انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة سبإ

التحرير والتنويرالآيات 32–43

تفسير سورة سبإ آية آية، من التحرير والتنوير.

قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوٓا۟ أَنَحْنُ صَدَدْنَٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ ۝٣٢

جُرِّد فعل {قال} عن العاطف لأنه جاء على طريقة المجاوبة والشأنْ فيه حكاية القول بدون عطف كما بيّناه غير مرة.

وهمزة الاستفهام مستعملة في الإِنكار على قول المستضعفين تبرّؤا منه. وهذا الإِنكار بهتان وإنكار للواقع بعثه فيهم خوف إلقاء التبعة عليهم وفرط الغضب والحسرة من انتقاض أتباعهم عليهم وزوال حرمتهم بيْنهم فلم يتمالكوا أن لا يكذبوهم ويذيلوا بتوريطهم.

وأتى بالمسند إليه قبل المسند الفعلي في سياق الاستفهام الإِنكاري الذي هو في قوة النفي ليفيد تخصيص المسند إليه بالخبر الفعلي على طريقة: ما أنا قلت هذا.

والمعنى: ما صددناكم ولكن صدكم شيء آخر وهو المعطوف بــــ{بل} التي للإِبطال بقوله: {بل كنتم مجرمين} أي ثبت لكم الإِجرام من قبل وإجرامكم هو الذي صدّكم إذ لم تكونوا على مقاربة الإِيمان فنصدكم عنه ولكنكم صددتم وأعرضتم بإجرامكم ولم تقبلوا دعوة الإِيمان.

وحاصل المعنى: أن حالنا وحالكم سواء، كل فريق يتحمل تبعة أعماله فإن كلا الفريقين كان مُعْرِضاً عن الإِيمان. وهذا الاستدلال مكابرة منهم وبهتان وسفسطة فإنهم كانوا يصدون الدهماء عن الدين ويختلقون لهم المعاذير. وإنما نفوا هنا أن يكونوا محوِّلين لهم عن الإِيمان بعد تقلده وليس ذلك هو المدَّعَى. فموقع السفسطة هو قولهم: {بعد إذ جاءكم} لأن المجيء فيه مستعمل في معنى الاقتراب منه والمخالطة له.

و{إذ} في قوله: {إذ جاءكم} مجردة عن معنى الظرفية ومحضة لكونها اسم زمان غير ظرف وهو أصل وضعها كما تقدم في قوله تعالى:

{ { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } } في سورة البقرة (30)، ولهذا صحت إضافة {بعد} إليها لأن الإِضافة قرينة على تجريد {إذ} من معنى الظرفية إلى مطلق الزمان مثل قولهم: حينئذٍ ويومئذٍ. والتقدير: بعد زمن مجيئه إياكم. و{بل} إضراب إبطال عن الأمر الذي دخل عليه الاستفهام الإِنكاري، أي ما صددناكم بل كنتم مجرمين.

والإِجرام: الشرك وهو مؤذن بتعمدهم إياه وتصميمهم عليه على بصيرة من أنفسهم دون تسويل مسوّل.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُۥٓ أَندَادًا وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَجَعَلْنَا ٱلْأَغْلَٰلَ فِىٓ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٣٣

{وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً}.

لم تَجر حكاية هذا القول على طريقة حكاية المقاولات التي تحكى بدون عطف على حسن الاستعمال في حكاية المقاولات كما استقريناه من استعمال الكتاب المجيد وقدمناه في قوله:

{ { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } } [البقرة: 30] الآية، فجِيء بحرف العطف في حكاية هذه المقالة مع أن المستضعفين جاوبوا بها قول الذين استكبروا { { أنحن صددناكم } } [سبأ: 32] الآية لنكتة دقيقة، وهي التنبيه على أن مقالة المستضعفين هذه هي في المعنى تكملة لمقالتهم المحكية بقوله: { { يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين } } [سبأ: 31] تنبيهاً على أن مقالتهم تلقَّفها الذين استكبروا فابتدروها بالجواب للوجه الذي ذكرناه هنالك بحيث لو انتظروا تمام كلامهم وأبلعوهم ريقَهم لحصل ما فيه إبطال كلامهم ولكنهم قاطعوا كلامهم من فرط الجَزع أن يؤاخذوا بما يقوله المستضعفون.

وحكي قولهم هذا بفعل الماضي لمزاوجة كلام الذين استكبروا لأن قول الذين استضعفوا هذا بعد أن كان تكملة لقولهم الذي قاطعه المستكبرون، انقلبَ جواباً عن تبرُّؤ المستكبِرين من أن يكونوا صدُّوا المستضعَفين عن الهدى، فصار لقول المستضعفين موقعان يقتضي أحد الموقعين عطفه بالواو، ويقتضي الموقع الآخر قرنه بحرف {بل} وبزيادة {مكر الليل والنهار}. وأصل الكلام: يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين إذ تأمروننا بالليل والنهار أن نكفر بالله الخ. فلما قاطعه المستكبرون بكلامهم أقحم في كلام المستضعفين حرف {بل} إبطالاً لقول المستكبرين

{ { بل كنتم مجرمين } } [سبأ: 32]. وبذلك أفاد تكملةَ الكلام السابق والجواب عن تبرؤ المستكبرين، ولو لم يعطف بالواو لما أفاد إلا أنه جواب عن كلام المستكبِرين فقط، وهذا من أبدع الإِيجاز.

و{بل} للإِضراب الإِبطالي أيضاً إبطالاً لمقتضَى القصر في قولهم:

{ { أنحن صددناكم عن الهدى } } [سبأ: 32] فإنه واقع في حيّز نفي لأن الاستفهام الإِنكاري له معنى النفي.

و{مكر الليل والنهار} من الإِضافة على معنى (في). وهنالك مضاف إليه ومجرور محذوفان دل عليهما السياق، أي مكركم بنا.

وارتفع {مكر} على الابتداء. والخبر محذوف دل عليه مقابلة هذا الكلام بكلام المستكبرين إذ هو جواب عنه. فالتقدير: بل مكركم صَدَّنا، فيفيد القصر، أي ما صدَّنا إلاّ مكركم، وهو نقض تام لقولهم:

{ { أنحن صددناكم عن الهدى } } [سبأ: 32] وقولِهم: { { بل كنتم مجرمين } } [سبأ: 32].

والمكر: الاحتيال بإظهار الماكر فعل ما ليس بفاعله ليَغُرّ المحتال عليه، وتقدم في قوله تعالى:

{ { ومكروا ومكر الله } } في آل عمران (54).

