انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة سبإ

التحرير والتنويرالآيات 44–54

تفسير سورة سبإ آية آية، من التحرير والتنوير.

وَمَآ ءَاتَيْنَٰهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ ۝٤٤

الواو للحال، والجملة في موضع الحال من الضمير في قوله:

{ { قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم } } [سبأ: 43] الآية، تحميقاً لجهالتهم وتعجيباً من حالهم في أمرين:

«أحدهما»: أنهم لم يدركوا ما ينالهم من المزية بمجيء الحق إليهم إذ هيأهم الله به لأن يكونوا في عداد الأمم ذوي الكتاب، وفي بدء حال يبلغ بهم مبلغ العلم، إذ هم لم يسبق لهم أن أتاهم كتاب من عند الله أو رسول منه، فيكون معنى الآية: فكيف رفضوا اتّباع الرسول وتلقي القرآن وكان الأجدرُ بهم الاغتباط بذلك. وهذا المعنى هو المناسب لقوله: {يدرسونها} أي لم يكونوا أهل دراسة فكان الشأن أن يسرهم ما جاءهم من الحق.

«وثانيهما»: أنهم لم يكونوا على هدى ولا دين منسوب إلى الله تعالى حتى يكون تمسكهم به وخشية الوقوع في الضلالة إن فرَّطوا فيه يحملهم على التردد في الحق الذي جاءهم وصدقِ الرسول الذي أتاهم به فيكون لهم في الصد عنهما بعض العذر: فيكون المعنى: التعجيب من رفضهم الحق حين لا مانع يصدهم، فليس معنى جملة {وما آتيناهم من كتب} الخ على العطف ولا على الإِخبار لأن مضمون ذلك معلوم لا يتعلق الغرض بالإِخبار به، ولكن على الحال لإِفادة التعجيب والتحميق، وعلى هذا المعنى جرى المفسرون.

والدراسة: القراءة بتمهّل وتفهّم، وتقدم عند قوله تعالى: {وبما كنتم تدرسون} في آل عمران (79).

وإنما لم يقيد إيتاء الكتب بقيد كما قُيّد الإِرسال بقوله: {قبلَك} لأن الإِيتاء هو التمكين من الشيء وهم لم يتمكنوا من القرآن بخلاف إرسال النذير فهو حاصل سواء تقبلوه أم أعرضوا عنه.

ومن نحا نحو أن يكون معنى الآية التفرقةَ بين حالهم وحال أهل الكتاب فذلك منحى واهن لأنه يجرّ إلى معذرة أهل الكتاب في عضّهم بالنواجذ على دينهم، على أنه لم يكن في مدة نزول الوحي بمكة علاقة للدعوة الإِسلامية بأهل الكتاب وإنما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وأيضاً لا يكون للتقييد بــــ{قبلَك} فائدة خاصة كما علمت. وهنالك تفسيرات أخرى أشد بعداً وأبعد عن القصد جداً.

وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا۟ مِعْشَارَ مَآ ءَاتَيْنَٰهُمْ فَكَذَّبُوا۟ رُسُلِى فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ۝٤٥

هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتهديد للذين كذّبوه، فموقع التسلية منه قوله: {وكذب الذين من قبلهم}، وموقع التهديد بقية الآية، فالتسلية في أن له أسوة بالرسل السابقين، والتهديد بتذكيرهم بالأمم السالفة التي كذَّبتْ رُسلَها وكيف عاقبهم الله على ذلك وكانوا أشد قوة من قريش وأعظم سطوة منهم وهذا كقوله تعالى:

{ { فأهلكنا أشدّ منهم بطشاً } } [الزخرف: 8].

ومفعول {كذّب} محذوف دل عليه ما بعده، أي كذبوا الرسل، دل عليه قوله: {فكذبوا رسلي}.

وضمير {بلغوا} عائد إلى {الذين من قبلهم}، والضمير المنصوب في {آتيناهم} عائد إلى {الذين كفروا} في قوله:

{ { وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين } } [سبأ: 43]. والمقام يردّ على كل ضمير إلى معاده، كما تقدم قريباً عند قوله تعالى: { { أكثرهم بهم مؤمنون } } [سبأ: 41].

والمِعشار: العشر، وهو الجزء العاشر مثل المِرباع الذي كان يجعل لقائد الكتيبة من غنائم الجيش في الجاهلية.

وذُكر احتمالان آخران في معاد الضميرين من قوله: {وما بلغوا معشار ما آتيناهم} لا يستقيم معهما سياق الآية.

وجملة {وما بلغوا معشار ما آتيناهم} معترضة، والاعتراض بها تمهيد للتهديد وتقريب له بأن عقاب هؤلاء أيسر من عقاب الذين من قبلهم في متعارف الناس مثل قوله تعالى:

{ { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } } [الروم: 27].

والفاء في قوله: {فكذبوا رسلي} للتفريع على قوله: {وكذب الذين من قبلهم} باعتبار أن المفرع عطف عليه قوله: {فكيف كان نكير}، وبذلك كانت جملة {فكذبوا رسلي} تأكيداً لجملة {وكذب الذين من قبلهم} ونظيره قوله تعالى:

{ { كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا } } في سورة القمر (9)، ولكون الفاء الثانية في قوله: {فكيف كان نكير} تأكيداً لفظياً للفاء في قوله: {فكذبوا رسلي}.

وقوله: {فكيف كان نكير} مفرع على قوله: {وكذب الذين من قبلهم}.

و(كيف) استفهام عن الحالة وهو مستعمل في التقرير والتفريع كقول الحجاج للعُدَيل ابن الفرخ «فكيفَ رأيتَ الله أمْكَنَ منك»، أي أمكنني منك، في قصة هروبه.

