انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة سبإ

تفسير البغويالآيات 1–52

تفسير سورة سبإ آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ۝١ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ ۝٢

{ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ}, ملكاً وخلقاً، {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلآخِرَةِ}، كما هو له في الدنيا، لأن النعم في الدارين كلها منه.

وقيل الحمد لله في الآخرة هو حمد أهل الجنة كما قال الله تعالى:

{ { وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِىۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ } } [فاطر: 34]، و { { ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ } } [الزمر: 74]. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ}.

{يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِى ٱلأَرْضِ}، أي: يدخل فيها من الماء والأموات، {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا}، من النبات والأموات إذا حشروا، {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ}، من الأمطار، {وَمَا يَعْرُجُ}، يصعد، {فِيهَا}، من الملائكة وأعمال العباد، {وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ}.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَآ أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرُ إِلَّا فِى كِتَٰبٍ مُّبِينٍ ۝٣ لِّيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ۝٤ وَٱلَّذِينَ سَعَوْ فِىٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ۝٥ وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ۝٦

{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ}، قرأ أهل المدينة والشام: «عالمُ» بالرفع على الاستئناف، وقرأ الآخرون بالجر على نعت الرب، أي: وربّي عالم الغيب، وقرأ حمزة والكسائي: «عَلاَّمِ» على وزن فعال، وجر الميم، {لاَ يَعْزُبُ}، لا يعيب، {عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ} وزن ذرة {فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ}، أي: من الذرة، {وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ}.

{لِّيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُوْلَـٰئِكَ}، يعني: الذين آمنوا، {لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، حسن, يعني: في الجنة.

{وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِىۤ ءَايَـٰتِنَا مُعَاجِزِينَ}، يحسبون أنهم يفوتوننا، {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ}، قرأ ابن كثير وحفص ويعقوب: «أَليمٌ» بالرفع هاهنا وفي الجاثية على نعت العذاب، وقرأ الآخرون بالخفض على نعت الرجز، وقال قتادة: الرجز سوء العذاب.

{وَيَرَى ٱلَّذِينَ}، أي: ويرى الذين، {أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ}، يعني: مؤمني أهل الكتاب: عبد الله بن سلام وأصحابه. وقال قتادة: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، {ٱلَّذِىۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}، يعني: القرآن، {هُوَ ٱلْحَقَّ}، يعني: أنه من عند الله، {وَيَهْدِىۤ}، يعني: القرآن، {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزيز ٱلْحَمِيد}، وهو الإِسلام.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ ۝٧ أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِۦ جِنَّةٌۢ بَلِ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ فِى ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلَٰلِ ٱلْبَعِيدِ ۝٨ أَفَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ۝٩ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضْلًا يَٰجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُۥ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ ۝١٠

{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، منكرين للبعث متعجبين منه، {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ}، يخبركم، يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم، {إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ}، قُطّعتم كل تقطيع وفُرِّقْتُم كل تفريق وصرتم تراباً {إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ}، يقول لكم: إنكم لفي خلق جديد.

{أَفْتَرَىٰ}، ألف استفهام دخلت على ألف الوصل ولذلك نصبت، {عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ}، يقولون: أزعم كذباً أم به جنون؟.

قال الله تعالى رداً عليهم: {بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ فِى ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلَـٰلِ ٱلْبَعِيدِ}، من الحق في الدنيا.

قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}، فيعلموا أنهم حيث كانوا فإن أرضي وسمائي محيطة بهم لا يخرجون من أقطارها، وأنا القادر عليهم، {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ}، قرأ الكسائي: «نخسف بهم» بإدغام الفاء في الباء، {أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}، قرأ حمزة والكسائي: «إن يشأ يخسف أو يسقط»، بالياء فيهن لذكر الله من قبل، وقرأ الآخرون بالنون فيهن {إِنَّ فِى ذَلِكَ}، أي: فيما ترون من السماء والأرض، {لاََيَةً}، تدل على قدرتنا على البعث، {لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ}، تائب راجع إلى الله بقلبه.

قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً}، يعني النبوة والكتاب، وقيل: الملك. وقيل: جميع ما أوتي من حسن الصوت وتليين الحديد وغير ذلك مما خُص به، {يَٰجِبَالُ}، أي: وقلنا يا جبال، {أَوِّبِى}، أي: سبحي، {مَعَهُ}، إذا سبح، وقيل: هو تفعيل من الإِياب وهو الرجوع أي: رجَّعي معه وقال القتيبي: أصله من التأويب في السير، وهو أن يسير النهار كله وينزل ليلاً كأنه قال أوبي النهار كله بالتسبيح معه. وقال وهب: نوحي معه.

{وَٱلطَّيْرَ}، عطف على موضع الجبال، لأن كلَّ منادَى في موضع النصبِ. وقيل: معناه: وسخرنا وأمرنا الطير أن تسبح معه، وقرأ يعقوب: «والطيرُ» بالرفع ردّاً على الجبال، أي أوّبي أنت والطيرُ. وكان داود إذا نادى بالناحية أجابته الجبال بصداها وعكفت الطير عليه من فوقه، فصدى الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك.

وقيل: كان داود إذا تخلل الجبال فسبح الله جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبح. وقيل: كان داود عليه السلام إذا لحقه فتور أسمعه الله تسبيح الجبال تنشيطاً له.

{وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ}، حتى كان الحديد في يده كالشمع والعجين يعمل فيه ما يشاء من غير نار ولا ضرب مطرقة.

وكان سبب ذلك على ما روي في الإِخبار: أن داود عليه السلام لما ملك بني إسرائيل كان من عادته أن يخرج للناس متنكراً، فإذا رأى رجلاً لا يعرفه تقدم إليه ويسأله عن داود فيقول له: ما تقول في داود وإليكم هذا أي رجل هو؟ فيثنون عليه، ويقولون خيراً، فقيض الله له مَلَكاً في صورة آدمي، فلما رآه داود تقدم إليه على عادته فسأله، فقال المَلَك: نعم الرجل هو لولا خصلة فيه، فراع داود ذلك وقال: ما هي يا عبد الله؟ قال: إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال، قال فتنبه لذلك وسأل الله أن يسبب له سبباً يستغني به عن بيت المال، فيتقوت منه ويطعم عياله، فألاَن الله تعالى له الحديد وعلمه صنعة الدرع، وإنه أول من اتخذها.

