انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة سبإ

تفسير الطبريالآيات 1–15

تفسير سورة سبإ آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة سبإ

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 41:55

  1. 1 الآيات 1–9في هذه الصفحة 6:56
  2. 2 الآيات 10–23في هذه الصفحة 12:45
  3. 3 الآيات 24–45 16:01
  4. 4 الآيات 46–54 6:13

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ۝١

يقول تعالـى ذكره: الشكر الكامل، والـحمد التامّ كله، للـمعبود الذي هو مالك جميع ما فـي السموات السبع، وما فـي الأرَضين السبع دون كل ما يعبدونه، ودون كل شيء سواه، لا مالك لشيء من ذلك غيره فـالـمعنى: الذي هو مالك جميعه {وَلهُ الـحَمْدُ فِـي الآخِرَةِ} يقول: وله الشكر الكامل فـي الآخرة، كالذي هو له ذلك فـي الدنـيا العاجلة، لأن منه النعم كلها علـى كل من فـي السموات والأرض فـي الدنـيا، ومنه يكون ذلك فـي الآخرة، فـالـحمد لله خالصاً دون ما سواه فـي عاجل الدنـيا، وآجل الآخرة، لأن النعم كلها من قِبله لا يُشركه فـيها أحد من دونه، وهو الـحكيـم فـي تدبـيره خـلقه وصرفه إياهم فـي تقديره، خبـير بهم وبـما يصلـحهم، وبـما عملوا، وما هم عاملون، مـحيط بجميع ذلك. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَهوَ الـحَكِيـمُ الـخَبِـيرُ} حكيـم فـي أمره، خبـير بخـلقه.

يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ ۝٢

يقول تعالـى ذكره: يعلـم ما يدخـل الأرض وما يغيب فـيها من شيء من قولهم: ولـجت فـي كذا: إذا دخـلت فـيه، كما قال الشاعر:

رأيْتُ القَوَافِـي يَتَّلِـجْنَ مَوَالِـجاً تَضَايَقُ عَنْها أنْ تَوَلَّـجَها الإبَرْ

يعنـي بقوله: «يتَّلـجن موالـجاً»: يدخـلن مداخـل {وَما يخْرُجُ مِنْها} يقول: وما يخرج من الأرض {وَما يَنْزِلِ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِـيها} يعنـي: وما يصعد فـي السماء وذلك خبر من الله أنه العالـم الذي لا يخفـى علـيه شيء فـي السموات والأرض، مـما ظهر فـيها وما بطن، {وهو الرحيـم الغفور} وهو الرحيـم بأهل التوبة من عبـاده أن يعذّبهم بعد توبتهم، الغفور لذنوبهم إذا تابوا منها.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَآ أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرُ إِلَّا فِى كِتَٰبٍ مُّبِينٍ ۝٣

يقول تعالـى ذكره: ويستعجلك يا مـحمد الذين جحدوا قُدرة الله علـى إعادة خـلقه بعد فنائهم بهيئتهم التـي كانوا بها من قبل فنائهم من قومك بقـيام الساعة، استهزاء بوعدك إياهم، وتكذيبـاً لـخبرك، قل لهم: بلـى تأتـيكم وربـي، قسماً به لتأتـينكم الساعة، ثم عاد جلّ جلاله بعد ذكره الساعة علـى نفسه، وتـمـجيدها، فقال: {عالِـمِ الغَيْبِ}.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة: «عالِـمُ الغَيْبِ» علـى مثال فـاعل، بـالرفع علـى الاستئناف، إذ دخـل بـين قوله: {وَرَبّـي}، وبـين قوله: {عالِـمَ الغَيْبِ} كلام حائل بـينه وبـينه. وقرأ ذلك بعض قرّاء الكوفة والبصرة، عالـم علـى مثال فـاعل، غير أنهم خفضوا عالـم ردّاً منهم له علـى قوله {وَرَبّـي} إذ كان من صفته. وقرأ ذلك بقـية عامة قرّاء الكوفة: «عَلاَّمِ الغَيْبِ» علـى مثال فعَّال، وبـالـخفض ردّاً لإعرابه علـى إعراب قوله {وَرَبّـي} إذ كان من نعته.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا، أن كلّ هذه القراءات الثلاث، قراءات مشهورات فـي قرّاء الأمصار متقاربـات الـمعانـي، فبأيتهنّ قرأ القارىء فمصيب غير أن أعجب القراءات فـي ذلك إلـيّ أقرأ بها: «عَلاَّمِ الغَيْبِ» علـى القراءة التـي ذكرتها عن عامة قرّاء أهل الكوفة فأما اختـيار علام علـى عالـم، فلأنها أبلغ فـي الـمدح. وأما الـخفض فـيها فلأنها من نعت الربّ، وهو فـي موضع الـجرّ. وعنى بقوله: «عَلاَّم الغَيْبِ» علام ما يغيب عن أبصار الـخـلق، فلا يراه أحد، إما ما لـم يكوِّنه مـما سيكوِّنه، أو ما قد كوّنه فلـم يُطلع علـيه أحداً غيره. وإنـما وصف جلّ ثناؤه فـي هذا الـموضع نفسه بعلـمه الغيب، إعلاماً منه خـلقه أن الساعة لا يعلـم وقت مـجيئها أحد سواه، وإن كانت جائية، فقال لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل للذين كفروا بربهم: بلـى وربكم لتأتـينكم الساعة، ولكنه لا يعلـم وقت مـجيئها أحد سوى علام الغيوب، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرّة.

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {وَلا يَعْزُبُ عَنْهُ} لا يغيب عنه، ولكنه ظاهر له. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـي، عن ابن عبـاس فـي قوله: لا يَعْزُبُ عَنْهُ يقول: لا يغيب عنه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {لا يَعْزُبُ عَنْهُ} قال: لا يغيب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ}: أي لا يغيب عنه.

وقد بـيَّنا ذلك بشواهده فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وقوله: {مِثْقالُ ذَرَّةٍ} يعنـي: زنة ذرّة فـي السموات ولا فـي الأرض يقول تعالـى ذكره: لا يغيب عنه شيء من زنة ذرّة فما فوقها فما دونها، أين كان فـي السموات ولا فـي الأرض {وَلا أصْغَرُ مِنْ ذلكَ} يقول: ولا يعزب عنه أصغر من مثقال ذرّة {وَلا أكْبَرُ} منه {إلاَّ فِـي كِتابٍ مُبِـينٍ} يقول: هو مثبت فـي كتاب يبـين للناظر فـيه أن الله تعالـى ذكره قد أثبته وأحصاه وعلـمه، فلـم يعزب عن علـمه.

لِّيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ۝٤

يقول تعالـى ذكره: أثبت ذلك فـي الكتاب الـمبـين، كي يثـيب الذين آمنوا بـالله ورسوله، وعملوا بـما أمرهم الله ورسوله به، وانتهوا عما نهاهم عنه علـى طاعتهم ربهم {أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} يقول جلّ ثناؤه: لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالـحات، مغفرة مِن رَبهم لذنوبهم {وَرِزْقٌ كَرِيـمٌ} يقول: وعيش هنـيء يوم القـيامة فـي الـجنة، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} لذنوبهم {وَرِزْقٌ كَرِيـمٌ} فـي الـجنة.

وَٱلَّذِينَ سَعَوْ فِىٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ۝٥

يقول تعالـى ذكره: أثبت ذلك فـي الكتاب، لـيجزي الـمؤمنـين ما وصف، ولـيجزي الذين سعوا فـي آياتنا معاجزين يقول: وكي يثـيب الذين عملوا فـي إبطال أدلتنا وحججنا معاونـين، يحسبون أنهم يسبقوننا بأنفسهم فلا نقدر علـيهم {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ} يقول: هؤلاء لهم عذاب من شديد العذاب الألـيـم ويعنـي بـالألـيـم: الـموجع. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَسَعَوْا فـي آياتِنا مُعَاجِزِينَ}: أي لا يعجزون {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ ألِـيـمٌ} قال: الرجز: سوء العذاب، الألـيـم: الـموجع.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قول الله: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِـي آياتِنا مُعاجِزِينَ} قال: جاهدين لـيهبطوها أو يبطلوها، قال: وهم الـمشركون، وقرأ:{ لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرآنِ وَالْغَوْا فِـيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}.

وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ۝٦

يقول تعالـى ذكره: أثبت ذلك فـي كتاب مبـين، لـيجزي الذين آمنوا، والذين سعوا فـي آياتنا ما قد بـين لهم، ولـيرى الذين أوتوا العلـم فـيرى فـي موضع نصب عطفـاً به علـى قوله: يَجزي، فـي قوله:

{ لِـيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا }. وعنى بـالذين أوتوا العلـم: مسلـمة أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، ونظرائه الذين قد قرؤوا كتب الله التـي أُنزلت قبل الفرقان، فقال تعالـى ذكره: ولـيرى هؤلاء الذين أوتوا العلـم بكتاب الله الذي هو التوراة، الكتاب الذي أُنزل إلـيك يا مـحمد من ربك هو الـحقّ.

وقـيـل: عنـي بـالذين أوتوا العلـم: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْـمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَـيْكَ مِنْ رَّبِّكَ هُوَ الـحَقَّ} قال: أصحاب مـحمد.

وقوله: {وَيهْدِي إلـى صِراطِ العَزِيزِ الـحَمِيدِ} يقول: ويرشد من اتبعه، وعمل بـما فـيه إلـى سبـيـل الله العزيز فـي انتقامه من أعدائه، الـحميد عند خـلقه، فأياديه عندهم، ونعمه لديهم. وإنـما يعنـي أن الكتاب الذي أُنزل علـى مـحمد يهدي إلـى الإسلام.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ ۝٧

يقول تعالـى ذكره: وقال الذين كفروا بـالله وبرسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم، متعجبـين من وعده إياهم البعث بعد الـمـمات بعضهم لبعض: {هَلْ نَدُلُّكُمْ} أيها الناس {علـى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إذَا مُزّقْتُـمْ كُلَّ مُـمَزَّقٍ إنَّكُمْ لَفِـي خَـلْقٍ جَدِيدٍ} يقول: يخبركم أنكم بعد تقطعكم فـي الأرض بلاء وبعد مصيركم فـي التراب رفـاتاً، عائدون كهيئتكم قبل الـمـمات خـلقاً جديداً، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ علـى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إذَا مُزّقْتُـمْ كُلَّ مُـمَزَّقٍ} قال: ذلك مشركو قُريش والـمشركون من الناس، {يُنَبِّئُكُمْ إذَا مُزّقْتُـمْ كُلَّ مُـمَزَّقٍ}: إذا أكلتكم الأرض، وصرتـم رفـاتاً وعظاماً، وقطَّعتكم السبـاع والطير {إنَّكُمْ لَفِـي خَـلْقٍ جَدِيدٍ} ستـحيون وتبعثون.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلـى رَجُلٍ}.... إلـى {خَـلْقٍ جَدِيدٍ} قال: يقول: {إذَا مُزّقْتُـمْ}: وإذا بلـيتـم وكنتـم عظاماً وترابـاً ورفـاتاً، ذلك {كُلَّ مُـمَزَّقٍ إنَّكُمْ لَفِـي خَـلْقٍ جَدِيدٍ} قال: ينبئكم إنكم، فكسر إن ولـم يعمل ينبئكم فـيها، ولكن ابتدأ بها ابتداء، لأن النبأ خبر وقول، فـالكسر فـي إن لـمعنى الـحكاية فـي قوله: {يُنَبِّئُكُمْ} دون لفظه، كأنه قـيـل: يقول لكم: {إنَّكُمْ لَفِـي خَـلْقٍ جدِيدٍ}.

أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِۦ جِنَّةٌۢ بَلِ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ فِى ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلَٰلِ ٱلْبَعِيدِ ۝٨

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل هؤلاء الذين كفروا به، وأنكروا البعث بعد الـمـمات بعضهم لبعض، معجبـين من رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي وعده إياهم ذلك: أفترى هذا الذي يعدنا أنا بعد أن نـمزّق كلّ مـمزّق فـي خـلق جديد علـى الله كذبـاً، فتـخـلق علـيه بذلك بـاطلاً من القول، وتـخرص علـيه قول الزور {أمْ به جِنَّةٌ} يقول: أم هو مـجنون فـيتكلـم بـما لا معنى له. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: قالوا تكذيبـاً: {أفْتَرَى علـى اللَّهِ كَذِبـاً} قال: قالوا: إما أن يكون يكذب علـى الله، أم به جنة، وإما أن يكون مـجنوناً {بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ}... الآية.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ثم قال بعضهم لبعض: {أفْتَرَى عَلـى اللَّهِ كَذِبـاً أمْ بِهِ جِنَّةٌ} الرجل مـجنون فـيتكلـم بـما لا يعقل، فقال الله: {بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بـالآخِرَةِ فِـي العَذَابِ والضَّلالِ البَعِيد}ِ.