وإطلاق المكر على تسويلهم لهم البقاء على الشرك، باعتبار أنهم يموهون عليهم ويوهمونهم أشياء كقولهم: إنه دين آبائكم وكيف تأمنون غضب الآلهة عليكم إذا تركتم دينكم ونحو ذلك. والاحتيال لا يقتضي أن المحتَال غيرُ مستحسن الفعل الذي يحتال لتحصيله.

والمعنى: ملازمتهم المكر ليلاً ونهاراً، وهو كناية عن دوام الإِلحاح عليهم في التمسك بالشرك. و{إذ تأمروننا} ظرف لما في {مكر الليل والنهار} من معنى (صدّنا) أي حين تأمروننا أن نكفر بالله.

والأنداد: جمع نِدّ، وهو المماثل، أي نجعل لله أمثالاً في الإِلهية.

وهذا تطاولٌ من المستضعفين على مستكبريهم لما رأوا قلة غنائهم عنهم واحتقروهم حين علموا كذبهم وبهتانهم.

وقد حكى نظير ذلك في قوله تعالى:

{ { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } } الآيتين في سورة البقرة (166).

{وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ}.

يجوز أن يكون عطفاً على جملة

{ { يرجع بعضهم إلى بعض القول } } [سبأ: 31] فتكون حالاً. ويجوز أن تعطف على جملة { { إذ الظالمون موقوفون عند ربهم } } [سبأ: 31].

وضمير الجمع عائد إلى جميع المذكورين قبلُ وهم الذين استضعفوا والذين استكبروا. والمعنى: أنهم كشف لهم عن العذاب المعدّ لهم، وذلك عقب المحاورة التي جرت بينهم، فعلموا أن ذلك الترامي الواقع بينهم لم يُغن عن أحد من الفريقين شيئاً، فحينئذٍ أيقنوا بالخيبة وندِموا على ما فات منهم في الحياة الدنيا وأسرُّوا الندامة في أنفسهم، وكأنهم أسَرُّوا الندامة استبقاء للطمع في صرف ذلك عنهم أو اتقاء للفضيحة بين أهل الموقف، وقد أعلنوا بها من بعدُ كما في قوله تعالى:

{ { قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها } } في سورة الأنعام (31)، وقوله: { { لو أن لي كرة فأكون من المحسنين } } في سورة الزمر (58).

وذكر الزمخشري وابن عطية: أن من المفسرين مَن فسّر {أسَرّوا} هنا بمعنى أظهروا، وزعم أن (أسرّ) مشترك بين ضدين. فأما الزمخشري فسلمه ولم يتعقبه وقد فسر الزوزني الإِسرار بالمعنيين في قول امرىء القيس:

تجاوزتُ أحراساً إليها ومعشراًعليّ حِراصاً لو يُسِرّون مقتلي

وأما ابن عطية فأنكره، وقال: «ولم يثبت قط في اللغة أن (أسرّ) من الأضداد». قلت: وفيه نظر. وقد عد هذه الكلمة في الأضداد كثير من أهل اللغة وأنشد أبو عبيدة قول الفرزدق:

ولما رأى الحجاجَ جرَّد سيفهأسرّ الحَروريُّ الذي كان أضمرا

وفي كتاب «الأضداد» لأبي الطيب الحلبي قال أبو حاتم: ولا أثق بقول أبي عبيدة في القرآن ولا بقول الفرزدق والفرزدق كثير التخليط في شعره. وذكر أبو الطيب عن التَّوزي أن غير أبي عبيدة أنشد بيت الفرزدق والذي جرَّ على تفسير «أسرّوا» بمعنى أظهروا هنا هو ما يقتضي إعلانهم بالندامة من قولهم: { { لولا أنتم لكنا مؤمنين } } [سبأ: 31]. وفي آيات أخرى مثل قوله تعالى: { { ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا } } [الفرقان: 27] الآية.

والندامة: التحسُّر من عمل فات تداركه. وقد تقدمت عند قوله تعالى: {فأصبح من النادمين} في سورة المائدة (31).

{وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.

عطف على جملة

{ { إذ الظالمون موقوفون } } [سبأ: 31]. والتقدير: ولو ترى إذ جعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا. وجواب (لو) المحذوفُ جواب للشرطين.

و{الأغلال}: جمع غُلّ بضم الغين، وهو دائرة من حديد أو جلد على سعة الرقبة توضع في رقبة المأسور ونحوه ويشد إليها بسلسلة أو سير من جلد أو حبل، وتقدم في أول سورة الرعد. وجعل الأغلال في الأعناق شعار على أنهم يساقون إلى ما يحاولون الفرار والانفلات منه. وتقدم عند قوله تعالى:

{ { وأولئك الأغلال في أعناقهم } } في الرعد (5). و{الذين كفروا} هم هؤلاء الذين جرت عليهم الضمائر المتقدمة فالإِتيان بالاسم الظاهر وكونِه موصولاً للإِيماء إلى أن ذلك جزاء الكفر، ولذلك عقب بجملة {هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} مستأنفة استئنافاً بيانياً، كأن سائلاً استعظم هذا العذاب وهو تعريض بهم.

والاستفهام بــــ{هل} مستعمل في الإِنكار باعتبار ما يعقبه من الاستثناء، فتقدير المعنى: هل جُزوا بغير ما كانوا يعملون، والاستثناء مفرّغ.

و{ما كانوا يعملون} هو المفعول الثاني لفعل {يجزون} لأن (جَزى) يتعدّى إلى مفعول ثان بنفسه لأنه من باب أعطى، كما يتعدى إليه بالباء على تضمينه معنى: عَوَّضه.

وجعل جزاؤهم ما كانوا يعملون على معنى التشبيه البليغ، أي مثل ما كانوا يعملون، وهذه المماثلة كناية عن المعادلة فيما يجاوزونه بمساواة الجزاء للأعمال التي جوزوا عليها حتى كأنه نفسها كقوله تعالى:

{ { جزاءً وفاقاً } } [النبأ: 26].

واعلم أن كونه مماثلاً في المقدار أمر لا يعلمه إلا مُقَدِّرُ الحقائق والنيات، وأما كونه {وفاقاً} في النوع فلأن وضع الأغلال في الأعناق منع من حرية التصرف في أنفسهم فناسب نوعه أن يكون جزاء على ما عبَّدوا به أنفسهم لأصنامهم كما قال تعالى:

{ { أتعبدون ما تنحتون } } [الصافات: 95] وما تقبلوه من استعباد زعمائهم وكبرائهم إياهم قال تعالى: { { وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا } } [الأحزاب: 67].