ويقال: إنه كان يبيع كل درع بأربعة آلاف درهم، فيأكل ويطعم منها عياله ويتصدق منها على الفقراء والمساكين.

ويقال إنه كان يعمل كل يوم درعاً يبيعها بستة آلاف درهم، فينفق ألفين منها على نفسه وعياله، ويتصدق بأربعة آلاف على فقراء بني إسرائيل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كان داود عليه السلام لا يأكل إلاّ من عمل يده ».

أَنِ ٱعْمَلْ سَٰبِغَٰتٍ وَقَدِّرْ فِى ٱلسَّرْدِ وَٱعْمَلُوا۟ صَٰلِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ۝١١

{أَنِ ٱعْمَلْ سَـٰبِغَـٰتٍ}، دروعاً كوامل واسعات طوالاً تسحب في الأرض، {وَقَدِّرْ فِى ٱلسَّرْدِ}، والسرد نسج الدروع، يقال لصانعه: السراد والزراد، يقول: قدر المسامير في حلق الدرع أي: لا تجعل المسامير دقاقاً فتفلت ولا غلاظاً فتكسر الحلق، ويقال: "السرد" المسمار في الحلقة، يقال: درع مسرودة أي: مسمورة الحلق، وقدر في السرد اجعله على القصدِ وقدرِ الحاجة، {وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً}، يريد: داودَ وآله، {إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.

وَلِسُلَيْمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُۥ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ۝١٢ يَعْمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَٰتٍ ٱعْمَلُوٓا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ ۝١٣

{وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرِّيحَ} أي: وسخرنا لسليمان الريح، وقرأ أبو بكر عن عاصم: الريح بالرفع أي: له تسخير الريح، {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ}, أي: سير غُدوِّ تلك الريح المسخرة له مسيرة شهر، وسير رواحها مسيرة شهر، وكانت تسير به في يوم واحد مسيرة شهرين.

قال الحسن: كان يغدو من دمشق فيقيل بإصطخر وبينهما مسيرة شهر، ثم يروح من اصطخر فيبيت بكابل وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع.

وقيل: إنه كان يتغدى بالري ويتعشى بسمرقند.

{وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ}، أي: أذَبْنَا له عين النحاس، و"القِطْرُ": النحاس.

قال أهل التفسير: أجريت له عين النحاس ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء، وكان بأرض اليمن، وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله لسليمان.

{وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ}، بأمر ربه، قال ابن عباس: سخر الله الجن لسليمان وأمرهم بطاعته فيما يأمرهم به، {وَمَن يَزِغْ}، أي: يعدل، {مِنْهُمْ}، من الجن، {عَنْ أَمْرِنَا}، الذي أمرنا به من طاعة سليمان، {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ}، في الآخرة، وقال بعضهم: في الدنيا وذلك أن الله عزّ وجلّ وكّل بهم ملكاً بيده سوط من نار فمن زاغ منهم عن أمر سليمان ضربه ضربة أحرقته.

{يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَـٰرِيبَ}، أي: مساجد، والأبنية المرتفعة وكان مما عملوا له بيت المقدس ابتدأه داود ورفعه قدر قامة رجل، فأوحى الله إليه إني لم أقض ذلك على يدك ولكن ابن لك أملّكه بعدك اسمه سليمان أقضي تمامه على يده، فلما توفاه الله استخلف سليمان فأحب إتمام بناء بيت المقدس، فجمع الجن والشياطين وقسم عليهم الأعمال فخصّ كل طائفة منهم بعمل يستخلصها له، فأرسل الجن والشياطين في تحصيل الرخام والمها الأبيض من معادنه، وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفاح، وجعلها اثني عشر ربضاً، وأنزل كل ربض منها سبطَاً من الأسباط، وكانوا اثني عشر سبطاً، فلما فرغ من بناء المدينة ابتدأ في بناء المسجد فوجه الشياطين فرقاً فرقاً يستخرجون الذهب والفضة والياقوت من معادنها والدر الصافي من البحر، وفرقاً يقلعون الجواهر والحجارة من أماكنها، وفرقاً يأتونه بالمسك والعنبر وسائر الطيب من أماكنها، فأتى من ذلك بشيء لا يحصيه إلا الله عزّ وجلّ، ثم أحضر الصناعيين وأمرهم بنحت تلك الحجارة المرتفعة وتصييرها ألواحاً وإصلاح تلك الجواهر وثقب اليواقيت واللآلىء، فبنى المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر وعمده بأساطين المها الصافي وسقفه بألواح الجواهر الثمينة وفصص سقوفه وحيطانه باللآلىء واليواقيت وسائر الجواهر، وبسط أرضه بألواح الفيروزج فلم يكن يومئذ في الأرض بيت أبهى ولا أنور من ذلك المسجد، وكان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر، فلما فرغ منه جمع إليه أحبار بني إسرائيل فأعلمهم أنه بناه لله عزّ وجلّ، وأن كل شيء فيه خالص لله، واتخذ ذلك اليوم الذي فرغ منه عيداً.

وروى عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس سأل ربه ثلاثاً فأعطاه اثنين، وأنا أرجو أن يكون أعطاه الثالثة، سأله حكماً يصادف حكمه، فأعطاه إيّاه، وسأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إيّاه وسأله أن لا يأتي هذا البيت أحد يصلي فيه ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأنا أرجو أن يكون قد أعطاه ذلك ».

قالوا: فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان حتى غزاه بختنصر فخرب المدينة وهدمها ونقض المسجد، وأخذ ما كان في سقوفه وحيطانه من الذهب والفضة والدر والياقوت وسائر الجواهر، فحمله إلى دار مملكته من أرض العراق، وبنى الشياطين لسليمان باليمن حصوناً كثيرة عجيبة من الصخر.

