انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة سبإ

تفسير ابن كثيرالآيات 1–19

تفسير سورة سبإ آية آية، من تفسير ابن كثير.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ۝١ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ ۝٢

يخبر تعالى عن نفسه الكريمة أن له الحمد المطلق في الدنيا والآخرة، لأنه المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة، المالك لجميع ذلك، الحاكم في جميع ذلك، كما قال تعالى:

{ وَهُوَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ وَلَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }[القصص: 70] ولهذا قال تعالى ههنا: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي: الجميع ملكه وعبيده وتحت تصرفه وقهره، كما قال تعالى: { وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ }[الليل: 13]، ثم قال عز وجل: {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلآخِرَةِ} فهو المعبود أبداً، المحمود على طول المدى.

وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ} أي: في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره {ٱلْخَبِيرُ} الذي لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه شيء، وقال مالك عن الزهري: خبير بخلقه، حكيم بأمره، ولهذا قال عز وجل: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} أي: يعلم عدد القطر النازل في أجزاء الأرض، والحب المبذور، والكامن فيها، ويعلم ما يخرج من ذلك؛ عدده وكيفيته وصفاته {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي: من قطر ورزق، وما يعرج فيها، أي: من الأعمال الصالحة وغير ذلك، {ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ} أي: الرحيم بعباده، فلا يعاجل عصاتهم بالعقوبة، الغفور عن ذنوب التائبين إليه، المتوكلين عليه.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَآ أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرُ إِلَّا فِى كِتَٰبٍ مُّبِينٍ ۝٣ لِّيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ۝٤ وَٱلَّذِينَ سَعَوْ فِىٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ۝٥ وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ۝٦

هذه إحدى الآيات الثلاث التي لا رابع لهن، مما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد، لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد، فإحداهن في سورة يونس عليه السلام، وهي قوله تعالى:

{ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِى وَرَبِّىۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ }[يونس: 53] والثانية هذه: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ}، والثالثة في سورة التغابن، وهي قوله تعالى: { زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ }[التغابن: 7] فقال تعالى: {قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ} ثم وصفه بما يؤكد ذلك ويقرره، فقال: {عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ} قال مجاهد وقتادة: لا يعزب عنه: لا يغيب عنه، أي: الجميع مندرج تحت علمه، فلا يخفى عليه شيء، فالعظام، وإن تلاشت وتفرقت وتمزقت، فهو عالم أين ذهبت، وأين تفرقت، ثم يعيدها كما بدأها أول مرة، فإنه بكل شيء عليم. ثم بين حكمته في إعادة الأبدان وقيام الساعة، بقوله تعالى: {لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} أي: سعوا في الصد عن سبيل الله تعالى وتكذيب رسله، {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} أي: لينعم السعداء من المؤمنين، ويعذب الأشقياء من الكافرين، كما قال عز وجل: { لاَ يَسْتَوِىۤ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ }[الحشر: 20] وقال تعالى: { أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ }[ص: 28].

وقوله تعالى: {وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ} هذه حكمة أخرى معطوفة على التي قبلها، وهي أن المؤمنين بما أنزل على الرسل، إذا شاهدوا قيام الساعة، ومجازاة الأبرار والفجار بالذي كانوا قد علموه من كتب الله تعالى في الدنيا، رأوه حينئذ عين اليقين، ويقولون يؤمئذ أيضاً:

{ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ }[الأعراف: 43] يقال أيضاً: { هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ }[يس: 52] { لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ }[الروم: 56] {وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} العزيز: هو المنيع الجناب، الذي لا يغالب ولا يمانع، بل قد قهر كل شيء وغلبه، الحميد، في جميع أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، وهو المحمود في ذلك كله جل وعلا.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ ۝٧ أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِۦ جِنَّةٌۢ بَلِ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ فِى ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلَٰلِ ٱلْبَعِيدِ ۝٨ أَفَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ۝٩

هذا إخبار من الله عز وجل عن استبعاد الكفرة الملحدين قيام الساعة، واستهزائهم بالرسول صلى الله عليه وسلم في إخباره بذلك {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} أي: تفرقت أجسادكم في الأرض، وذهبت فيها كل مذهب، وتمزقت كل ممزق {إِنَّكُمْ} أي: بعد هذا الحال {لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ} أي: تعودون أحياء ترزقون بعد ذلك، وهو في هذا الإخبار لا يخلو أمره من قسمين: إما أن يكون قد تعمد الافتراء على الله تعالى أنه قد أوحي إليه ذلك، أو أنه لم يتعمد، لكن لبس عليه؛ كما يلبس على المعتوه والمجنون، ولهذا قالوا: {أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ} قال الله عز وجل راداً عليهم: {بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ فِى ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلَـٰلِ ٱلْبَعِيدِ} أي: ليس الأمر كما زعموا، ولا كما ذهبوا إليه، بل محمد صلى الله عليه وسلم هو الصادق البار الراشد، الذي جاء بالحق، وهم الكذبة الجهلة الأغبياء {فِى ٱلْعَذَابِ} أي: الكفر المفضي بهم إلى عذاب الله تعالى، {وَٱلضَّلَـٰلِ ٱلْبَعِيدِ} من الحق في الدنيا، ثم قال تعالى منبهاً لهم على قدرته في خلق السموات والأرض، فقال تعالى: {أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} أي: حيثما توجهوا وذهبوا، فالسماء مظللة عليهم، والأرض تحتهم، كما قال عز وجل:

{ وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ }[الذاريات: 47 ــــ 48].