فجملتا {فكذبوا رسلي فكيف كان نكير} في قوة جملة واحدة مفرعة على جملة {وكذب الذين من قبلهم}. والتقدير: وكذب الذين من قبلهم فكيف كان نكيري على تكذيبهم الرسل، ولكن لما كانت جملة {وكذب الذين من قبلهم} مقصوداً منها تسلية الرسول ابتداءً جعلت مقصورة على ذلك اهتماماً بذلك الغرض وانتصاراً من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ثم خُصّت عِبرة تسبب التكذيب في العقاب بجملة تخصها تهويلاً للتكذيب وهو من مقامات الإِطناب، فصادف أن كان مضمون الجملتين متحداً اتحاد السبب لمسببين أو العلةِ لمعلولين كعلة السرقة للقطع والغرم. وبني النظم على هذا الأسلوب الشيق تجنباً لثقل إعادة الجملة إعادةً ساذجة ففرعت الثانية على الأولى وأظهر فيها مفعول {كذب} وبني عليه الاستفهام التقريري التفظيعي، أو فرع للتكذيب الخاص على التكذيب الذي هو سجيتهم العامة على الوجه الثاني في معنى: {وكذَّب الذين من قبلهم} كما تقدم، ونظيره قوله تعالى:

{ { كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر } } [القمر: 9].

والنكير: اسم للإِنكار وهو عدّ الشيء منكراً، أي مكروهاً، واستعمل هنا كناية عن الغضب وتسليط العقاب على الآتي بذلك المنكر فهي كناية رمزية.

والمعنى: فكيف كان عقابي لهم على ما جاءوا به مما أنكره، أي كان عقاباً عظيماً على وفق إنكارنا تكذيبهم.

و{نكير} بكسر الراء وهو مضاف إلى ياء المتكلم، وحذفت الياء للتخفيف مع التنبيه عليها ببقاء الكسرة على آخر الكلمة وليناسب الفاصلة وأختها. وكتب في المصحف بدون ياء وبوقف عليه بالسكون.

قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍ أَن تَقُومُوا۟ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا۟ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ۝٤٦

افتتح بالأمر بالقول هنا وفي الجُمل الأربع بعده للاهتمام بما احتوت عليه. وهذا استئناف للانتقال من حكاية أحوال كفر المشركين وما تخلل ذلك من النقض والاستدلال والتسلية والتهديد ووصف صدودهم ومكابرتهم إلى دعوتهم للإِنصاف في النظر والتأمل في الحقائق ليتضح لهم خطؤهم فيما ارتكبوه من العسف في تلقي دعوة الإِسلام وما ألصقوا به وبالداعي إليه، وأرشدوا إلى كيفية النظر في شأنهم والاختلاء بأنفسهم لمحاسبتها على سلوكها، استقصاء لهم في الحجة وإعذاراً لهم في المجادلة

{ { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حَيِي عن بينة } } [الأنفال: 42].

ولذلك اجتلبت صيغة الحصر بــــ{إنما}، أي ما أعظكم إلا بواحدة، طيّاً لبساط المناظرة وإرساء على الخلاصة من المجادلات الماضية، وتقريباً لشقة الخلاف بيننا وبينكم.

وهو قصر إضافي، أي لا بغيرها من المواعظ المفصلة، أي إن استكثرتم الحجج وضجرتم من الردود والمطاعن فأنا أختصر المجادلة في كلمة واحدة فقد كانوا يتذمرون من القرآن لأبي طالب: أمَا ينتهي ابن أخيك عن شتم آلهتنا وآبائنا. وهذا كما يقول المناظر والجدلي بعد بسط الأدلة فيقول: والخلاصة أو والفذلكة كذا.

وقد ارتكب في هذه الدعوة تقريب مسالك النظر إليهم باختصاره، فوصف بأنه خصلة واحدة لئلا يتجهّموا الإِقبال على هذا النظر الذي عقدوا نياتهم على رفضه، فأعلموا بأن ذلك لا يكلفهم جهداً ولا يضيع عليهم زمناً فَلْيتأملوا فيه قليلاً ثم يقضوا قضاءهم، والكلام على لسان النبي صلى الله عليه وسلم أمره الله أن يخاطبهم به.

والوعظ: كلام فيه تحذير من مكروه وترغيب في ضده. وتقدم عند قوله تعالى:

{ { وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظةً وتفصيلاً لكل شيء } } في سورة الأعراف (145)، وقوله: { { يعظكم اللَّه } } في سورة النور (17).

و {واحدة} صفة لمحذوف يدل عليه المقام ويفرضه السامع نحو: بخصلة، أو بقضية، أو بكلمة.

والمقصود من هذا الوصف تقليلها تقريباً للأفهام واختصاراً في الاستدلال وإيجازاً في نظم الكلام واستنزالاً لطائر نفورهم وإعراضهم.

وبنيت هذه الواحدة بقوله: أن تقوموا لله مثنى وفرادى} إلى آخره، فالمصدر المنسبك من {أن} والفعل في موضع البدل من «واحدة»، أو قُل عطف بيان فإن عطف البيان هو البدل المطابق. وإنما اختلف التعبير عنه عند المتقدمِين فلا تَخُضْ في محاولة الفرق بينهما كالذي خاضوا.

والقيام في قوله: {أن تقوموا} مراد به المعنى المجازي وهو التأهب للعمل والاجتهاد فيه كقوله تعالى:

{ { وأن تقوموا لليتامى بالقسط } } [النساء: 127].

واللام للتعليل، أي لأجل الله ولذاته، أي جاعلين عملكم لله لا لمرضاة صاحب ولا عشيرة، وهذا عكس قوله تعالى:

{ { وقال إنما اتخذتم من دون اللَّه أوثاناً مودّةً بينكم } } [العنكبوت: 25]، أو لأجل معرفة الله والتدبر في صفاته.