ومن غُرَر المسائل أن الشيخ ابن عرفة لما كان عرض عليه في درس التفسير عند قوله تعالى:

{ { إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل } } [غافر: 71] فسأله بعض الحاضرين: هل يستقيم أن نأخذ من هذه الآية ما يؤيد فعل الأمراء أصلحهم الله من الإِتيان بالمحاربين ونحوهم مغلولين من أعناقهم مع قول مالك رحمه الله بجواز القياس في العقوبات على فعل الله تعالى (في حد الفاحشة) فأجابه الشيخ بأن لا دلالة فيها لأن مالكاً إنما أجاز القياس على فعل الله في الدنيا، وهذا من تصرفات الله في الآخرة فلا بُدَّ لِجوازه من دليل.

وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ۝٣٤

اعتراض للانتقال إلى تسلية النبي صلى الله عليه وسلم مما مُنيَ به من المشركين من أهل مكة وبخاصة مَا قابله به سادتهم وكبراؤهم من التأليب عليْه بتذكيره أن تلك سنة الرسل من قبله فليس في ذلك غضاضة عليه، ولذلك قال في الآية في الزخرف

{ وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة } (23) الخ، أي وكذلك التكذيب الذي كذبك أهل هذه القرية. والتعريض بقومه الذين عادَوه بتذكيرهم عاقبة أمثالهم من أهل القرى التي كذَّب أهلها برسلهم وأغراهم بذلك زعماؤهم.

والمترَفون: الذين أُعطُوا التَرَف، والترف: النعيم وسعة العيش، وهو مبني للمفعول بتقدير: إن الله أترفهم كما في قوله تعالى:

{ { وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا } } في سورة المؤمنون (33).

وفي بنائه للمفعول تعريض بالتذكير بنعمة الله عليهم لعلّهم يشكرونها ويقلعون عن الإِشراك به، وبعض أهل اللغة يقول تقديره: أترفتهم النعمة، أي أبطرتهم.

و{إنا بما أرسلتم} حكاية للقول بالمعنى: أي قال مترفو كل قرية لرسولهم: إنا بما أرسلتَ به كافرون. وهذا من مقابلة الجمع بالجمع التي يراد منها التوزيع على آحاد الجمع.

وقولهم: {أرسلتم به} تهكم بقرينة قولهم: {كافرون} وهو كقوله تعالى:

{ { وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون } } [الحجر: 6]؛ أو المعنى: إنّا بما ادّعيتم أنكم أرسلتم به.

وَقَالُوا۟ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَٰلًا وَأَوْلَٰدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ۝٣٥ قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٣٦

قَفّوْا على صريح كفرهم بالقرآن وغيره من الشرائع بكلام كَنَّوْا به عن إبطال حقية الإِسلام بدليل سفسطائي فجعلوا كثرة أموالهم وأولادهم حجة على أنهم أهل حظ عند الله تعالى، فضمير {وقالوا} عائد إلى {الذين كفروا} من قوله:

{ { وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن } } [سبأ: 31] الخ. وهذا من تمويه الحقائق بما يحفّ بها من العوارض فجعلوا ما حف بحالهم في كفرهم من وفرة المال والولد حجةً على أنهم مظنة العناية عند الله وأن ما هم عليه هو الحق. وهذا تعريض منهم بعكس حال المسلمين بأن حال ضعف المسلمين، وقلة عددهم، وشظِف عيشهم حجة على أنهم غير محظوظين عند الله، ولم يتفطنوا إلى أن أحوال الدنيا مسببة على أسباب دنيوية لا علاقة لها بأحوال الأولاد. وهذا المبدأ الوهمي السفسطائي خطير في العقائد الضالة التي كانت لأهل الجاهلية والمنتشرة عند غير المسلمين، ولا يخلو المسلمون من قريب منها في تصرفاتهم في الدين ومرجعها إلى قياس الغائب على الشاهد وهو قياس يصادف الصواب تارة ويخطئه تارات.

ومن أكبر أخطاء المسلمين في هذا الباب خطأ اللجَأ إلى القضاء والقدر في أعذارهم، وخطأ التخلق بالتوكل في تقصيرهم وتكاسلهم.

فجملة {وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً} عطف على جملة

{ { وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن } } [سبأ: 31] الخ، وقولهم: {وما نحن بمعذبين} كالنتيجة لقولهم {نحن أكثر أموالاً وأولاداً}، وإنما جيء فيه بحرف العطف لترجيح جانب الفائدة المستقلة على جانب الاستنتاج الذي يومىء إليه ما تقدمه وهو قولهم: {نحن أكثر أموالاً وأولاداً} فحصل من هذا النظم استدلال لصحة دينهم ولإِبطال ما جاء به الإِسلام ثم الافتخار بذلك على المسلمين والضعة لِجانب المسلمين بإِشارة إلى قياس استثنائي بناء على ملازمة موهومة، وكأنهم استدلوا بانتفاء التعذيب على أنهم مقرّبون عند الله بناء على قياس مساواة مطوي فكأنهم حصروا وسائل القرب عند الله في وفرة الأموال والأولاد. ولولا هذا التأويل لخلت كلتا الجملتين عن أهم معنييهما وبه يكون موقع الجواب بــــ{قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} أشدّ اتصالاً بالمعنى، أي قل لهم: إن بسط الرزق وتقتيره شأن آخر من تصرفات الله المنوطة بما قدره في نظام هذا العالم، أي فلا ملازمة بينه وبين الرشد والغي، والهدى والضلال، ولو تأملتم أسباب الرزق لرأيتموها لا تلاقي أسباب الغي والاهتداء، فربما وسع الله الرزق على العاصي وضيّقه على المطيع وربما عكس فلا يغرنهم هذا وذاك فإنكم لا تعلمون.

وهذا ما جعل قوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} مصيباً المحزّ، فأكثر الناس تلتبس عليهم الأمور فيخلطون بينها ولا يضعون في مواضعها زيْنها وشَيْنها.

وقد أفاد هذا أن حالهم غير دالّ على رضَى الله عنهم ولا على عدمه، وهذا الإِبطال هو ما يسمى في علم المناظرة نقضاً إجمالياً.

وبسط الرزق: تيسيره وتكثيره، استعير له البسط وهو نشر الثوب ونحوِه لأن المبسوط تكثر مساحة انتشاره.

وقَدْر الرزق: عُسر التحصيل عليه وقلة حاصله؛ استعير له القَدْر، أي التقدير وهو التحديد لأن الشيء القليل يسهل عدّه وحسابه ولذلك قيل في ضده

{ { يرزق من يشاء بغير حساب } } [البقرة: 212]، ومفعول {يقدر} محذوف دل عليه مفعول {يبسط}. وتقدم نظيره في سورة الرعد.

