انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة سبإ

تفسير الطبريالآيات 16–23

تفسير سورة سبإ آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة سبإ

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 41:55

  1. 1 الآيات 10–23في هذه الصفحة 12:45

التفسير الصوتي لسورة سبإ كاملًا (4 مقاطع)

فَأَعْرَضُوا۟ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ وَبَدَّلْنَٰهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ۝١٦ ذَٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِمَا كَفَرُوا۟ وَهَلْ نُجَٰزِىٓ إِلَّا ٱلْكَفُورَ ۝١٧

يقول تعالـى ذكره: فأعرضت سبأ عن طاعة ربها وصدّت عن اتبـاع ما دعتها إلـيه رسلها من أنه خالقها، كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي مـحمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه الـيـمانـي، قال: لقد بعث الله إلـى سبإ، ثلاثة عشر نبـياً، فكذّبوهم {فأرْسَلْنا عَلَـيْهِمْ سَيْـلَ العَرِمِ} يقول تعالـى ذكره: فثقبنا علـيهم حين أعرضوا عن تصديق رسلنا سدَّهم الذي كان يحبس عنهم السيول.

والعرم: الـمسناة التـي تـحبس الـماء، واحدها: عرمة، وإياه عنى الأعشى بقوله:

فَفِـي ذَاكَ للْـمُؤْتَسِي أُسْوَةٌ وَمأْرِبُ عَفَّـى عَلَـيْهِ العَرِمْ رِجامٌ بَنَتْهُ لَهم حِمْيَرٌ إذَا جاءَ ماؤُهُمُ لَـمْ يَرِمْ

وكان العرم فـيـما ذُكر مـما بنته بلقـيس. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن إبراهيـم الدورقـي، قال: ثنـي وهب بن جرير، قال: ثنا أبـي، قال: سمعت الـمغيرة بن حكيـم، قال: لـما ملكت بلقـيس، جعل قومها يقتتلون علـى ماء واديهم قال: فجعلت تنهاهم فلا يطيعونها فتركت مُلكها، وانطلقت إلـى قصر لها، وتركتهم فلـما كثر الشرّ بـينهم، وندموا أتوها، فأرادوها علـى أن ترجع إلـى مُلكها، فأبت فقالوا: لترجعنّ أو لنقتلنك، فقالت: إنكم لا تطيعوننـي، ولـيست لكم عقول، ولا تطيعونـي، قالوا: فإنا نطيعك، وإنا لـم نـجد فـينا خيراً بعدك، فجاءت فأمرت بواديهم، فسدّ بـالعرم. قال أحمد، قال وهب، قال أبـي: فسألت الـمغيرة بن حكيـم عن العرم، فقال: هو بكلام حِمْير الـمُسنَّاة فسدّت ما بـين الـجبلـين، فحبست الـماء من وراء السدّ، وجعلت له أبوابـاً بعضها فوق بعض، وبنت من دونه بركة ضخمة، فجعلت فـيها اثنـي عشر مخرجاً علـى عدّة أنهارهم فلـما جاء الـمطر احتبس السيـل من وراء السدّ، فأمرت بـالبـاب الأعلـى ففُتـح، فجرى ماؤه فـي البركة، وأمرت بـالبعر فألقـي فـيها، فجعل بعض البعر يخرج أسرع من بعض، فلـم تزل تضيق تلك الأنهار، وترسل البعر فـي الـماء، حتـى خرج جميعاً معاً، فكانت تقسمه بـينهم علـى ذلك، حتـى كان من شأنها وشأن سلـيـمان ما كان.

حدثنا أحمد بن عمر البصري، قال: ثنا أبو صالـح بن زريق، قال: أخبرنا شريك، عن أبـي إسحاق، عن أبـي ميسرة، فـي قوله {فأَرْسَلْنا عَلَـيْهِمْ سَيْـلَ العَرِمِ} قال: الـمسناة بلـحن الـيـمن.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {سَيْـلَ العَرِم}ِ قال: شديد.

وقـيـل: إن العرم: اسم واد كان لهؤلاء القوم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {فأَرْسَلْنا عَلَـيْهِمْ سَيْـلَ العَرِمِ} قال: واد كان بـالـيـمن، كان يسيـل إلـى مكة، وكانوا يسقون وينتهي سيـلهم إلـيه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {فأَرْسَلْنا عَلَـيْهِمْ سَيْـلَ العَرِمِ} ذُكر لنا أن سيـل العرم واد كانت تـجتـمع إلـيه مسايـل من أودية شتـى، فعمدوا فسدّوا ما بـين الـجبلـين بـالقـير والـحجارة، وجعلوا علـيه أبوابـاً، وكانوا يأخذون من مائه ما احتاجوا إلـيه، ويسدّون عنهم ما لـم يعنوا به من مائه شيئاً.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {فأَرْسَلْنا عَلَـيْهِمْ سَيْـلَ العَرِمِ} وَاد يُدعى العَرِم، وكان إذا مُطِر سالت أودية الـيـمن إلـى العرم، واجتـمع إلـيه الـماء، فَعمَدَت سَبأُ إلـى العرم، فسدّوا ما بـين الـجبلـين، فحجزوه بـالصخر والقار، فـانسدّ زماناً من الدهر، لا يَرْجون الـماء، يقول: لا يخافون.

وقال آخرون: العَرِم: صفة للـمُسَنَّاة التـي كانت لهم ولـيس بـاسم لها. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {سَيْـلَ العَرِمِ} يقول: الشديد، وكان السبب الذي سبب الله لإرسال ذلك السيـل علـيهم فـيـما ذُكر لـي جُرذاً ابتعثه الله علـى سدّهم، فثقب فـيه ثقبـاًً

. ثم اختلف أهل العلـم فـي صفة ما حدث عن ذلك الثقب مـما كان فـيه خَراب جَنتـيهم.

