مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ} أي نعلمك ما منا أحد يشهد بأن لك شريكاً. لما عاينوا القيامة تبرؤوا من الأصنام وتبرأت الأصنام منهم كما تقدّم في غير موضع. {وَضَلَّ عَنْهُم} أي بطل عنهم {مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ} في الدنيا {وَظَنُّواْ} أي أيقنوا وعلموا {مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} أي فرار عن النار. و«مَا» هنا حرف وليس باسم؛ فلذلك لم يعمل فيه الظنّ وجعل الفعل ملغى؛ تقديره: وظنوا أنهم ما لهم محيص ولا مهرب. يقال: حاص يحيص حيصا ومحيصا إذا هرب. وقيل: إن الظن هنا الذي هو أغلب الرأي، لا يشكون في أنهم أصحاب النار ولكن يطمعون أن يخرجوا منها. وليس يبعد أن يكون لهم ظن ورجاء إلى أن يؤيسوا.

لَّا يَسْـَٔمُ ٱلْإِنسَٰنُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَـُٔوسٌ قَنُوطٌ ۝٤٩ وَلَئِنْ أَذَقْنَٰهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِى وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّ لِى عِندَهُۥ لَلْحُسْنَىٰ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ۝٥٠ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَٰنِ أَعْرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ ۝٥١

قوله تعالى: {لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ} أي لا يَمَلّ من دعائه بالخير. والخير هنا المال والصحة والسلطان والعز. قال السدي: والإنسان هاهنا يراد به الكافر. وقيل: الوليد بن المغيرة. وقيل: عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية بن خلف. وفي قراءة عبد الله «لاَ يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْمَال». {وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ} الفقر والمرض {فَيَئُوسٌ} من روح الله {قَنُوطٌ} من رحمته. وقيل: «يَئُوسٌ» من إجابة الدعاء «قَنُوطٌ» بسوء الظن بربه. وقيل: «يَئُوسٌ» أي يئس من زوال ما به من المكروه «قَنُوطٌ» أي يظن أنه يدوم؛ والمعنى متقارب.

قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا} عافية ورخاء وغِنًى {مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ} ضر وسقم وشدة وفقر. {لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي} أي هذا شيء أستحقه على الله لرضاه بعملي؛ فيرى النعمة حتماً واجباً على الله تعالى، ولم يعلم أنه ابتلاه بالنعمة والمحنة؛ ليتبين شكره وصبره. وقال ابن عباس: «هَذَالِي» أي هذا من عندي. {وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِّعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ} أي الجنة، واللام للتأكيد. يتمنى الأماني بلا عمل. قال الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب: للكافر أمنيتان أما في الدنيا فيقول: «لَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى»، وأما في الآخرة فيقول:

{ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }[الأنعام: 27] و { يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً }[النبأ: 40]. {فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ} أي لنجزينهم. قسم أقسم الله عليه. {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} شديد.

قوله تعالى: {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ} يريد الكافر {أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ}. وقال ابن عباس: يريد عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف أعرضوا عن الإسلام وتباعدوا عنه. ومعنى «نَآى بِجَانِبِهِ» أي ترفَّع عن الانقياد إلى الحق وتكبر على أنبياء الله. وقيل: «نَآى» تباعد. يقال: نأيته ونأيت عنه نأياً بمعنى تباعدت عنه، وأنايته فانتأى: أبعدته فبعُد، وتناؤوا تباعدوا، والمنتأى الموضع البعيد؛ قال النابغة:

فإنَّك كاللَّيلِ الَّذِي هو مُدْرِكِيوإِنْ خِلْتُ أَنَّ الْمُنْتَأَى عنْكَ واسِعُ

وقرأ يزيد بن القعقاع و«نَاءَ بِجَانِبِهِ» بالألف قبل الهمزة. فيجوز أن يكون من «ناء» إذا نهض. ويجوز أن يكون على قلب الهمزة بمعنى الأوّل. {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ} أي أصابه المكروه {فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ} كثير، والعرب تستعمل الطول والعرض في الكثرة. يقال: أطال فلان في الكلام وأعرض في الدعاء إذا أكثر. وقال ابن عباس: «فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ» فذو تضرع واستغاثة. والكافر يعرف ربه في البلاء ولا يعرفه في الرخاء.

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِۦ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍ ۝٥٢ سَنُرِيهِمْ ءَايَٰتِنَا فِى ٱلْـَٔافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ۝٥٣ أَلَآ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلَآ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطٌۢ ۝٥٤

قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ} أي قل لهم يا محمد «أَرَأَيْتُمْ» يا مَعْشَرَ المشركين {إِن كَانَ} هذا القرآن {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ} أي فأي الناس أضل، أي لا أحد أضل منكم لفرط شقاقكم وعداوتكم. وقيل: قوله: {إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} يرجع إلى الكتاب المذكور في قوله: «آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ» والأوّل أظهر وهو قول ابن عباس.

قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ} أي علامات وحدانيتنا وقدرتنا «فِي الآفَاقِ» يعني خراب منازل الأمم الخالية {وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ} بالبلايا والأمراض. وقال ابن زيد: «فِي الآفَاقِ» آيات السماء «وَفِي أَنْفُسِهِمْ» حوادث الأرض. وقال مجاهد: «فِي الآفَاقِ» فتح القرى؛ فيسر الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم وللخلفاء من بعده وأنصار دينه في آفاق الدنيا وبلاد المشرق والمغرب عموماً، وفي ناحية المغرب خصوصاً من الفتوح التي لم يتيسر أمثالها لأحد من خلفاء الأرض قبلهم، ومن الإظهار على الجبابرة والأكاسرة وتغليب قليلهم على كثيرهم، وتسليط ضعفائهم على أقويائهم، وإجرائه على أيديهم أموراً خارجة عن المعهود خارقة للعادات «وَفِي أَنْفُسِهِمْ» فتح مكة. وهذا اختيار الطبري. وقاله المنهال بن عمرو والسدي. وقال قتادة والضحاك: «فِي الآفَاقِ» وقائع الله في الأمم «وَفِي أَنْفُسِهِمْ» يوم بدر. وقال عطاء وابن زيد أيضاً «فِي الآفَاقِ» يعني أقطار السموات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والرياح والأمطار والرعد والبرق والصواعق والنبات والأشجار والجبال والبحار وغيرها. وفي الصحاح: الآفاق النواحي، واحدها أُفْقٌ وَأفُقٌ مثل عُسْر وعُسُر، ورجل أَفَقى بفتح الهمزة والفاء: إذا كان من آفاق الأرض. حكاه أبو نصر. وبعضهم يقول: أفُقيّ بضمهما وهو القياس. وأنشد غير الجوهري:

أخَذْنَا بِآفاقِ السَّماءِ عَلَيْكُمُلنا قَمَراها والنُّجُومُ الطَّوالِعُ

«وَفِي أَنْفُسِهِمْ» من لطيف الصنعة وبديع الحكمة حتى سبيل الغائط والبول؛ فإن الرجل يشرب ويأكل من مكان واحد ويتميز ذلك من مكانين، وبديع صنعة الله وحكمته في عينيه اللتين هما قطرة ماء ينظر بهما من السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، وفي أذنيه اللتين يفرق بهما بين الأصوات المختلفة. وغير ذلك من بديع حكمة الله فيه. وقيل: {وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ} من كونهم نطفاً إلى غير ذلك من انتقال أحوالهم كما تقدّم في «المؤمنون» بيانه. وقيل: المعنى سيرَوْن ما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن وأخبار الغيوب {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} فيه أربعة أوجه: أحدها أنه القرآن. والثاني الإسلام جاءهم به الرسول ودعاهم إليه. والثالث أن ما يريهم الله ويفعل من ذلك هو الحق. والرابع أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو الرسول الحق. {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ} في موضع رفع بأنه فاعل بـ«ـيَكْفِ» و{أَنَّهُ} بدل من «رَبِّكَ» فهو رفع إن قدّرته بدلاً على الموضع، وجَرّ إن قدرته بدلاً على اللفظ. ويجوز أن يكون نصباً بتقدير حذف اللام، والمعنى أولم يكفهم ربك بما دلهم عليه من توحيده؛ لأنه {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} وإذا شهده جازى عليه. وقيل: المعنى «أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ» في معاقبته الكفار. وقيل: المعنى «أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ» يا محمد أنه شاهد على أعمال الكفار. وقيل: «أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ» شاهداً على أن القرآن من عند الله. وقيل: «أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» مما يفعله العبد «شَهِيدٌ» والشهيد بمعنى العالم؛ أو هو من الشهادة التي هي الحضور {أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ} في شك {مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ} في الآخرة. وقال السدي: أي من البعث. {أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطُ} أي أحاط علمه بكل شيء. قاله السدي. وقال الكلبي: أحاطت قدرته بكل شيء. وقال الخطابي: هو الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه، وهو الذي أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً. وهذا الاسم أكثر ما يجيء في معرض الوعيد، وحقيقته الإحاطة بكل شيء، واستئصال المحاط به، وأصله مُحْيِطْ نقلت حركة الياء إلى الحاء فسكنت. يقال منه: أحاط يحيط إحاطة وحيطة؛ ومن ذلك حائط الدار، يحوطها أهلها. وأحاطت الخيل بفلان: إذا أخِذ مأخذاً حاصراً من كل جهة، ومنه قوله تعالى: { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ }[الكهف: 42] والله أعلم بصواب ذلك.
الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