انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة سبإ

تفسير القرطبيالآيات 1–14

تفسير سورة سبإ آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ۝١

قوله تعالى: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} «الَّذِي» في موضع خفض على النعت أو البدل. ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ، وأن يكون في موضع نصب بمعنى أعني. وحكى سيبويه «الحمد لله أهل الحمد» بالرفع والنصب والخفض. والحمد الكامل والثناء الشامل كله لله؛ إذ النعم كلها منه. وقد مضى الكلام فيه في أوّل الفاتحة. {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ} قيل: هو قوله تعالى:

{ وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ }[الزمر: 74]. وقيل: هو قوله: { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }[يونس: 10] فهو المحمود في الآخرة كما أنه المحمود في الدنيا، وهو المالك للآخرة كما أنه المالك للأولى. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ} في فعله. {ٱلْخَبِيرُ } بأمر خلقه.

يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ ۝٢

قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِي ٱلأَرْضِ} أي ما يدخل فيها من قَطْر وغيره، كما قال:

« { فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ }» [الزمر:21] من الكنوز والدفائن والأموات وما هي له كِفات. {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} من نبات وغيره. {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} من الأمطار والثلوج والبَرَد والصواعق والأرزاق والمقادير والبركات. وقرأ عليّ بن أبي طالب «وما ننزل» بالنون والتشديد. {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} من الملائكة وأعمال العباد؛ قاله الحسن وغيره. {وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ}.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَآ أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرُ إِلَّا فِى كِتَٰبٍ مُّبِينٍ ۝٣ لِّيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ۝٤

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ} قيل: المراد أهل مكة. قال مقاتل: قال أبو سفيان لكفار مكة: والّلات والعزّى لا تأتينا الساعة أبداً ولا نُبعث. فقال الله: {قُلْ} يا محمد {بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} وروى هارون عن طَلْق المعلم قال: سمعت أشياخنا يقرؤون «قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَيَأْتِيَنَّكُمْ» بياء، حملوه على المعنى، كأنه قال: ليأتينكم البعث أو أمره. كما قال:

{ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ }[النحل:33]. فهؤلاء الكفار مقرّون بالابتداء منكرون الإعادة، وهو نقض لما اعترفوا بالقدرة على البعث، وقالوا: وإن قدر لا يفعل. فهذا تحكّم بعد أن أخبر على ألسنة الرسل أنه يبعث الخلق، وإذا ورد الخبر بشيء وهو ممكن في الفعل مقدور، فتكذيب مَن وجب صدقه محال. {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ} بالرفع قراءة نافع وابن كثِير على الابتداء، وخبره «لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ» وقرأ عاصم وأبو عمرو «عالِم» بالخفض، أي الحمد لِلَّه عالم، فعلى هذه القراءة لا يحسن الوقف على قوله: {لَتَأْتِيَنَّكُمْ}. وقرأ حمزة والكسائي: «علاّم الغيب» على المبالغة والنعت. {لاَ يَعْزُبَ عَنْهُ} أي لا يغيب عنه، «ويَعْزِب» أيضاً. قال الفراء: والكسر أحبّ إليّ. النحاس: وهي قراءة يحيـى بن وثاب، وهي لغة معروفة. يقال: عزَب يعزُب ويعزِب إذا بَعُد وغاب. {مِثْقَالُ ذَرَّةٍ} أي قدر نملة صغيرة. {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ} وفي قراءة الأعمش «وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ» بالفتح فيهما عطفاً على «ذَرَّةٍ». وقراءة العامّة بالرفع عطفاً على «مِثْقَالُ». {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} فهو العالم بما خلق ولا يخفى عليه شيء. {لِّيَجْزِيَ} منصوب بلام كي، والتقدير: لتأتينكم لِيجزي. {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} بالثواب، والكافرين بالعقاب. {أُوْلَـٰئِكَ} يعني المؤمنين. {لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} لذنوبهم. {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} وهو الجنة.

وَٱلَّذِينَ سَعَوْ فِىٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ۝٥

قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا} أي في إبطال أدلّتنا والتكذيب بآياتنا، {مُعَاجِزِينَ} مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا، وأن الله لا يقدر على بعثهم في الآخرة، وظنوا أنا نُهْملهم؛ فهؤلاء {لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} يقال: عاجزه وأعجزه إذا غالبه وسبقه. و«أَلِيمٍ» قراءة نافع بالكسر نعتاً للرِّجْز، فإن الرِّجْز هو العذاب، قال الله تعالى:

{ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }[البقرة: 59]. وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم «عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ» برفع «الميم» هنا وفي «الجاثية» نعتاً للعذاب. وقرأ ابن كثِير وابن محيصن وحُميد بن قيس ومجاهد وأبو عمرو «مُعَجِّزِينَ» مثبِّطين؛ أي ثبطوا الناس عن الإيمان بالمعجزات وآيات القرآن.

وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ۝٦

لما ذكر الذين سَعْوا في إبطال النبوّة بيّن أن الذين أوتوا العلم يرون أن القرآن حق. قال مقاتل: «الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» هم مؤمنو أهل الكتاب. وقال ابن عباس: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل جميع المسلمين، وهو أصح لعمومه. والرؤية بمعنى العلم، وهو في موضع نصب عطفاً على «لِيَجْزِي» أي ليجزي وليرى، قاله الزجاج والفرّاء. وفيه نظر، لأن قوله: {لِّيَجْزِيَ} متعلق بقوله: «لَتَأْتِيَنَّكُمْ السَّاعَةَ»، ولا يقال: لتأتينكم الساعة ليرى الذين أوتوا العلم أن القرآن حق، فإنهم يرون القرآن حقًّا وإن لم تأتهم الساعة. والصحيح أنه رفع على الاستئناف، ذكره القشيريّ.