وكلمة {مثنى} معدول بها عن قولهم: اثنين اثنين، بتكرير كلمة اثنين تكريراً يفيد معنى ترصيف الأشياء المتعددة بجعل كل ما يُعدّ بعدد اثنين منه مرصفاً على نحو عدده.

وكلمة {فرادى} معدول بها عن قولهم: فرداً فرداً تكريراً يفيد معنى الترصيف كذلك. وكذلك سائر أسماء العدد إلى تسع أو عشر ومنه قوله تعالى:

{ { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع } }، وتقدم في سورة النساء (3).

وانتصب {مثنى وفرادى} على الحال من ضمير {تقوموا}، أي أن تكونوا في القيام على هذين الحالين فيجوز أن يكون المعنى: أن تقوموا لحق الله وإظهاره على أي حال من اجتماع وانفراد، فيكون {مثنى} كناية عن التعدد وهو من استعمال معنى التثنية في التكرر لأن التثنية أول التكرير فجعل التكرر لازماً للتثنية ادعاءً كما في قوله تعالى:

{ { ثم ارجع البصر كرّتين ينقلبْ إليك البصرُ خاسئاً وهو حسير } } [الملك: 4] فإن البصر لا يرجع خاسئاً من إعادة نظرة واحدة بل المراد منه تكرير النظر، ومنه قولهم: لبَّيك وسَعديك، وقولهم: دواليكَ.

ويجوز أن يكون المعنى أن تقوموا لحق الله مستعيناً أحدكم بصاحب له أو منفرداً بنفسه فإن من أهل النظر من ينشط إليه بالمدارسة ما لا ينشطه بالخَلوة. ومنهم من حاله بعكس هذا، فلهذا اقتصر على {مثنى وفرادى} لأن ما زاد على ذلك لا اضطرار إليه. وقدم {مثنى} لأن الاستعانة أعون على الفهم فيكون المراد دفع عوائق الوصول إلى الحق بالنظر الصحيح الذي لا يُغالِط فيه صاحبُ هوىً ولا شبهةٍ ولا يخشى فيه الناظر تشنيعاً ولا سمعة، فإن الجماهير إذا اجتمعت لم يخل مجتمعهم من ذي هوى وذي شبهة وذي مكر وذي انتفاع، وهؤلاء ـــ بما يلازم نواياهم من الخبث ــــ تصحبهم جُرأة لا تترك فيهم وازعاً عن الباطل ولا صدًّا عن الاختلاق والتحريف للأقوال بعمد أو خطأٍ، ولا حياء يهذبُ من حِدّتهم في الخصام والأذى، ثم يطيرون بالقالة وأعمال أهل السفالة.

فللسلامة من هذه العوائق والتخلص من تلك البوائق الصادة عن طريق الحق قيل هنا {مثنى وفرادى} فإن المرء إذا خلا بنفسه عند التأمل لم يرْضَ لها بغير النصح، وإذا خلا ثاني اثنين فهو إنما يختار ثانيه أعلق أصحابه به وأقربهم منه رَأياً فسلم كلاهما من غش صاحبه.

وحرف {ثمّ} للتراخي في الرتبة لأن التفكر في أحوال النبي صلى الله عليه وسلم أهم في إصلاح حال المخاطبين المعرضين عن دعوته، بخلاف القيام لله فإنهم لا يأبَوْنه.

والتفكر: تكلف الفكر وهو العلم، وتقدم عند قوله تعالى:

{ { أفلا تتفكرون } } في الأنعام (50).

وقوله: {ما بصاحبكم من جنة} نفي يُعلّق فعلَ {تتفكروا} عن العمل لأجل حرف النفي.

والمعنى: ثم تعلَموا نفي الجنون عن صاحبكم، أي تعلموا مضمون هذا. فجملة {ما بصاحبكم من جنة} معمولة لــــ {تتفكروا}. ومن وقف على {تتفكروا} لم يتقن التفكر.

والمراد بالصاحب: المخالط مطلقاً بالموافقة وبالمخاصمة، وهو كناية عن التبصر في خُلقه كقول الحجّاج في خطبته للخوارج «ألستُمْ أصحابي بالأهواز حين رمتم الغدْر واستبطنتم الكفر» يعني فلا تخفى عليّ مقاصدكم. وتقدم في قوله تعالى:

{ { أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنّة } } في سورة الأعراف (184).

والتعبير {بصاحبكم} إظهار في مقام الإِضمار لأن مقتضى الظاهر أن يقال: ما بي من جِنّة إذ الكلام جار على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم كما تقدم آنفاً. وفائدته التنبيه على أن حاله معلوم لديهم لا يلتبس عليهم لشدة مخالطته بهم مخالطة لا تَذَر للجهالة مجالاً فهم عرفوه ونشأ بينهم حتى جاءهم بالحق فهذا كقوله:

{ { فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون } } [يونس: 16].

والاقتصار في التفكر المطلوب على انتفاء الجِنة عن النبي صلى الله عليه وسلم هو أن أصل الكفر هو الطعن في نبوءته وهم لما طعنوا فيه قالوا: مجنون، وقالوا: ساحر، وقالوا: كاذب. فابتدىء في إرجاعهم إلى الحق بنفي الجِنّة عنه حتى إذا أذعنوا إلى أنه من العقلاء انصرف النظر إلى أن مثل ما جاء به لا يأتي به إلا عاقل وهم إنما ابتدأوا اختلاقهم بأنه مجنون كما جاء في القرآن، قال تعالى:

{ { ما أنت بنعمة ربك بمجنون } } [القلم: 2] في السورة الثانية نزولاً. وقال: { { وما صاحبكم بمجنون } } في السورة السابعة [التكوير: 22] وذلك هو الذي استمرّوا عليه قال تعالى: { { ثم تولّوا عنه وقالوا معلّم مجنون } } [الدخان: 14] إذ دعوى الجنون أروج بين أهل مكة لأن الجنون يطرأ على الإِنسان دفعة فلم يجدوا تعلة أقرب للقبول من دعوى أنه اعتراه جنون كما قالت عاد لهود { { إِن نقول إلاّ اعتراك بعض آلهتنا بسوء } } [هود: 54]، وقالت ثمود لصالح { { قد كنت فينا مَرجُوًّا قبل هذا } } [هود: 62].