فقال بعضهم: كان صفة ذلك أن السيـل لـما وجد عملاً فـي السدّ عمِل فـيه، ثم فـاض الـماء علـى جناتهم، فغرّقها وخرّب أرضهم وديارهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي مـحمد بن إسحاق، عن وهب بن مُنَبه الـيـمانـي، قال: كان لهم، يعنـي لسبأ سدّ، قد كانوا بنوْه بنـياناً أبداً، وهو الذي كان يَرُدّ عنهم السيـل إذا جاء أن يغشى أموالهم. وكان فـيـما يزعمون فـي علـمهم من كَهانتهم، أنه إنـما يخرّب علـيهم سدّهم ذلك فأرة، فلـم يتركوا فُرْجة بـين حجرين، إلا ربطوا عندها هرّة فلـما جاء زمانه، وما أراد الله بهم من التغريق، أقبلت فـيـما يذكرون فأرة حمراء إلـى هرّة من تلك الهِرر، فساورتها، حتـى استأخرت عنها أي الهرة، فدخـلت فـي الفُرجة التـي كانت عندها، فغلغلت فـي السدّ، فحفرت فـيه حتـى وَهَّنته للسيـل وهم لا يدرون فلـما جاء السيـل وجد خَـلَلاً، فدخـل فـيه حتـى قلع السدّ، وفـاض علـى الأموال، فـاحتـملها فلـم يُبْق منها إلا ما ذكره الله فلـما تفرّقوا نزلوا علـى كَهانة عمران بن عامر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: لـما ترك القوم أمر الله، بعث الله علـيهم جُرَذاً يسمى الـخُـلْد، فثَقبه من أسفله حتـى غرّق به جناتُهم، وخَرب به أرضهم عقوبة بأعمالهم.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول: لـما طغَوْا وبَغَوْا، يعنـي سَبَأ، بعث الله علـيهم جُرَذاً، فخَرَق علـيهم السّدّ، فأغرقهم الله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: بعث الله علـيه جُرَذاً، وسلَّطه علـى الذي كان يحبس الـماء الذي يَسقـيها، فأخرب فـي أفواه تلك الـحجارة، وكلّ شيء منها من رَصاص وغيره، حتـى تركها حِجارة، ثم بعث الله سيـل العرم، فـاقتلع ذلك السّدّ، وما كان يحبس، واقتلع تلك الـجنتـين، فذهب بهما وقرأ: {فأَرْسَلْنا عَلَـيْهِمْ سَيْـلَ العَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَـيْهِمْ جَنَّتَـيْنَ} قال: ذهب بتلك القُرى والـجنتـين.

وقال آخرون: كانت صفة ذلك أن الـماء الذي كانوا يعمُرُون به جَناتهم سال إلـى موضع غير الـموضع الذي كانوا ينتفعون به، فبذلك خربت جناتهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: بعث الله علـيهم، يعنـي علـى العرم، دابة من الأرض، فثَقَبت فـيه ثَقبـاً، فسال ذلك الـماء إلـى موضع غير الـموضع الذي كانوا ينتفعون به، وأبدلهم الله مكان جنتـيهم جنتـين ذواتـي أُكُلٍ خَمْط، وذلك حين عَصَوا، وبَطِروا الـمعيشة.

والقول الأوّل أشبه بـما دلّ علـيه ظاهر التنزيـل، وذلك أن الله تعالـى ذكره أخبر أنه أرسل علـيهم سيـل العرم، ولا يكون إرسال ذلك علـيهم إلا بإسالته علـيهم، أو علـى جناتهم وأرضهم، لا بصرفه عنهم.

وقوله: {وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَـيْهِمْ جَنَّتَـيْنِ ذَوَاتـيْ أُكُلٍ خَمْطٍ} يقول تعالـى ذكره: وجعلنا لهم مكان بساتـينهم من الفواكه والثمار، بساتـين من جَنى ثمر الأراك، والأراك: هو الـخَمْط. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قال: أبدلهم الله مكان جنَّتـيهم جنتـين ذواتـي أُكُلٍ خَمْط، والـخمْط: الأَراك.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن أبـي رجاء، قال: سمعت الـحسن، يقول فـي قوله: {ذَوَاتـيْ أُكُلٍ خَمْطٍ} قال: أراه قال: الـخَمْط: الأراك.

حدثنـي مـحمد بن عمارة، قال: ثنـي عبد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن أبـي يحيى، عن مـجاهد {أُكُلٍ خَمْطٍ} قال: الـخمْط: الأراك.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {ذَوَاتـيْ أُكُلٍ خَمْطٍ} قال: الأراك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ذَوَاتـيْ أُكُلٍ خَمْطٍ} والـخمط: الأراك، وأُكُلُه: بريره.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَـيْهِمْ جَنَّتَـيْنِ ذَوَاتـيْ أُكُلٍ خَمْطٍ} قال: بدّلهم الله بجنان الفواكه والأعناب، إذ أصبحت جناتهم خَمْطاً، وهو الأراك.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَـيْهِمْ جَنَّتَـيْنِ} قال: أذهب تلك القرى والـجنتـين، وأبدلهم الذي أخبرك ذواتـي أكل خَمْط قال: فـالـخَمْط: الأراك، قال: جعل مكان العنب أراكاً، والفـاكهة أَثْلاً، وشيء من سدر قلـيـل.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار بتنوين أُكُلٍ غيرَ أبـي عمرو، فإنه يضيفها إلـى الـخمط، بـمعنى: ذواتـي ثمرِ خَمْطٍ. وأما الذين لـم يضيفوا ذلك إلـى الـخَمْط، وينوّنون الأُكُل، فإنهم جعلوا الـخمط هو الأُكُل، فردّوه علـيه فـي إعرابه. وبضم الألف والكاف من الأُكُل قرأت قرّاء الأمصار، غير نافع، فإنه كان يخفف منها.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندي قراءة من قرأه: {ذَوَاتَـيْ أُكُلٍ} بضم الألف والكاف لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه، وبتنوين أُكُلٍ لاستفـاضة القراءة بذلك فـي قُرّاء الأمصار، من غير أن أرى خطأ قراءة من قرأ ذلك بإضافته إلـى الـخمط وذلك فـي إضافته وترك إضافته، نظيرُ قول العرب: فـي بُستان فلان أعنابُ كَرْمٍ وأعنابٌ كَرْمٌ، فتضيف أحياناً الأعناب إلـى الكرم، لأنها منه، وتنوّن أحياناً، ثم تترجم بـالكرم عنها، إذ كانت الأعنابُ ثمرَ الكَرْم. وأما الأَثْل فإنه يقال له الطَّرْفـاء وقـيـل: شجر شبـيه بـالطَّرْفـاء، غير أنه أعظم منها. وقـيـل: إنها السَّمُر. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس {وأَثْلٍ}، قال: الأثل: الطرفـاء.