قلت: وإذا كان «ليَجْزِيَ» متعلقاً بمعنى أثبت ذلك في كتاب مبين، فيحسن عطف «وَيَرَى» (عليه)، أي وأثبت أيضاً ليرى الذين أوتوا العلم أن القرآن حق. ويجوز أن يكون مستأنفاً. {ٱلَّذِيۤ} في موضع نصب على أنه مفعول أوّل لـ«ـيرى» {هُوَ ٱلْحَقَّ} مفعول ثان، و«هو» فاصلة. والكوفيون يقولون «هو» عماد. ويجوز الرفع على أنه مبتدأ. و«الْحَقّ» خبره، والجملة في موضع نصب على المفعول الثاني، والنصب أكثر فيما كانت فيه الألف واللام عند جميع النحويين، وكذا ما كان نكرة لا يدخله الألف واللام فيشبه المعرفة. فإن كان الخبر اسماً معروفاً نحو قولك: كان أخوك هو زيد، فزعم الفراء أن الاختيار فيه الرفع. وكذا كان محمد هو عمرو. وعلّته في اختياره الرفع أنه لما لم تكن فيه الألف واللام أشبه النكر في قولك: كان زيد هو جالس، لأن هذا لا يجوز فيه إلا الرفع. {وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} أي يهدي القرآن إلى طريق الإسلام الذي هو دين الله. ودلّ بقوله: {ٱلْعَزِيزِ} على أنه لا يغالب. وبقوله: {ٱلْحَمِيدِ } على أنه لا يليق به صفة العجز.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ ۝٧

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ} وإن شئت أدغمت اللام في النون لقربها منها. {يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} هذا إخبار عمن قال: «لاَ تَأْتِيْنَا السَّاعَةُ» أي هل نرشدكم إلى رجل ينبئكم، أي يقول لكم: إنكم تبعثون بعد البِلى في القبور. وهذا صادر عن فرط إنكارهم. الزمخشرِيّ: «فإن قلت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهوراً علماً في قريش، وكان إنباؤه بالبعث شائعاً عندهم، فما معنى قولهم: «هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ» فنكّروه لهم وعرضوا عليهم الدلالة عليه، كما يُدَلّ على مجهول في أمر مجهول. قلت: كانوا يقصدون بذلك الطَّنْز والهزؤ والسخرية، فأخرجوه مخرج التحكي ببعض الأحاجي التي يتحاجى بها للضحك والتلّهي، متجاهلين به وبأمره. و«إذا» في موضع نصب والعامل فيها «مُزِّقْتُمْ» قاله النحاس. ولا يجوز أن يكون العامل فيها «يُنَبِّئُكُمْ»، لأنه ليس يخبرهم ذلك الوقت. ولا يجوز أن يكون العامل فيها ما بعد «إِنَّ»، لأنه لا يعمل فيما قبله، وألا يتقدّم عليها ما بعدها ولا معمولها. وأجاز الزجاج أن يكون العامل فيها محذوفاً؛ التقدير: إِذا مزقتم كل ممزق بعثتم، أو ينبئكم بأنكم تبعثون إذا مزقتم. المهدويّ: ولا يعمل فيه «مُزِّقْتُمْ»؛ لأنه مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. وأجازه بعضهم على أن يجعل «إذَا» للمجازاة، فيعمل فيها حينئذٍ ما بعدها لأنها غير مضافة إليه. وأكثر ما تقع «إِذَا» للمجازاة في الشعر. ومعنى {مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} فرقتم كل تفريق. والمَزْق خرق الأشياء؛ يقال: ثوب مَزِيق وممزوق ومتمزِّق وممزَّق.

أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِۦ جِنَّةٌۢ بَلِ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ فِى ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلَٰلِ ٱلْبَعِيدِ ۝٨

قوله تعالى: {أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} لما دخلت ألف الاستفهام استغنيت عن ألف الوصل فحذفتها، وكان فتح ألف الاستفهام فرقاً بينها وبين ألف الوصل. وقد مضى هذا في سورة «مريم» عند قوله تعالى:

{ أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ }[مريم: 78] مستوفًى. {أَم بِهِ جِنَّةٌ} هذا مردود على ما تقدّم من قول المشركين، والمعنى: قال المشركون «أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً». والافتراء الاختلاق. «أَمْ بِهِ جِنَّةٌ» أي جنون، فهو يتكلم بما لا يدري. ثم ردّ عليهم فقال: {بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ فِي ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ} أي ليس الأمر كما قالوا، بل هو أصدق الصادقين، ومن ينكر البعث فهو غداً في العذاب، واليوم في الضلال عن الصواب؛ إذ صاروا إلى تعجيز الإلٰه ونسبة الافتراء إلى من أيده الله بالمعجزات.

أَفَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ۝٩

أعلم الله تعالى أن الذي قدر على خلق السموات والأرض وما فيهن قادر على البعث وعلى تعجيل العقوبة لهم، فاستدلّ بقدرته عليهم، وأن السموات والأرض ملكه، وأنهما محيطتان بهم من كل جانب، فكيف يأمنون الخسف والكسف كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة. وقرأ حمزة والكسائيّ «إِنْ يَشَأْ يَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يُسْقِطْ» بالياء في الثلاث؛ أي إن يشأ الله أمر الأرض فتنخسف بهم، أو السماء فتسقط عليهم كِسَفاً. الباقون بالنون على التعظيم. وقرأ السُّلَمِيّ وحفص «كِسَفاً» بفتح السين. الباقون بالإسكان. وقد تقدّم بيانه في «سبحان» وغيرها. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً} أي في هذا الذي ذكرناه من قدرتنا «لآية» أي دلالة ظاهرة. {لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} أي تائب رجّاع إلى الله بقلبه. وخص المنيب بالذكر لأنه المنتفع بالفكرة في حجج الله وآياته.

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضْلًا يَٰجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُۥ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ ۝١٠

{وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً} بيّن لمنكري نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم أن إرسال الرسل ليس أمراً بِدْعاً، بل أرسلنا الرسل وأيّدناهم بالمعجزات، وأحللنا بمن خالفهم العقاب. {آتَيْنَا} أعطينا. {فَضْلاً} أي أمراً فضلناه به على غيره. واختلف في هذا الفضل على تسعة أقوال: الأوّل: النبوّة. الثاني: الزبور. الثالث: العلم، قال الله تعالى:

{ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً }[النمل: 15]. الرابع: القوّة، قال الله تعالى: { وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا ٱلأَيْدِ }[صۤ: 17]. الخامس: تسخير الجبال والناس، قال الله تعالى: {يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ}. السادس: التوبة، قال الله تعالى: { فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ }[صۤ:25]. السابع: الحكم بالعدل، قال الله تعالى: { يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ }[صۤ: 26] الآية. الثامن: إِلاَنَة الحديد، قال تعالى: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ }. التاسع: حسن الصوت، وكان داود عليه السلام ذا صوت حسن ووجه حسن. وحسن الصوت هبة من الله تعالى وتفضل منه، وهو المراد بقوله تبارك وتعالى: { يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ }[فاطر: 1] على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وقال صلى الله عليه وسلم لأبي موسى:«لقد أوتيتَ مزماراً من مزامير آل داود». قال العلماء: المزمار والمزمور الصوت الحسن، وبه سمّيت آلة الزمر مزماراً. وقد استحسن كثير من فقهاء الأمصار القراءة بالتزيين والترجيع، وقد مضى هذا في مقدّمة الكتاب والحمد لله.