ومفعول {يعلمون} محذوف دل عليه الكلام، أي لا يعلمون أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر باعتبار عموم من يشاء من كونه صالحاً أو طالحاً، ومن انتفاء علمهم بذلك أنهم توهموا بسط الرزق علامة على القرب عند الله، وضده علامة على ضد ذلك. وبهذا أخطأ قول أحمد بن الرواندي:

كم عَاقِلٍ عَاقل أعيتْ مذاهبُهوجَاهل جَاهل تلقاه مَرزوقاهذا الذي ترك الأوهام حائرةوصيَّر العالم النحرير زنديقا

فلو كان عالماً نحريراً لما تحيّر فهمه، وما تزندق من ضيق عطن فكره.

وَمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُكُم بِٱلَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰٓ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحًا فَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا۟ وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ ۝٣٧

يجوز أن تكون جملة {وما أموالكم} عطفاً على جملة

{ { قل إن ربي يبسط الرزق } } [سبأ: 36] الخ فيكون كلاماً موجهاً من جانب الله تعالى إلى الذين قالوا: { { نحن أكثر أموالاً وأولاداً } } [سبأ: 35] فتكون ضمائر الخطاب موجهة إلى الذين قالوا: {نحن أكثر أموالاً وأولاداً}.

ويجوز أن تكون عطفاً على جملة

{ { إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء } } [سبأ: 36]، فيكون مما أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم ويبلغه عن الله تعالى، ويكون في ضمير {عندنا} التفات، وضمائر الخطاب تكون عائدة إلى الذين قالوا: { { نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين } } [سبأ: 35] وفيها وجه ثالث ننبه عليه قريباً.

وهو ارتقاء من إبطال الملازمة إلى الاستدلال على أنهم ليسوا بمحل الرضى من الله تعالى على طريقة النقض التفصيلي المسمى بالمناقضة أيضاً في علم المناظرة. وهو مقام الانتقال من المنع إلى الاستدلال على إبطال دعوى الخصم، فقد أبطلت الآية أن تكون أموالُهم وأولادهم مقربة عند الله تعالى،وأنه لا يقرّب إلى الله إلا الإِيمان والعمل الصالح.

وجيء بالجملة المنفية في صيغة حصر بتعريف المسند إليه والمسند، لأن هذه الجملة أريد منها نفي قولهم: {نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين} أي لا أنتم، فكان كلامهم في قوة حصر التقريب إلى الله في كثرة الأموال والأولاد فنُفي ذلك بأسره.

وتكرير {لا} النافية بعد العاطف في {ولا أولادكم} لتأكيد تسلط النفي على كلا المذكورْين ليكون كل واحد مقصوداً بنفي كونه مما يقرب إلى الله وملتفتاً إليه.

ولما كانت الأموال والأولاد جمعَيْ تكسير عوملا معاملة المفرد المؤنث فجيء بخبرهما اسم موصول المفرد المؤنث على تأويل جماعة الأموال وجماعة الأولاد ولم يلتفت إلى تغلب الأولاد على الأموال فيخبر عنهما معاً بــــ(الذين) ونحوه.

وعدل عن أن يقال: بالتي تقربكم إلينا، إلى (تقربكم عندنا) لأن التقريب هنا مجاز في التشريف والكرامة لا تقريب مكان.

والزلفى: اسم للقرب مثل الرُّجعى وهو مفعول مطلق نائب عن المصدر، أي تقربكم تقريباً، ونظيره

{ { واللَّه أنبتكم من الأرض نباتاً } } [نوح: 17].

وقوله: {إلا من آمن وعمل صالحاً} استثناء منقطع. و{إلا} بمعنى (لكنْ) المخففة النون التي هي للاستدراك وما بعدها كلام مستأنف، وذلك من استعمالات الاستثناء المنقطع؛ فإنه إذا كان ما بعد {إلا} ليس من جنس المستثنى منه كان الاستثناء منقطعاً، ثم إن كان ما بعد {إلا} مفرداً فإن {إلا} تقدّر بمعنى (لكنّ) أخت (إنّ) عند أهل الحجاز فينصبون ما بعدها على توهم اسم (لكنّ) وتقدر بمعنى (لكنْ) المخففة العاطفة عند بني تميم فيتبع الاسم الذي بعدها إعراب الاسم الذي قبلها وذلك ما أشار إليه سيبويه في باب يختار فيه النصب من أبواب الاستثناء.

فأما إن كان ما بعد {إلا} جملة اسمية أو فعلية فإن {إلا} تقدر بمعنى (لكنْ) المخففة وتجعل الجملة بعدُ استئنافاً، وذلك في نحو قول العرب: «والله لأفعلن كذا إلا حِلُّ ذلك أن أفعل كذا وكذا» قال سيبويه: «فإن: أَن أفعل كذا، بمنزلة: إلاّ فِعْل كذا، وهو مبني على حِلّ (أي هو خبر له). وحِلّ مبتدأ كأنه قال: ولكنْ حِلُّ ذلك أن أفعل كذا وكذا» ا هــــ.

قال ابن مالك في «شرح التسهيل»: وتقرير الإِخراج في هذا أن تجعل قولهم: إلا حلُّ ذلك، بمنزلة: لا أرى لهذا العَقد مبطِلاً إلا فِعْلَ كذا. وجعل ابن خروف من هذا القبيل قوله تعالى:

{ { لست عليهم بمسيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه اللَّه العذاب الأكبر } } [الغاشية: 22 ـــ 24] على أن يكون {مَن} مبتدأ و «يعذبه الله» الخبر ودخل الفاء لتضمين المبتدأ معنى الجزاء. وقال أبو مسعود: إن {إلاّ} في الاستثناء المنقطع يكون ما بعدها كلاماً مستأنفاً اهـ.

وعلى هذا فقوله تعالى هنا: {إلا من آمن وعمل صالحاً} تقديره: لكن من آمن وعمل صالحاً فأولئك لهم جزاء الضعف، فيكون {مَن} مبتدأ مضمَّناً معنى الشرط و{لهم جزاء الضعف} جملة خبر عن المبتدأ وزيدت الفاء في الخبر لتضمين المبتدأ معنى الشرط.

وأسهل من هذا أن نجعل {مَن} شرطية وجملة {فأولئك لهم جزاء الضعف} جواب الشرط، واقترن بالفاء لأنه جملة اسمية. وهذا تحقيق لمعنى الاستثناء المنقطع وتفسير للآية بدون تكلف ولا تردد في النظم.