وقوله: {وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِـيـلٍ} يقول: ذواتـي أُكُل خَمْطٍ وأَثْلٍ وشيءٍ من سدر قلـيـل.

وكان قتادة يقول فـي ذلك ما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنـي سعيد، عن قتادة {ذَوَاتَـي أُكُلٍ خَمْطٍ وأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِـيـلٍ} قال: بـينـما شجر القوم خير الشجر، إذ صيره الله من شرّ الشجر بأعمالهم.

وقوله: {ذلكَ جَزَيْناهُمْ بِـمَا كَفَرُوا} يقول تعالـى ذكره: هذا الذي فعلنا بهؤلاء القوم من سبأ من إرسالنا علـيهم سيـل العرم، حتـى هلكت أموالهم، وخَرِبت جناتهم، جزاء منَّا علـى كفرهم بنا، وتكذيبهم رسلنا «وذلك» من قوله: {ذلكَ جَزَيْناهُمْ} فـي موضع نصب بوقوع جزيناهم علـيه ومعنى الكلام: جزيناهم ذلك بـما كفروا.

وقوله: {وَهَلْ نُـجازِي إلاَّ الكَفُورَ} اختلفت القرّاء فـي قراءته، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة، وبعضُ أهل الكوفة: «وَهَلْ يُجازَي» بـالـياء وبفتـح الزاي علـى وجه ما لـم يُسَمَّ فـاعله «إلاَّ الكَفُورُ» رفعاً. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: {وَهَلْ نُـجازِي} بـالنون وبكسر الزاي {إلاَّ الكَفُورَ} بـالنصب.

والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان مشهورتان فـي قرّاء الأمصار، متقاربتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. ومعنى الكلام: كذلك كافأناهم علـى كفرهم بـالله، وهل يُجازَي إلا الكفور لنعمة الله؟.

فإن قال قائل: أو ما يجزي الله أهل الإيـمان به علـى أعمالهم الصالـحة، فـيخصّ أهل الكفر بـالـجزاء؟ فـيقال وهل يجازي إلا الكفور؟ قـيـل: إن الـمـجازاة فـي هذا الـموضع: الـمكافأة، والله تعالـى ذكره وعد أهل الإيـمان به التفضل علـيهم، وأن يجعل لهم بـالواحدة من أعمالهم الصالـحة عشرَ أمثالها إلـى ما لا نهاية له من التضعيف، ووعد الـمسيء من عبـاده أن يجعل بـالواحدة من سيئاته، مثلَها مكافأة له علـى جُرمه، والـمكافأة لأهل الكبـائر والكفر والـجزاء لأهل الإيـمان مع التفضل، فلذلك قال جلّ ثناؤه فـي هذا الـموضع: «وَهَلْ يُجازَي إلاَّ الكَفُورُ»؟ كأنه قال جلّ ثناؤه: لا يجازَي: لا يكافأ علـى عمله إلا الكفور، إذا كانت الـمكافأة مثل الـمكافَأ علـيه، والله لا يغفر له من ذنوبه شيئاً، ولا يُـمَـحَّصُ شيء منها فـي الدنـيا. وأما الـمؤمن فإنه يتفضل علـيه علـى ما وصفتُ.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَهَلْ نُـجازِي}: نعاقِب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ذلكَ جَزَيْناهُمْ بِـمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُـجازِي إلاَّ الكَفُورَ} إن الله تعالـى إذا أراد بعبده كرامة تقبَّل حسناته، وإذا أراد بعبده هواناً أمسك علـيه ذنوبه حتـى يُوَافـيَ به يوم القـيامة. قال: وذُكر لنا أن رجلاً بـينـما هو فـي طريق من طرق الـمدينة، إذا مرّت به امرأة، فأتبعها بصره، حتـى أتـى علـى حائط، فشجّ وجهه، فأتـى نبـيّ الله ووجهه يسيـل دماً، فقال: يا نبـيّ الله فعلت كذا وكذا، فقال له نبـيّ الله:

إنَّ اللَّهَ إذَا أرَادَ بِعَبْدٍ كَرَامَةً، عَجَّلَ لَهُ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ فِـي الدنـيا، وإذَا أرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ هَوَاناً أمْسَكَ عَلَـيْهِ ذَنْبَهُ حتـى يُوَافِـيَ بِهِ يَوْمَ القِـيامَةِ، كأنَّهُ عَيرٌ أبْتَر».

وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَٰهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُوا۟ فِيهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ ۝١٨

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن نعمته التـي كان أنعمها علـى هؤلاء القوم الذين ظلـموا أنفسهم. وجعلنا بـين بلدهم وبـين القُرى التـي بـاركنا فـيها وهي الشأم، قُرًى ظاهرة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد قوله: {القُرَى التـي بـارَكْنا فِـيها} قال: الشأم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَجَعَلْنا بَـيْنَهُمْ وَبَـينَ القُرَى الَّتِـي بـارَكْنا فِـيها} يعنـي الشأم.

حدثنـي علـيّ بن سهل، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {القُرَى التـي بـارَكْنا فِـيها} قال: الشأم.

وقـيـل: عُنِـي بـالقرى التـي بُورِك فـيَها بـيت الـمقدس. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {وَجَعَلْنا بَـيْنَهُمْ وَبَـينَ القُرَى التـي بـارَكْنا فِـيها قُرًى ظاهِرَةً} قال: الأرض التـي بـاركنا فـيها: هي الأرض الـمقدسة.