فبقيت دعواهم أنه ساحر وأنه كاهن وأنه شاعر وأنه كاذب (حاشاه). فأما السحر والكهانة فسهل نفيهما بنفي خصائصهما؛ فأما انتفاء السحر فبيّن لأنه يحتاج إلى معالجة تعلّم ومزاولة طويلة والنبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم لا يَخفى عليهم أمره، وأما الشعر فمسحته منفية عن القرآن كما قال الوليد بن المغيرة، فلم يبق في كنانة مطاعنهم إلا زعمهم أنه كاذب على الله، وهذا يزيفه قوله: {بصاحبكم} فإنهم عرفوه برجاحة العقل والصدق والأمانة في شبيبته وكهولته فكيف يصبح بعد ذلك كاذباً كما قال النضر بن الحارث: فلما رأيتم الشَيْب في صدغيه قلتُم شاعر وقلتم كاهن وقلتم مجنون، ووالله ما هو بأولئكم. وإذا كان لا يكذب على الناس فكيف يكذب على الله، كما قال هرقل لأبي سفيان وقد سأله: هل جربتم عليه كذباً قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: لا. قال: فقد علمت أنه لم يكن ليترك الكذب على الناس ويكذب على الله.

ومن أجل هذا التدرج الذي طُوي تحت جملة {ما بصاحبكم من جنة} أعقب ذلك بحصر أمره في النذراة بقرب عذاب واقع، أي في النذارة والرسالة الصادقة.

قال في «الكشاف»: أي مثل هذه الدعوى لا يتصدى لها إلا رجلان: إما مجنون لا يبالي بافتضاحه إذا طولب بالبرهان، وإما عاقل راجح العقل لا يدعي مثله إلا بعد صحته بالحجة، وإلا فما يجدي العاقل دعوى شيء لا بينة عليه وقد علمتم أن محمداً صلى الله عليه وسلم ما به من جِنّة بل علمتموه أرجح قريش عقلاً وأرزنَهم حِلماً وأثقبهم ذهناً وآصلهم رأياً وأصدقهم قولاً وأجمعهم لما يُحمد عليه الرجال فكان مظنة لأن تظنّوا به الخير وترجحوا فيه جانب الصدق على الكذب» ا هــــ.

فالقصر المستفاد من {إن هو إلا نذير لكم} قصر موصوف على صفة قصراً إضافياً، أي هو مقصور على صفة النذارة لا تحوم حوله الأوصاف التي لمزتموه بها.

ومعنى {بين يدي عذاب} القرب، أي قرب الحصول فيقتضي القبلية، أي قبل عذاب، وقد تقدم آنفاً في هذه السورة، والمراد عذاب الآخرة.

قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ۝٤٧

هذا استقصاء لبقايا شبه التكذيب لدحضها سواء منها ما تعلقوا به من نحو قولهم: كاهن وشاعر ومجنون وما لم يدعوه ولكنه قد يخطر ببال واحد منهم أن يزعموا أنه يريد بهذه الدعوة نفعاً لنفسه يكون أجراً له على التعليم والإِرشاد.

وهم لما ادّعوا أنه ساحر أو أنه شاعر أو أنه كاهن لزم من دعواهم أنه يتعرض لجائزة الشاعر، وحُلوان الكاهن؛ فلما نفيت عنه تلك الخلال لم يبق لهم في الكنانة سهم طعن، إلا أن يزعموا أنه يطلب أجراً على الإِرشاد فقيل لهم: {ما سألتكم من أجر فهو لكم} إن كان بكم ظنّ انتفاعي منكم بما دعوتكم إليه، فما كان لي من أجر عليه فخذوه. وهذه طريقة بديعة في الكناية التهكمية عن عدم انتفاعه بما يدعوهم إليه بأن يفرض كالواقع ثم يرتب عليه الانكفاف عنه ورد ما فات منه ليفضي بذلك إلى البراءة منه ومن التعرض له، فهي كناية رمزية وأنهم يعلمون أنه لم يسألهم أجراً

{ { قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين إن هو إلا ذكر للعالمين } } [ص: 86، 87] أو إن كنت سألتكم أجراً فلا تعطونيه، وإن كنتم أعطيتم شيئاً فاستردّوه، فكُنِّي بهذا الشرط المحقّق انتفاؤه عند انتفاء أن يكون طالباً أجراً منهم على حدّ قوله تعالى: { { إن كنت قلته فقد علمته } } [المائدة: 116]. وهذا ما صرح به عقبه من قوله {إن أجري إلا على الله}، فجيء بالشرط بصيغة الماضي ليدلّ على انتفاء ذلك في الماضي فيكون انتفاؤه في المستقبل أجدر؛ على أن وقوعه في سياق الشرط يقضي بانتفائه في المستقبل أيضاً. وهذا جار مجرَى التحدِّي لأنه لو كان لجماعتهم أو آحادهم علم بأنه طلب أجراً منهم لجَارُوا حين هذا التحدّي بمكافحته وطالبوه بردّه عليهم.