قال عبد بن حميد: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: {أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} قال: إنك إن نظرت عن يمينك، أو عن شمالك، أو من بين يديك، أو من خلفك، رأيت السماء والأرض. وقوله تعالى: {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أي: لو شئنا، لفعلنا بهم ذلك؛ بظلمهم وقدرتنا عليهم، ولكن نؤخر ذلك؛ لحلمنا وعفونا، ثم قال: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} قال معمر عن قتادة: {مُّنِيبٍ}: تائب. وقال سفيان عن قتادة: المنيب: المقبل إلى الله تعالى، أي: إن في النظر إلى خلق السماوات والأرض لدلالة لكل عبد فطن لبيب، رجاع إلى الله، على قدرة الله تعالى على بعث الأجساد ووقوع المعاد؛ لأن من قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها واتساعها، وهذه الأرضين في انخفاضها، وأطوالها وأعراضها، إنه لقادر على إعادة الأجسام، ونشر الرميم من العظام؛ كما قال تعالى:

{ أَوَلَـيْسَ ٱلَذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ }[يس: 81] وقال تعالى: { لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }[غافر: 57].

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضْلًا يَٰجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُۥ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ ۝١٠ أَنِ ٱعْمَلْ سَٰبِغَٰتٍ وَقَدِّرْ فِى ٱلسَّرْدِ وَٱعْمَلُوا۟ صَٰلِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ۝١١

يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله داود عليه الصلاة والسلام مما آتاه من الفضل المبين، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوي العدد والعدد، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم، الذي كان إذا سبح به، تسبح معه الجبال الراسيات، الصم الشامخات، وتقف له الطيور السارحات، والغاديات، والرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات. وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبي موسى الأشعري رضي الله عنه يقرأ من الليل، فوقف فاستمع لقراءته، ثم قال صلى الله عليه وسلم

لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داودوقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا وتر أحسن من صوت أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، ومعنى قوله تعالى: {أَوِّبِي} أي: سبحي، قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد، وزعم أبو ميسرة أنه بمعنى: سبحي، بلسان الحبشة، وفي هذا نظر، فإن التأويب في اللغة هو الترجيع، فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها.

وقال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي في كتابه ــــ "الجمل" ــــ في باب النداء منه: {يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} أي: سيري معه بالنهار كله، والتأويب: سير النهار كله، والإسآد سير الليل كله، وهذا لفظه، وهو غريب جداً، لم أره لغيره، وإن كان له مساعدة من حيث اللفظ في اللغة، لكنه بعيد في معنى الآية ههنا، والصواب أن المعنى في قوله تعالى: {أَوِّبِي مَعَهُ} أي: رجعي مسبحة معه؛ كما تقدم، والله أعلم.

وقوله تعالى: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ} قال الحسن البصري وقتادة والأعمش وغيرهم: كان لا يحتاج أن يدخله ناراً، ولا يضربه بمطرقة، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط، ولهذا قال تعالى: {أَنِ ٱعْمَلْ سَـٰبِغَـٰتٍ} وهي الدروع. قال قتادة: وهو أول من عملها من الخلق، وإنما كانت قبل ذلك صفائح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا ابن سماعة، حدثنا ابن ضمرة عن ابن شوذب قال: كان داود عليه السلام يرفع في كل يوم درعاً، فيبيعها بستة آلاف درهم، ألفين له ولأهله، وأربعة آلاف درهم يطعم بها بني إسرائيل خبز الحواري {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ} هذا إرشاد من الله تعالى لنبيه داود عليه السلام في تعليمه صنعة الدروع. وقال مجاهد في قوله تعالى: {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ} لا تدق المسمار فيقلق في الحلقة، ولا تغلظه فيقصمها، واجعله بقدر، وقال الحكم بن عيينة: لا تغلظه فيقصم، ولا تدقه فيقلق، وهكذا روي عن قتادة وغير واحد، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: السرد: حلق الحديد. وقال بعضهم: يقال: درع مسرودة إذا كانت مسمورة الحلق، واستشهد بقول الشاعر:

وعليهما مَسْرودتان قَضاهُماداودُ أَو صنع السوابغ تبع

وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود عليه الصلاة والسلام من طريق إسحاق بن بشر، وفيه كلام، عن أبي إلياس عن وهب بن منبه ما مضمونه: أن داود عليه السلام كان يخرج متنكراً، فيسأل الركبان عنه وعن سيرته، فلا يسأل أحداً إلا أثنى عليه خيراً في عبادته وسيرته وعدله عليه السلام. قال وهب: حتى بعث الله تعالى ملكاً في صورة رجل، فلقيه داود عليه الصلاة والسلام، فسأله كما كان يسأل غيره، فقال: هو خير الناس لنفسه ولأمته، إلا أن فيه خصلة، لو لم تكن فيه، كان كاملاً. قال: ما هي؟ قال: يأكل ويطعم عياله من مال المسلمين، يعني: بيت المال، فعند ذلك نصب داود عليه السلام إلى ربه عز وجل في الدعاء أن يعلمه عملاً بيده يستغني به ويغني به عياله، فألان الله عز وجل له الحديد، وعلمه صنعة الدروع، فعمل الدروع، وهو أول من عملها، فقال الله تعالى: {أَنِ ٱعْمَلْ سَـٰبِغَـٰتٍ وَقَدِّرْ فِى ٱلسَّرْدِ} يعني: مسامير الحلق، قال: وكان يعمل الدرع، فإذا ارتفع من عمله درع، باعها فتصدق بثلثها، واشترى بثلثها ما يكفيه وعياله، وأمسك الثلث يتصدق به يوماً بيوم إلى أن يعمل غيرها، وقال: إن الله أعطى داود شيئاً لم يعطه غيره من حسن الصوت، إنه كان إذا قرأ الزبور، تجتمع الوحوش إليه حتى يؤخذ بأعناقها وما تنفر، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج، إلا على أصناف صوته عليه السلام، وكان شديد الاجتهاد، وكان إذا افتتح الزبور بالقراءة كأنما ينفخ في المزامير،وكان قد أعطي سبعين مزماراً في حلقه. وقوله تعالى: {وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً} أي: في الذي أعطاكم الله تعالى من النعم {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي: مراقب لكم، بصير بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى علي من ذلك شيء.

وَلِسُلَيْمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُۥ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ۝١٢ يَعْمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَٰتٍ ٱعْمَلُوٓا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ ۝١٣

لما ذكر تعالى ما أنعم به على داود، عطف بذكر ما أعطى ابنه سليمان عليهما الصلاة والسلام من تسخير الريح له، تحمل بساطه، غدوها شهر ورواحها شهر. قال الحسن البصري: كان يغدو على بساطه من دمشق، فينزل باصطخر يتغذى بها، ويذهب رائحاً من اصطخر فيبيت بكابل، وبين دمشق واصطخر شهر كامل للمسرع، وبين اصطخر وكابل شهر كامل للمسرع.

وقوله تعالى: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ} قال ابن عباس رضي لله عنهما ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني وقتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد: القطر: النحاس. قال قتادة: وكانت باليمن، فكل ما يصنع الناس مما أخرج الله تعالى لسليمان عليه السلام. قال السدي: وإنما أسيلت له ثلاثة أيام. وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ} أي: وسخرنا له الجن يعملون بين يديه بإذن ربه. أي: بقدره وتسخيره لهم بمشيئته ما يشاء من البنايات وغير ذلك {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا} أي: ومن يعدل ويخرج منهم عن الطاعة {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} وهو الحريق.

وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا حديثاً غريباً، فقال: حدثنا أبي حدثنا أبو صالح، حدثنا معاوية بن صالح عن أبي الزهراء عن جبير بن نفير، عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنونرفعه غريب جداً. وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا حرملة، حدثنا ابن وهب، أخبرني بكر بن مضر عن محمد بن بحير عن ابن أنعم أنه قال: الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم الثواب وعليهم العقاب، وصنف طيارون فيما بين السماء والأرض، وصنف حيات وكلاب. قال بكر بن مضر: ولا أعلم إلا أنه قال: حدثني أن الإنس ثلاثة أصناف: صنف يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة، وصنف كالأنعام بل هم أضل سبيلاً، وصنف في صورة الناس على قلوب الشياطين.

وقال أيضاً: حدثنا أبي حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق، حدثنا سلمة، يعني: ابن الفضل، عن إسماعيل عن الحسن قال: الجن ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء مؤمنون، ومن هؤلاء مؤمنون، وهم شركاؤهم في الثواب والعقاب، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمناً، فهو ولي الله تعالى، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافراً فهو شيطان.

وقوله تعالى: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَـٰرِيبَ وَتَمَـٰثِيلَ} أما المحاريب، فهي البناء الحسن، وهو أشرف شيء في المسكن وصدره. وقال مجاهد: المحاريب: بنيان دون القصور. وقال الضحاك: هي المساجد، وقال قتادة: هي القصور والمساجد. وقال ابن زيد: هي ا لمساكن. وأما التماثيل، فقال عطية العوفي والضحاك والسدي: التماثيل: الصور. قال مجاهد: وكانت من نحاس. وقال قتادة: من طين وزجاج. وقوله تعالى: {وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَٰسِيَـٰتٍ} الجواب جمع جابية، وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء، كما قال الأعشى ميمون بن قيس:

تروحُ على آلِ المُحَلِّقِ جَفْنَةٌكجابِيَةِ الشَّيْخِ العِراقِيِّ تَفْهَقُ

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: {كَٱلْجَوَابِ} أي: كالجوبة من الأرض. وقال العوفي عنه: كالحياض، وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم. والقدور الراسيات، أي: الثابتات في أماكنها، لا تتحرك ولا تتحول عن أماكنها لعظمها، كذا قال مجاهد والضحاك وغيرهما. وقال عكرمة: أثافيها منها. وقوله تعالى: {ٱعْمَلُوۤاْ ءَالَ دَاوُودَ شُكْراً} أي: وقلنا لهم: اعملوا شكراً على ما أنعم به عليكم في الدين والدنيا، وشكراً مصدر من غير الفعل، أو أنه مفعول له، وعلى التقديرين فيه دلالة على أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول والنية، كما قال الشاعر:

أَفادَتْكُمُ النَّعْماءُ مِنِّي ثلاثَةً:يَدي ولِساني والضَّميرَ المُحَجَّبا

قال أبو عبد الرحمن السلمي: الصلاة شكر، والصيام شكر، وكل خير تعمله لله عز وجل شكر، وأفضل الشكر الحمد، رواه ابن جرير، وروى هو وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: الشكر تقوى الله تعالى والعمل الصالح، وهذا يقال لمن هو متلبس بالفعل، وقد كان آل داود عليهم السلام كذلك قائمين بشكر الله تعالى قولاً وعملاً. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، حدثنا جعفر، يعني: ابن سليمان عن ثابت البناني، قال: كان داود عليه السلام قد جزأ على أهله وولده ونسائه الصلاة، فكان لا تأتي عليهم ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي، فغمرتهم هذه الآية: {1649;عْمَلُوۤاْ ءَالَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ} وفي "الصحيحين" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:إن أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وأحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود، كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى».

وقد روى أبو عبد الله بن ماجه من حديث سنيد بن داود: حدثنا يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

قالت أم سليمان بن داود عليهم السلام لسليمان: يابني لا تكثر النوم بالليل؛ فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيراً يوم القيامةوروى ابن أبي حاتم عن داود عليه الصلاة والسلام ههنا أثراً غريباً مطولاً جداً، وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا عمران بن موسى، حدثنا أبو زيد فيض بن إسحاق الرقي قال: قال فضيل في قوله تعالى: {ٱعْمَلُوۤاْ ءَالَ دَاوُودَ شُكْراً} قال داود: يا رب كيف أشكرك، والشكر نعمة منك؟ قال:الآن شكرتني حين قلت: أن النعمة مني. وقوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ} إخبار عن الواقع.

فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُۥ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُوا۟ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ۝١٤

يذكر تعالى كيفية موت سليمان عليه السلام، وكيف عمى الله موته على الجان المسخرين له في الأعمال الشاقة، فإنه مكث متوكئاً على عصاه، وهي منسأته، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد: مدة طويلة نحواً من سنة، فلما أكلتها دابة الأرض، وهي الأرضة، ضعفت وسقطت إلى الأرض، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة. وتبينت الجن والإنس أيضاً أن الجن لا يعلمون الغيب كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع غريب، وفي صحته نظر.

قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا موسى بن مسعود، أبو حذيفة، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن عطاء عن السائب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

كان نبي الله سليمان عليه السلام إذا صلى، رأى شجرة نابتة بين يديه، فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول كذا، فيقول: لأي شيء أنت؟ فإن كانت تغرس غرست، وإن كانت لدواء كتبت، فبينما هو يصلي ذات يوم، إذ رأى شجرة بين يديه، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروب، قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت، فقال سليمان عليه السلام: اللهم عم على الجن موتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، فنحتها عصاً، فتوكأ عليها حولاً ميتاً والجن تعمل، فأكلتها الأرضة، فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولاً في العذاب المهينقال: وكان ابن عباس يقرؤها كذلك، قال: فشكرت الجن للأرضة، فكانت تأتيها بالماء، وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث إبراهيم بن طهمان به. وفي رفعه غرابة ونكارة، والأقرب أن يكون موقوفاً، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني له غرابات، وفي بعض حديثه نكارة.

وقال السدي في حديث ذكره عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود رضي الله عنه، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم. قال: كان سليمان عليه الصلاة والسلام يتحنث في بيت المقدس السنة والسنتين، والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر، فيدخل فيه، ومعه طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي توفي فيها، فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا ينبت الله في بيت المقدس شجرة، فيأتيها فيسألها: فيقول: ما اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا، فإن كانت لغرس، غرسها، وإن كانت تنبت دواء، قالت: نبت دواء كذا وكذا، فيجعلها كذلك، حتى نبتت شجرة يقال لها: الخروبة، فسألها: ما اسمك؟ قالت: أنا الخروبة، قال: ولأي شي، نبت؟ قالت: نبت لخراب هذا المسجد، قال سليمان عليه الصلاة والسلام: ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائط له، ثم دخل المحراب، فقام يصلي متكئاً على عصاه، فمات ولم تعلم به الشياطين، وهم في ذلك يعملون له، يخافون أن يخرج عليهم فيعاقبهم، وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب، وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول: ألست جلداً إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك، فمر ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان عليه السلام في المحراب إلا احترق، فمر ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع، ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق، ونظر إلى سليمان عليه السلام قد سقط ميتاً، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات، ففتحوا عليه فأخرجوه. ووجدوا منسأته، وهي العصا بلسان الحبشة، قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت منها يوماً وليلة، ثم حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة، وهي في قراءة ابن مسعود رضي الله عنه، فمكثوا يدينون له من بعد موته حولاً كاملاً، فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبونهم، ولو أنهم يطلعون على الغيب، لعلموا بموت سليمان، ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له، وذلك قول الله عز وجل: {مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} يقول: تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام، أتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين الشراب، سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين، قال: فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت، قال: ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب؟ فهو ما تأتيها به الشياطين شكراً لها، وهذا الأثر ــــ والله أعلم ــــ إنما هو مما تلقي من علماء أهل الكتاب، وهي وقف لا يصدق منه إلا ما وافق الحق، ولا يكذب منها إلا ما خالف الحق، والباقي لا يصدق ولا يكذب.

وقال ابن وهب وأصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تبارك وتعالى: {مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} قال: قال سليمان عليه السلام لملك الموت: إذا أمرت بي، فأعلمني، فأتاه فقال: يا سليمان قد أمرت بك، قد بقيت لك سويعة، فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير، وليس له باب، فقام يصلي، فاتكأ على عصاه، قال: فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه وهو متكىء على عصاه، ولم يصنع ذلك فراراً من ملك الموت، قال: والجن تعمل بين يديه، وينظرون إليه يحسبون أنه حي، قال: فبعث الله عز وجل دابة الأرض، قال: والدابة تأكل العيدان يقال لها القادح، فدخلت فيها، فأكلتها، حتى إذا أكلت جوف العصا ضعفت وثقل عليها فخر ميتاً، فلما رأت ذلك الجن، انفضوا وذهبوا، قال: فذلك قوله تعالى: {مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} قال أصبغ: بلغني عن غيره أنها قامت سنة تأكل منها قبل أن يخر، وذكر غير واحد من السلف نحواً من هذا، والله أعلم.

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِى مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا۟ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ۝١٥ فَأَعْرَضُوا۟ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ وَبَدَّلْنَٰهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ۝١٦ ذَٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِمَا كَفَرُوا۟ وَهَلْ نُجَٰزِىٓ إِلَّا ٱلْكَفُورَ ۝١٧

كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها، وكانت التبابعة منهم، وبلقيس صاحبة سليمان عليه الصلاة والسلام من جملتهم، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم وعيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم، وبعث الله تبارك وتعالى إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه ويشكروه بتوحيده وعبادته، فكانوا كذلك ما شاء الله تعالى، ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في البلاد أيدي سبأ، شذر مذر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى تفصيله وبيانه قريباً وبه الثقة.

قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن عبد الرحمن بن وعلة قال: سمعت ابن عباس يقول: إن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبأ: ما هو، أرجل أم امرأة أم أرض؟ قال صلى الله عليه وسلم

بل هو رجل ولد له عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، والشام منهم أربعة، فأما اليمانيون، فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير، وأما الشامية: فلخم وجذام وعاملة وغسانورواه عبد عن الحسن بن موسى عن ابن لهيعة به. وهذا إسناد حسن، ولم يخرجوه، وقد رواه الحافظ أبو عمر بن عبد البر ــــ في كتاب القصد والأمم، بمعرفة أصول أنساب العرب والعجم ــــ من حديث ابن لهيعة عن علقمة بن وعلة عن ابن عباس رضي الله عنهما، فذكر نحوه. وقد روي نحوه من وجه آخر.