وقوله: {قُرًى ظاهِرَةً} يعنـي: قُرًى متصلة، وهي قُرًى عَرَبِـيَّةٌ. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن أبـي رجاء، قال: سمعت الـحسن، فـي قوله: {وَجَعَلْنا بَـيْنَهُمْ وَبَـينَ القُرَى التـي بـارَكْنا فِـيها قُرًى ظاهِرَةً} قال: قُرًى متواصلة، قال: كان أحدهم يغدو فَـيَقِـيـل فـي قرية ويَرُوح، فـيأوِي إلـى قرية أخرى. قال: وكانت الـمرأة تضع زِنْبـيـلها علـى رأسها، ثم تـمتهن بـمغزلها، فلا تأتـي بـيتها حتـى يـمتلـىء من كلّ الثمار.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {قُرًى ظاهِرَةً}: أي متواصلة.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {قُرًى ظاهِرَةً} يعنـي: قُرَى عَرَبِـيَّةً، بـين الـمدينة والشام.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنـي أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثناء ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {قُرًى ظاهِرَةً} قال: السَّرَوَات.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {قُرًى ظاهِرَةً} يعنـي: قُرَى عَرَبِـيَّةً، وهي بـين الـمدينة والشأم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَجَعَلْنا بَـيْنَهُمْ وَبَـينَ القُرَى التـي بـارَكْنا فِـيها قُرًى ظاهِرَةً} قال: كان بـين قريتهم وبـين الشأم قُرًى ظاهرة، قال: إن كانت الـمرأة لتَـخرجُ معها مِغْزلها ومِكْتلُها علـى رأسها، تروح من قريةٍ وتغدوها، وتبـيت فـي قرية لا تـحمل زاداً ولا ماء لـما بـينها وبـين الشأم.

وقوله: {وَقَدَّرْنا فِـيها السَّيْرَ} يقول تعالـى ذكره: وجعلنا بـين قُراهم والقرى التـي بـاركنا فـيها سيراً مقدّراً من منزل إلـى منزل، وقرية إلـى قرية، لا ينزلون إلا فـي قرية، ولا يغدون إلا من قرية.

وقوله: {سِيرُوا فِـيها لَـيالِـيَ وأيَّاماً آمِنـينَ} يقول: وقلنا لهم سيروا فـي هذه القرى ما بـين قراكم، والقرى التـي بـاركنا فـيها لـيالـيَ وأياماً، آمنـين لا تـخافون جوعاً ولا عطشاً، ولا من أحد ظلـماً. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {سِيرُوا فِـيها لَـيالِـيَ وأيَّاماً آمِنِـينَ}: لا يخافون ظلـماً ولا جوعاً، وإنـما يغدون فَـيقِـيـلون، ويروحون فـيبـيتون فـي قريةٍ أهلِ جنة ونهر، حتـى لقد ذُكر لنا أن الـمرأة كانت تضع مِكتلها علـى رأسها، وتـمتهن بـيدها، فـيـمتلـىء مكتلها من الثمر قبل أن ترجع إلـى أهلها من غير أن تـخترف شيئاً، وكان الرجل يسافر لا يحمل معه زاداً ولا سِقاء مـما بُسِط للقوم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وأيَّاماً آمِنِـينَ} قال: لـيس فـيها خوف.

فَقَالُوا۟ رَبَّنَا بَٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَٰهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَٰهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ۝١٩

اختلف القرّاء فـي قراءة قوله: {رَبَّنا بـاعِدْ بـينَ أسْفـارِنا} فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والكُوفة: {رَبَّنا بـاعِدْ بـينَ أسْفـارِنا} علـى وجه الدعاء والـمسألة بـالألف وقرأ ذلك بعض أهل مكة والبصرة: «بَعِّدْ» بتشديد العين علـى الدعاء أيضاً. وذُكر عن الـمتقدمين أنه كان يقرؤه: «رَبَّنا بـاعَدَ بَـينَ أسْفـارِنا» علـى وجه الـخبر من الله أن الله فعل ذلك بهم. وحكي عن آخر أنه قرأه: «ربنا بَعَّد» علـى وجه الـخبر أيضاً غير أنّ الربّ منادي.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا: {رَبَّنا بـاعِدْ} و«بَعِّدْ» لأنهما القراءتان الـمعروفتان فـي قرأة الأمصار وما عداهما فغير معروف فـيهم علـى أن التأويـل من أهل التأويـل أيضاً يحقِّق قراءة من قرأه علـى وجه الدعاء والـمسألة، وذلك أيضاً مـما يزيد القراءة الأخرى بُعداً من الصواب.

فإذا كان هو الصواب من القراءة، فتأويـل الكلام: فقالوا: يا ربنا بـاعِدْ بـين أسفـارنا، فـاجعل بـيننا وبـين الشأم فَلَوات ومَفـاوِز، لنركب فـيها الرواحل، ونتزوّد معنا فـيها الأزواد وهذا من الدلالة علـى بطر القوم نعمة الله علـيهم وإحسانه إلـيهم، وجهلهم بـمقدار العافـية ولقد عجل لهم ربهم الإجابة، كما عجل للقائلـين: {إنْ كانَ هَذَا هُوَ الـحَقَّ مِنْ عَنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَـيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذَابٍ ألِـيـمٍ} أعطاهم ما رغبوا إلـيه فـيه وطلبوا من الـمسألة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أبو خُصَين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عَبْثَر، قال: ثنا حُصَين، عن أبـي مالك فـي هذه الآية: {فَقالُوا رَبَّنا بـاعِدْ بـينَ أسْفـارِنا} قال: كانت لهم قُرًى متصلة بـالـيـمن، كان بعضها ينظر إلـى بعض، فبطروا ذلك، وقالوا: ربنا بـاعدْ بـين أسفـارنا، قال: فأرسل الله علـيهم سَيْـل العَرِم، وجعل طعامهم أَثْلاً وخَمْطاً وشيئاً من سدر قلـيـل.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {فَقَالُوا رَبَّنا بـاعِدْ بَـيْنَ أَسْفَـارِنَا وظَلَـمُوا أنْفُسَهُمْ} قال: فإنهم بطِروا عيشهم، وقالوا: لو كان جَنَى جناتنا أبعد مـما هي كان أجدر أن نشتهيه، فمُزِّقوا بـين الشأم وسبأ، وبدّلوا بجنتـيهم جنتـين ذواتـي أكل خمط وأثل، وشيء من سدر قلـيـل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَقالُوا رَبَّنا بـاعِدْ بـينَ أسْفـارِنا} بطر القوم نعمة الله، وغَمَطوا كرامة الله، قال الله {وَظَلَـمُوا أنُفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فَقالُوا رَبَّنا بـاعِدْ بَـينَ أسْفـارِنا} حتـى نبـيت فـي الفَلَوات والصحاري {فَظَلَـمُوا أنْفُسَهُمْ}.