ويجوز أن تكون جملة {وما أموالكم ولا أولادكم} الخ اعتراضاً بين جملة

{ { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } } [سبأ: 36] وجملة { { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له } } [سبأ: 39] وتكون ضمائر الخطاب موجهة إلى جميع الناس المخاطبين بالقرآن من مؤمنين وكافرين. وعليه فيكون قوله: {إلا من آمن وعمل صالحاً} الخ مستثنى من ضمير الخطاب، أي ما أموالكم بالتي تقربكم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات منكم، وتكون جملة {فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا} ثناء على الذين آمنوا وعملوا الصالحات.

وجيء باسم الإِشارة في الإِخبار عن {من آمن} للتنويه بشأنهم والتنبيه على أنهم جديرون بما يرد بعد اسم الإِشارة من أجل تلك الأوصاف التي تقدمت اسم الإِشارة على ما تقدم في قوله تعالى:

{ { أولئك على هدى من ربهم } } [البقرة: 5] وغيره. ووزان هذا المعنى وزان قوله: { { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل } } [آل عمران: 196] إلى قوله: { { لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات } } [آل عمران: 198] الآية.

و{الضِعف} المضاعف المكرر فيصدق بالمكرر مرة وأكثر. وفي الحديث

والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضِعف إلى أضعاف كثيرةوقد أشار إليه قوله تعالى: { { كمثل حبّة أنبتت سبعَ سنابل في كل سنبلة مائةُ حبة واللَّه يضاعف لمن يشاء } } [البقرة: 261].

وإضافة {جزاء} إلى {الضعف} إضافة بيانية، أي الجزاء الذي هو المضاعفة لأعمالهم، أي لما تستحقه كما تقدم. وكنّي عن التقريب بمضاعفة الجزاء لأن ذلك أمارة كرامة المجزي عند الله، أي أولئك الذين يقربون زلفى فيجزون جزاء الضعف على أعمالهم لا على وفرة أموالهم وأولادهم، فالاستدراك ورد على جميع ما أفاده كلام المشركين من الدعوى الباطلة والفخر الكاذب لرفع توهم أن الأموال والأولاد لا تقرب إلى الله بحال، فإن من أموال المؤمنين صدقات ونفقات، ومن أولادهم أعواناً على البرّ ومجاهدين وداعين لآبائهم بالمغفرة والرحمة.

والباء في قوله: {بما عملوا} تحتمل السببية فتكون دليلاً على ما هو المضاعف وهو ما يناسب السبب من الصالحات كقوله تعالى:

{ { هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان } } [الرحمن: 60]، وتحتمل العوض فيكون «ما عملوا» هو المجازَى عليه كما تقول: جزيته بألف، فلا تقدير في قوله: {جزاء الضعف}.

و{الغرفات} جمع غُرفة. وتقدم في آخر الفرقان وهي البيت المعتلي وهو أجمل منظراً وأشمل مرأى. و{آمنون} خبر ثان يعني تلقي في نفوسهم الأمن من انقطاع ذلك النعيم.

وقرأ الجمهور {في الغرفات} بصيغة الجمع، وقرأ حمزة «في الغُرْفة» بالإِفراد.

وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِىٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ۝٣٨

جرى الكلام على عادة القرآن في تعقيب الترغيب بالترهيب وعكسِه، فكان هذا بمنزلة الاعتراض بين الثناء على المؤمنين الصالحين وبين إرشادهم إلى الانتفاع بأموالهم للقرب عند الله تعالى بجملة

{ { وما أنفقتم من شيء } } [سبأ: 39] الخ. والذين يسعون في الآيات هم المشركون بصدهم عن سماع القرآن وبالطعن فيه بالباطل واللغو عند سماعه.

والسعي مستعار للاجتهاد في العمل كقوله تعالى:

{ { ثم أدبر يسعى } } [النازعات: 22] وإذا عدي بــــ{في} كان في الغالب مراداً منه الاجتهاد في المضرة فمعنى {يسعون في آياتنا} يجتهدون في إبطالها، و{معاجزين} مغالبين طالبين العجز. وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: { { والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم } } في سورة الحج (51).

واسم الإِشارة للتنبيه على أنهم استحقوا الجحيم لأجل ما ذُكر قبل اسم الإِشارة مثل

{ { أولئك على هدىً من ربهم } } [البقرة: 5] و{في العذاب} خبر عن اسم الإِشارة. و{محضرون} هنا كناية عن الملازمة فهو ارتقاء في المعنى الذي دلت عليه أداة الظرفية من إحاطة العذاب بهم وهو خبر ثان عن اسم الإِشارة ومتعلقه محذوف دل عليه الظرف وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: { { فأولئك في العذاب محضرون } } في سورة الروم (16).

قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥ وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ۝٣٩

أتبع إبطال أن تكون الأموال والأولاد بذاتهما وسيلة قرب لدى الله تعالى ردّاً على مزاعم المشركين بما يشبه معنى الاستدراك على ذلك الإِبطال من إثبات انتفاع بالمال للتقرب إلى رضَى الله إن استعمل في طلب مرضاة الله تفضيلاً لما أشير إليه إجمالاً من أن ذلك قد يكون فيه قربة إلى الله بقوله:

{ { إلا من آمن وعمل صالحاً } } [سبأ: 37] كما تقدم.

وقوله: {قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له} تقدم نظيره قريباً تأكيداً لذلك وليبنَى عليه قوله: {وما أنفقتم من شيء} الآية. فالذي تقدم ردٌّ على المشركين، والمذكور هنا ترغيب للمؤمنين، والعبارات واحدة والمقاصد مختلفة. وهذا من وجوه الإِعجاز أن يكون الكلام الواحد صالحاً لغرضين وأن يتوجه إلى طائفتين.

ولما كان هذا الثاني موجهاً إلى المؤمنين أشير إلى تشريفهم بزيادة قوله: {من عباده} أي المؤمنين، وضمير {له} عائد إلى {من}، أي ويقدر لمن يشاء من عباده. ومفعول {يقدر} محذوف دلّ عليه مفعول {يبسط}.

وكان ما تقدم حديثاً عن بسط الرزق لغير المؤمنين فلم ينعموا بوصف {من عباده} لأن في الإِضافة تشريفاً للمؤمنين، وفي هذا امتنان على الذين يبسط عليهم الرزق بأن جمع الله لهم فضل الإِيمان وفضل سعة الرزق، وتسلية للذين قدر عليهم رزقهم بأنهم نالوا فضل الإِيمان وفضل الصبر على ضيق الحياة.