وينتقل من هذا إلى تعين أن ما دعاهم إليه لا ينتفع به غيرهم بالنجاة من العذاب، وقد تكرر في القرآن التبرؤ من أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يريد منهم أجراً أو يتطلب نفعاً لأن انتفاء ذلك ما يلاقيه من العناء في الدعوة دليل أنه مأمور بذلك من الله لا يريد جزاء منهم.

و{مَا} يجوز أن تكون شرطية، و{من أجر} بياناً لإِبهام {ما} وجملة {فهو لكم} جواب الشرط. ويجوز أن تكون {ما} نافية. وتكون {من} لتوكيد عموم النكرة في النفي، وتكون الفاء في قوله: {فهو لكم} تفريعاً على نفي الأجر، وضمير «هو» عائداً على القرآن المفهوم من المقام ومن تقدم قوله:

{ { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } } [سبأ: 43] أي فهذا القرآن لفائدتكم لا لفائدتي لأن قوله: {ما سألتكم من أجر} يفيد أن لا فائدة له في هذه الدعوة. ويكون معنى الآية نظيرَ معنى قوله تعالى: { { قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين إن هو إلا ذكر للعالمين } } [ص: 86، 87].

والأجْر تقدم عنه قوله تعالى:

{ { ليجزيك أجر ما سقيت لنا } } في سورة القصص (25).

وجملة {إن أجري إلا على الله} مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً لسؤال مقدر أن يسأل السامع: كيف لا يكون له على ما قام به أجر، فأجيب بأن أجره مضمون وَعَده الله به لأنه إنما يقوم بعمل لمرضاته وامتثال أمره فعليه أجره.

وحرف {على} يقتضي أنه حق الله وذلك بالنظر إلى وَعده الصادق، ثم ذيّل ذلك باستشهاد الله تعالى على باطنه ونيته التي هي من جملة الكائنات التي الله شهيد عليها، وعليم بخفاياها فهو من باب:

{ { قل كَفى بالله شهيداً بيني وبينكم } } [الرعد: 43] أي وهو شاهد على ذلك كله.

والأجر: عوض نافع على عمل سواء كان مالاً أو غيره.

وقرأ نافع وأبو عَمرو وابن عامر وحفص ياء {أجريَ} مفتوحة. وقرأها ابن كثير وأبو بكر وحمزة والكسائي ساكنة، وهما وجهان من وجوه ياء المتكلم في الإِضافة.

قُلْ إِنَّ رَبِّى يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ ۝٤٨

لا جرم إذ انتهى الاستدلال والمجادلة أن يُنتقل إلى النداء بين ظهرانيهم بظهور الحق فيستغنى عن مجادلتهم.

وأعيد فعل {قل} للاهتمام بالمقول كما أشرنا إليه آنفاً.

والتأكيد لتحقيق هذا الخبر.

والتعبير عن اسم الله بلفظ الرب وإضافته إلى ضمير المتكلم للإِشارة أن الحق في جانبه وأنه تأييد من ربه فإن الرب ينصر مربوبه ويؤيده. فالمراد بالربوبية هنا ربوبية الولاء والاختصاص لا مطلق الربوبية لأنها تعمّ الناس كلهم.

وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي للدلالة على الاختصاص دون التقوِّي لأن تقوِّي الجملة حصل بحرف التأكيد. وهذا الاختصاص باعتبار ما في {يقذف بالحق} من معنى: الناصر لي دونَكم فماذا ينفعكم اعتزازكم بأموالكم وأولادكم وقوتكم.

والقذف: إلقاء شيء من اليد، وأطلق على إظهار الحق قذف على سبيل الاستعارة، شبه إعلان الحق بإلقاء الحجر ونحوه. والمعنى: أن ربي يقذفكم بالحق.

أو هو إشارة إلى قوله:

{ { بل نقذف بالحق على الباطل } } [الأنبياء: 18] وعلى كل فهو تعريض بالتهديد والتخويف من نصر الله المؤمنين على المشركين.

وتخصيص وصف {علام الغيوب} من بين الأوصاف الإِلهية للإِشارة إلى أنه عالم بالنوايا، وأن القائِل يعلم ذلك فالذي يعلم هذا لا يجترىء على الله بادعائه باطلاً أنه أرسله إليكم، فالإِعلام بهذه الصفة هنا يشبه استعمال الخبر في لازم فائدتِه وهو العِلم بالحكم الخبري.

ويجوز أن يكون معنى: {يقذف بالحق} يرسل الوحي، أي على من يشاء من عباده كقوله تعالى:

{ { يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده } } [غافر: 15] ويكون قوله {علام الغيوب} إشارة إلى أنه أعلم حيث يجعل رسالاته لأن المشركين كانوا يقولون: لولا أنزلت علينا الملائكة دون محمد.

وارتفع {علام} على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هو علاّم الغيوب، أو على أنه نعت لاسم {إنّ} إما مقطوع، وإما لمراعاة محل اسم {إنّ} حيث إنها استوفت خبرها لأن حكم الصفة حكم عطف النسق عند أكثر النحاة وهو الحق. وقال الفراء: رفع الاسم في مثل هذا هو غالب كلام العرب. ومثَّله بالبدل في قوله تعالى:

{ { إن ذلك لحق تخاصم أهل النار } } [ص: 64].

وقرأ الجهور {الغيوب} بضم الغين. وقرأه أبو بكر وحمزة والكسائي بكسر الغين كما جاء الوجهان في بَاء «بيوت».

قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ ٱلْبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ ۝٤٩

أعيد فعل {قل} للاهتمام بالمقول كما تقدم آنفاً.

وجملة {قل جاء الحق} تأكيد لجملة

{ { قل إن ربي يقذف بالحق } } [سبأ: 48] فإن الحق قد جاء بنزول القرآن ودعوة الإِسلام. وعُطف {وما يبدىء الباطل وما يعيد} على {جاء الحق} لأنه إذا جاء الحق انقشع الباطل من الموضع الذي حلّ فيه الحق.