وقوله: {بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بـالآخِرَةِ فِـي العَذَابِ والضَّلالِ البَعِيدِ} يقول تعالـى ذكره: ما الأمر كما قال هؤلاء الـمشركون فـي مـحمد صلى الله عليه وسلم، وظنوا به من أنه أفترى علـى الله كذبـاً، أو أن به جنة، لكنّ الذين لا يؤمنون بـالآخرة من هؤلاء الـمشركين فـي عذاب الله فـي الآخرة، وفـي الذهاب البعيد عن طريق الـحقّ، وقصد السبـيـل، فهم من أجل ذلك يقولون فـيه ما يقولون.

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد قال الله: {بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بـالآخِرَةِ فِـي العَذَابِ والضَّلالِ البَعِيدِ} وأمره أن يحلف لهم لـيعتبروا، وقرأ:

{ قُلْ بَلـى وَرَبِّـي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبِّؤُنَّ بِـما عَمِلْتُـمْ... }الآية كلها، وقرأ: { قُلْ بَلـى وَربّـي لَتَأْتِـيَنَّكُمْ }

وقطعت الألف من قوله: {أفْتَرَى علـى اللَّهِ} فـي القطع والوصل، ففتُـحت لأنها ألف استفهام. فأما الألف التـي بعدها، التـي هي ألف أفتعل، فإنها ذهبت لأنها خفـيفة زائدة تسقط فـي اتصال الكلام، ونظيرها:

{ سَوَاءٌ عَلَـيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ }}{ { وبِـيَدَيَّ أسْتَكْبَرْتَ }}{ { وأَصْطَفَـى الْبَنَاتِ } وما أشبه ذلك. وأما ألف «آلآنَ» «وآلذَّكَرَيْنِ» فطوّلت هذه، ولـم تطوّل تلك، لأن آلآن وآلذكرين كانت مفتوحة، فلو أسقطت لـم يكن بـين الاستفهام والـخبر فرق، فجعل التطويـل فـيها فرقاً بـين الاستفهام والـخبر، وألف الاستفهام مفتوحة، فكانتا مفترقتـين بذلك، فأغنى ذلك دلالة علـى الفرق من التطويـل.

أَفَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ۝٩

يقول تدعالـى ذكره: أفلـم ينظر هؤلاء الـمكذّبون بـالـمعاد، الـجاحدون البعث بعد الـمـمات، القائلون لرسولنا مـحمد صلى الله عليه وسلم:

{ أفْتَرَى علـى اللَّهِ كَذِبـاً أمْ بِهِ جِنَّةٌ }إلـى ما بـين أيديهم وما خـلفهم من السماء والأرض، فـيعلـموا أنهم حيث كانوا، فإن أرضي وسمائي مـحيطة بهم من بـين أيديهم ومن خـلفهم، وعن أيـمانهم، وعن شمائلهم، فـيرتدعوا عن جهلهم، ويتزجروا عن تكذيبهم بآياتنا حذراً أن نأمر الأرض فتـخسف بهم، أو السماء فتسقط علـيهم قطعاً، فإنَّا إن نشأ نفعل ذلك بهم فعلنا. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أفَلَـمْ يَرَوْا إلـى ما بَـينَ أيْدِيهِمْ وَما خَـلْفَهُمْ} قال: ينظرون عن أيـمانهم، وعن شمائلهم، كيف السماء قد أحاطت بهم {إنْ نَشأْ نَـخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ} كما خسفنا بـمن كان قبلهم {أوْ نُسْقِطْ عَلَـيْهِمْ كِسَفـاً مِّنَ السَّماءِ}: أي قِطعاً من السماء.

وقوله: {إنَّ فِـي ذلكَ لآيَةً لِكُلّ عَبْدٍ مُنِـيبٍ} يقول تعالـى ذكره: إن فـي إحاطة السماء والأرض بعبـاد الله {لآية} يقول: لدلالة {لكلّ عبد منـيب} يقول: لكل عبد أناب إلـى ربه بـالتوبة، ورجع إلـى معرفة توحيده، والإقرار بربوبـيته، والاعتراف بوحدانـيته، والإذعان لطاعته، علـى أن فـاعل ذلك لا يـمتنع علـيه فعل شيء أراد فعله، ولا يتعذّر علـيه فعل شيء شاءه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إنَّ فِـي ذلكَ لآيَةً لِكُلّ عَبْدٍ مُنِـيبٍ} والـمنـيب: الـمقبل التائب.

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضْلًا يَٰجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُۥ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ ۝١٠ أَنِ ٱعْمَلْ سَٰبِغَٰتٍ وَقَدِّرْ فِى ٱلسَّرْدِ وَٱعْمَلُوا۟ صَٰلِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ۝١١

يقول تعالـى ذكره: ولقد أعطينا داود منا فضلاً، وقلنا للـجبـال: {أوّبِـي مَعَهُ}: سبحي معه إذا سبح.

والتأويب عند العرب: الرجوع، ومبـيت الرجل فـي منزله وأهله ومنه قول الشاعر:

يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ وَيَوْمُ سَيْرٍ إلـى الأعْدَاءِ تَأوِيبِ

أي رجوع. وقد كان بعضهم يقرؤه: «أُوْبِـي مَعَهُ» من آب يؤوب، بـمعنى: تصرّفـي معه وتلك قراءة لا أستـجيز القراءة بها لـخلافها قراءة الـحجة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي سلـيـمان بن عبد الـجبـار، قال: ثنـي مـحمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة. وحدثنا مـحمد بن سنان القزاز، قال: ثنا الـحسن بن الـحسن الأشقر، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس {أوّبِـي مَعَهُ} قال: سَبِّحي معه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {يا جِبـالُ أوّبِـي مَعَهُ} يقول: سَبِّحِي معه.

حدثنا أبو عبد الرحمن العلائي، قال: ثنا مِسْعر، عن أبـي حُصين، عن أبـي عبد الرحمن {يا جِبـالُ أوّبِـي مَعَهُ} يقول: سَبِّحي.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن أبـي إسحاق، عن أبـي ميسرة {يا جبـالُ أَوّبِـي مَعَهُ} قال: سَبِّحي، بلسان الـحبشة.

حدثنـي يحيى بن طلـحة الـيربوعي، قال: ثنا فضيـل، عن منصور، عن مـجاهد، فـي قوله: {يا جبـالُ أوّبِـي مَعَهُ} قال: سبحي معه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {يا جبـالُ أوّبِـي مَعَهُ} قال: سَبِّحي.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {يا جِبـالُ أَوّبِـي مَعَهُ}: أي سبّحي معه إذا سبَّح.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {يا جِبـالُ أَوّبِـي مَعَهُ} قال: سبّحي معه قال: والطيرُ أيضاً.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {يا جِبـالُ أَوّبِـي مَعَهُ} قال: سبِّحي.

حدثنا عمرو بن عبد الـحميد، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن جُوَيبر، عن الضحاك، قوله: {يا جِبـالُ أَوّبِـي مَعَهُ} سبّحي معه.