وفي تعليق {له} بــــ{يقْدر} إيماء إلى أن ذلك القَدْر لا يخلو من فائدة للمقدور عليه رزقُه، وهي فائدة الثواب على الرضى من قسم له والسلامة من الحساب عليه يوم القيامة. وفي الحديث

ما من مصيبة تصيب المؤمن إلا كُفِّر بها عنه حتى الشوكةُ يُشاكُها.

ولولا هذا الإِيماء لقيل: ويقدر عليه، كما قال:

{ { ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه اللَّه } } [الطلاق: 7]. وأما حال الكافرين فإنهم ينعم على بعضهم برزق يحاسبون عليه أشد الحساب يوم القيامة إذ لم يشكروا رازقهم، ويُقدر على بعضهم فلا يناله إلا الشقاء. وهذا توطئة لقوله: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} حثاً على الإِنفاق. والمراد الإِنفاق فيما أذن فيه الشرع.

وهذا تعليم للمسلمين بأن نعيم الآخرة لا ينافي نعيم الدنيا، قال تعالى:

{ { ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا } } [البقرة: 201 - 202]. فأما نعيم الدنيا فهو مسبب عن أحوال دنيوية رتبها الله تعالى ويسّرها لمن يسّرها في علمه بغيبه، وأما نعيم الآخرة فهو مسبب عن أعمال مبينة في الشريعة وكثير من الصالحين يحصل لهم النعيم في الدنيا مع العلم بأنهم منعَّمون في الآخرة كما أنعم على داود وسليمان وعلى كثير من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وكثير من أيمة الدين مثل مالك بن أنس والشافعي والشيخ عبد الله بن أبي زيد وسحنون.

فأما اختيار الله لنبيئه محمد صلى الله عليه وسلم حالة الزهادة في الدنيا فلتحصل له غايات الكمال من التمحّض لتلقي الوحي وجميل الخصال ومن مساواة جمهور أصحابه في أحوالهم، وقد بسطناه بياناً في رسالة طعام رسول الله عليه السلام. وأعقب ذلك بترغيب الأغنياء في الإِنفاق في سبيل الله فجعل الوعد بإخلاف ما ينفقه المرء كناية عن الترغيب في الإِنفاق لأن وعد الله بإِخلافه معَ تأكيد الوعد يقتضي أنه يحب ذلك من المنفقين.

وأكد ذلك الوعد بصيغة الشرط وبجعل جملة الجواب اسمية وبتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي بقوله: {فهو يخلفه}، ففي هذا الوعد ثلاثة مؤكدات دالة على مزيد العناية بتحقيقه لينتقل من ذلك إلى الكناية عن كونه مرغوبه تعالى

و{من شيء} بيان لما في {ما} من العموم، وجملة {وهو خير الرازقين} تذييل للترغيب والوعد بزيادة، لبيان أن ما يخلفه أفضل مما أنفقه المنفق. {خير} بمعنى أخير لأن الرزق الواصل من غيره تعالى إنما هو من فضله أجراه على يد بعض مخلوقاته فإذا كان تيسيره برضى من الله على المرزوق ووعد به كان ذلك أخلق بالبركة والدوام، وظاهر الآية أن إخلاف الرزق يقع في الدنيا وفي الآخرة.

والمراد بالإِنفاق: الإِنفاق المرغب فيه في الدين كالإِنفاق على الفقراء والإِنفاق في سبيل الله بنصر الدين. رَوى مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

يقول الله تعالى: يا بن آدم أَنفق أُنفق عليك. قال ابن العربي: قد يعوّض مثله أو أزيد، وقد يعوض ثواباً، وقد يدخر له وهو كالدعاء في وعد الإِجابة» ا هــــ. قلت: وقد يعوّض صحة وقد يعوّض تعميراً. ولله في خلقه أسرار.

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ۝٤٠ قَالُوا۟ سُبْحَٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ ۝٤١

عطف على جملة

{ { ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم } } [سبأ: 31] الآية استكمالاً لتصوير فظاعة حالهم يوم الوعد الذي أنكروه تبعاً لما وصف من حال مراجعة المستكبرين منهم والمستضعفين؛ فوصف هنا افتضاحهم بتبرؤ الملائكة منهم وشهادتهم عليهم بأنهم يعبدون الجن.

وضمير الغيبة من {نحشرهم} عائد إلى ما عاد عليه ضمير

{ { وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً }[سبأ: 35] الذي هو عائد إلى {الذين كفروا} من قوله: { { وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن } } [سبأ: 31]. والكلام كله منتظم في أحوال المشركين، وجميع: فعيل بمعنى مفعول، أي مجموع وكثر استعماله وصفاً لإِفادة شمول أفراد ما أجري هو عليه من ذوات وأحوال، أي يجمعهم المتكلم، قال لبيد:

عريت وكان بها الجميعُ فأبكروامنها وغودر نُؤيها وثُمامها

وتقدم عند قوله تعالى: { { فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون } } في سورة هود (55). فلفظ {جميعاً} يعم أصناف المشركين على اختلاف نحلهم واعتقادهم في شركهم فقد كان مشركو العرب نِحَلا شتّى يأخذ بعضهم من بعض وما كانوا يحققون مذهباً منتظم العقائد والأقوال غير مخلوط بما ينافي بعضه بعضاً.

والمقصد من هذه الآية إبطال قولهم في الملائكة إنهم بنات الله، وقولهم:

{ { لو شاء الرحمن ما عبدناهم } } كما في سورة الزخرف (20). وكانوا يخلطون بين الملائكة والجن ويجعلون بينهم نسباً، فكانوا يقولون: الملائكة بنات الله من سَروات الجن.

وقد كان حَيّ من خزاعة يقال لهم: بنو مُليح، بضم الميم وفتح اللام وسكون التحتية، يعبدون الجن والملائكة، والاقتصار على تقرير الملائكة واستشهادهم على المشركين لأن إبطال إلٰهية الملائكة يفيد إبطال إلٰهية ما هو دونها ممن أُعيد من دون الله بدلالة الفحوى، أي بطريق الأولى فإن ذلك التقرير من أهم ما جعل الحشر لأجله.

وتوجيه الخطاب إلى الملائكة بهذا الاستفهام مستعمل في التعريض بالمشركين على طريقة المَثل إياك أعنِي واسمَعِي يا جارة.

والإِشارة بـ{هؤلاء} إلى فريق كانوا عبدوا الملائكة والجن ومن شايعهم على أقوالهم من بقية المشركين.

وتقديم المفعول على {يعبدون} للاهتمام والرعاية على الفاصلة.

وحكي قول الملائكة بدون عاطف لوقوعه في المحاورة كما تقدم غير مرة ولذلك جيء فيه بصيغة الماضي لأن ذلك هو الغالب في الحكاية.