وقوله {فَظَلَـمُوا أنْفُسَهُمْ} وكان ظلـمهم إياها عَمَلَهم بـما يسخط الله علـيهم من معاصيه، مـما يوجب لهم عقاب الله {فجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ} يقول: صيرناهم أحاديث للناس يضربون بهم الـمثل فـي السبّ، فـيقال: تفرّق القوم أيادِي سَبَـا، وأيدي سبـا، إذا تفرّقوا وتقطَّعوا.

وقوله {وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُـمَزَّقٍ} يقول: وقطعناهم فِـي البلاد كلَّ مقطع، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَظَلَـمُوا أنْفُسَهُمْ فجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُـمَّزَّقٍ} قال قتادة: قال عامر الشَّعْبِـي: أما غَسَّان فقد لَـحِقوا بـالشأم، وأما الأنصار فلـحقوا بَـيثرِب، وأما خَزَاعة فلـحقوا بتهامة، وأما الأزد فلـحقوا بعُمان.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: يزعمون أن عمِران بن عامر، وهو عمّ القوم كان كاهناً، فرأى فـي كَهانته أن قومه سيـمزّقون ويتبـاعَدُون، فقال لهم: إنـي قد علـمت أنكم سَتُـمزّقون، فمن كان منكم ذا همّ بعيد، وجمل شديد، ومزاد جديد، فلـيـلـحق بكأس أو كرود، قال: فكانت وادعة بن عمرو ومن كان منكم ذا هم مدنٍ، وأمرد عَنٍ، فلـيـلْـحَق بأرض شَنَّ، فكانت عوف بن عمرو، وهم الذين يقال لهم بـارق ومن كان منكم يريد عيشاً آيناً، وحرَماً آمناً، فلـيـلـحق بـالأرزين، فكانت خزاعة ومن كان يريد الراسيات فـي الوحْل، الـمطْعِمات فـي الـمَـحْل، فلـيـلـحق بـيثرب ذات النـخـل، فكانت الأوس والـخزرج فهما هذان الـحيان من الأنصار ومن كان يريد خمراً وخميراً، وذهبـاً وحريراً، وملكاً وتأميراً فلـيـلـحق بكُوثىَ وبُصْرَى، فكانت غسان بنو جفنة ملوك الشأم ومن كان منهم بـالعراق. قال ابن إسحاق: قد سمعت بعض أهل العلـم يقول: إنـما قالت هذه الـمقالة طريفة امرأة عمران بن عامر، وكانت كاهنة، فرأت فـي كهانتها ذلك، والله أعلـم أيّ ذلك كان قال: فلـما تفرّقوا، نزلوا علـى كهانة عمران بن عامر.

وقوله: {إنَّ فِـي ذلكَ لآياتٍ لِكُلّ صَبَّـارٍ شَكُورٍ} يقول تعالـى ذكره: إن فـي تـمزيقناهم كلّ مـمزّق {لآيات} يقول: لعظة وعِبْرة ودلالة علـى واجب حق الله علـى عبده من الشكر علـى نعمه إذا أنعم علـيه، وحقه من الصبر علـى مـحنته إذا امتـحنه ببلاء لكلّ صبـار شكور علـى نعمه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إنَّ فِـي ذلكَ لآياتٍ لِكُلّ صَبَّـارٍ شَكُورٍ} كان مطرِّف يقول: نعم العبد الصَّبـار الشكور، الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلـي صبر.

وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٢٠

اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَـيْهِمْ إبْلِـيسُ ظَنَّهُ} فقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين: {وَلَقَدْ صَدَّقَ} بتشديد الدال من صَدَّق، بـمعنى أنه قال ظناً منه:

{ وَلا تَـجِد أَكَثرَهُمْ شاكِرِينَ }وقال: { فَبِعِزَّتِكَ لأُغَوْيَنَّهُمْ أجَمعِينَ إلاَّ عِبـادَكَ مِنْهُمُ الـمُخْـلَصِينَ }ثم صدّق ظنه ذلك فـيهم، فحقَّق ذلك بهم، وبـاتبـاعهم إياه. وقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والشأم والبصرة «وَلَقَدْ صَدَقَ» بتـخفـيف الدال، بـمعنى: ولقد صدق علـيهم ظنه.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا الـمعنى وذلك أن إبلـيس قد صدَق علـى كفرة بنـي آدم فـي ظنه، وصدق علـيهم ظنُّه الذي ظنّ حين قال:

{ ثُمَّ لآتِـيَنَّهُمْ مِنْ بـينِ أيْدِيهِمْ وَمِنْ خَـلْفِهِمْ وَعَنْ أيـمانِهِمْ وَعَنْ شَمائلِهِمْ وَلا تَـجِدُ أكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ }، وحين قال: { وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّـيَنَّهُمْ... }الآية، قال ذلك عدوّ الله، ظناً منه أنه يفعل ذلك لا علـماً، فصار ذلك حقاً بـاتبـاعهم إياه، فبأيّ القراءتـين قرأ القارىء فمصيب. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام علـى قراءة من قرأ بتشديد الدال: ولقد ظنّ إبلـيس بهؤلاء الذين بدّلناهم بجنَّتـيهم جنتـين ذواتـي أكل خمط، عقوبة منا لهم، ظناً غير يقـين، علـم أنهم يتبعونه ويطيعونه فـي معصية الله، فصدق ظنه علـيهم، بإغوائه إياهم، حتـى أطاعوه، وعصوا ربهم، إلا فريقاً من الـمؤمنـين بـالله، فإنهم ثبتوا علـى طاعة الله ومعصية إبلـيس.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، قال: أخبرنـي عمرو بن مالك، عن أبـي الـجوزاء، عن ابن عبـاس أنه قرأ: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَـيْهِمْ إبْلِـيسُ ظَنَّهُ} مشددة، وقال: ظنّ ظنا، فصدّق ظنه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَـيْهِمْ إبْلِـيسُ ظَنَّهُ} قال: ظنّ ظناً فـاتبعوا ظنه.