وقوله: {والطَّيْرَ} وفـي نصب الطير وجهان: أحدهما علـى ما قاله ابن زيد من أن الطير نُوديت كما نوديت الـجبـال، فتكون منصوبة من أجل أنها معطوفة علـى مرفوع، بـما لا يحسن إعادة رافعه علـيه، فـيكون كالـمصدر عن جهته. والآخر: فعل ضمير متروك استغنـي بدلالة الكلام علـيه، فـيكون معنى الكلام: فقلنا: يا جبـال أوّبـي معه، وسخرنا له الطير. وإن رفع ردّاً علـى ما فـي قوله «سبحي» من ذكر الـجبـال كان جائزاً. وقد يجوز رفع الطير وهو معطوف علـى الـجبـال، وإن لـم يحسن نداؤها بـالذي نُوديت به الـجبـال، فـيكون ذلك كما قال الشاعر:

ألا يا عَمْرُو والضَّحاكَ سِيرَا فَقَدْ جاوَزْتُـمَا خَمَرَ الطَّرِيقِ

وقوله: {وألَنَّا لَهُ الـحَدِيدَ} ذكر أن الـحديد كان فـي يده كالطين الـمبلول يصرِّفه فـي يده كيف يشاء بغير إدخال نار، ولا ضرب بحديد. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وألَنَّا لَهُ الـحَدِيدَ} سخَّر الله له الـحديد بغير نار.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن عثمة، قال: ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، فـي قوله: {وألَنَّا لَهُ الـحَدِيدَ} كان يسوّيها بـيده، ولا يدخـلها ناراً، ولا يضربها بحديدة.

وقوله: {أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ} يقول: وعهدنا إلـيه أن اعمل سابغات، وهي التوامّ الكوامل من الدروع. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ} دروع، وكان أوّل من صنعها داود، إنـما كان قبل ذلك صفـائح.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ} قال: السابغات: دروع الـحديد.

وقوله: {وَقَدِّرْ فِـي السَّرْدِ} اختلف أهل التأويـل فـي السرد، فقال بعضهم: السرد: هو مسمار حلق الدرع. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَقَدّرْ فِـي السَّرْدِ} قال: كان يجعلها بغير نار، ولا يقرعها بحديد، ثم يسردها. والسرد: الـمسامير التـي فـي الـحَلَق.

وقال آخرون: هو الـحلق بعينها. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَقَدّرْ فِـي السَّرْدِ} قال: السرد: حلقه أي قدّر تلك الـحلق. قال: وقال الشاعر:

أجادَ الـمُسَدّي سَرْدَها وأذَالَهَا

قال: يقول: وسعها، وأجاد حلقها.

حدثنا مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {وَقَدِّرْ فِـي السَّرْدِ} يعنـي بـالسرد: ثقب الدروع فـيسد قتـيرها.

وقال بعض أهل العلـم بكلام العرب: يقال درع مسرودة: إذا كانت مسمورة الـحلق واستشهد لقـيـله ذلك بقول الشاعر:

وَعَلَـيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضَاهُما دَاوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوَابِغَ تُبَّعُ

وقـيـل: إنـما قال الله لداود: {وَقَدّرْ فِـي السَّرْدِ} لأنها كانت قبلُ صفـائح. ذكر من قال ذلك:

حدثنا نصر بن علـيّ، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا خالد بن قـيس، عن قتادة {وَقَدّرْ فِـي السَّرْدِ} قال: كانت صفـائح، فأمر أن يسردها حلقاً.

وعنى بقوله {وَقَدّرْ فِـي السَّرْدِ}: وقدّر الـمسامير فـي حلق الدروع حتـى يكون بـمقدار لا تغلظ الـمسمار، وتضيق الـحلقة، فتفصم الـحلقة، ولا توسع الـحلقة، وتصغر الـمسامير وتدقها، فتسلس فـي الـحلقة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {وَقَدّرْ فِـي السَّرْدِ} قال: قدّر الـمسامير والـحلق، لا تدقّ الـمسامير فتسلس، ولا تـجلها. قال مـحمد بن عمرو، وقال الـحارث: فتفصم.

حدثنـي علـيّ بن سهل، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، فـي قوله: {وَقَدّرْ فِـي السَّرْدِ} قال: لا تصغر الـمسمار، وتعظم الـحلقة فتسلس، ولا تعظم الـمسمار وتصغر الـحلقة فـيفصم الـمسمار.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن عيـينة، قال: ثنا أبـي، عن الـحكم، فـي قوله: {وَقَدّرْ فِـي السَّرْدِ} قال: لا تغلظ الـمسمار فـيفصم الـحلقة، ولا تدقه فـيقلق.

وقوله: {واعْمَلُوا صَالِـحاً} يقول تعالـى ذكره: واعمل يا داود أنت وآلك بطاعة الله {إنّـي بـمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} يقول جلّ ثناؤه: إنـي بـما تعمل أنت وأتبـاعك ذو بصر لا يخفـى علـيّ منه شيء، وأنا مـجازيك وإياهم علـى جميع ذلك.

وَلِسُلَيْمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُۥ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ۝١٢

اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {وَلِسُلَـيْـمانَ الرّيحَ} فقرأته عامة قرّاء الأمصار {وَلِسُلَـيْـمانَ الرّيحَ} بنصب الريح، بـمعنى: ولقد آتـينا داود منا فضلاً، وسخرنا لسلـيـمان الريحَ. وقرأ ذلك عاصم: «وَلِسُلَـيْـمانَ الرّيحُ» رفعاً بحرف الصفة، إذ لـم يظهر الناصب.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا النصب لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه.

وقوله: {غُدُوُّها شَهْرٌ} يقول تعالـى ذكره: وسخرنا لسلـيـمان الريح، غدوّها إلـى انتصاف النهار مسيرة شهر، ورواحها من انتصاف النهار إلـى اللـيـل مسيرة شهر. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلِسُلَـيْـمانَ الرّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} قال: تغدو مسيرة شهر، وتروح مسيرة شهر، قال: مسيرة شهرين فـي يوم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه: {وَلِسُلَـيْـمانَ الرّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَوَاحُها شَهْرٌ} قال: ذكر لـي أن منزلاً بناحية دجلة مكتوب فـيه كتاب كتبه بعض صحابة سلـيـمان، إما من الـجنّ، وإما من الإنس: نـحن نزلناه وما بنـيناه، ومبنـياً وجدناه، غدونا من إصطخر فقِلناه، ونـحن رائحون منه إن شاء الله فبـائتون بـالشام.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلِسُلَـيْـمانَ الرّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَوَاحُها شَهْرٌ} قال: كان له مركب من خشب، وكان فـيه ألف ركن، فـي كل ركن ألف بـيت تركب فـيه الـجنّ والإنس، تـحت كل ركن ألف شيطان، يرفعون ذلك الـمركب هم والعصار فإذا ارتفع أتت الريح رُخَاء، فسارت به، وساروا معه، يقـيـل عند قوم بـينه وبـينهم شهر، ويـمسي عند قوم بـينه وبـينهم شهر، ولا يدري القوم إلا وقد أظلهم معه الـجيوش والـجنود.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن الـحسن، فـي قوله {غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَوَاحُها شَهْرٌ} قال: كان يغدو فـيقـيـل فـي إصطخر، ثم يروح منها، فـيكون رواحها بكابل.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا حماد، قال: ثنا قرة، عن الـحسن بـمثله.