قوله عزّ وجلّ: {وَتَمَـٰثِيلَ}، أي: كانوا يعملون له تماثيل، أي: صوراً من نحاس وصُفْر وشبة وزجاج ورخام. وقيل: كانوا يصورون السباع والطيور. وقيل: كانوا يتخذون صور الملائكة والأنبياء والصالحين في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة، ولعلها كانت مباحة في شريعتهم، كما أن عيسى كان يتخذ صوراً من الطين فينفخ فيها فتكون طيراً بإذن الله.

{وَجِفَانٍ}، أي: قصاع واحدتها جفنة، {كَـٱلْجَوَابِ}، كالحياض التي يجبى فيها الماء، أي: يجمع، واحدتها جابية، يقال: كان يقعد على الجفة الواحدة ألف رجل يأكلون منها {وَقُدُورٍ رَٰسِيَـٰتٍ} ثابتات لها قوائم لا يحركن عن أماكنهن لعظمهن، ولا ينزلن ولا يعطَّلن، وكان يصعد عليها بالسلالم، وكانت باليمن.

{ٱعْمَلُوۤاْ ءَالَ دَاوُودَ شُكْراً}، أي: وقلنا اعملوا آل داود شكراً، مجازه: اعملوا يا آل داود بطاعة الله شكراً له على نعمه.

{وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ}، أي العامل بطاعتي شكراً لنعمتي.

قيل: المراد من "آل داود" هو داود نفسه. وقيل: داود وسليمان وأهل بيته.

وقال جعفر بن سليمان: سمعت ثابتاً يقول: كان داود نبي عليه السلام قد جزّأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم يكن تأتي ساعة من ساعات الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي.

فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُۥ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُوا۟ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ۝١٤

{فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ}، أي: على سليمان.

قال أهل العلم: كان سليمان عليه السلام يتجرد في بيت المقدس السنة والسنتين، والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر يدخل فيه طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي مات فيها، وكان بدء ذلك أنه كان لا يصبح يوماً إلا نبتت في محراب بيت المقدس شجرة، فيسألها: ما اسمك؟ فتقول: اسمي كذا، فيقول: لأي شيء أنت؟ فتقول: لكذا وكذا، فيأمر بها فتقلع، فإن كانت نبتت لغرس غرسها، وإن كانت لدواء كتب، حتى نبتت الخروبة، فقال لها: ما أنت؟ قالت: الخروبة، قال: لأي شيء نَبَتِّ؟ قالت: لخراب مسجدك، فقال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس! فنزعها وغرسها في حائط له، ثم قال: اللهم عمِّ على الجن موتي حتى يعلم الإِنس أن الجن لا يعلمون الغيب، وكانت الجن تخبر الإِنس أنهم يعملون من الغيب أشياء ويعلمون ما في غد، ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئاً على عصاه فمات قائماً وكان للمحراب كُوىً بين يديه وخلفه، فكانت الجن يعملون تلك الأعمال الشاقة التي كانوا يعملون في حياته، وينظرون إليه يحسبون أنه حي، ولا ينكرون احتسابه عن الخروج إلى الناس لطول صلاته قبل ذلك، فمكثوا يدأبون له بعد موته حولاً كاملاً حتى أكلت الأرَضَةُ عصا سليمان، فخرّ ميتاً فعلموا بموته.

قال ابن عباس: فشكرت الجن الأرضة فهم يأتونها بالماء والطين في جوف الخشب, فذلك قوله: {مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ}، وهي الأرَضَة {تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ}، يعني: عصاه، قرأ أهل المدينة وأبو عمرو: «منسأته» بغير همز، وقرأ الباقون بالهمز، وهما لغتان، ويسكن ابن عامر الهمز، وأصلها من نسأت الغنم، أي: زجرتها وسقتها ومنه: نسأ الله في أجله، أي أخَّره.

{فَلَمَّا خَرَّ}، أي: سقط على الأرض، {تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ}، أي: علمت الجن وأيقنت، {أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ}، أي: في التعب والشقاء مسخّرين لسليمان وهو ميت يظنونه حياً، أراد الله بذلك أن يُعلم الجن أنهم لا يعلمون الغيب، لأنهم كانوا يظنون أنهم يعلمون الغيب، لغلبة الجهل. وذكر الأزهري: أن معنى "تبينت الجن"، أي: ظهرت وانكشفت الجن للإِنس، أي ظهر أمرهم أنهم لا يعلمون الغيب لأنهم كانوا قد شبهوا على الإِنس ذلك، وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس: تبينت الإِنس أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين، أي: علمت الإِنس وأيقنت ذلك.

وقرأ يعقوب: «تبينت» بضم التاء وكسر الياء أي: أعلمت الإِنس الجن، ذكر بلفظ ما لم يسم فاعله، و "تبيَّن" لازم ومتعد.

وذكر أهل التاريخ أن سليمان كان عمره ثلاثاً وخمسين سنة، ومدة ملكه أربعون سنة، وملك يوم ملك وهو ابن ثلاث عشر سنة، وابتدأ في بناء بيت المقدس لأربع سنين مضين من ملكه.

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِى مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا۟ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ۝١٥ فَأَعْرَضُوا۟ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ وَبَدَّلْنَٰهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ۝١٦

قوله عزّ وجلّ: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِى مَسْكَنِهِمْ}, روى أبو سبرة النخعي عن فروة بن مسيك الغُطيفي، قال:

قال رجل: يا رسول الله أخبرني عن سبأ كان رجلاً أو امرأة أو أرضاً؟ قال: «كان رجلاً من العرب وله عشرة من الولد، تيامن منهن ستة، وتشاءم أربعة، فأما الذين تيامنوا فكندة، والأشعريون، وأزد، ومذحج، وأنمار، وحمير، فقال رجل: وما أنمار؟ فقال الذين منهم خثعم وبجيلة: وأما الذين تشاءموا: فعاملة، وجذام، ولخم وغسان، وسبأ هو ابن يشجب بن يعرب بن قحطان ».