و{يبدىء} مضارع أبدأَ بهمزة في أوله وهمزة في آخره والهمزة التي في أوله للزيادة مثل همزة: أجاء، وأسرى. وإسناد الإِبداء والإِعادة إلى الباطل مجاز عقلي أو استعارة.

ومعنى {ما يبدىء الباطل وما يعيد} الكناية عن اضمحلاله وزواله وهو ما عبر عنه بالزهوق في قوله تعالى:

{ { إن الباطل كان زهوقاً } } في سورة الإِسراء (81). وذلك أن الموجود الذي تكون له آثارٌ إمّا أن تكون آثاره مستأنفة أو معادة فإذا لم يكن له إِبداء ولا إعادة فهو معدوم وأصله مأخوذ من تصرف الحي فيكون ما يبدىء وما يعيد} كناية عن الهلاك كما قال عَبيد بن الأبرص:

أفقر من أهله عَبيدفاليوم لا يُبدي ولا يعيد

(يعني نفسه).

ويقولون أيضاً: فلان ما يبدىء وما يعيد، أي ما يتكلم ببادئة ولا عائدة، أي لا يرتجل كلاماً ولا يجيب عن كلام غيره. وأكثر ما يستعمل فعل (أبدأ) المهموز أوله مع فعل (أعاد) مزدوجين في إثبات أو نفي، وقد تقدم قوله تعالى:

{ { أولم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده } } في سورة العنكبوت (19).

قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِىٓ إِلَىَّ رَبِّىٓ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ۝٥٠

لما جرى ذكر الحق والباطل وكانوا يزعمون من مجموع أقوالهم أن النبي عليه الصلاة والسلام غير صادق في دعوى الرسالة من الله كانت أقوالهم تقتضي زعمهم إياه على ضلال وكان الردّ عليهم قاطعاً بأنه على هدى بقوله:

{ { قل جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد } } [سبأ: 49] انتُقل هنا إلى متاركة جِدالهم وتركهم وشأنَهم لقلة جدوى مراجعتهم.

وهذا مَحْضَر خاص وطَيّ بساط مجلس واحد، فلا يقتضي أنه يستمر على ترك مجادلتهم لأن الواقع ينافي ذلك فقد نزل القرآن بعد ذلك طويلاً مشتملاً على دعوتهم وتحذيرهم وإنذارهم.

وصيغة القصر التي في قوله: {فإنما أضل على نفسي} لقصر الضلال المفروض، أي على نفسي لاَ عليكم لأنهم كانوا يحاولون أن يقلعَ عمَّا دعاهم إليه ولم يقتصروا على صدودهم.

وتعدية {أَضل} بحرف {على} تتضمن استعارة مكنية إذ شُبه الضلال بجريرة عليه فعدّاه بالحرف الشائع استعماله في الأشياء المكرَه عليها غير الملائمة، عكس اللام، وذكر حرف الاستعلاء تخييل للمكنية ولا يُقال: ضُمِّن {أَضِلّ} معنى أَجنِي، لأن {ضللت} الذي هو فعل الشرط المفروض غير مضمن معنى فعل آخر.

وأما قوله: {وإن اهتديت فبما يوحي إليّ ربي} فكالاحتراس من أن يكون حاله مقتصراً على فرض كونه مظنة الضلال مع ما فيه من الاعتراف لله بنعمته بأن ما يناله من خير فهو بإرشاد الله لا من نفسه لأنه ما كان يصِل لذلك وهو مغمور بأمة جاهلية لولا إرشاد الله إياه كما قال تعالى:

{ { وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } } [الشورى: 52].

واختير في جانب الهدى فعل {اهتديت} الذي هو مطاوع (هَدَى) لما فيه من الإِيماء إلى أن له هادياً، وبيَّنه بقوله: {فبما يوحي إلي ربي} ليحصل شكره لله إجمالاً ثم تفصيلاً، وفي قوله: {فبما يوحي إلي ربي} إيماء إلى أنه على هدى لأنه أثبت أن وحياً من الله وارِد إليه.

وقد استفيد أن الضلال المفروض إن حصل فسببه من قبل نفسه، من إسناد فعل {أَضِلّ} إلى ضمير المتكلم ثم مما عقبه من قصر الضلال على الحصول من المتكلم، وهو أغرق في التعلق به، وليس الغرض من ذلك الكلامِ بيانَ التسبب ولكن عدم مجاوزة الضلال المفروض إليهم إذ هم يتبعوه فيما تلبس به، ولم يُرتكب مثل هذا في جانب فرض اهتدائه لأن اهتداءه كان هو الحاصل في الواقع وكان شاملاً له ولغيره من الذين اتبعوه لأن اهتداءه ملابس لدعوته الناسَ إلى اتّباعه، ولأن الغرض من الشرطين مختلف وإن كان يُعلم من المقابلة أن سبب الضلال والاهتداء مختلف من جهة المعنى ولا سيما حين رجَّح جانب اهتدائه بقوله: {فبما يوحي إلي ربي}.

على أن المقابلة بين الشرطين ينقدح بها في ذهن السامع أن الضلال من تسويل النفس ولو حصل لكان جناية من النفس عليه وأن الاهتداء من الله وأنه نفع ساقه إليه بوحيه.

وجملة {إنه سميع قريب} تذييل لما أفادته الجملتان المقولتان قبله من الترديد في نسبة الاهتداء والضلال، أي أن الله يعلم أني على هدى أو ضده ويحصل من ذلك علم مقابله من أحوال خصومه لأنه سميع لما يقوله الفريقان قريب مما يضمرونه فلا يخفى عليه.

والقرب هنا كناية عن العلم والإِحاطة فيه فهو قرب مجازي. وهذا تعريض بالتهديد.