قوله تعالى: {يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} أي وقلنا يا جبال أوّبي معه، أي سبّحي معه، لأنه قال تبارك وتعالى:

{ إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ }[صۤ: 18]. قال أبو ميسرة: هو التسبيح بلسان الحبشة، ومعنى تسبيح الجبال: هو أن الله تعالى خلق فيها تسبيحاً كما خلق الكلام في الشجرة، فَيُسمع منها ما يُسمع من المسبّح معجزةً لداود عليه الصلاة والسلام. وقيل: المعنى سِيري معه حيث شاء؛ من التأويب الذي هو سير النهار أجمع وينزل الليل. قال ابن مقبل:

لحقنا بحيّ أوّبوا السير بعدمادفعنا شُعاع الشمس والطرف يجنح

وقرأ الحسن وقتادة وغيرهما: «أَوِّبِي مَعَهُ» أي رجِّعي معه؛ من آب يؤوب إذا رجع، أَوْباً وأوْبة وإياباً. وقيل: المعنى تصرفي معه على ما يتصرف عليه داود بالنهار، فكان إذا قرأ الزبور صوتت الجبال معه، وأصغت إليه الطير، فكأنها فعلت ما فعل. وقال وهب بن منبّه: المعنى نوحِي معه والطير تساعده على ذلك، فكان إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها، وعكفت الطير عليه من فوقه. فصَدَى الجبالِ الذي يسمعه الناس إنما كان من ذلك اليوم إلى هذه الساعة؛ فأيّد بمساعدة الجبال والطير لئلا يجد فَتْرة، فإذا دخلت الفترة اهتاج، أي ثار وتحرّك، وقوي بمساعدة الجبال والطير. وكان قد أعطي من الصوت ما يتزاحم الوحوش من الجبال على حسن صوته، وكان الماء الجاري ينقطع عن الجري وقوفاً لصوته. «والطَّيرُ» بالرفع قراءة ابن أبي إسحاق ونصر عن عاصم وابن هرمز ومسلمة بن عبد الملك، عطفاً على لفظ الجبال، أو على المضمر في «أَوِّبِي» وحسّنه الفصل بمع. الباقون بالنصب عطفاً على موضع «يَا جِبَالُ» أي نادينا الجبال والطير، قاله سيبويه. وعند أبي عمرو بن العلاء بإضمار فعل على معنى وسخرنا له الطير. وقال الكسائي: هو معطوف، أي وآتيناه الطير، حملاً على «وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً». النحاس: يجوز أن يكون مفعولاً معه، كما تقول: استوى الماء والخشبة. وسمعت الزجاج يجيز: قمت وزيداً، فالمعنى أوّبي معه ومع الطير. {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } قال ابن عباس: صار عنده كالشمع. وقال الحسن: كالعجين، فكان يعمله من غير نار. وقال السدّي: كان الحديد في يده كالطين المبلول والعجين والشمع، يصرفه كيف شاء، من غير إدخال نار ولا ضرب بمِطْرَقة. وقاله مقاتل: وكان يفرغ من الدّرع في بعض اليوم أو بعض الليل، ثمنها ألف درهم. وقيل: أعطي قوةً يَثْنِي بها الحديد، وسبب ذلك أن داود عليه السلام، لما ملك بني إسرائيل لقِي مَلَكاً وداود يظنه إنساناً، وداود متنكر خرج يسأل عن نفسه وسيرته في بني إسرائيل في خفاء، فقال داود لذلك الشخص الذي تمثّل له: ما قولك في هذا الملِك داود؟ فقال له الملَك «نِعم العبد لولا خَلّة فيه» قال داود: «وما هي؟» قال: «يرتزق من بيت المال ولو أكل من عمل يده لتمت فضائله». فرجع فدعا الله في أن يعلّمه صنعة ويسهلها عليه، فعلّمه صنعة لَبُوسٍ كما قال جل وعز في سورة الأنبياء، فألان له الحديد فصنع الدروع، فكان يصنع الدرع فيما بين يومه وليلته يساوي ألف درهم، حتى ادّخر منها كثيراً وتوسَّعت معيشة منزله، ويتصدّق على الفقراء والمساكين، وكان ينفق ثلث المال في مصالح المسلمين، وهو أوّل من اتخذ الدروع وصنعها وكانت قبل ذلك صفائح. ويقال: إنه كان يبيع كل درع منها بأربعة آلاف. والدرع مؤنثة إذا كانت للحرب. ودرع المرأة مذكر.

مسألة: في هذه الآية دليل على تعلّم أهل الفضل الصنائع، وأن التحرّف بها لا ينقص من مناصبهم، بل ذلك زيادة في فضلهم وفضائلهم؛ إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم والاستغناء عن غيرهم، وكسب الحلال الخلي عن الامتنان. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إن خير ما أكل المرء من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده. وقد مضى هذا في «الأنبياء» مُجَوّداً والحمد لله.

أَنِ ٱعْمَلْ سَٰبِغَٰتٍ وَقَدِّرْ فِى ٱلسَّرْدِ وَٱعْمَلُوا۟ صَٰلِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ۝١١

قوله تعالى: {أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ} أي دروعاً سابغات، أي كوامل تامات واسعات؛ يقال: سبغ الدرع والثوب وغيرهما إذا غطّى كل ما هو عليه وفضل منه. {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ} قال قتادة: كانت الدروع قبله صفائح فكانت ثقالاً؛ فلذلك أمر هو بالتقدير فيما يجمع من الخفة والحصانة. أي قدّر ما تأخذ من هذين المعنيين بقسطه. أي لا تقصد الحصانة فتثقل، ولا الخفة فتزيل المنعة. وقال ابن زيد: التقدير الذي مر به هو في قدر الحَلْقة، أي لا تعملها صغيرة فتضعف فلا تقوى الدروع على الدفاع، ولا تعملها كبيرة فينال لابسها. وقال ابن عباس: التقدير الذي أمر به هو في المسمار، أي لا تجعل مسمار الدرع رقيقاً فَيقْلَق، ولا غليظاً فَيَفصِم الحلَق. روي «يقصم» بالقاف، والفاء أيضاً رواية. {فِي ٱلسَّرْدِ} السَّرْد نسج حلَق الدروع، ومنه قيل لصانع حلق الدروع: السرّاد والزرّاد، تبدل من السين الزاي، كما قيل: سرّاط وزرّاط. والسّرْد: الخَرْز، يقال: سرد يسرد إذا خرز. والمِسْرَد: الإشفى، ويقال سراد؛ قال الشّماخ:

فظلت تباعاً خيلنا في بيوتكمكما تابعت سرْد العِنان الخوارِزُ

والسِّراد: السير الذي يخرز به؛ قال لَبِيد:

يشك صِفاحها بالرّوْق شَزْراًكما خرج السِّراد من النقال

ويقال: قد سرد الحديث والصوم؛ فالسرد فيهما أن يجيء بهما وِلاء في نسق واحد، ومنه سرد الكلام. وفي حديث عائشة: لم يكن النبيّ صلى الله عليه وسلم يسرد الحديث كسردكم، وكان يحدّث الحديث لو أراد العادّ أن يعدّه لأحصاه. قال سيبويه: ومنه رجل سَرَنْدَى أي جريء، قال: لأنه يمضي قُدُماً. وأصل ذلك في سرد الدرع، وهو أن يُحكمها ويجعل نظام حلَقها وِلاء غير مختلف. قال لبيد:

صنع الحديدَ مضاعفاً أسرادهلينال طول العيش غير مَرُومِ

وقال أبو ذؤيب:

وعليهما مسرُودَتانِ قضاهماداودُ أو صَنَعُ السوابغِ تُبَّعُ

{وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً} أي عملاً صالحاً. وهذا خطاب لداود وأهله، كما قال: «اعْمَلُوا آلَ دَاوُدُ شُكْراً». {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.

وَلِسُلَيْمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُۥ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ۝١٢

قوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ} قال الزجاج، التقدير وسخرنا لسليمان الريح. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه: «الرِّيحُ» بالرفع على الابتداء، والمعنى له تسخير الريح، أو بالاستقرار، أي ولسليمان الريح ثابتة، وفيه ذلك المعنى الأول. فإن قال قائل: إذا قلت أعطيت زيداً درهماً ولعمرو دينار؛ فرفعته فلم يكن فيه معنى الأول، وجاز أن يكون لم تعطه الدينار. وقيل: الأمر كذا ولكن الآية على خلاف هذا من جهة المعنى، لأنه قد علم أنه لم يسخرها أحد إلا الله عز وجل. {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} أي مسيرة شهر. قال الحسن: كان يغدو من دمشق فَيقِيل بإصْطَخْر، وبينهما مسيرة شهر للمسرع، ثم يروح من إصْطَخر ويبيت بكابُل، وبينهما شهر للمسرع. قال السُّدّيّ: كانت تسير به في اليوم مسيرة شهرين. وروى سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: كان سليمان إذا جلس نصبت حواليه أربعمائة ألف كرسيّ، ثم جلس رؤساء الإنس مما يليه، وجلس سِفْلة الإنس مما يليهم، وجلس رؤساء الجن مما يلي سِفْلة الإنس، وجلس سِفْلة الجن مما يليهم، ومُوكّل بكل كرسيّ طائر لعملٍ قد عرفه، ثم تقلّهم الريح، والطير تظلهم من الشمس، فيغدو من بيت المقدس إلى إصطخر، فيبيت ببيت المقدس، ثم قرأ ابن عباس: «غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ». وقال وهب بن منبّه: ذكر لي أن منزلاً بناحية دِجْلة مكتوباً فيه ـ كتبه بعض صحابة سليمان؛ إمّا من الجن وإما من الإنس ـ: نحن نزلنا وما بنيناه، ومَبْنيّاً وجدناه، غُدُوّنا من إصْطَخْر فَقِلْناه، ونحن رائحون منه إن شاء الله تعالى فبائتون في الشام. وقال الحسن: شغلت سليمانَ الخيلُ حتى فاتته صلاة العصر، فعقر الخيل فأبدله الله خيراً منها وأسرع، أبدله الريح تجري بأمره حيث شاء، غدوّها شهر ورواحها شهر. وقال ابن زيد: كان مستقر سليمان بمدينة تَدْمُر، وكان أمر الشياطين قبل شخوصه من الشام إلى العراق، فبنوها له بالصُّفَاح والعَمَد والرخام الأبيض والأصفر. وفيه يقول النابغة:

إلاّ سليمانَ إذ قال الإلٰه لهقُمْ في البرِيّة فاحدُدْها عن الفَنَد وَخَيِّس الجن إني قد أذنت لهميبنون تَدْمر بالصُّفّاح والعَمَد فمن أطاعك فانفعه بطاعتهكما أطاعك وادْلُلْه على الرشد ومن عصاك فعاقِبْه معاقبةًتَنْهَى الظَّلومَ ولا تَقْعُد على ضَمَد

ووجدت هذه الأبيات منقورة في صخرة بأرض يَشْكُر، أنشأهن بعض أصحاب سليمان عليه الصلاة والسلام:

ونحن ولا حولٌ سوى حولِ ربّنانروح إلى الأوطان من أرض تَدْمُرِ إذا نحن رُحْنا كان رَيْثُ رواحِنامسيرةَ شهرٍ والغُدُوُّ لآخَرِ أناسٌ شرَوْا لله طوْعاً نفوسَهمبنصر ابن داودَ النبيِّ المطهَّرِ لهم في معالي الدِّين فضلٌ ورفعةوإن نُسِبُوا يوماً فمن خير مَعْشَرِ متى يركبوا الريح المطيعةَ أسرعتْمبادِرةً عن شَهْرها لم تُقَصِّرِ تظلّهُم طيرٌ صفوفٌ عليهمُمتى رَفْرَفَتْ من فوقهم لم تُنَفَّرِ

قوله تعالى: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ} القِطر: النحاس؛ عن ابن عباس وغيره. أسِيلت له مسيرة ثلاثة أيام كما يسيل الماء، وكانت بأرض اليمن، ولم يذب النحاس فيما روي لأحد قبله، وكان لا يذوب، ومن وقته ذاب؛ وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله تعالى لسليمان. قال قتادة: أسال الله عيناً يستعملها فيما يريد. وقيل لعكرمة: إلى أين سالت؟ فقال: لا أدري! وقال ابن عباس ومجاهد والسُّدّي: أجريت له عين الصُّفْر ثلاثة أيام بلياليهن. قال القشيريّ: وتخصيص الإسالة بثلاثة أيام لا يدرى ما حدّه، ولعله وَهْم من الناقل؛ إذ في رواية عن مجاهد: أنها سالت من صنعاء ثلاث ليال مما يليها؛ وهذا يشير إلى بيان الموضع لا إلى بيان المدّة. والظاهر أنه جعل النحاس لسليمان في معدنه عيناً تسيل كعيون المياه، دلالة على نبوّته. وقال الخليل: القِطْر: النحاس المذاب.