{فِى مَسْكَنِهِمْ}، قرأ حمزة وحفص: «مسكنهم» بفتح الكاف، على الواحد، وقرأ الكسائي بكسر الكاف، وقرأ الآخرون: «مساكنهم» على الجمع، وكانت مساكنهم بمأرب من اليمن، {ءَايَةٌ}، دلالة على وحدانيتنا وقدرتنا، ثم فسر الآية فقال: {جَنَّتَانِ}، أي: هي جنتان بستانان، {عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ}، أي: عن يمين الوادي وشماله. وقيل: عن يمين من أتاهما وشماله، وكان لهم وادٍ قد قيل أحاطت الجنتان بذلك الوادي {كُلُواْ}، أي قيل لهم كلوا، {مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ}، يعني: من ثمار الجنتين، قال السديّ ومقاتل: كانت المرأة تحمل مكتلها على رأسها وتمر بالجنتين فيمتلىء مكتلها من أنواع الفواكه من غير أن تمس شيئاً بيدها، {وَٱشْكُرُواْ لَهُ}، أي: على ما رزقكم من النعمة، والمعنى: اعملوا بطاعته، {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ}، أي: أرض سبأ بلدة طيبة ليست بسبخة، قال ابن زيد: لم يكن يرى في بلدتهم بعوضة ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، وكان الرجل يمرّ ببلدتهم وفي ثيابه القمل فيموت القمل كله من طيب الهواء، فذلك قوله تعالى: {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ}، أي: طيبة الهواء، {وَرَبٌّ غَفُورٌ}، قال مقاتل: وربُّكم إنْ شكرتموه فيما رزقكم ربٌ غفور للذنوب.

{فَأَعْرَضُواْ}, قال وهب: فأرسل الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبياً فدعوهم إلى الله وذكروهم نعمه عليهم وأنذروهم عقابه فكذبوهم، وقالوا: ما نعرف لله عزّ وجلّ علينا نعمة فقولوا لربكم فليحبس هذه النعم عنّا إن استطاع، فذلك قوله تعالى: {فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ}، و"العرم": جمع عرمة، وهي السِّكر الذي يحبس به الماء.

وقال ابن الأعرابي: "العرم" السيل الذي لا يطاق, وقيل: كان ماء أحمر، أرسله الله عليهم من حيث شاء, وقيل "العرم": الوادي، وأصله من العرامة، وهي الشدة والقوة.

وقال ابن عباس، ووهب، وغيرهما: كان ذلك السدّ بنته بلقيس، وذلك أنهم كانوا يقتتلون على ماء واديهم، فأمرت بواديهم فسدّ بالعرم، وهو المُسنّاة بلغة حمير، فسدت بين الجبلين بالصخر والقار وجعلت له أبواباً ثلاثة بعضها فوق بعض، وبنت من دونه بركة ضخمة وجعلت فيها اثني عشر مخرجاً على عدة أنهارهم يفتحونها إذا احتاجوا إلى الماء، وإذا استغنوا سدوها، فإذا جاء المطر اجتمع إليه ماء أودية اليمن، فاحتبس السيل من وراء السدّ فأمرت بالباب الأعلى ففتح فجرى ماؤه في البركة، فكانوا يسقون من الباب الأعلى ثم من الثاني ثم من الباب الأسفل فلا ينفذ الماء حتى يثوب الماء من السنة المقبلة فكانت تقسمه بينهم على ذلك، فبقوا على ذلك بعدها مدة فلما طغوا وكفروا سلط الله عليهم جرذاً يسمى الخلد فنقب السد من أسفله فغرَّق الماء جناتهم وخرب أرضهم.

قال وهب: وكان مما يزعمون ويجدون في علمهم وكهانتهم أنه يخرب سدهم فأرة، فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة فلما جاء زمانه وما أراد الله عزّ وجلّ بهم من التغريق أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء كبيرة إلى هرة من تلك الهرر فساورتها حتى استأخرت عنها الهرة، فدخلت في الفرجة التي كانت عندها فتغلغلت في السد فنقبت وحفرت حتى أوهنته للسيل، وهم لا يدرون بذلك فلما جاء السيل وجد خللاً فدخل فيه حتى قطع السد، وفاض على أموالهم فغرّقها ودفن بيوتهم الرمل، ففرقوا وتمزقوا حتى صاروا مثلاً عند العرب، يقولون: صار بنو فلان أيدي سبأ وأيادي سبأ أي تفرقوا وتبددوا، فذلك قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ }.

{وَبَدَّلْنَـٰهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ}, قرأ العامة بالتنوين، وقرأ أهل البصرة: «أكلِ خمطٍ» بالإِضافة، الأُكُلُ الثمر، والخمط: الأراك وثمره يقال له البرير، هذا قول أكثر المفسرين، وقال المبرد والزجاج: كل نبت قد أخذ طعماً من المرارة حتى لا يمكن أكله هو خمط. وقال ابن الأعرابي: الخمط: ثمر شجرة يقال له فسوة الضبع، على صورة الخشخاش يََتَفَرَّكُ ولا يُنتفعُ به، فمن جعل الخمط اسماً للمأكول فالتنوين في "أُكُل" حسن، ومن جعله أصلاً وجعل الأُكل ثمرة فالإِضافة فيه ظاهرة، والتنوين سائغ، تقول العرب: في بستان فلان أعناب كرم، يترجم الأعناب بالكرم لأنها منه.

{وَأَثْلٍ وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ}، فالأثل هو الطرفاء، وقيل: هو شجر يشبه الظرفاء إلا أنه أعظم منه، والسدر شجر معروف، وهو شجر النبق ينتفع بورقه لغسل الرأس ويغرس في البساتين، ولم يكن هذا من ذلك، بل كان سدراً برياً لا ينتفع به ولا يصلح ورقه لشيء.

قال قتادة: كان شجر القوم من خير الشجر فصيّره الله من شر الشجر بأعمالهم.

ذَٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِمَا كَفَرُوا۟ وَهَلْ نُجَٰزِىٓ إِلَّا ٱلْكَفُورَ ۝١٧ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَٰهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُوا۟ فِيهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ ۝١٨

{ذَلِكَ جَزَيْنَـٰهُمْ بِمَا كَفَرُواْ}، أي: ذلك الذي فعلنا بهم جزيناهم بكفرهم، {وَهَلْ نُجْزِىۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ}، قرأ حمزة، والكسائي، وحفص، ويعقوب: «وهل نجازي» بالنون وكسر الزاي، «الكفورَ» نصب لقوله: "ذلك جزيناهم"، وقرأ الآخرون بالياء وفتح الزاي، «الكفورُ» رفع، أي: وهل يجازي مثل هذا الجزاء إلاّ الكفور.

وقال مجاهد: يجازى أي: يعاقب. ويقال في العقوبة: يجازي، وفي المثوبة يجزي.

قال مقاتل: هل يكافأ بعمله السيء إلا الكفور لله في نعمه.

قال الفراء: المؤمن يُجزى ولا يجازى، أي: يجزى للثواب بعمله ولا يكافأ بسيئاته.

{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا} بالماء والشجر، هي قرى الشام، {قُرًى ظَـٰهِرَةً}، متواصلة تظهر الثانية من الأولى لقربها منها، وكان متجرهم من اليمن إلى الشام فكانوا يبيتون بقرية ويقيلون بأخرى وكانوا لا يحتاجون إلى حمل زاد من سبأ إلى الشام.

وقيل: كانت قراهم أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبأ إلى الشام.

{وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ}، أي: قدرنا سيرهم بين هذه القرى، وكان مسيرهم في الغدو والرواح على قدر نصف يوم، فإذا ساروا نصف يوم وصلوا إلى قرية ذات مياه وأشجار.

وقال قتادة: كانت المرأة تخرج ومعها مغزلها، وعلى رأسها مكتلها فتمتهن فلا تأتي بيتها حتى يمتلىء مكتلها من الثمار، وكان ما بين اليمن والشام كذلك.

{سِيرُواْ فِيهَا}، أي: وقلنا لهم سيروا فيها، وقيل: هو أمر بمعنى الخبر أي: مكناهم من السير فكانوا يسيرون فيها، {لَيَالِىَ وَأَيَّاماً}، أي: بالليالي والأيام أيّ وقت شئتم، {ءَامِنِينَ}، لا تخافون عدواً ولا جوعاً ولا عطشاً، فبطروا وطغوا ولم يصبروا على العافية، وقالوا: لو كانت جناتنا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه.

فَقَالُوا۟ رَبَّنَا بَٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَٰهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَٰهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ۝١٩ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٢٠

{فَقَالُواْ رَبَّنَا بَـٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا}، فاجعل بيننا وبيني الشام فلوات ومفاوز لنركب فيها الرواحل ونتزوّد الأزواد، فعجل الله لهم الإِجابة. وقال مجاهد: بطروا النعمة وسئموا الراحة.

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: بعِّد بالتشديد من التبعيد، وقرأ الآخرون: باعد، بالألف، وكلِّ على وجه الدعاء والسؤال، وقرأ يعقوب: «ربُّنا» برفع الباء، «باعَدَ» بفتح العين والدال على الخبر، كأنهم استبعدوا أسفارهم القريبة وبطروا وأشروا.

{وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ}، بالبطر والطغيان. {فَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ}، عبرة لمن بعدهم يتحدثون بأمرهم وشأنهم، {وَمَزَّقْنَـٰهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ}، فرقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق. قال الشعبي: لما غرقت قراهم تفرقوا في البلاد، أما غسان فلحقوا بالشام ومرَّ الأزد إلى عمان، وخزاعة إلى تهامة، ومرَّ آل خزيمة إلى العراق، والأوس والخزرج إلى يثرب، وكان الذي قدم منهم المدينة عمرو بن عامر، وهو جدّ الأوس والخزرج.

{إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـٰتٍ}، لعبراً ودلالات، { لِكُلِ صَبَّارٍ}، عن معاصي الله، {شَكور}، لأنعمه، قال مقاتل: يعني المؤمن من هذه الأمة صبورٌ على البلاء شاكرٌ للنعماء. قال مطرف: هو المؤمن إذا أُعْطِيَ شكر وإذا ابْتُلِيَ صبر.

قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ}، قرأ أهل الكوفة: «صدَّق» بالتشديد أي: ظن فيهم ظناً حيث قال:

{ { فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } } [ص: 82] { { وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ } } [الأعراف: 17] فصدق ظنه حققه بفعله ذلك بهم واتباعهم إياه, وقرأ الآخرون بالتخفيف، أي: صدق عليهم في ظنه بهم، أي: على أهل سبأ. وقال مجاهد: على الناس كلهم إلا من أطاع الله، {فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، قال السدي عن ابن عباس: يعني المؤمنين كلهم لأن المؤمنين لم يتبعوه في أصل الدين، وقد قال الله تعالى: { { إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ } } [الحجر: 42]، يعني: المؤمنين. وقيل: هو خاص بالمؤمنين الذين يطيعون الله ولا يعصونه.

قال ابن قتيبة: إن إبليس لما سأل النظرة فأنظره الله، قال لأغوينّهم ولأضلنّهم، لم يكن مستيقناً وقت هذه المقالة أن ما قاله فيهم يتم وإنما قاله ظناً، فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم. قال الحسن: إنه لم يسلَّ عليهم سيفاً ولا ضربهم بسوط وإنما وعدهم ومنّاهم فاغتروا.

وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَٰنٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلْـَٔاخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ ۝٢١ قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُۥ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ ۝٢٢ وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُۥ حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا۟ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا۟ ٱلْحَقَّ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ ۝٢٣

قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَـٰنٍ}، أي: ما كان تسليطنا إياه عليهم، {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلأَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكٍّ}، أي: إلا لنعلم، لنرى ونميز المؤمن من الكافر، وأراد علم الوقوع والظهور، وقد كان معلوماً عنده بالغيب، {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفُيظٌ}، رقيب.

{قُلِ}، يا محمد لكفار مكة، {ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ}، أنهم آلهة، {مِّن دُونِ ٱللَّهِ}، وفي الآية حذف، أي: ادعوهم ليكشفوا الضرّ الذي نزل بكم في سني الجوع، ثم وصفها فقال: {لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ}، من خير وشر ونفع وضر {وَمَا لَهُمْ}، أي: للآلهة، {فِيهِمَا}، في السموات والأرض، {مِنْ شِرك}، شركة، {وَمَا لَهُ}، أي: وما لله، {مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ}، عون.

{وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}، الله في الشفاعة، قاله تكذيباً لهم حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ويجوز أن يكون المعنى إلا لمن أذن الله في أن يشفع له، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: {أَذِنَ} بضم الهمزة، {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ}، قرأ ابن عامر، ويعقوب بفتح الفاء والزاي، وقرأ الآخرون بضم الفاء وكسر الزاي أي: كشف الفزع وأخرج عن قلوبهم، فالتفزيع إزالة الفزع كالتمريض والتفريد.

واختلفوا في الموصوفين بهذه الصفة، فقال قوم: هم الملائكة، ثم اختلفوا في ذلك السبب فقال بعضهم: إنما يفزع عن قلوبهم من غشية نصيبهم عند سماع كلام الله عزّ وجلّ. وروينا عن أبي هريرة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال:

إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم {قَالُواْ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ}.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، قال أنبأني محمد بن الفضل بن محمد، أخبرنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، أخبرنا زكريا بن يحيى بن أبان المصري، أخبرنا نعيم بن حماد، أخبرنا أبو الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن ابن أبي زكريا، عن رجاء بن حيوة عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السموات منه رجفة أو قال: رعدة شديدة خوفاً من الله تعالى، فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمرّ جبريل على الملائكة كلما مرّ بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، قال فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي حيث أمره الله ».

وقال بعضهم: إنما يفزعون حذراً من قيام الساعة.

قال مقاتل والكلبي والسدي: كانت الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام، خمسمائة وخمسين سنة، وقيل ستمائة سنة لم تسمع الملائكة فيها وحياً، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بالرسالة فلما سمعت الملائكة ظنوا أنها الساعة، لأن محمداً صلى الله عليه وسلم عند أهل السموات من أشراطِ الساعة، فصعقوا مما سمعوا خوفاً من قيام الساعة، فلما انحدر جبريل جعل يمرّ بأهل كل سماء فيكشف عنهم فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟ قالوا: قال الحق يعني الوحي، وهو العلي الكبير.

وقال جماعة: الموصوفون بذلك المشركون.

قال الحسن وابن زيد: حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين عند نزول الموت بهم إقامة للحجة عليهم قالت لهم الملائكة ماذا قال ربكم في الدنيا؟ قالوا: الحق فأقروا به حين لا ينفعهم الإِقرار.

قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٢٤ قُل لَّا تُسْـَٔلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْـَٔلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ۝٢٥ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ ۝٢٦ قُلْ أَرُونِىَ ٱلَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِۦ شُرَكَآءَ كَلَّا بَلْ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٢٧ وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٢٨

قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}، فالرزق من السموات: المطر، ومن الأرض: النبات، {قُلِ ٱللَّهُ}، أي: إن لم يقولوا رازقنا الله فقل أنت إن رازقكم هو الله، {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ}، ليس هذا على طريق الشك ولكن على جهة الإنصاف في الحجاج، كما يقول القائل للآخر: أحدنا كاذب، وهو يعلم أنه صادق وصاحبه كاذب.

والمعنى: ما نحن وأنتم على أمر واحد بل أحد الفريقين مهتد والآخر ضال، فالنبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه على الهدى، ومن خالفه في ضلال، فكذبهم من غير أن يصرح بالتكذيب.

وقال بعضهم: "أو" بمعنى الواو، والألف فيه صلة، كأنه قال: وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، يعني: نحن على الهدى وأنتم في الضلال.

{قُل لاَّ تُسْـئَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْـئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.

{قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا}، يعني: يوم القيامة، {ثُمَّ يَفْتَحُ}، يقضي، {بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ}.

{قُلْ أَرُونِىَ ٱلَّذيِنَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَآءَ}، أي: أعلموني الذين ألحقتموهم به، أي: بالله شركاء في العبادة معه هل يخلقون وهل يرزقون، {كَلاَّ}، لا يخلقون ولا يرزقون، {بَلْ هُوَ ٱلْعَزِيزُ}، الغالب على أمره، {ٱلْحْكِيمُ}، في تدبيره لخلقه فأنى يكون له شريك في ملكه.

قوله عزّ وجلّ: {وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ}، يعني: للناس عامة أحمرهم وأسودهم، {بَشِيراً وَنَذِيراً}، أي: مبشراً ومنذراً، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}. وروينا عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

كان النبي يبعث إلى قومه خاصّة وبعثت إلى الناس عامة ».

وقيل: كافة أي: كافاً يكفهم عمّا هم عليه من الكفر، والهاء للمبالغة.

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٢٩ قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَـْٔخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ ۝٣٠ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ بِهَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَلَا بِٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ لَوْلَآ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ۝٣١ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوٓا۟ أَنَحْنُ صَدَدْنَٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ ۝٣٢ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُۥٓ أَندَادًا وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَجَعَلْنَا ٱلْأَغْلَٰلَ فِىٓ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٣٣ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ۝٣٤ وَقَالُوا۟ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَٰلًا وَأَوْلَٰدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ۝٣٥ قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٣٦

{وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ}, يعني القيامة. {قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لاَّ تَسْتَـئَخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ}, أي: لا تتقدمون عليه يعني يوم القيامة، وقال الضحاك: يوم الموت لا تتأخرون عنه ولا تتقدمون بأن يزاد في أجلكم أو ينقص منه.

{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَلاَ بِٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ}، يعني: التوراة والإِنجيل، {وَلَوْ تَرَىٰ }، يا محمد، {إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ}، محبوسون، {عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ}، يرد بعضهم إلى بعض القول في الجدال، {يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ}، استحقروا وهم الأتباع، {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ}، وهم القادة والأشراف، {لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ}، أي: أنتم منعتمونا عن الإِيمان بالله ورسوله.

{قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ}، أجابهم المتبوعون في الكفر، {لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَـٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ}، بترك الإِيمان.

{وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ}، أي: مكركم بِنَا في الليل والنهار، والعرب تضيف الفعل إلى الليل والنهار على توسع الكلام، كما قال الشاعر:

وَنِمْتُ ومَا لَيْلُ المَطِيِّ بِنَائِمِ

وقيل: مكر الليل والنهار هو طول السلامة وطول الأمل فيهما، كقوله تعالى: { { فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } } [الحديد: 16].

{إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّواْ}، وأظهروا {ٱلنَّدَامَةَ}، وقيل: أخفوا، وهو من الأضداد، {لَمَّا رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ وَجَعَلْنَا ٱلاَْغْلَـٰلَ فِىۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، في النار الأتباع والمتبوعين جميعاً. {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من الكفر والمعاصي في الدنيا.

{وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ}، رؤساؤها وأغنياؤها، {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ}.

{وَقَالُواْ}، يعني: قال المترفون للفقراء الذين آمنوا: {نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَٰلاً وَأَوْلَـٰداً}، ولو لم يكن الله راضياً بما نحن عليه من الدين والعمل لم يخولنا الأموال والأولاد، {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}، أي: إن الله أحسن إلينا في الدنيا بالمال والولد فلا يعذبنا.

{قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ}، يعني: أن الله يسبط الرزق ويقدر ابتلاءً وامتحاناً لا يدل البسط على رضا الله عنه ولا التضييق على سخطه، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}، أنها كذلك.

وَمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُكُم بِٱلَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰٓ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحًا فَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا۟ وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ ۝٣٧ وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِىٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ۝٣٨ قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥ وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ۝٣٩

{وَمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ بِٱلَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ}، أي: قربى، قال الأخفش: "قربى" اسم مصدر كأنه قال بالتي تقربكم عندنا تقريباً، {إِلاَّ مَنْ ءَامَنَ}، يعني: لكن من آمن، {وَعَمِلَ صَـٰلِحاً}، قال ابن عباس: يريد إيمانه وعمله يقربه مني، {فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ}، أي: يضعف الله لهم حسناتهم فيجزي بالحسنة الواحدة عشرة إلى سبعمائة قرأ يعقوب: «جزاء» منصوباً منوناً «الضعف» رفع، تقديره: فأولئك لهم الضعف جزاء، وقرأ العامة بالإِضافة، {وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَـٰتِ ءَامِنُونَ}، قرأ حمزة: «في الغُرفة» على واحدة، وقرأ الآخرون بالجمع لقوله:

{ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً }[العنكبوت: 58].

{وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ}، يعملون، {فِىۤ ءَايَـٰتِنَا}، في إبطال حجتنا، {مُعَاجِزِينَ}، معاندين يحسبون أنهم يُعجزوننا ويفوتوننا، {أُوْلَـٰئِكَ فِى ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ}.

{قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِر لَهُ ومَا أَنْفقْتم مِنْ شَىءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ}، أي: يعطي خَلَفَه، قال سعيد بن جبير: ما كان في غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه.

وقال الكلبي: ما تصدقتم من صدقة وأنفقتم في الخير من نفقة فهو يخلفه على المنفق، إمّا أن يعجله في الدنيا وإمّا أن يدخره له في الآخرة.

{وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ}، خير من يعطي ويرزق.

وروينا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن الله تعالى قال: أَنفِقْ أُنفق عليك ».

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسماعيل، حدثنا أُبي، عن سليمان هو ابن بلال، عن معاوية بن أبي مزرد، عن أبي الحباب، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

ما من يوم يصبح العباد فيه إلاّ ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعطِ منفقاً خلفاً، ويقول الآخر اللهم أعطِ ممسكاً تلفاً ».

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا ابن أبي أويس، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

ما نقصتْ صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلاّ عزاً، وما تواضع أحد لله إلاّ رفعه الله ».

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد ابن زنجويه، أخبرنا أبو الربيع، أخبرنا عبد الحميد بن الحسن الهلالي، أخبرنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله:

«كل معروف صدقة وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله كُتب له صدقة، وما وفى به الرجل عرضه كتب له بها صدقة»، قلت: ما يعني وقى الرجل عرضه؟ قال: «ما أعطى الشاعر وذا اللسان للمتقى، وما أنفق المؤمن من نفقة فعلى الله خَلْفُها ضامناً إلاّ ما كان من نفقة في بنيان أو في معصية الله عزّ وجلّ».

قوله: «قلت ما يعني» يقول عبد الحميد لمحمد بن المنكدر.

قال مجاهد: إذا كان في يَدِ أحدكم شيء فليقتصد، ولا يتأول هذه الآية. "وما أنفقتم من شيء فهو مخلفه"، فإن الرزق مقسوم لعلّ رزقه قليل، وهو ينفق نفقة الموسع عليه. ومعنى الآية: وما كان من خلف فهو منه.

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ۝٤٠ قَالُوا۟ سُبْحَٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ ۝٤١ فَٱلْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ۝٤٢ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٍ قَالُوا۟ مَا هَٰذَآ إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُكُمْ وَقَالُوا۟ مَا هَٰذَآ إِلَّآ إِفْكٌ مُّفْتَرًى وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ۝٤٣ وَمَآ ءَاتَيْنَٰهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ ۝٤٤

قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ}، قرأ يعقوب وحفص: «يحشرهم»، وقرأ الآخرون بالنون، {جَمِيعاً}, يعني: هؤلاء الكفار، {ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَـٰئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ}, في الدنيا، قال قتادة: هذا استفهام تقرير، كقوله تعالى لعيسى:

{ { أَءَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ } } [المائدة: 116]، فتتبرأ منهم الملائكة.

{قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ}، تنزيهاً لك، {أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ}، أي: نحن نتولاك ولا نتولاهم، {بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ}، يعني: الشياطين، فإن قيل هم كانوا يعبدون الملائكة فكيف وجه قوله: {يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ}، قيل: أراد الشياطين زينوا لهم عبادة الملائكة، فهم كانوا يطيعون الشياطين في عبادة الملائكة، فقوله: {يَعْبُدُونَ} أي: يطيعون الجن، {أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ}، يعني: مصدقون للشياطين.