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ فَزِعُوا۟ فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا۟ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ۝٥١ وَقَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ ۝٥٢ وَقَدْ كَفَرُوا۟ بِهِۦ مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ ۝٥٣

لما جاءهم التعريض بالتهديد من لازم المتاركة المدلول عليها بقوله:

{ { فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إليّ ربي } } [سبأ: 50] للعلم بأن الضال يستحق العقاب أتبع حالهم حين يحلّ بهم الفزع من مشاهدة ما هدّدوا به.

والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم تسلية له أو لكل مخاطب. وحذف جواب {لو} للتهويل. والتقدير: لرأيت أمراً فظيعاً.

ومفعول {ترى} يجوز أن يكون محذوفاً، أي لو تراهم، أو ترى عذابهم ويكونَ {إذ فزعوا} ظرفاً لـــ{ترى} ويجوز أن يكون {إذ} هو المفعول به وهو مجرد عن الظرفية، أي لو ترى ذلك الزمان، أي ترى ما يشتمل عليه.

والفزع: الخوف المفاجىء، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار:

إنكم لَتَكْثُرون عند الفَزَع وتَقِلُّون عند الطمع. وهذا الفزع عند البعث يشعر بأنهم كانوا غير مهيِّئين لهذا الوقت أسبابَ النجاة من هوله.

والأخذ: حقيقته التناول وهو هنا مجاز في الغلب والتمكن بهم كقوله تعالى:

{ { فأخذهم أخذة رابية } } [الحاقة: 10]. والمعنى: أُمسِكُوا وقَبض عليهم لملاقاة ما أعد لهم من العقاب.

وجملة {فلا فوت} معترضة بين المتعاطفات. والفوت: التفلت والخلاص من العقاب، قال رويشد الطائي:

إن تذنبوا ثم تأتيني بقيتكممما علي بذنب منكم فوت

أي إذا أذنبتم فجاءت جماعة منكم معتذرين فذلك لا يدفع عنكم جزاءكم على ذنبكم.

وفي «الكشاف»: «ولو، وإذْ، والأفعال التي هي فَزِعوا، وأُخذوا، وحيل بينهم، كلها للمضيّ، والمراد بها الاستقبال لأن ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما كان ووُجد لتحققه» ا هــــ. ويزداد عليها فعل {وقالوا}.

والمكان القريب: المحشر، أي أخذوا منه إلى النار، فاستغني بذكر {مِن} الابتدائية عن ذكر الغاية لأن كل مبدأ له غاية، ومعنى قرب المكان أنه قريب إلى جهنم بحيث لا يجدون مهلة لتأخير العذاب.

وليس بين كلمتي {قريب} هنا والذي في قوله:

{ { إنه سميع قريب } } [سبأ: 50] ما يشبه الإِيطاء في الفواصل لاختلاف الكلمتين بالحقيقة والمجاز فصار في الجمع بينهما محسِّن الجناس التام.

وعطف {وقالوا} على {وأخذوا} أي يقولون حينئذٍ: آمنّا به.

وضمير {به} للوعيد أو ليوم البعث أو للنبي صلى الله عليه وسلم أو القرآن، إذا كان الضمير مَحكياً من كلامهم لأن جميع ما يصحّ مَعاداً للضمير مشاهد لهم وللملائكة، فأُجملوا فيما يراد الإِيمان به لأنهم ضاق عليهم الوقت فاستعجلوه بما يحسبونه مُنجياً لهم من العذاب، وإن كان الضمير من الحكاية فهو عائد إلى الحق من قوله:

{ { قل إن ربي يقذف بالحق } } [سبأ: 48] لأن الحقّ يتضمن ذلك كله.

ثم استطرد الكلام بمناسبة قولهم {آمنّا به} إلى إضاعتهم وقت الإِيمان بجملة {وأنى لهم التناوش} إلى آخرها.

و{أنَّى} استفهام عن المكان وهو مستعمل في الإِنكار.

و{التناوش} قرأه الجمهور بواو مضمومة بعد الألف وهو التناول السهل أو الخفيف وأكثر وروده في شرب الإِبل شرباً خفيفاً من الحوض ونحوه، قال غَيلان بن حُريْث:

باتتْ تنُوش الحوضَ نَوْشاً من عَلانَوْشاً به تقطع أجْواز الفَلا

يتحدث عن راحلته، أي تتناول الماء من أعلاه ولا تغوص مشافرها فيه.

وجملة {وأنى لهم التناوش من مكان بعيد} مركب تمثيلي يفيد تشبيه حالهم إذ فرطوا في أسباب النجاة وقت المِكْنَة منها حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم ويحرضهم ويحذرهم وقد عمرهم الله ما يتذكر فيه من تذكر ثم جاؤوا يطلبون النجاة بعد فوات وقتها بحالهم كحال من يريد تناوشها وهو في مكان بعيد عن مراده الذي يجب تناوله.

وهذا التمثيل قابل لتفريق أجزائه بأن يشبه السعي بما يحصل بسرعة بالتناوش ويشبه فوات المطلوب بالمكان البعيد كالحوض.

وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلفٌ بالهمزة في موقع الواو فقال الزجاج: وهو من إبدال الواو المضمومة همزة لقصد التخفيف في نطق الضمة كقوله تعالى:

{ { أقتت } } [المرسلات: 11] وقولهم: أَجُوهٌ: جمع وجه. وبحث فيه أبو حيان، وقال الفراء والزجاج أيضاً: هو من نَأش بالهمز إذا أبطأ وتأخر في عمل. ومنه قول نهشل بن حَرِي النهشلي:

تمنّى نَئِيشاً أن يكون أطاعنيوقد حدثت بعد الأمور أمور

أي تمنّى أخيراً. وفسر المعري في «رسالة الغفران» نئيشاً بمعنى: بعد ما فات. وعلى كلا التفسيرين فالمراد بالتناوش وصف قولهم: {آمنا به} بأنه إيمان تأخر وقته أو فات وقته.