قلت: دليله قراءة من قرأ: «مِن قِطرٍ آنٍ». {وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ} أي بأمره {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا} الذي أمرناه به من طاعة سليمان. {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} أي في الآخرة، قاله أكثر المفسرين. وقيل ذلك في الدنيا، وذلك أن الله تعالى وكلّ بهم ـ فيما روى السُّدّي ـ مَلكاً بيده سوط من نار، فمن زاغ عن أمر سليمان ضربه بذلك السوط ضربة من حيث لا يراه فأحرقته. و«مَن» في موضع نصب بمعنى وسخرنا له من الجن من يعمل. ويجوز أن يكون في موضع رفع، كما تقدّم في الريح.

يَعْمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَٰتٍ ٱعْمَلُوٓا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ ۝١٣

فيه ثماني مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ} المحراب في اللغة: كل موضع مرتفع. وقيل للذي يصلَّى فيه: محراب؛ لأنه يجب أن يرفع ويعظّم. وقال الضحاك: «مِنْ مَحَارِيبَ» أي من مساجد. وكذا قال قتادة. وقال مجاهد: المحاريب دون القصور. وقال أبو عبيدة: المحراب أشرف بيوت الدار. قال:

وماذا عليه أن ذكرتُ أوانساًكغِزلان رَمْل في محاريبِ أقيالِ

وقال عَدِيّ بن زيد:

كدُمَى العاج في المحاريب أو كالــبَيْض في الروْض زهره مستنيرُ

وقيل: هو ما يرقى إليه بالدرج كالغرفة الحسنة؛ كما قال: { إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ }[صۤ: 21] وقوله: { فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ } [مريم: 11] أي أشرف عليهم. وفي الخبر «أنه أمر أن يعمل حول كرسيّه ألف محراب فيها ألف رجل عليهم المسوح يَصْرخون إلى الله دائباً، وهو على الكرسي في موكِبه والمحاريب حوله، ويقول لجنوده إذا ركب: سبّحوا الله إلى ذلك العَلَم، فإذا بلغوه قال: هلّلوه إلى ذلك العَلَم، فإذا بلغوه قال: كبّروه إلى ذلك العَلَم الآخر، فتَلِجّ الجنود بالتسبيح والتهليل لَجَّةً واحدة.

الثانية: قوله تعالى: {وَتَمَاثِيلَ} جمع تمثال. وهو كل ما صُوّر على مثل صورة من حيوان أو غير حيوان. وقيل: كانت من زجاج ونحاس ورخام تماثيل أشياء ليست بحيوان. وذكر أنها صور الأنبياء والعلماء، وكانت تصور في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة واجتهاداً، قال صلى الله عليه وسلم:

إن أولئك كان إذا مات فيهم الرجل الصالح بنَوْا على قبره مسجداً وصوّروا فيه تلك الصُّورَ. أي ليتذكروا عبادتهم فيجتهدوا في العبادة. وهذا يدلّ على أن التصوير كان مباحاً في ذلك الزمان، ونسخ ذلك بشرع محمد صلى الله عليه وسلم. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة «نوح» عليه السلام. وقيل: التماثيل طِلَّسْمات كان يعملها، ويحرم على كل مصوّر أن يتجاوزها فلا يتجاوزها، فيعمل تمثالاً للذباب أو للبعوض أو للتماسيح في مكان، ويأمرهم ألا يتجاوزوه فلا يتجاوزه واحد أبداً ما دام ذلك التمثال قائماً. وواحد التماثيل تمثال بكسر التاء. قال:

ويا رُبَّ يومٍ قد لهَوْتُ وليلةٍبآنسة كأنها خطّ تمثالِ

وقيل: إن هذه التماثيل رجال اتخذهم من نحاس وسأل ربه أن ينفخ فيها الروح ليقاتلوا في سبيل الله ولا يَحِيك فيهم السلاح. ويقال: إن اسفنديار كان منهم؛ والله أعلم. وروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أطلق النَّسران أجنحتهما.

الثالثة: حكى مكيّ في الهداية له: أن فرقة تجوّز التصوير، وتحتج بهذه الآية. قال ابن عطية: وذلك خطأ، وما أحفظ عن أحد من أئمة العلم من يجوّزه.

قلت: ما حكاه مكيّ ذكره النحاس قبله، قال النحاس: قال قوم عمل الصور جائز لهذه الآية، ولِمَا أخبر الله عز وجل عن المسيح. وقال قوم: قد صح النهي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم عنها، والتوعّد لمن عملها أو اتخذها، فنسخ الله عز وجل بهذا ما كان مباحاً قبله، وكانت الحكمة في ذلك لأنه بُعث عليه السلام والصور تُعبد، فكان الأصلح إزالتها.

الرابعة: التمثال على قسمين: حيوان وموات. والموات على قسمين: جماد ونامٍ؛ وقد كانت الجن تصنع لسليمان جميعه؛ لعموم قوله: «وَتَمَاثيلَ». وفي الإسرائيليات: أن التماثيل من الطير كانت على كرسي سليمان. فإن قيل: لا عموم لقوله: {وَتَمَاثِيلَ} فإنه إثبات في نكرة، والإثبات في النكرة لا عموم له، إنما العموم في النفي في النكرة. قلنا: كذلك هو، بَيْدَ أنه قد اقترن بهذا الإثبات في النكرة ما يقتضي حمله على العموم، وهو قوله: «مَا يَشَاءُ» فاقتران المشيئة به يقتضي العموم له. فإن قيل: كيف استجاز الصور المنهي عنها؟ قلنا: كان ذلك جائزاً في شرعه ونسخ ذلك بشرعنا كما بينا، والله أعلم. وعن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرَّماً.

الخامسة: مقتضى الأحاديث يدلّ على أن الصور ممنوعة، ثم جاء:

إلا ما كان رَقْماً في ثوب فخص من جملة الصور، ثم ثبتت الكراهية فيه بقوله عليه السلام لعائشة في الثوب: أخّريه عني فإني كلما رأيته ذكرت الدنيا. ثم بِهتكه الثوب المصوّر على عائشة منع منه، ثم بقطعها له وسادتين تغيرت الصورة وخرجت عن هيئتها، فإن جواز ذلك إذا لم تكن الصورة فيه متصلة الهيئة، ولو كانت متصلة الهيئة لم يجز، لقولها في النُّمرُقة المصوّرة: اشتريتها لك لتقعد عليها وتَوَسَّدها، فمنع منه وتوعّد عليه. وتبين بحديث الصلاة إلى الصور أن ذلك جائز في الرقم في الثوب ثم نسخه المنع منه. فهكذا استقر الأمر فيه والله أعلم؛ قاله ابن العربي.