وجواب الملائكة يتضمن إقراراً مع التنزه عن لفظ كونهم معبودين كما يتنزه من يَحكي كفر أحد فيقول قال: هُو مشرك بالله، وإنما القائل قال: أنا مشرك بالله.

فمورد التنزيه في قول الملائكة {سبحانك} هو أن يكون غير الله مستحقاً أن يعبد، مع لازم الفائدة وهو أنهم يعلمون ذلك فلا يضرون بأن يكونوا مَعبودين.

والولي: الناصر والحَليف والصديق، مشتق من الوَلْي مصدر وَلِيَ بوزن عَلِم. وكلٌّ من فاعل الوَلْي ومفعوله وليّ لأن الوَلاية نسبة تستدعي طرفين ولذلك كان الولي فعيلاً صالحاً لمعنى فاعل ولمعنى مفعول. فيقع اسم الولِيّ على المُوالِي بكسر اللام وعلى المُوالَى بفتحها وقد ورد بالمعنيين في القرآن وكلام العرب كثيراً.

فمعنى {أنت ولينا} لا نوالي غيرك، أي لا نرضى به وليّاً، والعبادةُ ولاية بين العابد والمعبود، ورضَى المعبود بعبادة عابده إياه ولايةٌ بين المعبود وعابده، فقول الملائكة {سبحانك} تبرؤ من الرضى بأن يعبدهم المشركون لأن الملائكة لما جعلوا أنفسهم موالين لله فقد كذبوا المشركين الذين زعموا لهم الإِلهية، لأن العابد لا يكون معبوداً. وقد تقدم الكلام على لفظ (ولي) عند قوله تعالى:

{ { قل أغير اللَّه أتخذ ولياً } } في سورة الأنعام (14) وفي آخر سورة الرعد.

و{مِن} زائدة للتوكيد و (دون) اسم لمعنى غير، أي أنت ولينا وهم ليسوا أولياء لنا ولا نرضى بهم لكفرهم فــــ{من دونهم} تأكيد لما أفادته جملة {أنت ولينا} من الحَصر لتعريف الجزأين.

و{بل} للإِضراب الانتقالي انتقالاً من التبرؤ منهم إلى الشهادة عليهم وعلى الذين سَوّلوا لهم عبادة غير الله تعالى، وليس إضراب إبطال لأن المشركين المتحدث عنهم كانوا يعبدون الملائكة، والمعنى: بل كان أكثر هؤلاء يعبدون الجن وكان الجنّ راضين بعبادتهم إياهم. وحاصل المعنى: أنا منكرون عبادتهم إياناً ولم نأمرهم بها ولكن الجن سوّلت لهم عبادة غير الله فعبدوا الجن وعبدوا الملائكة.

وجملة {أكثرهم} للمشركين وضمير {بهم} للجن، والمقام يردّ كل ضمير إلى معاده ولو تماثلت الضمائر كما في قول عباس بن مرداس يوم حنين:

عُدنا ولولا نحن أحدق جمعهمبالمسلمين وأحرزوا ما جَمَّعوا

أي أحرز جَمْع المشركين ما جَمَّعه المسلمون من مغانم.

وقرأ الجمهور {نحشرهم} و{نقول} بنون العظمة. وقرأ حفص عن عاصم بياء الغائب فيهما، والضمير عائد إلى {ربي} من قوله:

{ { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له } } [سبأ: 39].

فَٱلْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ۝٤٢

{فَٱلْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً}.

الأظهر أن هذا من خطاب الله تعالى المشركين والجنَّ. والفاء فصيحة ناشئة عن المقاولة السابقة. وهي كلام موجه من جانب الله تعالى إلى الملائكة والمقصود به: التعريض بضلال الذين عبدوا الملائكة والجن لأن الملائكة يعلمون مضمون هذا الخبر فلا نقصد إفادتهم به. والمعنى: إذ علمتم أنكم عبدتم الجن فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعاً ولا ضراً.

ويجوز أن يكون من خطاب الملائكة للفريقين بعد أداء الشهادة عليهم توبيخاً لهم وإظهاراً للغضب عليهم تحقيقاً للتبرؤ منهم، والفاء أيضاً فصيحة وهي ظاهرة.

وقُدم الظرف على عامله لأن النفع والضر يومئذٍ قد اختص صغيرهما وكبيرهما بالله تعالى خلاف ما كان في الدنيا من نفع الجن عُبَّادهم ببعض المنافع الدنيوية ونفع المشركين الجن بخدمة وساوسهم وتنفيذ أغراضهم من الفتنة والإِضلال، وكذلك الضر في الدنيا أيضاً.

والمِلك هنا بمعنى: القدرة، أي لا يقدر بعضكم على نصر أو نفع بعض. وتقدم عند قوله تعالى:

{ { قل فمَن يملك من اللَّه شيئاً إن أراد أن يهلك المسيحَ ابن مريم } } في سورة العقود (17).

وقدم النفع في حَيز النفي تأييساً لهم لأنهم كانوا يرجون أن يشفعوا لهم يومئذٍ

{ { ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله } } [يونس: 18].

وعطف نفي الضر على نفع النفع للدلالة على سلب مقدرتهم على أي شيء فإن بعض الكائنات يستطيع أن يضر ولا يستطيع أن ينفع كالعقرب.

{وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ}.

عطف على قوله:

{ { ثم نقول للملائكة } } [سبأ: 40]. وقد وقع الإِخبار عن هذا القول بعد الإِخبار عن الحوار الذي يجري بين الملائكة وبين المشركين يومئذٍ إظهاراً لاستحْقاقهم هذا الحكم الشديد، ولكونه كالمعلول لقوله: {لا يملك بعضكم لبعض نفعاً ولا ضراً}.

والذوق: مجاز لمطلق الإِحساس، واختياره دون الحقيقة لشهرة استعماله.

ووصف النار بالتي كانوا يكذبون بها لما في صلة الموصول من إيذان بغلطهم وتنديمهم.

وقد علق التكذيب هنا بنفس النار فجيء باسم الموصول المُناسب لها ولم يعلق بالعذاب كما في آية سورة السجدة (20)

{ { وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون } } لأن القول المخبر عنه هنا هو قول الله تعالى وحكمه وقد أذن بهم إلى جهنم وشاهدوها كما قال تعالى آنفاً: { { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } } [سبأ: 33] فإن الذي يرى هو ما به العذاب، وأما القول المحكي في سورة السجدة (20) فهو قول ملائكة العذاب بدليل قوله: { { كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون } }.

وتقديم المجرور للاهتمام والرعاية على الفاصلة.