وقال الإمام أحمد أيضاً وعبد بن حميد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أبو جناب يحيى بن أبي حية الكلبي عن يحيى بن هانىء بن عروة عن فروة بن مسيك رضي لله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أقاتل بمقبل قومي مدبرهم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

نعم، فقاتل بمقبل قومك مدبرهمفلما وليت دعاني فقال:لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلامفقلت: يارسول الله أرأيت سبأ، واد هو أو جبل أو ما هو؟ قال صلى الله عليه وسلملا بل هو رجل من العرب، ولد له عشرة، فتيامن ستة، وتشاءم أربعة، تيامن الأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار، الذين يقال لهم بجيلة وخثعم، وتشاءم لخم وجذام وعاملة وغسانوهذا أيضاً إسناد حسن، وإن كان فيه أبو جناب الكلبي، وقد تكلموا فيه، لكن رواه ابن جرير عن أبي كريب عن العنقزي عن أسباط بن نصر عن يحيى بن هانىء المرادي عن عمه أو عن أبيه ــــ شك أسباط ــــ قال: قدم فروة بن مسيك رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره.

(طريق أخرى) لهذا الحديث. قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثني ابن لهيعة عن توبة بن نمر عن عبد العزيز بن يحيى: أنه أخبره قال: كنا عند عبيدة بن عبد الرحمن بإفريقية، فقال يوماً: ما أظن قوماً بأرض إلا وهم من أهلها، فقال علي بن أبي رباح: كلا، قد حدثني فلان: أن فروة بن مسيك الغطيفي رضي الله عنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن سبأ قوم كان لهم عز في الجاهلية، وإني أخشى أن يرتدوا عن الإسلام، أفأقاتلهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم

ما أمرت فيهم بشيء بعدفأنزلت هذه الآية: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِى مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ} الآيات، فقال له رجل: يا رسول الله ما سبأ؟ فذكر مثل هذا الحديث الذي قبله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن سبأ ما هو: أبلد أم رجل أم امرأة؟ قال صلى الله عليه وسلمبل رجل ولد له عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، والشام أربعة، أما اليمانيون فمذحج وكندة والأزد الأشعريون وأنمار وحمير غير ما حلها، وأما الشام فلخم وجذام وغسان وعاملةفيه غرابة من حيث ذكر نزول الآية بالمدينة، والسورة مكية كلها، والله سبحانه وتعالى أعلم.

(طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أسامة، حدثنا الحسن بن الحكم، حدثنا أبو سبرة النخعي عن فروة بن مسيك الغطيفي رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله أخبرني عن سبأ ما هو: أرض أم امرأة؟ قال صلى الله عليه وسلم

ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد له عشرة من الولد، فتيامن ستة، وتشاءم أربعة، فأما الذين تشاءموا، فلخم وجذام وعاملة وغسان، وأما الذين تيامنوا، فكندة والأشعريون والأزد ومذحج وحمير وأنمارفقال رجل: ما أنمار؟ قال صلى الله عليه وسلمالذين منهم خثعم وبجيلةورواه الترمذي في جامعه عن أبي كريب وعبد بن حميد قالا: حدثنا أبو أسامة، فذكره أبسط من هذا، ثم قال: هذا حديث حسن غريب.

وقال أبو عمر بن عبد البر: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم ابن أصبغ، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا ابن كثير، هو عثمان بن كثير، عن الليث بن سعد عن موسى بن علي، عن يزيد بن حصين عن تميم الداري رضي الله عنه قال: إن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن سبأ، فذكر مثله، فقوي هذا الحديث وحسن. قال علماء النسب ــــ منهم محمد بن إسحاق ــــ: اسم سبأ عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان،وإنما سمي سبأ، لأنه أول من سبأ في العرب، وكان يقال له: الرائش؛ لأنه أول من غنم في الغزو، فأعطى قومه، فسمي الرائش، والعرب تسمي المال ريشاً ورياشاً. وذكروا أنه بشر برسول الله صلى الله عليه وسلم في زمانه المتقدم، وقال في ذلك شعراً:

سَيَمْلِكُ بَعْدَنا مُلْكاً عَظيماًنَبِيٌّ لا يُرَخِّصُ في الحَرامِويَمْلِكُ بَعْدَهُ منهُمْ مُلوكٌيَدينونُ القيادُ بِكلِ داميِويملكُ بعدهُمْ مِنَّا مُلوكٌيَصيرُ المُلكُ فينا باقْتِسامِويَمْلِكُ بعدَ قَحْطانٍ نَبِيٌّتَقِيٌّ مُخْبِتٌ خَيْرُ الأنامِيُسَمَّى أَحْمَداً يا لَيْتَ أَنِّيأُعَمَّرُ بَعْدَ مَبْعَثِهِ بِعامِفَأَعْضِدُهُ وأَحْبوهُ بِنَصْريبِكُلِّ مُدَجَّجٍ وبِكُلِّ رامِمَتى يَظْهَرْ فَكُونوا ناصِريهِومَنْ يَلْقاهُ يُبْلِغُهُ سَلامي

ذكر ذلك الهمداني في كتاب ــــ "الإكليل" ــــ واختلفوا في قحطان على ثلاثة أقوال: (أحدها) أنه من سلالة إرم بن سام بن نوح، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث طرائق. (والثاني) أنه من سلالة عابر، وهو هود عليه الصلاة والسلام، واختلفوا أيضاً في كيفية نسبه به على ثلاث طرائق أيضاً. (والثالث) أنه من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه على ثلاث طرائق أيضاً. وقد ذكر ذلك مستقصى الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر النمري رحمة الله تعالى عليه في كتابه المسمى "الإنباه على ذكر أصول القبائل الرواة".

ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم

كان رجلاً من العربيعني: العرب العاربة الذين كانوا قبل الخليل عليه الصلاة والسلام من سلالة سام بن نوح، وعلى القول الثالث كان من سلالة الخليل عليه السلام، وليس هذا بالمشهور عندهم، والله أعلم. ولكن في "صحيح البخاري": أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بنفر من أسلم ينتضلون، فقال:ارموا بني إسماعيل؟ فإن أباكم كان رامياًفأسلم قبيلة من الأنصار ــــ والأنصار أوسها وخزرجها من غسان من عرب اليمن من سبأ ــــ نزلوا بيثرب لما تفرقت سبأ في البلاد حين بعث الله عز وجل عليهم سيل العرم، ونزلت طائقة منهم بالشام، وإنما قيل لهم غسان بماء نزلوا عليه، قيل: باليمن، وقيل: إنه قريب من المشلل، كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:

إِمَّا سَأَلْت فَإِنَّا مَعْشَرٌ نُجُبٌالأَزْدُ نِسْبَتُنا والماءُ غَسَّانُ

ومعنى قوله صلى الله عليه وسلمولد له عشرة من العربأي: كان من نسله هؤلاء العشرة الذين يرجع إليهم أصول القبائل من عرب اليمن، لا أنهم ولدوا من صلبه، بل منهم من بينه وبينه الأبوان والثلاثة، والأقل والأكثر، كما هو مقرر مبين في مواضعه من كتب النسب. ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعةأي: بعد ما أرسل الله تعالى عليهم سيل العرم، منهم من أقام ببلادهم، ومنهم من نزح عنها إلى غيرها. وكان من أمر السد أنه كان الماء يأتيهم من بين جبلين، وتجتمع إليه أيضاً سيول أمطارهم وأوديتهم، فعمد ملوكهم الأقادم، فبنوا بينهما سداً عظيماً محكماً، حتى ارتفع الماء، وحكم على حافات ذينك الجبلين، فغرسوا الأشجار، واستغلوا الثمار في غاية ما يكون من الكثرة والحسن، كما ذكر غير واحد من السلف، منهم قتادة: أن المرأة كانت تمشي تحت الأشجار، وعلى رأسها مكتل أو زنبيل، وهو الذي تخترف فيه الثمار، فيتساقط من الأشجار في ذلك ما يملؤه من غير أن يحتاج إلى كلفة ولا قطاف؛ لكثرته ونضجه واستوائه، وكان هذا السد بمأرب: بلدة بينها وبين صنعاء ثلاث مراحل، ويعرف بسد مأرب، وذكر آخرون أنه لم يكن ببلدهم شيء من الذباب ولا البعوض ولا البراغيث، ولا شيء من الهوام،وذلك لاعتدال الهواء، وصحة المزاج، وعناية الله بهم؛ ليوحدوه ويعبدوه؛ كما قال تبارك وتعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِى مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ} ثم فسرها بقوله عز وجل: {جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ} أي: من ناحيتي الجبلين، والبلدة بين ذلك، {كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} أي: غفور لكم إن استمررتم على التوحيد.

وقوله تعالى: {فَأَعْرِضُواْ} أي: عن توحيد الله وعبادته وشكره على ما أنعم به عليهم، وعدلوا إلى عبادة الشمس من دون الله، كما قال الهدهد لسليمان عليه الصلاة والسلام:

{ { وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّى وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ }[النمل: 22 ــــ 24] وقال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: بعث الله تعالى إليهم ثلاثة عشر نبياً. وقال السدي: أرسل الله عز وجل إليهم اثني عشر ألف نبي، والله أعلم.

وقوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ} المراد بالعرم: المياه، وقيل: الوادي، وقيل: الجرذ، وقيل: الماء الغزير، فيكون من باب إضافة الاسم إلى صفته، مثل: مسجد الجامع، وسعيد كرز، حكى ذلك السهيلي. وذكر غير واحد منهم ابن عباس ووهب بن منبه وقتادة والضحاك: أن الله عز وجل لما أراد عقوبتهم بإرسال العرم عليهم، بعث على السد دابة من الأرض يقال لها: الجرذ، نقبته. قال وهب بن منبه: وقد كانوا يجدون في كتبهم أن سبب خراب هذا السد هو الجرذ، فكانوا يرصدون عنده السنانير برهة من الزمن، فلما جاء القدر، غلبت الفأر السنانير، وولجت إلى السد فنقبته، فانهار عليهم، وقال قتادة وغيره: الجرذ هو الخلد، نقبت أسافله، حتى إذا ضعف ووَهى، وجاءت أيام السيول، صدم الماء البناء فسقط، فانساب الماء في أسفل الوادي، وخرب ما بين يديه من الأبنية والأشجار وغير ذلك، ونضب الماء عن الأشجار التي في الجبلين عن يمين وشمال، فيبست وتحطمت، وتبدلت تلك الأشجار المثمرة الأنيقة النضرة؛ كما قال الله تبارك وتعالى: {وَبَدَّلْنَـٰهُمْ بِجَنَّـٰتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ} قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني والحسن وقتادة والسدي: وهو الأراك، وأكلة البرير {وَأَثْلٍ} قال العوفي عن ابن عباس: هو الطرفاء. وقال غيره: هو شجر يشبه الطرفاء، وقيل: هو السمر، والله أعلم.

وقوله: {وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ} لما كان أجود هذه الأشجار المبدل بها هو السدر قال: {وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ} فهذا الذي صار أمر تينك الجنتين إليه بعد الثمار النضيجة، والمناظر الحسنة، والظلال العميقة، والأنهار الجارية، تبدلت إلى شجر الأراك والطرفاء والسدر ذي الشوك الكثير والثمر القليل، وذلك بسبب كفرهم وشركهم بالله، وتكذيبهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل، ولهذا قال تعالى: {ذَلِكَ جَزَيْنَـٰهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ}؟ أي: عاقبناهم بكفرهم. قال مجاهد: ولا يعاقب إلا الكفور. وقال الحسن البصري: صدق الله العظيم لا يعاقب بمثل فعله إلا الكفور. وقال طاوس: لا يناقش إلا الكفور. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عمر بن النحاس الرملي، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو البيداء عن هشام بن صالح التغلبي عن ابن خيرة، وكان من أصحاب علي رضي الله عنه، قال: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والتعسر في اللذة، قيل: وما التعسر في اللذة؟ قال: لا يصَادف لذة حلال إلا جاءه من ينغصه إياها.

وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَٰهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُوا۟ فِيهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ ۝١٨ فَقَالُوا۟ رَبَّنَا بَٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَٰهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَٰهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ۝١٩

يذكر تعالى ما كانوا فيه من النعمة والغبطة والعيش الهني الرغيد، والبلاد الرخية، والأماكن الآمنة، والقرى المتواصلة المتقاربة بعضها من بعض، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها، بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء، بل حيث نزل وجد ماء وثمراً، ويقيل في قرية، ويبيت في أخرى بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم، ولهذا قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا} قال وهب بن منبه: هي قرى بصنعاء، وكذا قال أبو مالك، وقال مجاهد والحسن وسعيد بن جبير ومالك عن زيد بن أسلم وقتادة والضحاك والسدي وابن زيد وغيرهم: يعني: قرى الشام، يعنون: أنهم كانوا يسيرون من اليمن إلى الشام في قرى ظاهرة متواصلة.

وقال العوفي عن ابن عباس: القرى التي باركنا فيها بيت المقدس، وقال العوفي عنه أيضاً: هي قرى عربية بين المدينة والشام {قُرًى ظَـٰهِرَةً} أي بينة واضحة يعرفها المسافرون، يقيلون في واحدة، ويبيتون في أخرى، ولهذا قال تعالى: {وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ} أي: جعلناها بحسب ما يحتاج المسافرون إليه {سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِىَ وَأَيَّاماً ءَامِنِينَ} أي: الأمن حاصل لهم في سيرهم ليلاً ونهاراً، {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَـٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} وقرأ آخرون: {بعد بينَ أسفارنا} وذلك أنهم بطروا هذه النعمة؛ كما قاله ابن عباس ومجاهد والحسن وغير واحد، وأحبوا مفاوز ومهامه يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل، والسير في الحرور والمخاوف؛ كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يخرج الله لهم مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، مع أنهم كانوا في عيش رغيد في منّ وسلوى، وما يشتهون من مآكل ومشارب وملابس مرتفعة، ولهذا قال لهم:

{ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ ٱهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ }[البقرة: 61] وقال عز وجل: { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا }[القصص: 58] وقال تعالى: { وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ }[النحل: 112]. وقال تعالى في حق هؤلاء: {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَـٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} أي: بكفرهم، {فَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَـٰهُمْكُلَّ مُمَزَّقٍ} أي: جعلناهم حديثاً للناس، وسمراً يتحدثون به؛ من خبرهم، وكيف مكر الله بهم، وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء، تفرقوا في البلاد ههنا وههنا، ولهذا تقول العرب في القوم إذا تفرقوا: تفرقوا أيدي سبأ، وأيادي سبأ، وتفرقوا شذر مذر.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال: سمعت أبي يقول: سمعت عكرمة يحدث بحديث أهل سبأ قال: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِى مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ} ــــ إلى قوله تعالى ــــ {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ}: وكانت فيهم كهنة، وكانت الشياطين يسترقون السمع، فأخبروا الكهنة بشيء من أخبار السماء، فكان فيهم رجل كاهن شريف كثير المال، وأنه أخبر أن زوال أمرهم قد دنا، وأن العذاب قد أظلهم، فلم يدر كيف يصنع؛ لأنه كان له مال كثير من عقار، فقال لرجل من بنيه، وهو أعزهم أخوالاً: يا بني إذا كان غداً وأمرتك بأمر، فلا تفعله، فإذا انتهرتك فانتهرني، فإذا لطمتك فالطمني، قال: يا أبت لا تفعل، إن هذا أمر عظيم وأمر شديد، قال: يا بني قد حدث أمر لا بد منه، فلم يزل به حتى وافاه على ذلك، فلما أصبحوا واجتمع الناس قال: يابني افعل كذا وكذا، فأبى، فانتهره أبوه، فأجابه، فلم يزل ذلك بينهما حتى تناوله أبوه فلطمه، فوثب على أبيه فلطمه، فقال: ابني يلطمني؟ علي بالشفرة، قالوا: ما تصنع بالشفرة؟ قال: أذبحه، قالوا: تريد أن تذبح ابنك؟ الطمه، أو اصنع ما بدا لك، قال: فأبى، قال: فأرسلوا إلى أخواله، فأعلموهم ذلك، فجاء أخواله فقالوا: خذ منا ما بدا لك، فأبى إلا أن يذبحه، قالوا: فلتموتن قبل أن تذبحه، قال: فإذا كان الحديث هكذا، فإني لا أرى أن أقيم ببلد يحال بيني وبين ابني فيه، اشتروا مني دوري، اشتروا مني أرضي، فلم يزل حتى باع دوره وأرضه وعقاره، فلما صار الثمن في يده وأحرزه، قال: أي قوم إن العذاب قد أظلكم، وزوال أمركم قد دنا، فمن أراد منكم داراً جديداً، وحمى شديداً، وسفراً بعيداً، فليلحق بعمان، ومن أراد منكم الخمر والخمير والعصير ــــ وكلمة قال إبراهيم لم أحفظها ــــ فليلحق ببصرى، ومن أراد الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، المقيمات في الضحل، فليلحق بيثرب ذات نخل، فأطاعه قومه، فخرج أهل عمان إلى عمان. وخرجت غسان إلى بصرى، وخرجت الأوس والخزرج وبنو عثمان إلى يثرب ذات النخل، قال: فأتوا على بطن مر، فقال بنو عثمان: هذا مكان صالح لا نبغي به بدلاً، فأقاموا به، فسموا لذلك خزاعة؛ لأنهم انخزعوا من أصحابهم، واستقامت الأوس والخزرج حتى نزلوا المدينة، وتوجه أهل عمان إلى عمان، وتوجهت غسان إلى بصرى. هذا أثر غريب عجيب، وهذا الكاهن هو عمرو بن عامر أحد رؤساء اليمن وكبراء سبأ وكهانهم. وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في أول السيرة ما كان من أمر عمرو بن عامر الذي كان أول من خرج من بلاد اليمن بسبب استشعاره بإرسال العرم عليهم، فقال: وكان سبب خروج عمرو بن عامر من اليمن فيما حدثني به أبو زيد الأنصاري: أنه رأى جرذاً يحفر في سد مأرب الذي كان يحبس عنهم الماء، فيصرفونه حيث شاؤوا من أرضهم، فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك، فاعتزم على النقلة عن اليمن، وكاد قومه، فأمر أصغر ولده إذا أغلظ له ولطمه أن يقوم إليه فيلطمه، ففعل ابنه ما أمره به، فقال عمرو: لا أقيم ببلد لطم وجهي فيها أصغر ولدي، وعرض أمواله، فقال أشراف من أشراف اليمن: اغتنموا غضبة عمرو، فاشتروا منه أمواله، وانتقل هو في ولده وولد ولده، وقالت الأزد: لا نتخلف عن عمرو بن عامر، فباعوا أموالهم، وخرجوا معه، فساروا حتى نزلوا بلاد عك مجتازين يرتادون البلدان، فحاربتهم عك، وكانت حربهم سجالاً، ففي ذلك يقول عباس بن مرداس السلمي رضي الله عنه:

وَعُكُّ بْنُ عَدْنانَ الَّذِيْنَ تَلَعَّبُوابِغَسان حَتّى طُرِّدُوا كُلَّ مَطْرَدِ

وهذا البيت من قصيدة له. قال: ثم ارتحلوا عنهم، فتفرقوا في البلدان، فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام، ونزلت الأوس والخزرج يثرب، ونزلت خزاعة مراً، ونزلت أزد السراة السراة، ونزلت أزد عمان عمان، ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه، وفي ذلك أنزل الله عز وجل هذه الآيات. وقد ذكر السدي قصة عمرو بن عامر بنحو مما ذكر محمد بن إسحاق، إلا أنه قال: فأمر ابن أخيه ــــ مكان ابنه ــــ إلى قوله: فباع ماله وارتحل بأهله، فتفرقوا، رواه ابن أبي حاتم.

وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، أخبرنا سلمة عن ابن إسحاق قال: يزعمون أن عمرو بن عامر، وهو عم القوم، كان كاهناً، فرأى في كهانته أن قومه سيمزقون، ويباعد بين أسفارهم، فقال لهم: إني قد علمت أنكم ستمزقون، فمن كان منكم ذا هم بعيد، وجمل شديد، ومزاد جديد، فليلحق بكاس أو كرود. قال: فكانت وادعة بن عمرو. ومن كان منكم ذا هم مدن، وأمر دعن، فليلحق بأرض شن، فكانت عوف بن عمرو، وهم الذين يقال لهم: بارق، ومن كان منكم يريد عيشاً آنياً، وحرماً آمناً فليلحق بالأرزين، فكانت خزاعة، ومن كان منكم يريد الراسيات في الوحل،المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل، فكانت الأوس والخزرج، وهما هذان الحيان من الأنصار، ومن كان منكم يريد خمراً وخميراً، وذهباً وحريراً، وملكاً وتأميراً، فليلحق بكوثى وبصرى، فكانت غسان بنو جفنة ملوك الشام، ومن كان منهم بالعراق. قال ابن إسحاق: وقد سمعت بعض أهل العلم يقول: إنما قالت هذه المقالة طريفة امرأة عمرو بن عامر، وكانت كاهنة، فرأت في كهانتها ذلك، فالله أعلم أي ذلك كان. وقال سعيد عن قتادة عن الشعبي: أما غسان، فلحقوا بعمان فمزقهم الله كل ممزق بالشام، وأما الأنصار، فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة، فلحقوا بتهامة، وأما الأزد، فلحقوا بعمان، فمزقهم الله كل ممزق. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، ثم قال محمد بن إسحاق: حدثني أبو عبيدة قال: قال الأعشى أعشى بني قيس بن ثعلبة، واسمه ميمون بن قيس:

وفي ذاكَ للمُؤْتَسِي أُسْوَةٌومَأْرِبُ قَفَّى عَلَيْها العَرِمْرجامٌ بَنَتْهُ لَهُمْ حِمْيَرٌإذا جاءَ ماؤُهُمُ لَمْ يَرِمْفَأرْوَى الزُّروعَ وأَعْنابَهاعَلى سَعَةٍ ماؤُهُمْ إِذْ قُسِمْفَصارُوا أيادِيَ ما يَقْدِرُونَ مِنْهُ عَلى شُرْبِ طِفْلٍ فُطِمْ

وقوله تعالى: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي: إن في هذا الذي حل بهؤلاء من النقمة والعذاب، وتبديل النعمة وتحويل العافية، عقوبةً على ما ارتكبوه من الكفر والآثام، لعبرة ودلالة لكل عبد صبار على المصائب، شكور على النعم. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن وعبد الرزاق المعني قالا: أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن عمر بن سعد عن أبيه، هو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلمعجبت من قضاء الله تعالى للمؤمن، إن أصابه خير، حمد ربه وشكر، وإن أصابته مصيبة، حمد ربه وصبر، يؤجر المؤمن في كل شيء، حتى في اللقمة يرفعها إلى في امرأته. وقد رواه النسائي في اليوم والليلة من حديث أبي إسحاق السبيعي به، وهو حديث عزيز من رواية عمر بن سعد عن أبيه، ولكن له شاهد في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: عجباً للمؤمن، لا يقضي الله تعالى له قضاء، إلا كان خيراً له، إن أصابته سراء، شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. قال عبد: حدثنا يونس عن شيبان عن قتادة: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} قال: كان مطرف يقول: نعم العبد الصبار الشكور، الذي إذا أعطي، شكر، وإذا ابتلي، صبر.
الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