وقوله: {وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ} يقول: وأذبنا له عين النـحاس، وأجريناها له. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ} عين النـحاس، كانت بأرض الـيـمن، وإنـما ينتفع الـيوم بـما أخرج الله لسلـيـمان.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ} قال: الصِّفر سال كما يسيـل الـماء، يعمل به كما كان يعمل العجين فـي اللـين.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ} يقول: النـحاس.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ} يعنـي: عين النـحاس أسيـلت.

وقوله: {وَمِنَ الـجِنّ مَنْ يَعْمَلُ بَـينَ يَدَيْهِ بإذْنِ رَبِّهِ} يقول تعالـى ذكره: ومن الـجنّ من يطيعه، ويأتـمر بأمره، وينتهي لنهيه، فـيعمل بـين يديه ما يأمره طاعة له {بإذن ربه} يقول: بأمر الله بذلك، وتسخيره إياه له {وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أمْرِنا} يقول: ومن يزُل ويعدل من الـجنّ عن أمرنا الذي أمرناه من طاعة سلـيـمان {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} فِـي الآخرة، وذلك عذاب نار جهنـم الـموقدة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أمْرِنا} أي يعدل منهم عن أمرنا عما أمره به سلـيـمان {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ}.

يَعْمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَٰتٍ ٱعْمَلُوٓا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ ۝١٣

يعنـي تعالـى ذكره: يعمل الـجنّ لسلـيـمان ما يشاء من مـحاريب، وهي جمع مـحراب، والـمـحراب: مقدّم كل مسجد وبـيت ومصلًّـى ومنه قول عديّ بن زيد:

كَدُمَى العاجِ فِـي الـمَـحارِيبِ أوْ كالْ بَـيضِ فـي الرَّوْضِ زَهْرُهُ مُسْتَنِـيرُ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {ما يَشاءُ مِنْ مَـحَارِيبَ} قال: بنـيان دون القصور.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَـحَارِيبَ} وقصور ومساجد.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَـحَارِيبَ} قال: الـمـحاريب: الـمساكن. وقرأ قول الله:

{ فَنادَتْهُ الـمَلائكَةُ وَهُوَ قائمٌ يُصَلِّـي فِـي الـمـحْرابِ }

حدثنـي عمرو بن عبد الـحميد الآملـي، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن جُوَيبر، عن الضحاك: {يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَـحَارِيبَ} قال: الـمـحاريب: الـمساجد.

وقوله: {وتَـماثِـيـلَ} يعنـي أنهم يعملون له تـماثـيـل من نـحاس وزجاج، كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وتَـماثِـيـلَ} قال: من نـحاس.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وتَـماثِـيـلَ} قال: من زجاج وشَبَه.

حدثنا عمرو بن عبد الـحميد، قال: ثنا مروان، عن جُوَيبر، عن الضحاك فـي قول الله {وتَـماثِـيـلَ} قال: الصور.

وقوله: {وَجِفـانٍ كالـجَوَابِ} يقول: وينـحتون له ما يشاء من جفـان كالـجواب وهي جمع جابـية، والـجابـية: الـحوض الذي يُجْبَـي فـيه الـماء، كما قال الأعشى ميـمون بن قَـيس:

تَرُوحُ علـى نادِي الـمُـحَلَّقِ جَفْنَةٌ كَجابِـيَةِ الشَّيْخِ العِرَاقِـيّ تَفْهَقُ

وكما قال الآخر:

فَصَبَّحْتُ جابِـيَةً صُهارِجا كأنَّها جِلْدُ السَّماءِ خارِجا

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَجِفـانٍ كالـجَوَابِ} يقول: كالـجوبة من الأرض.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {وَجِفـانٍ كالـجَوَابِ} يعنـي بـالـجواب: الـحياض.

وحدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن أبـي رجاء، عن الـحسن {وَجِفـانٍ كالـجَوَابِ} قال: كالـحياض.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَجِفـانٍ كالـجَوَابِ} قال: حياض الإبل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَجِفـانٍ كالـجَوَابِ} قال: جفـان كجوبة الأرض من العظم، والـجوبة من الأرض: يستنقع فـيها الـماء.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَجِفـانٍ كالـجَوَابِ} كالـحياض.

حدثنا عمرو، قال: ثنا مروان بن معاوية، قال: ثنا جويبر، عن الضحاك: {وَجِفـانٍ كالـجَوَابِ} قال: كحياض الإبل من العظم.

وقوله: {وَقُدُورٍ رَاسِياتٍ} يقول: وقدور ثابتات لا يحركن عن أماكنهنّ، ولا تـحوّل لعظمهنّ.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَقُدُورٍ رَاسِياتٍ} قال: عظام.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَقُدُورٍ رَاسِياتٍ} قال: عِظام ثابتات الأرض لا يزُلن عن أمكنتهن.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَقُدُورٍ رَاسِياتٍ} قال: مثال الـجبـال من عِظمها، يعمل فـيها الطعام من الكبر والعظم، لا تـحرّك، ولا تنقل، كما قال للـجبـال: راسيات.

وقوله: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً} يقول تعالـى ذكره: وقلنا لهم اعملوا بطاعة الله يا آل داود شكراً له علـى ما أنعم علـيكم من النعم التـي خَصَّكم بها عن سائر خـلقه مع الشكر له علـى سائر نعمه التـي عمكم بها مع سائر خـلقه وتُرِك ذكر: وقلنا لهم، اكتفـاء بدلالة الكلام علـى ما ترك منه، وأخرج قوله {شُكْراً} مصدراً من قوله {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ} لأن معنى قوله {اعْمَلُوا} اشكروا ربكم بطاعتكم إياه، وأن العمل بـالذي رضي الله، لله شكر. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا موسى بن عبـادة، عن مـحمد بن كعب، قوله: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً} قال: الشكر: تقوى الله، والعمل بطاعته.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: أخبرنـي حَيْوَة، عن زُهْرة بن معبد، أنه سمع أبـا عبد الرحمن الـحبلـي يقول: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً} وأفضل الشكر: الـحمد.

قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً} قال: أعطاكم وعلـمكم وسخر لكم ما لـم يسخر لغيركم، وعلَّـمكم منطق الطير، اشكروا له يا آل داود، قال: الـحمد طرف من الشكر.

وقوله: {وَقَلِـيـلٌ مِنْ عِبـادِيَ الشَّكُورُ} يقول تعالـى ذكره: وقلـيـل من عبـادي الـمخـلصو توحيدي، والـمفردو طاعتـي وشكري علـى نعمتـي علـيهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَقَلِـيـلٌ مِنْ عِبـادِيَ الشَّكُورُ} يقول: قلـيـل من عبـادي الـموحِّدون توحيدهم.

فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُۥ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُوا۟ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ۝١٤

يقول تعالـى ذكره: فلـما أمضينا قضاءنا علـى سلـيـمان بـالـموت فمات {ما دَلَّهُمْ عَلـى مَوْتِهِ} يقول: لـم يدلّ الـجنّ علـى موت سلـيـمان {إلاَّ دَابَّةُ الأرْضِ} وهي الأَرَضَة وقعت فـي عصاه، التـي كان متكئاً علـيها فأكلتها، فذلك قول الله عزّ وجلّ {تَأْكُلُ مِنْسأَتَهُ}. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي ابن الـمثنى وعلـيّ، قالا: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {إلاَّ دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنْسأَتَهُ} يقول: الأَرَضَة تأكل عصاه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {تَأْكُلُ مِنْسأَتَهُ} قال: عصاه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنـي أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {إلاَّ دَابَّةُ الأرْضِ} قال: الأَرَضَة {تَأْكُلُ مِنْسأَتَهُ} قال: عصاه.

حدثنـي مـحمد بن عمارة، قال: ثنا عبد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن أبـي يحيى، عن مـجاهد {تأْكُلُ مِنْسأَتَهُ} قال: عصاه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن عثمة، قال: ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، فـي قوله: {تَأْكُلُ مِنْسأَتَهُ} أكلت عصاه حتـى خرّ.

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: الـمنسأة: العصا بلسان الـحبشة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الـمنسأة: العصا.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {مِنْسأتَهُ} فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الـمدينة وبعض أهل البصرة: «مِنْساتَهُ» غير مهموزة وزعم من اعتلّ لقارىء ذلك كذلك من أهل البصرة أن الـمنِساة: العصا، وأن أصلها من نسأت بها الغنـم، قال: وهي من الهمز الذي تركته العرب، كما تركوا همز النبـيّ والبرية والـخابـية، وأنشد لترك الهمز فـي ذلك بـيتاً لبعض الشعراء:

إذَا دَبَبتَ عَلـى الـمِنساةِ مِنْ هَرَمٍ فَقَدْ تَبـاعَدَ عَنْكَ اللَّهْوُ والغَزَلُ

وذكر الفراء عن أبـي جعفر الرَّوَاسِيِّ، أنه سأل عنها أبـا عمرو، فقال: «مِنْساتَهُ» بغير همز.

وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: {مِنْسأتَهُ} بـالهمز، وكأنهم وجهوا ذلك إلـى أنها مِفْعَلة، من نسأت البعير: إذا زجرته لـيزداد سيره، كما يقال: نسأت اللبن: إذا صببت علـيه الـماء، وهو النَّسيء. وكما يقال: نسأ الله فـي أجلك أي أدام الله فـي أيام حياتك.

قال أبو جعفر: وهما قراءتان قد قرأ بكلّ واحدة منهما علـماء من القرّاء بـمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، وأن كنت أختار الهمز فـيها لأنه الأصل.

وقوله: {فَلَـمَّا خَرَّ تَبَـيَّنَتِ الـجِنّ} يقول عزّ وجلّ: فلـما خرّ سلـيـمان ساقطاً بـانكسار منسأته تبـيَّنت الـجنّ {أنْ لو كانوا يعلـمون الغَيْبَ} الذي يدّعون علـمه {ما لَبِثُوا فِـي العَذَابِ الـمُهِينِ} الـمذلّ حولاً كاملاً بعد موت سلـيـمان، وهم يحسبون أن سلـيـمان حيّ. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن منصور، قال: ثنا موسى بن مسعود أبو حذيفة، قال: ثنا إبراهيـم بن طهمان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:

كانَ سُلَـيْـمانُ نَبِـيُّ اللَّهِ إذَا صَلَّـى رأَى شَجَرَةً نابِتَةً بـينَ يَدَيْهِ، فَـيَقُولُ لَهَا: ما اسمُكِ؟ فَتَقُولُ: كَذَا، فَـيَقُولُ: لأَيّ شَيْءٍ أنْتِ؟ فإنْ كانَتْ تُغْرَسُ غُرِسَتْ، وَإنْ كانَتْ لِدَوَاءٍ كُتِبَتْ، فَبَـيْنَـما هُوَ يُصَلِّـي ذَاتَ يَوْمٍ، إذْ رأى شَجَرَةً بـينَ يَدَيْهِ، فَقالَ لَهَا: ما اسمُكِ؟ قالَتْ: الـخَرّوب، قالَ: لأَيِّ شَيْءٍ أنْتِ؟ قالَتْ: لـخَرَابِ هَذَا البَـيْتِ، فَقالَ سُلَـيْـمانُ: اللَّهُمَّ عَمّ علـى الـجِنّ مَوْتِـي حتـى يَعْلَـمَ الإنْسُ أنَّ الـجِنَّ لا يَعْلَـمُونَ الغَيْبَ، فَنَـحَتَها عَصاً فَتَوَكَّأَ عَلَـيْها حَوْلاً مَيِّتاً، والـجِنُّ تَعْمَلُ، فأكَلَتْها الأرَضَةُ، فَسَقَطَ، فَتَبَـيَّنَتِ الإنْسُ أنَّ الـجِنَّ لَوْ كانُوا يَعْلَـمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا حَوْلاً فِـي العَذَابِ الـمُهِينِ« قال: وكان ابن عبـاس يقرؤها كذلك، قال: فشكرت الـجنّ للأرضة، فكانت تأتـيها بـالـماء.