ثم يقول الله: {فَٱلْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً}، بالشفاعة، {وَلاَ ضَرّاً} بالعذاب، يريد أنهم عاجزون، لا نفع عندهم ولا ضر، {وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ}.

{وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَـٰذَا}، يعنون محمد صلى الله عليه وسلم، {إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُكُمْ وَقَالُواْ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى}، يعنون القرآن، {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}، أي بيّن.

{وَمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ}، يعني: هؤلاء المشركين، {مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا} يقرؤونها، {وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ}، أي: لم يأت العرب قبلك نبي ولا نزل عليهم كتاب.

وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا۟ مِعْشَارَ مَآ ءَاتَيْنَٰهُمْ فَكَذَّبُوا۟ رُسُلِى فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ۝٤٥ قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍ أَن تَقُومُوا۟ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا۟ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ۝٤٦ قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ۝٤٧ قُلْ إِنَّ رَبِّى يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ ۝٤٨

{وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ}، من الأمم رسلنا، وهم: عاد وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط وغيرهم، {وَمَا بَلَغُواْ} يعني: هؤلاء المشركين، {مِعْشَارَ}، أي: عُشر، {مَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ}، أي: أعطينا الأمم الخالية من القوة والنعمة وطول العمر، {فَكَذَّبُواْ رُسُلِى فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ}، أي: إنكاري وتغييري عليهم، يُحذّر كفار هذه الأمة عذاب الأمم الماضية.

{قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَٰحِدَةٍ}، آمركم وأوصيكم بواحدة, أي بخصلة واحدة، ثم بيّن تلك الخصلة فقال: {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ}، لأجل الله، {مَثْنَىٰ}، أي: اثنين اثنين، {وَفُرَادَىٰ}، أي: واحداً واحداً، {ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ}، جميعاً أي: تجتمعون فتنظرون وتتحاورون وتنفردون، فتفكرون في حال محمد صلى الله عليه وسلم فتعلموا، {مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ}، جنون، وليس المراد من القيامِ القيامَ الذي هو ضد الجلوس، وإنما هو قيام بالأمر الذي هو في طلب الحق، كقوله:

{ { وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ } } [النساء: 127]. {إِنْ هُوَ}، ما هو، {إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}، قال مقاتل: تم الكلام عند قوله "ثم تتفكروا" أي: في خلق السموات والأرض فتعلموا أن خالقهم واحد لا شريك له، ثم ابتدأ فقال: "ما بصاحبكم من جنة".

{قُلْ مَا سَأَلْتُكُم عَلَيْهِ}, على تبليغ الرسالة، {مِّن أَجْرٍ}, جُعْلٍ {فَهُوَ لَكُمْ}, يقول: قل لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجراً فتتهموني، ومعنى قوله: {فَهُوَ لَكُمْ} أي: لم أسألكم شيئاً كقول القائل: ما لي من هذا فقد وهبته لك يريد ليس لي فيه شيء، {إِنْ أَجْرِىَ}، ما ثوابي، {إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٍ}.

{قُلْ إِنَّ رَبِّى يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ}، والقذف الرمي بالسهم والحصى، والكلام، ومعناه: يأتي بالحق وبالوحي ينزله من السماء فيقذفه إلى الأنبياء، {عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ}، رفع بخبر أن، أي: وهو علام الغيوب.

قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ ٱلْبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ ۝٤٩ قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِىٓ إِلَىَّ رَبِّىٓ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ۝٥٠ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ فَزِعُوا۟ فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا۟ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ۝٥١ وَقَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ ۝٥٢

{قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ}، يعني: القرآن والإِسلام، {وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَـٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ}، أي: ذهب الباطل وزهق فلم يبق منه بقية يبدىء شيئاً أو يعيد، كما قال تعالى:

{ بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ فَيَدْمَغُهُ }[الأنبياء: 18] وقال: قتادة: "الباطل" هو إبليس، وهو قول مقاتل والكلبي، وقيل: "الباطل": الأصنام.

{قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى}، وذلك أن كفار مكة كانوا يقولون له: إنك قد ضللت حين تركت دين آبائك، قال الله تعالى: {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى} أي: إثم ضلالتي على نفسي، {وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِى إِلَىَّ رَبِّى}، منَ القرآن والحكمة، {إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ}.

{وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ}، قال قتادة عند البعث حين يخرجون من قبورهم، {فَلاَ فَوْتَ}، أي: فلا يفوتونني كما قال:

{ { وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ } } [صۤ: 3]، وقيل: إذ فزعوا فلا فوت ولا نجاة، {وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ}، قال الكلبي من تحت أقدامهم، وقيل: أُخذوا من بطن الأرض إلى ظهرها، وحيثما كانوا فهم من الله قريب، لا يفوتونه. وقيل: من مكان قريب يعني عذاب الدنيا. وقال الضحاك: يوم بدر. وقال ابن أبزي: خسف بالبيداء، وفي الآية حذف تقديره: ولو ترى إذْ فزعوا لرأيتَ أمراً تعتبرُ به.

{وَقَالُوۤاْ ءَامَنَّا بِهِ}، حين عاينوا العذاب، وقيل: عند اليأس. وقيل: عند البعث. {وَأَنَّىٰ}، من أين، {لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ}، قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر: التناوش بالمد والهمز، وقرأ الآخرون بواو صافية من غير مدّ ولا همز، ومعناه التناول، أي: كيف لهم تناول ما بَعُدَ عنهم، وهو الإِيمان والتوبة، وقد كان قريباً في الدنيا فضيعوه، ومَنْ همز قيل: معناه هذا أيضاً.

وقيل التناوش بالهمزة من النبش وهو حركة في إبطاء، يقال: جاء نبشاً أي: مبطئاً متأخراً، والمعنى من أين لهم الحركة فيما لا حيلة لهم فيه، وعن ابن عباس قال: يسألون الرد إلى الدنيا فيقال وأنى لهم الرد إلى الدنيا.

{مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ}، أي: من الآخرة إلى الدنيا.

الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026 9 جمادى الأولى 1448 هـ