قال: ثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَـيْهِمْ إبْلِـيسُ ظَنَّهُ} قال ألله: ما كان إلا ظناً ظنه، والله لا يصدّق كاذبـاً، ولا يكذّب صادقاً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَـيْهِمْ إبْلِـيسُ ظَنَّهُ} قال: أرأيت هؤلاء الذين كرّمتهم علـيّ، وفضَّلتهم وشرّفتهم، لا تـجد أكثرهم شاكرين، وكان ذلك ظناً منه بغير علـم، فقال الله: {فـاتَّبَعُوهُ إلاَّ فَرِيقاً منَ الـمُؤْمِنِـينَ}.

وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَٰنٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلْـَٔاخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ ۝٢١

يقول تعالـى ذكره: وما كان لإبلـيس علـى هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم من حُجة يضلهم بها، إلا بتسلـيطناه علـيهم، لُـيعلـم حزبُناً وأولـياؤنا {مَنْ يُؤْمِنُ بـالآخِرَةِ} يقول: من يصدّق بـالبعث والثواب والعقاب {مِـمَّنْ هُوَ مِنْها فِـي شَكَ} فلا يُوقِن بـالـمعاد، ولا يصدّق بثواب ولا عقاب. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَما كانَ لَهُ عَلَـيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ} قال: قال الـحسن: والله ما ضربهم بعصا ولا سَيف ولا سَوْط، إلا أمانـيّ وغروراً دعاهم إلـيها.

قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {إلاَّ لِنَعْلَـمَ مَنْ يُؤْمِنُ بـالآخِرَةِ مِـمَّنْ هُوَ مِنْها فِـي شكّ} قال: وإنـما كان بلاءً لـيَعلـم الله الكافر من الـمؤمن.

وقـيـل: عُنِـي بقوله: {إلاَّ لِنَعْلَـمَ مَنْ يُؤْمِنُ بـالآخِرَةِ} إلا لنعلـم ذلك موجوداً ظاهراً لـيستـحقّ به الثواب أو العقاب.

وقوله: {وَرَبُّكَ علـى كُلّ شَيْءٍ حَفِـيظٌ} يقول تعالـى ذكره: وربك يا مـحمد علـى أعمال هؤلاء الكفرة به، وغير ذلك من الأشياء كلها {حَفِـيظٌ} لا يعزب عنه علـم شيء منه، وهو مُـجازٍ جميعَهم يوم القـيامة، بـمِا كسبوا فـي الدنـيا من خير وشرّ.

قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُۥ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ ۝٢٢

يقول تعالـى ذكره: فهذا فعلُنا بولـينا ومن أطاعنا، داود وسلـيـمان الذي فعلنا بهما من إنعامنا علـيهما النعم التـي لا كفـاءَ لها إذ شكرانا، وذاك فعلنا بسَبَإ الذين فعلنا بهم، إذ بَطِروا نعمتنا، وكذّبوا رسلنا، وكفروا أيادَينا، فقل يا مـحمد لهؤلاء الـمشركين بربهم من قومك، الـجاحدين نعمنا عندهم: ادعوا أيها القوم الذين زعمتـم أنهم لله شريك من دونه، فسلوهم أن يفعلوا بكم بعض أفعالنا، بـالذين وصفنا أمرهم من إنعام أو إياس، فإن لـم يقدروا علـى ذلك فـاعلـموا أنكم مبطلون، لأن الشركة فـي الربوبـية لا تصلـح ولا تـجوز، ثم وصف الذين يدعون من دون الله، فقال: إنهم لا يـملكون مثقال ذرّة فـي السموات ولا فـي الأرض من خير ولا شرّ ولا ضرّ ولا نفع، فكيف يكون إلهاً من كان كذلك. وقوله: {وَما لَهُمْ فِـيهِما مِنْ شِرْكٍ} يقول تعالـى ذكره: ولا هم إذ لـم يكونوا يـملكون مثقال ذرّة فـي السموات ولا فـي الأرض، منفردين بـملكه من دون الله، يـملكونه علـى وجه الشَّرِكة، لأن الأملاك فـي الـمـملوكات، لا تكون لـمالكها إلا علـى أحد وجهين: إما مقسوماً، وإما مُشَاعاً يقول: وآلهتهم التـي يدعون من دون الله، لا يـملكون وزن ذَرّة فـي السموات ولا فـي الأرض، لا مُشاعاً ولا مقسوماً، فكيف يكون من كان هكذا شريكاً لـمن له ملك جميع ذلك. وقوله: {وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} يقول: وما لله من الآلهة التـي يدعون من دونه مُعِين علـى خـلق شيء من ذلك، ولا علـى حفظه، إذ لـم يكن لها ملك شيء منه مُشاعاً ولا مقسوماً، فـيقال: هو لك شريك من أجل أنه أعان وإن لـم يكن له ملك شيء منه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُـمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يـمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِـي السَّمَوَاتِ وَلا فِـي الأرْضِ وَما لَهُمْ فِـيهِما مِنْ شِرْكٍ} يقول: ما لله من شريك فـي السماء ولا فـي الأرض {وما لَهُ مِنْهمْ} من الذين يدعون من دون الله {مِن ظهيرٍ} من عون بشيء.

وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُۥ حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا۟ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا۟ ٱلْحَقَّ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ ۝٢٣

يقول تعالـى ذكره: ولا تنفع شفـاعة شافع كائناً من كان الشافع لـمن شَفَع له، إلا أن يشفع لـمن أذن الله فـي الشفـاعة. يقول تعالـى: فإذا كانت الشفـاعات لا تنفع عند الله أحداً إلا لـمن أذِن الله فـي الشفـاعة له، والله لا يأذن لأحد من أولـيائه فـي الشفـاعة لأحد من الكفرة به، وأنتـم أهل كفر به أيها الـمشركون، فكيف تعبدون من تعبدونه من دون الله زعماً منكم أنكم تعبدونه، لـيقرّبكم إلـى الله زُلْفَـى، ولـيشفع لكم عند ربكم «فمن» إذ كان هذا معنى الكلام التـي فـي قوله {إلاَّ لِـمَنْ أَذِنَ لَهُ}: الـمشفوع له.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {أَذِنَ لَهُ} فقرأ ذلك عامة القرّاء بضم الألف مِن «أَذِنَ لَهُ» علـى وجه ما لـم يسمّ فـاعله. وقرأه بعض الكوفـيـين: {أَذِنَ لَهُ} علـى اختلاف أيضاً عنه فـيه، بـمعنى أذن الله له.

وقوله: {حتـى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} يقول: حتـى إذا جُلِـيَ عن قلوبهم، وكشف عنها الفزع وذهب.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {حتـى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} يعنـي: جُلِـيَ.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {حتـى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} قال: كشف عنها الغطاء يوم القـيامة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: إذا جلـي عن قلوبهم.

واختلف أهل التأويـل فـي الـموصوفـين بهذه الصفة مَنْ هُم؟ وما السبب الذي من أجله فُزِّع عن قلوبهم؟ فقال بعضهم: الذي فُزِّع عن قلوبهم الـملائكة، قالوا: وإنـما يفزِّع عن قلوبهم من غشية تصيبهم عند سماعهم الله بـالوحي. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن داود، عن الشَّعبـيّ، قال: قال ابن مسعود فـي هذه الآية: {حتـى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} قال: إذا حدث أمر عند ذي العرش سَمع مَن دونه من الـملائكة صوتاً كجرّ السلسلة علـى الصفـا، فـيُغْشى علـيهم، فإذا ذهب الفزع عن قلوبهم تنادَوا: {ماذَا قالَ رَبُّكُمْ} قال: فـيقول من شاء، قال: الـحقّ، وهو العلـيّ الكبـير.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر، قال: سمعت داود، عن عامر، عن مسروق قال: إذا حدث عند ذي العرش أمر سمعت الـملائكة صوتاً، كجرّ السلسلة علـى الصفـا، قال: فـيُغْشَى علـيهم، فإذا فُزِّع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قال: فـيقول من شاء الله: الـحَقَّ، وهو العلـيّ الكبـير.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنـي عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن ابن مسعود، أنه قال: إذا حدث أمر عند ذي العرش، ثم ذكر نـحو معناه إلاّ أنه قال: فـيُغْشَى علـيهم من الفزع، حتـى إذا ذهب ذلك عنهم تنادوا: ماذا قال ربكم؟

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيـم، عن عبد الله بن مسعود، فـي قوله: {حتـى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} قال: إن الوحي إذا أُلقـي سمع أهل السموات صلصلة كصلصلة السلسلة علـى الصفوان، قال: فـيتنادون فـي السموات. ماذا قال ربكم؟ قال: فـيتنادون: الـحَقَّ، وهو العلـيّ الكبـير.

وبه عن منصور، عن أبـي الضُّحَى، عن مسروق، عن عبد الله، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: يُنَزَّلُ الأمرُ من عند ربّ العزّة إلـى السماء الدنـيا، فـيفُزَع أهل السماء الدنـيا، حتـى يستبـين لهم الأمر الذي نُزِّل فـيه، فـيقول بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟ فـيقولون: قال الـحقّ، وهو العلـيّ الكبـير، فذلك قوله: {حتـى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ}... الآية.

حدثنا أحمد بن عَبْدة الضِّبـيّ، قال: ثنا سفـيان بن عيـينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرِمة، قال: ثنا أبو هريرة، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:

إنَّ اللَّهَ إذَا قَضَى أمْراً فِـي السَّماءِ ضَرَبَتِ الـمَلائِكَةُ بأجْنِـحَتِها جَمِيعاً، ولقوله صوت كصوت السلسلة علـى الصفـا الصَّفْوان، فذلك قوله: حتـى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذَا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الـحقَّ وَهُو العَلِـيُّ الكَبِـيرُ.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَـية، قال: ثنا أيوب، عن هشام بن عروة، قال: قال الـحارث بن هشام لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يأتـيك الوحي؟ قال:

يَأْتِـينِـي فِـي صَلَصَلَةٍ كَصَلْصَلَةِ الـجَرَسِ فَـيَفْصِمُ عَنِّـي حِينَ يَفْصِمُ وَقَدْ وَعَيْتُهُ، ويَأْتِـي أحْياناً فِـي مِثْلِ صُورَةِ الرَّجُلِ، فَـيُكَلِّـمُنِـي بِهِ كَلاماً، وَهُوَ أهْوَنُ عَلـيَّ

حدثنـي زكريا بن أَبـان الـمصريّ، قال: ثنا نعيـم، قال: ثنا الولـيد بن مسلـم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن ابن أبـي زكريا، عن جابر بن حَيْوَة، عن النوّاس بن سمعان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إذَا أرَادَ اللَّهُ أنْ يُوحِيَ بـالأَمْرِ تَكَلَّـمَ بـالوَحْيِ، أخَذَتِ السَّمَوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ أوْ قالَ رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ خَوْفَ أمْرِ اللَّهِ، فإذا سَمِعَ بذلكَ أهْلُ السَّمَوَاتِ صَعِقُوا وَخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّداً، فَـيَكُونُ أوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رأسَهُ جَبْرائِيـلُ، فَـيُكَلِّـمُهُ اللَّهُ مِنْ وَحْيِهِ بِـمَا أرَادَ، ثُمَّ يَـمُرُّ جَبْرائِيـلُ علـى الـمَلائِكَةِ كُلَّـما مَرَّ بِسَماءٍ سأَلَهُ مَلائِكَتُها. ماذَا قال رَبُّنا يا جَبْرائِيـلُ؟ فَـيَقُولُ جَبْرَائِيـلُ. قالَ الـحَقَّ وَهُوَ العِلـيُّ الكَبِـيرُ، قالَ: فَـيَقُولُونَ كُلُّهُمْ مِثْلَ ما قالَ جَبْرائِيـلُ، فَـيَنْتَهي جَبْرائِيـلُ بـالوَحْيِ حَيثُ أمَرَهُ اللَّهُ