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مُرّة الهمْدانـيّ، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان سليمان يتـجرّد فـي بـيت الـمقدس السنة والسنتـين، والشهر والشهرين، وأقلّ من ذلك وأكثر، يَدْخـل طعامه وشرابه، فدخله فـي الـمرّة التـي مات فـيها، وذلك أنه لـم يكن يوم يُصبح فـيه، إلا تنبت فـيه شجرة، فـيسألها ما اسمك، فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا، فـيقول لها: لأيّ شيء نبتّ؟ فتقول: نبتّ لكذا وكذا، فـيأمر بها فتقطع، فإن كانت نبتت لغرس غرسها، وإن كانت نبتت لدواء، قالت: نبتّ دواء لكذا وكذا، فـيجعلها كذلك، حتـى نبتت شجرة يقال لها الـخرّوبة، فسألها: ما اسمك؟ فقالت له: أنا الـخرّوبة، فقال: لأيّ شيء نبتّ؟ قالت: لـخراب هذا الـمسجد قال سلـيـمان: ما كان الله لـيخربه وأنا حيّ، أنت التـي علـى وجهك هلاكي وخراب بـيت الـمقدس، فنزعها وغرسها فـي حائط له، ثم دخـل الـمـحراب، فقام يصلـي متكئاً علـى عصاه، فمات ولا تعلـم به الشياطين فـي ذلك، وهم يعملون له يخافون أن يخرج فـيعاقبهم وكانت الشياطين تـجتـمع حول الـمـحراب، وكان الـمـحراب له كُوًى بـين يديه وخـلفه، وكان الشيطان الذي يريد أن يخـلع يقول: ألست جَلداً إن دخـلتُ، فخرجتُ من الـجانب الآخر فدخـل شيطان من أولئك فمرّ، ولـم يكن شيطان ينظر إلـى سلـيـمان فـي الـمـحراب إلا احترق، فمرّ ولـم يسمع صوت سلـيـمان علـيه السلام، ثم رجع فلـم يسمع، ثم رجع فوقع فـي البـيت فلـم يحترق، ونظر إلـى سلـيـمان قد سقط فخرج فأخبر الناس أن سلـيـمان قد مات، ففتـحوا عنه فأخرجوه ووجدوا منسأته، وهي العصا بلسان الـحبشة، قد أكلتها الأرضة، ولـم يعلـموا منذ كم مات، فوضعوا الأرضة علـى العصا، فأكلت منها يوما ولـيـلة، ثم حسبوا علـى ذلك النـحو، فوجدوه قد مات منذ سنة. وهي فـي قراءة ابن مسعود: «فمكثوا يدأبون له من بعد موته حولاً كاملاً» فأيقن الناس عند ذلك أن الـجنّ كانوا يكذِبونهم، ولو أنهم علـموا الغيب لعلـموا بـموت سلـيـمان، ولـم يـلبثوا فـي العذاب سنة يعملون له، وذلك قول الله: {ما دَلَّهُمْ عَلـى مَوْتِهِ إلاَّ دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنْسأَتَهُ فَلَـمَّا خَرَّ تَبَـيَّنَتِ الـجِنُّ أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَـمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا فِـي العَذابِ الـمُهِينِ} يقول: تبـين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذِبونهم، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلـين الطعام أتـيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربـين الشراب سقـيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إلـيك الـماء والطين، فـالذي يكون فـي جوف الـخشب، فهو ما تأتـيها به الشياطين شكراً لها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كانت الـجنّ تـخبر الإنس أنهم كانوا يعلـمون من الغيب أشياء، وأنهم يعلـمون ما فـي غد، فـابتلوا بـموت سلـيـمان، فمات، فلبث سنة علـى عصاه وهم لا يشعرون بـموته، وهم مسخرون تلك السنة يعملون دائبـين {فَلَـمَّا خَرَّ تَبَـيَّنَتِ الْـجِنُّ أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَـمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا فِـي العَذَابِ الـمُهِينِ} ولقد لبثوا يدأبون، ويعملون له حولاً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {ما دَلَّهُمْ عَلـى مَوْتِهِ إلاَّ دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنْسأَتَهُ} قال: قال سلـيـمان لـملك الـموت: يا ملك الـموت، إذا أُمِرْتَ بـي فأعلـمنـي قال: فأتاه فقال: يا سلـيـمان، قد أُمرت بك، قد بقـيت لك سُويعة، فدعا الشياطين فبنوا علـيه صرحاً من قوارير، لـيس له بـاب، فقام يصلـي، واتكأ علـى عصاه قال: فدخـل علـيه ملك الـموت فقبض روحه وهو متكىء علـى عصاه ولـم يصنع ذلك فراراً من ملك الـموت، قال: والـجنّ تعمل بـين يديه، وينظرون إلـيه، يحسبون أنه حيّ، قال: فبعث الله دابة الأرض، قال: دابة تأكل العِيدان يقال لها القادح، فدخـلت فـيها فأكلتها، حتـى إذا أكلت جوف العصا، ضعفت وثقل علـيها، فخرّ ميتاً، قال: فلـما رأت الـجنّ ذلك، انفضوا وذهبوا، قال: فذلك قوله: {ما دَلَّهُمْ عَلـى مَوْتِهِ إلاَّ دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنْسأَتَهُ} قال: والـمنسأة: العصا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، قال: كان سلـيـمان بن داود يصلـي، فمات وهو قائم يصلـي والـجنّ يعملون لا يعلـمون بـموته، حتـى أكلت الأرضة عصاه، فخرّ، و«أن» فـي قوله: {أن لَوْ كانُوا} فـي موضع رفع بتبـين، لأن معنى الكلام: فلـما خرّ تبـين وانكشف، أن لو كان الـجنّ يعلـمون الغيب، ما لبثوا فـي العذاب الـمهين.

وأما علـى التأويـل الذي تأوّله ابن عبـاس من أن معناه: تبـينت الإنس الـجنّ، فإنه ينبغي أن يكون فـي موضع نصب بتكريرها علـى الـجنّ، وكذلك يجب علـى هذه القراءة أن تكون الـجنّ منصوبة، غير أنـي لا أعلـم أحداً من قرّاء الأمصار يقرأ ذلك بنصب الـجنّ، ولو نصب كان فـي قوله {تَبَـيَّنَت} ضمير من ذكر الإنس.