السادسة: روى مسلم

عن عائشة قالت: كان لنا ستر فيه تمثال طائر وكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حوّلي هذا فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا». قالت: وكانت لنا قطيفة كنا نقول علَمها حرير، فكنا نلبسها. وعنها قالت: فدخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مستترة بِقِرام فيه صورة، فتلوّن وجهه، ثم تناول الستر فهتكه، ثم قال: «إن من أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة الذين يُشَبِّهُونَ بخلق الله عز وجل». وعنها: أنه كان لها ثوب فيه تصاوير ممدود إلى سَهْوة، فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يصلّي إليه فقال: «أخِّريه عني» قالت: فأخرته فجعلته وسادتين. قال بعض العلماء: ويمكن أن يكون تهتيكه عليه السلام الثوب وأمره بتأخيره وَرَعاً؛ لأن محل النبوّة والرسالة الكمالُ. فتأمله.

السابعة: قال المزنيّ عن الشافعيّ: إن دعي رجل إلى عرس فرأى صورة ذات روح أو صوراً ذات أرواح، لم يدخل إن كانت منصوبة. وإن كانت توطأ فلا بأس، وإن كانت صور الشجر. ولم يختلفوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة غير محرمة. وكذلك عندهم ما كان خرطاً أو نقشاً في البناء. واستثنى بعضهم

ما كان رقماً في ثوب، لحديث سهل بن حُنيف.

قلت: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المصورين ولم يستثن. وقوله:

إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيُوا ما خلقتمولم يستثن. وفي الترمذيّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يخرج عُنُق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول: إني وُكِّلت بثلاث: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلٰهاً آخر وبالمصوّرين قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح. وفي البخاريّ ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصوّرون. يدل على المنع من تصوير شيء، أي شيء كان. وقد قال جل وعز: { مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا }[النمل: 60] على ما تقدّم بيانه فاعلمه.

الثامنة: وقد استثنى من هذا الباب لُعَب البنات، لما ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبيّ صلى الله عليه وسلم تزوّجها وهي بنت سبع سنين، وزُفَّت إليه وهي بنت تسع ولُعَبُها معها، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة. وعنها أيضاً قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبيّ صلى الله عليه وسلم وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ينقمِعن منه فيُسَرِّ بُهُنَّ إليّ فيلعبن معي. خرجهما مسلم. قال العلماء: وذلك للضرورة إلى ذلك وحاجة البنات حتى يتدرّبن على تربية أولادهنّ. ثم إنه لا بقاء لذلك، وكذلك ما يصنع من الحلاوة أو من العجين لا بقاء له، فرخّص في ذلك، والله أعلم.

قوله تعالى: {وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ} قال ابن عرفة: الجوابي جمع الجابية، وهي حُفيرة كالحوض. وقال: كحياض الإبل. وقال ابن القاسم عن مالك: كالجَوْبَة من الأرض، والمعنى متقارب. وكان يقعد على الجَفْنَة الواحدة ألف رجل. النحاس: «وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ» الأوْلى أن تكون بالياء، ومن حذف الياء قال سبيل الألف واللام أن تدخل على النكرة فلا يغيّرها عن حالها، فلما كان يقال جوابٍ ودخلت الألف واللام أقرّ على حاله فحذف الياء. وواحد الجوابي جابية، وهي القِدر العظيمة، والحوض العظيم الكبير الذي يُجْبَى فيه الشيء أي يجمع؛ ومنه جببت الخراج، وجَببت الجراد؛ أي جعلت الكساء فجمعته فيه. إلا أن لَيْثاً روى عن مجاهد قال: الجوابي جمع جَوبة، والجوبة الحفرة الكبيرة تكون في الجبل فيها ماء المطر. وقال الكسائي: جَبَوْت الماء في الحوض وجبيته أي جمعته، والجابية: الحوض الذي يجبى فيه الماء للإبل، قال:

تروح على آلِ المُحَلَّقِ جَفْنَةكجابية الشيخ العراقي تَفْهَقُ

ويروى أيضاً:

نفى الذمَّ عن آل المُحَلق جفنةٌكجابية السيح......

ذكره النحاس.

قوله تعالى: {وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ} قال سعيد بن جُبير: هي قدور النحاس تكون بفارس. وقال الضحاك: هي قدور تعمل من الجبال. غيره: قد نحتت من الجبال الصُّم مما عملت له الشياطين، أثافِيها منها منحوتة هكذا من الجبال. ومعنى «رَاسِيَاتٍ» ثوابت، لا تُحمل ولا تحرّك لعظمها. قال ابن العربي: وكذلك كانت قدور عبد الله بن جُدعان، يصعد إليها في الجاهلية بسُلَّم. وعنها عبّر طرفة بن العبد بقوله:

كالجوابي لا تَنِي مُتْرَعَةًلِقرَى الأضياف أو للمحتضِر

قال ابن العربي: ورأيت برِباط أبي سعيد قدور الصوفية على نحو ذلك، فإنهم يطبخون جميعاً ويأكلون جميعاً من غير استئثار واحد منهم على أحد.

قوله تعالى: {ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} قد مضى معنى الشكر في «البقرة» وغيرها. وروي: أن النبي صلى الله عليه وسلم صعِد المنبر فتلا هذه الآية ثم قال:

«ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود» قال فقلنا: ما هن؟ فقال: «العدل في الرضا والغضب. والقصد في الفقر والغنى. وخشية الله في السر والعلانية». خرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة. وروي أن داود عليه السلام قال: «يا رب كيف أطيق شكرك على نعمك. وإلهامي وقدرتي على شكرك نعمةٌ لك» فقال: «يا داود الآن عرفتني». وقد مضى هذا المعنى في سورة «إبراهيم». وأن الشكر حقيقته الاعتراف بالنعمة للمنعم واستعمالها في طاعته، والكفران استعمالها في المعصية. وقليل من يفعل ذلك؛ لأن الخير أقل من الشر، والطاعة أقل من المعصية، بحسب سابق التقدير. وقال مجاهد: لما قال الله تعالى: {ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُدَ شُكْراً} قال داود لسليمان: إن الله عز وجل قد ذكر الشكر فاكفني صلاة النهار أكفك صلاة الليل، قال: لا أقدر، قال: فاكفني ـ قال الفاريابي، أراه قال إلى صلاة الظهر ـ قال نعم، فكفاه، وقال الزهري: «اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً» أي قولوا الحمد لله. و«شُكْراً» نصب على جهة المفعول؛ أي اعملوا عملاً هو الشكر. وكأن الصلاة والصيام والعبادات كلها هي في نفسها الشكر إذ سدّت مسدّه، ويبيّن هذا قوله تعالى: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ } [صۤ: 24] وهو المراد بقوله: «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور». وقد قال سفيان بن عُيَيْنَة في تأويل قوله تعالى: {أَنِ ٱشْكُرْ لِي} أنّ المراد بالشكر الصلوات الخمس. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تَفَّطر قدماه؛ فقالت له عائشة رضي الله عنها: أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون عبداً شكوراً». انفرد بإخراجه مسلم. فظاهر القرآن والسنة أن الشكر بعمل الأبدان دون الاقتصار على عمل اللسان؛ فالشكر بالأفعال عمل الأركان، والشكر بالأقوال عمل اللسان. والله أعلم.

قوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} يحتمل أن يكون مخاطبة لآل داود، ويحتمل أن يكون مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن عطية: وعلى كل وجه ففيه تنبيه وتحريض. وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلاً يقول: اللهم اجعلني من القليل؛ فقال عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل: أردت قوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ}. فقال عمر رضي الله عنه: كل الناس أعلم منك يا عمر! وروي أن سليمان عليه السلام كان يأكل الشعير ويطعم أهله الخشكار ويطعم المساكين الدَّرْمَك. وقد قيل: إنه كان يأكل الرماد ويتوسَّده، والأول أصح، إذ الرماد ليس بقوت. وروي أنه ما شبع قَطُّ، فقيل له في ذلك فقال: أخاف إن شبعت أن أنسى الجياع. وهذا من الشكر ومن القليل، فتأمّله، والله أعلم.

فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُۥ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُوا۟ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ۝١٤

قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ} أي فلما حكمنا على سليمان بالموت حتى صار كالأمر المفروغ منه ووقع به الموت {مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} وذلك أنه كان متَّكِئاً على المِنْسأة (وهي العصا بلسان الحبشة، في قول السُّدّي. وقيل: هي بلغة اليمن، ذكره القشيريّ) فمات كذلك وبقي خافي الحال إلى أن سقط ميّتاً لانكسار العصا لأكل الأَرَضة إياها، فعُلم موته بذلك، فكانت الأَرَضة دالّة على موته، أي سبباً لظهور موته، وكان سأل الله تعالى ألا يعلموا بموته حتى تمضي عليه سنة. واختلفوا في سبب سؤاله لذلك على قولين: أحدهما ما قاله قتادة وغيره، قال: كانت الجن تدّعي علم الغيب، فلما مات سليمان عليه السلام وخفي موته عليهم {تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ}. ابن مسعود: أقام حولاً والجن تعمل بين يديه حتى أكلت الأَرَضَة مِنسأته فسقط. ويروى أنه لما سقط لم يُعلم منذ مات؛ فوُضِعت الأَرَضة على العصا فأكلت منها يوماً وليلة ثم حسِبوا على فلك فوجدوه قد مات منذ سنة. وقيل: كان رؤساء الجن سبعة، وكانوا منقادين لسليمان عليه السلام، وكان داود عليه السلام أسَّس بيت المقدس فلما مات أوصى إلى سليمان في إتمام مسجد بيت المقدس، فأمر سليمان الجن به؛ فلما دنا وفاته قال لأهله: لا تخبروهم بموتي حتى يتموا بناء المسجد، وكان بقي لإتمامه سنة. وفي الخبر أن ملَك الموت كان صديقه فسأله عن آية موته فقال: أن تخرج من موضع سجودك شجرة يقال لها الخرنوبة، فلم يكن يوم يصبح فيه إلا تنبت في بيت المقدس شجرة فيسألها: ما اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا؛ فيقول: ولأي شيء أنت؟ فتقول: لكذا ولكذا؛ فيأمر بها فتقطع، ويغرِسها في بستان له، ويأمر بكتب منافعها ومضارّها واسمها وما تصلح له في الطب؛ فبينما هو يصلّي ذات يوم إذ رأى شجرة نبتت بين يديه فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخرنوبة؛ قال؛ ولأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا المسجد، فقال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ، أنتِ التي على وجهك هلاكي وهلاك بيت المقدس! فنزعها وغرسها في حائطه ثم قال: اللهم عَمّ عن الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب. وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء، وأنهم يعلمون ما في غدٍ؛ ثم لبس كفنه وتحنط ودخل المحراب وقام يصلي واتكأ على عصاه على كرسيّه، فمات ولم تعلم الجن إلى أن مضت سنة وتم بناء المسجد. قال أبو جعفر النحاس: وهذا أحسن ما قيل في الآية، ويدل على صحته الحديث المرفوع، روى إبراهيم بن طُهمان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

كان نبيّ الله سليمان بن داود عليهما السلام إذا صلّى رأى شجرة نابتة بين يديه فيسألها ما اسمك؟ فإن كانت لغرس غرست وإن كانت لدواء كتبت؛ فبينما هو يصلي ذات يوم إذا شجرة نابتة بين يديه قال ما اسمك؟ قالت: الخرنوبة؛ فقال: لأي شيء أنت؟ فقالت: لخراب هذا البيت؛ فقال: اللَّهُمَّ عَمّ عن الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب؛ فنحتها عصا فتوكأ عليها حولاً لا يعلمون فسقطت، فعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب فنظروا مقدار ذلك فوجدوه سنة. وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس: «تَبَيَّنَت الإنْسُ أن لَوْ كَانَ الْجِنُّ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ». وقرأ يعقوب في رواية رُوَيْس «تُبُيِّنَتِ الْجِنُّ» غير مسمى الفاعل. ونافع وأبو عمرو «تأكل مِنْساتَه» بألف بين السين والتاء من غير همز. والباقون بهمزة مفتوحة موضع الألف، لغتان، إلا أن ابن ذَكْوَان أسكن الهمزة تخفيفاً، قال الشاعر في ترك الهمزة:

إذا دَبَبْتَ على المِنْساة من كِبَرٍفقد تباعد عنك اللَّهْوُ والغَزَلُ

وقال آخر فهمز وفتح:

ضربنا بمِنْسَأة وجههفصار بذاك مهيناً ذليلا

وقال آخر:

أمن أجل حَبْل لا أباك ضربتَهبمنسأة قد جَرّ حبلُك أحْبُلاَ

وقال آخر فسكّن همزها:

وقائم قد قام من تُكَأْتِهْكقومة الشيخ إلى مِنْسَأْتهْ

وأصلها من: نسأت الغنم أي زجرتها وسقتها، فسمّيت العصا بذلك لأنه يزجر بها الشيء ويساق. وقال طَرفَة:

أمُونٍ كألواح الإران نَسَأْتهاعلى لاحِب كأنه ظَهْرُ بُرْجُدِ

فسكّن همزها. قال النحاس: واشتقاقها يدل على أنها مهموزة؛ لأنها مشتقة من نسأته أي أخرته ودفعته فقيل لها مِنْسأة لأنها يدفع بها الشيء ويؤخر. وقال مجاهد وعكرمة: هي العصا، ثم قرأ «منساته» أبدل من الهمزة ألفاً، فإن قيل: البدل من الهمزة قبيح جداً وإنما يجوز في الشعر على بُعْد وشذوذ، وأبو عمرو بن العلاء لا يغيب عنه مثل هذا لاسيما وأهل المدينة على هذه القراءة. فالجواب على هذا أن العرب استعملت في هذه الكلمة البدل ونطقوا بها هكذا كما يقع البدل في غير هذا ولا يقاس عليه حتى قال أبو عمرو: ولست أدري ممن هو إلا أنها غير مهموزة لأن ما كان مهموزاً فقد يترك همزه وما لم يكن مهموزاً لم يجز همزه بوجه. المهدوِيّ: ومن قرأ بهمزة ساكنة فهو شاذٌّ بعيد؛ لأن هاء التأنيث لا يكون ما قبلها إلا متحركاً أو ألفاً، لكنه يجوز أن يكون ما سكن من المفتوح استخفافاً، ويجوز أن يكون لما أبدل الهمزة ألفاً على غير قياس قلب الألف همزة كما قلبوها في قولهم العألم والخأتم، وروي عن سعيد بن جبير «مِن» مفصولة «سأته» مهموزة مكسورة التاء؛ فقيل: إنه من سئة القوس في لغة من همزها، وقد روي همز سِية القوس عن رؤبة. قال الجوهري: سية القوس ما عطف من طرفيها، والجمع سِيَات، والهاء عوض من الواو، والنسبة إليها سِيَوِيّ. قال أبو عبيدة: كان رؤبة يهمز «سية القوس» وسائر العرب لا يهمزونها. وفي دابة الأرض قولان: أحدهما: أنها الأَرَضة؛ قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقد قرىء «دابة الأَرَض» بفتح الراء، وهو واحد الأَرَضة؛ ذكره الماوردي. الثاني: أنها دابة تأكل العيدان. قال الجوهري: والأَرَضة (بالتحريك): دُوَيّبة تأكل الخشب؛ يقال: أرِضت الخشبة تُؤرض أرْضاً (بالتسكين) فهي مأروضة إذا أكلتها.

قوله تعالى: {فَلَمَّا خَرَّ} أي سقط {تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ} قال الزجاج: أي تبينت الجن موته. وقال غيره: المعنى تبين أمر الجن؛ مثل: {وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ}. وفي التفسير بالأسانيد الصحاح عن ابن عباس قال: أقام سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام حولاً لا يُعلم بموته وهو متكىء على عصاه، والجن منصرفة فيما كان أمَرَها به، ثم سقط بعد حول؛ فلما خَرّ تبيّنت الإنس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين. وهذه القراءة من ابن عباس على جهة التفسير. وفي الخبر: أن الجن شكرت ذلك للأَرَضَة فأينما كانت يأتونها بالماء. قال السدي: والطين، ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب فإنه مما يأتيها به الشياطين شكراً؛ وقالت: لو كنت تأكلين الطعام والشراب لأتيناك بهما. و«أنْ» في موضع رفع على البدل من الجن، والتقدير: تبين أمر الجن، فحذف المضاف، أي تبين وظهر للإنس وانكشف لهم أمر الجن أنهم لا يعلمون الغيب. وهذا بدل الاشتمال. ويجوز أن تكون في موضع نصب على تقدير حذف اللام. و«لَبِثُوا» أقاموا. و«الْعَذَابِ الْمُهِينِ» السُّخرة والحمل والبنيان وغير ذلك. وعمّر سليمان ثلاثاً وخمسين سنة، ومدّة ملكه أربعون سنة؛ فملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وابتدأ في بنيان بيت المقدس وهو ابن سبع عشرة سنة. وقال السُّدِّي وغيره: كان عمر سليمان سبعاً وستين سنة، وملك وهو ابن سبع عشرة سنة. وابتدأ في بنيان بيت المقدس وهو ابن عشرين سنة، وكان ملكه خمسين سنة. وحكي أن سليمان عليه السلام ابتدأ بنيان بيت المقدس في السنة الرابعة من ملكه، وقرّب بعد فراغه منه اثني عشر ألف ثور ومائة وعشرين ألف شاة، واتخذ اليوم الذي فرغ فيه من بنائه عيداً، وقام على الصخرة رافعاً يديه إلى الله تعالى بالدعاء فقال: اللهم أنت وهبت لي هذا السلطان وقوّيتني على بناء هذا المسجد، اللهمّ فأوزعني شكرك على ما أنعمت عليّ وتوفّني على مِلّتك ولا تُزغ قلبي بعد إذ هديتني، اللهمّ إني أسألك لمن دخل هذا المسجد خمس خصال: لا يدخله مذنب دخل للتوبة إلا غفرتَ له وتبت عليه. ولا خائفٌ إلا أمّنته. ولا سقيم إلا شفيته. ولا فقير إلا أغنيته. والخامس: ألا تصرف نظرك عمن دخله حتى يخرج منه؛ إلا من أراد إلحاداً أو ظلماً، يا رب العالمين؛ ذكره الماورديّ.

قلت: وهذا أصح مما تقدّم أنه لم يفرغ بناؤه إلا بعد موته بسنة، والدليل على صحة هذا ما خرّجه النسائيّ وغيره بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:

أن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالاً ثلاث: حكماً يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله تعالى ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله تعالى حين فرغ من بنائه المسجد ألا يأتيه أحد لا يَنْهَزه إلا الصلاة فيه أن يخرج من خطيئته كيوم ولدته أمّه وقد ذكرنا هذا الحديث في «آل عمران» وذكرنا بناءه في «سبحان».
الخميس، 22 أكتوبر 2026 11 جمادى الأولى 1448 هـ