وفي الجمع بين {مكان قريب} و{مكان بعيد} محسن الطباق.

وجملة {وقد كفروا به من قبل} في موضع الحال، أي كيف يقولون آمنّا به في وقت الفوات والحال أنهم كفروا به من قبلُ في وقت التمكن فهو كقوله تعالى:

{ { وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون } } [القلم: 43].

{ويقذفون} عطف على {كفروا} فهي حال ثانية. والتقدير: وكانوا يقذفون بالغيب. واختيار صيغة المضارع لحكاية الحالة كقوله تعالى:

{ { ويصنع الفلك } } [هود: 38].

والقذف: الرمي باليد من بعد. وهو هنا مستعار للقول بدون تروِّ ولا دليل، أي يتكلمون فيما غاب عن القياس من أمور الآخرة بما لا علم لهم به إذ أحالوا البعث والجزاء وقالوا لشركائهم: هم شفعاؤنا عند الله.

ولك أن تجعل {ويقذفون بالغيب من مكان بعيد} تمثيلاً مثل ما في قوله {وأنى لهم التناوش من مكان بعيد}، شبهوا بحال من يقذف شيئاً وهو غائب عنه لا يراه فهو لا يصيبه البتة.

وحُذف مفعول {يقذفون} لدلالة فعل {وقد كفروا به من قبل} عليه، أي يقذفون أشياء من الكفر يرمون بها جزافاً.

والغيب: المغيَّب. والباء للملابسة، والمجرور بها في موضع الحال من ضمير {يقذفون}، أي يقذفون وهم غائبون عن المقذوف من مكان بعيد.

و{مكان بعيد} هنا مستعمل في حقيقته يعني من الدنيا، وهي مكان بعيد عن الآخرة للاستغناء عن استعارته لِما لا يشاهد منه بقوله: {بالغيب} كما علمت فتعين للحقيقة لأنها الأصل، وبذلك فليس بين لفظ {بعيد} المذكور هنا والذي في قوله: {وأنى لهم التناوش من مكان بعيد} ما يشبه الإِيطاء لاختلاف الكلمتين بالمجاز والحقيقة.

وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ فِى شَكٍّ مُّرِيبٍۭ ۝٥٤

عطف على الجمل الفعلية نظائر هذه وهي جُمل "فَزِعوا وأُخذوا وقالوا" [سبأ: 51، 52] أي وحَال زَجُّهم في النار بينهم وبين ما يأملُونه من النجاة بقولهم:

{ { آمنا به } } [سبأ: 52]. وما يشتهونه هو النجاة من العذاب أَوْ عودتهم إلى الدنيا؛ فقد حُكي عنهم في آيات أُخرى أنهم تمنَّوه { { فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين } } [الأنعام: 27]، «ربنا أرجعنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل».

والتشبيه في قوله: {كما فعل بأشياعهم من قبل} تشبيه للحيلولة بحيلولة أخرى وهي الحيلولة بين بعض الأمم وبين الإِمهال حين حلّ بهم عذاب الدنيا، مثل فرعون وقومه إذ قال:

{ { آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين } } [يونس: 90]، وكذلك قوم نوح حين رأوا الطوفان، وما من أمة حلّ بها عذاب إلا وتمنّت الإِيمان حينئذٍ فلم ينفعهم إلاّ قوم يونس.

والأشياع: المشابهون في النحلة وإن كانوا سالفين. وأصل المشايعة المتابعة في العمل والحلف ونحوه، ثم أطلقت هنا على مطلق المماثلة على سبيل المجاز المرسل بقرينة قوله: {من قبل}، أي كما فعل بأمثالهم في الدنيا من قبل، وأما يوم الحشر فإنما يحال بينهم وبين ما يشتهون وكذلك أشياعهم في وقت واحد.

وفائدة هذا التشبيه تذكير الأحياء منهم وهم مشركو أهل مكة بما حل بالأمم من قبلهم ليُوقنوا أن سنة الله واحدة وأنهم لا تنفعهم أصنامهم التي زعموها شفعاء عند الله.

وجملة {إنهم كانوا في شك مريب} مسوقة لتعليل الجمل التي قبلها. وفُعِل بهم جميع ما سمعت لأنهم كانوا في حياتهم في شك من ذلك اليوم وما وُصف لهم من أهواله.

وإنما جعلت حالتهم شكاً لأنهم كانوا في بعض الأمور شاكّين وفي بعضها موقنين، ألا ترى قوله تعالى:

{ { قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين } } [الجاثية: 32]. وإذا كان الشك مفضياً إلى تلك العقوبة فاليقين أولى بذلك، ومآل الشك واليقين بالانتفاء واحد إذ ترتب عليهما عدم الإِيمان به وعدم النظر في دليله.

ويجوز أن تكون جملة {إنهم كانوا في شك مريب} مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئة عن سؤال يثيره قولُه: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} كأن سائلاً سأل هل كانوا طامعين في حصول ما تمنّوه؟ فأجيب بأنهم كانوا يتمنون ذلك ويشكون في استجابته فلما حيل بينهم وبينه غشِيَهم اليأس، واليأس بعد الشك أوقع في الحزن من اليأس المتأصل.

والمريب: المُوقع في الريب. والريب: الشك، فوصفُ الشك به وصفٌ له بما هو مشتق من مادته لإِفادة المبالغة كقولهم: شِعْر شاعر، وليْل أَليل، أو ليلٌ داج. ومحاولة غير هذا تعسف.

الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