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِى مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا۟ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ۝١٥

يقول تعالـى ذكره: لقد كان لولد سبإ فـي مسكنهم علامة بـينة، وحجة واضحة، علـى أنه لا رب لهم إلا الذي أنعم علـيهم النعم التـي كانوا فـيها. وسبأ عن رسول الله اسم أبـي الـيـمن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن أبـي حيان الكلبـي، عن يحيى بن هانىء، عن عروة الـمراديّ، عن رجل منهم يقال له: فروة بن مسيك، قال: قلت: يا رسول الله أخبرنـي عن سَبَإٍ ما كان؟ رجلاً كان أو امرأة، أو جبلاً، أو دوابّ؟ فقال:

لا، كانَ رَجُلاً مِن العَرَبِ وَلَهُ عَشَرَةُ أوْلادٍ، فَتَـيَـمَّنَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ، وَتَشاءَمَ أرْبَعَةٌ، فأمَّا الَّذِينَ تَـيَـمَّنُوا مِنْهُمْ فِكِنْدَةُ، وحِمْيَرُ، والأزْدُ، والأشْعَرِيُّونَ، وَمَذْحِجُ، وأنْـمَارُ الَّذِينَ مِنْها خَثْعَمٌ وَبُجَيْـلَةٌ. وأمَّا الَّذِينَ تَشاءَمُوا: فَعامِلَةُ، وَجُذَامُ، وَلـخْمُ، وَغَسَّان

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو أُسامة، قال: ثنـي الـحسن بن الـحكَم، قال: ثنا أبو سَبْرة النـخَعيّ، عن فروة بن مُسَيْك القُطَيعِيّ، قال: قال رجل: يا رسولَ الله أخبرنـي عن سَبَإٍ ما هو؟ أرض أو امرأة؟ قال:

لَـيْسَ بأرْضٍ وَلا امْرأةٍ، وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ وَلَدَ عَشَرَةً مِنَ الوَلَد، فَتَـيامَنَ سِتَّةٌ، وَتَشاءَمَ أرْبَعَةٌ، فأمَّا الَّذِين تَشاءَمُوا: فَلَـخْمٌ، وَجُذَامُ، وَعامِلَةُ، وَغَسَّانُ وأمَّا الَّذِينَ تَـيامَنُوا: فَكِنْدَةُ، والأشْعَرِيُّونَ، والأزْدُ، وَمَذْحجُ، وحِمْيَر، وأنْـمَارُ فقال رجل: ما أنـمار؟ قال: الَّذِينَ مِنْهُمْ خَثْعَمُ وَبجِيْـلَةُ

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا العَنْقَزيّ، قال: أخبرنـي أسبـاط بن نصر، عن يحيى بن هانىء الـمراديّ، عن أبـيه، أو عن عمه «أسبـاطٌ شكّ» قال: قدم فَرْوة بن مُسَيك علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أخبرنـي عن سبإٍ، أجبلاً كان أو أرضاً؟ فقال:

لـم يكُنْ جَبَلاً وَلا أرْضاً، ولَكِنَّهُ كان رَجُلاً مِنَ العَرَبِ وَلَدَ عَشَرَةَ قَبـائِلَ، ثم ذكر نـحوه، إلا أنه قال:وأنـمار الذين يقولون منهم بجيـلة وخثعم

فإن كان الأمر كما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أن سَبَأ رجل، كان الإجراء فـيه وغير الإجراء معتدلـين. أما الإجراء فعلـى أنه اسم رجل معروف، وأما ترك الإجراء فعلـى أنه اسم قبـيـلة أو أرض. وقد قرأ بكل واحدة منهما علـماء من القرّاء.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: «فِـي مَساكِنِهِمْ» فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض الكوفـيـين: «فـي مساكنهم» علـى الـجماع بـمعنى منازل آل سبأ. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين «فِـي مَسْكِنِهِمْ» علـى التوحيد وبكسر الكاف، وهي لغة لأهل الـيـمن فـيـما ذُكر لـي. وقرأ حمزة: {مَسْكَنِهِمْ} علـى التوحيد وفتـح الكاف.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا: أن كلّ ذلك قراءات متقاربـات الـمعنى، فبأيّ ذلك قرأ القارىء فمصيب.

وقوله: {آيَةٌ} قد بـيَّنا معناها قبل. وأما قوله: {جَنَّتانِ عَن يَـمِينٍ وَشِمالٍ} فإنه يعنـي: بستانان كانا بـين جبلـين، عن يـمين من أتاهما وشماله. وكان من صنفهما فـيـما ذكر لنا ما:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا سلـيـمان، قال: ثنا أبو هلال، قال: سمعت قتادة، فـي قوله: {لَقَدْ كانَ لِسَبإٍ فِـي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَـمِينٍ وشِمالٍ} قال: كانت جنتان بـين جبلـين، فكانت الـمرأة تُـخَرْجُ، مِكْتَلُها علـى رأسها، فتـمشي بـين جبلـين، فـيـمتلـىء مِكَتلُها، وما مست بـيدها، فلـما طَغَوا بعث الله علـيهم دابة، يقال لها «جُرَذ»، فنقَبت علـيهم، فغرقتهم، فما بقـي لهم إلا أَثْل، وشيء من سِدْرٍ قلـيـل.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {لَقَدْ كانَ لِسَبإٍ فِـي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَـمِينٍ وَشِمالٍ}... إلـى قوله:

{ فَأَعْرَضُوا فَأرْسَلْنا عَلَـيْهِمْ سَيْـلَ العَرِمِ }قال: ولـم يكن يرى فـي قريتهم بعوضة قط، ولا ذُبـاب، ولا بُرْغوث، ولا عَقْرب، ولا حَية، وإنْ كان الركبُ لـيأتون وفـي ثـيابهم القُمَّل والدَّوابّ، فما هم إلا أن ينظروا إلـى بـيوتهم، فتـموتَ الدوابّ، قال: وإن كان الإنسان لـيدخـل الـجنتـين، فـيـمسك القُـفَّة علـى رأسه، فـيخرج حين يخرج وقد امتلأت تلك القـفة من أنواع الفـاكهة ولـم يتناول منها شيئاً بـيده قال: والسُّدّ يسقـيها.

ورُفعت الـجنتان فـي قوله: {جَنَّتانِ عنْ يَـمِينٍ وشِمالٍ} ترجمة عن الآية، لأن معنى الكلام: لقد كان لسبأ فـي مسكنهم آية هي جنتان عن أيـمانهم وشمائلهم.

وقوله: {كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ} الذي يرزقكم من هاتـين الـجنتـين من زروعهما وأثمارهما، {وَاشْكُرُوا لَهُ} علـى ما أنعم به علـيكم من رزقه ذلك وإلـى هذا منتهى الـخبر، ثم ابتدأ الـخبر عن البلدة، فقـيـل: هذه بلدة طيبة: أي لـيست بسبخة، ولكنها كما ذكرنا من صفتها عن عبد الرحمن بن زيد أن كانت كما وصفها به ابن زيد، من أنه لـم يكن فـيها شيء مؤذ، الهمـج والدبـيب والهوامّ {وَرَبّ غَفُورٌ} يقول: وربّ غفور لذنوبكم إن أنتـم أطعتـموه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبّ غَفُورٌ} وربكم غفور لذنوبكم، قوم أعطاهم الله نعمة، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته.

الأحد، 18 أكتوبر 2026 7 جمادى الأولى 1448 هـ