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٍ قَالُوا۟ مَا هَٰذَآ إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُكُمْ وَقَالُوا۟ مَا هَٰذَآ إِلَّآ إِفْكٌ مُّفْتَرًى وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ۝٤٣

انتقال من حكاية كفرهم وغرورهم وازدهائهم بأنفسهم وتكذيبهم بأصول الديانة إلى حكاية تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأتبع ذلك بحكاية تكذيبهم الكتابَ والدين الذي جاء به فكان كالفذلكة لما تقدم من كفرهم.

وجملة {إذا تتلى} معطوفة على جملة

{ { ويوم نحشرهم جميعاً } } [سبأ: 40] عطف القصة على القصة. وضمير {عليهم} عائد إلى { { الذين كفروا } } [سبأ: 31] وهم المشركون من أهل مكة.

وإيراد حكاية تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم مقيدةً بالزمن الذي تتلى عليهم فيه آيات الله البينات تعجيب من وقاحتهم حيث كذبوه في أجدر الأوقات بأن يصدقوه عندها لأنه وقت ظهور حجة صدقه لكل عاقل متبصر.

وللاهتمام بهذا الظرف والتعجيب من متعلقه قُدّم الظرف على عامله والتشوق إلى الخبر الآتي بعده وأنه من قبل البهتان والكفر البواح.

والمراد بالآيات البينات آيات القرآن، ووصفها بالبيّنات لأجل ظهور أنها من عند الله لإِعجازها إياهم عن معارضتها، ولِما اشتملت عليه معانيها من الدلائل الواضحة على صدق ما تدعو إليه، فهي محفوفة بالبيان بألفاظها ومعَانيها.

وحذف فاعل التلاوة لظهور أنه الرسول صلى الله عليه وسلم إذ هو تالي آيات الله، فالإِشارة في قولهم: {ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم} إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. واستحضروه بطريق الإِشارة دون الاسم إفادة لحضوره مجلس التلاوة وذلك من تمام وقاحتهم فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ عليهم القرآن في مجالسهم كما ورد في حديث قراءته على عتبة بن ربيعة سورة فُصلت وقراءِته على عبد الله بن أُبَيّ ابن سَلول للقرآن بالمدينة في القصة التي تشاجر فيها المسلمون والمشركون.

وابتدأوا بالطعن في التالي لأنه الغرض الذي يرمون إليه، وأثبتوا له إرادة صدّهم عن دين آبائهم قصد أن يثير بعضُهم حميةَ بعض لأنهم يجعلون آباءهم أهل الرأي فيما ارتأوا والتسديد فيما فعلوا فلا يرون إلا حَقّاً ولا يفعلون إلا صواباً وحكمة، فلا جرم أن يكون مريد الصدّ عنها محاولاً الباطل وكاذباً في قوله لأن الحق مطابق الواقع فإبطال ما هو حق في زعمهم قولٌ غير مطابق للواقع فهو الكذب.

وفعل {كان} في قولهم: {عمّا كان يعبد آباؤكم} إشارة إلى أنهم عنوا أن تلك عبادة قديمة ثابتة. وفي ذلك إلهاب لقلوب قومهم وإيغار لصدورهم ليتألبوا على الرسول صلى الله عليه وسلم ويزدادوا تمسكاً بدينهم وقد قصروا الرسول عليه الصلاة والسلام على صفة إرادة صدهم قصراً إضافياً، أي إلا رجل صادق فما هو برسول.

وأتبعوا وصف التالي بوصف المتلوّ بأنه كذب مفترىً وإعادة فعل القول للاهتمام بحكاية قولهم لفظاعته وكذلك إعادة فعل القول إعادة ثابتة للاهتمام بكل قول من القولين الغريبين تشنيعاً لهما في نفس السامعين فجملة {وقالوا ما هذا إلا إفك} عطف على جملة {قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم}، فالفعلان مشتركان في الظرف.

والإِشارة الثانية إلى القرآن الذي تضمنه {تتلى} لتعيُّنه لذلك.

والإِفك: الكذب، ووصفه بالمفترَى إما أن يتوجّه إلى نسبته إلى الله تعالى أو أريد أنه في ذاته إفك وزادوا فجعلوه مخترعاً من النبي صلى الله عليه وسلم ليس مسبوقاً به.

فكونه إفكاً يرجع إلى جميع ما في القرآن، وكونه مفترىً يُرجعونه إلى ما فيه من قصص الأولين. وهذا القول من بهتانهم لأنهم كثيراً ما يقولون:

{ { أساطير الأولين } } [الأنعام: 25] فليس {مفترى} تأكيداً لــــ{إفك}.

ثم حُكي تكذيبهم الذي يعم جميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من وحي يتلى أو دعوة إلى التوحيد وغيره أو استدلال عليه أو معجزة بقولهم: {إن هذا إلا سحر مبين}، فهذا المقال الثالث يشمل ما تقدم وغيره، فحكاية مقالهم هذا تقوم مقام التذييل. وأُظهر للقائلين دون إضمار ما تقدم ما يصح أن يكون معاداً للضمير فقيل: {وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم} ولم يَقُل: وقالوا للحق لما جاءهم، للدلالة على أن الكفر هو باعث قولهم هذا.

وأُظهر المشار إليه قبل اسم الإِشارة في قوله: {للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين} لأنه لا دليل عليه في الكلام السابق، أي إذ ظهر لهم ما هُو حق من إثبات للتوحيد أو إخبار عن الغيب أو البعث قالوا: ما هذا إلا سحر مبين. فالمراد من الحق: ما هو أعم من آيات القرآن لأن السحر له أسلوبان: أحدهما شعوذة الأقوال التي لا تفهم مدلولاتها يختلقها السحرة ليوهموا الناس أن فيها مناجاة مع الجن ليمكنوهم من عمل ما يريدون فيسترهبوهم بذلك، وثانيهما أفعال لها أسباب خفية مستورة بحِيل وخفة أيدٍ تحركها فيوهمون بها الناس أنها من تمكين الجن إياهم التصرف في الخفيات، فإذا سمعوا القرآن ألحقوه بالأسلوب الأول، وإذا رأوا المعجزات ألحقوها بالأسلوب الثاني كما قالت المرأة التي شاهدتْ معجزةَ تكثير الماء في بعض غزوات النبي صلى الله عليه وسلم فقالت لقومها «أتيتُ أسحرَ الناس، أو هو نبيء كما زعموه».

ومعنى {مبين} أنه يظهر منه أنه سحر فتبيينه كنهه من نفسه، يعنون أن من سمعه يعلم أنه سحر.

وجملة {وقال الذين كفروا} معطوفة على جملة {وإذا تتلى}.

الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