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {حتـى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ}... الآية. قال: كان ابن عبـاس يقول: إن الله لـما أراد أن يوحي إلـى مـحمد، دعا جبريـل، فلـما تكلـم ربنا بـالوحي، كان صوته كصوت الـحديد علـى الصفـا فلـما سمع أهل السموات صوت الـحديد خرّوا سُجَّداً فلـما أَتـيَ علـيهم جبرائيـل بـالرسالة رفعوا رُؤوسهم، فقالوا: {ماذَا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الـحَقّ وَهُوَ العَلِـيُّ الكَبِـيرُ} وهذا قول الـملائكة.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {حتـى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ}... إلـى {وَهُوَ العَلِـيُّ الكَبِـير} قال: لـما أوحَي الله تعالـى ذكره إلـى مـحمد صلى الله عليه وسلم دعا الرسولَ من الـملائكة، فبعث بـالوحْي، سمعت الـملائكة صوت الـجَبـار يتكلـم بـالوحي فلـما كُشِف عن قلوبهم سألوا عما قال الله، فقالوا: الـحقَّ، وعلـموا أن الله لا يقول إلا حَقاً، وأنه مُنـجز ما وعد. قال ابن عبـاس: وصوت الوحي كصوت الـحديد علـى الصفـا فلـما سمعوه خرّوا سجَّداً فلـما رفعوا رؤوسهم {قالُوا ماذَا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الـحَقَّ وَهُوَ العَلِـيُّ الكَبِـيرُ} ثم أمر الله نبـيه أن يسأل الناس

{ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ }... إلـى قوله: { فِـي ضَلالٍ مُبِـينٍ }

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قُرّة، عن عبد الله بن القاسم، فـي قوله: {حتـى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ}... الآية، قال: الوحي ينزل من السماء، فإذا قضاه {قالُوا ماذَا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الـحَقَّ وَهُوَ العَلِـيُّ الكَبِـيرُ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيـم، عن عبد الله، فـي قوله: {حتـى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} قال: إن الوحي إذا قَضَى فـي زوايا السماء، قال: مثل وقع الفُولاذ علـى الصخرة، قال: فـيُشْفِقون، لا يدرون ما حدث، فـيفزعون، فإذا مرّت بهم الرسل {قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الـحَقَّ وَهُوَ العَلـيُّ الكَبِـيرُ}.

وقال آخرون مـمن قال: الـموصوفون بذلك الـملائكة: إنـما يُفَزِّع عن قلوبهم فَزعُهُم من قضاء الله الذي يقضيه حذراً أن يكون ذلك قـيام الساعة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {حتـى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذَا قالَ رَبُّكُمْ}... الآية، قال: يوحي الله إلـى جبرائيـل، فَتَفرَّق الـملائكة، أو تفزع مخافة أن يكون شيء من أمر الساعة، فإذا جُلِـيَ عن قلوبهم، وعلـموا أنه لـيس ذلك من أمر الساعة {قالُوا ماذَا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الـحَقَّ وَهُوَ العَلِـيُّ الكَبِـيرُ}.

وقال آخرون: بل ذلك من فعل ملائكة السموات إذا مرّت بها الـمعقِّبـات فزَعاً أن يكون حدث أمر الساعة. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {حتـى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ}... الآية، زعم ابن مسعود أن الـملائكة الـمُعَقبـات الذين يختلفون إلـى الأرض يكتبون أعمالهم، إذا أرسلهم الربّ فـانـحدروا سمع لهم صوت شديد، فـيحسب الذين هم أسفل منهم من الـملائكة أنه من أمر الساعة، فخرّوا سُجَّداً، وهكذا كلـما مرُوا علـيهم يفعلون ذلك من خوف ربهم.

وقال آخرون: بل الـموصوفون بذلك الـمشركون، قالوا: وإنـما يُفزِّع الشيطان عن قلوبهم قال: وإنـما يقولون: ماذا قال ربكم عند نزول الـمنـية بهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {حتـى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} قال: فَزَّع الشيطان عن قلوبهم وفـارقهم وأمانـيهم، وما كان يضلهم {قالُوا ماذَا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الـحَقَّ وَهُوَ العَلِـيُّ الكَبِـيرُ} قال: وهذا فـي بنـي آدم، وهذا عند الـموت أقرّوا به حين لـم ينفعهم الإقرار.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، القول الذي ذكره الشَّعْبـيّ، عن ابن مسعود لصحة الـخبر الذي ذكرناه عن ابن عبـاس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتأيـيده. وإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: لا تنفع الشفـاعة عنده، إلا لـمن أذن له أن يشفَع عنده، فإذا أذن الله لـمن أذن له أن يشفع فزع لسماعه إذنه، حتـى إذا فُزِّع عن قلوبهم، فجُلِّـيَ عنها، وكشَف الفزع عنهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالت الـملائكة: الـحقّ، {وهو العلـيّ} علـى كل شيء {الكبـير} الذي لا شيء دونه. والعرب تستعمل فُزِّع فـي معنـيـين، فتقول للشجاع الذي به تنزل الأمور التـي يفزَع منها: وهو مُفَزَّع وتقول للـجبـان الذي يَفْزَع من كلّ شيء: إنه لـمُفَزَّع، وكذلك تقول للرجل الذي يقضي له الناس فـي الأمور بـالغلبة علـى من نازله فـيها: هو مُغَلِّب وإذا أريد به هذا الـمعنى كان غالبـاً وتقول للرجل أيضاً الذي هو مغلوب أبداً: مُغَلَّب.

وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار أجمعون: {فُزِّعَ} بـالزاي والعين علـى التأويـل الذي ذكرناه عن ابن مسعود ومن قال بقوله فـي ذلك. ورُوي عن الـحسن أنه قرأ ذلك: «حتـى إذَا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ» بـالراء والغين علـى التأويـل الذي ذكرناه عن ابن زيد. وقد يحتـمل توجيه معنى قراءة الـحسن ذلك كذلك، إلـى «حتـى إذَا فُزِغَ عَنْ قُلُوبِهِمْ» فصارت فـارغة من الفزع الذي كان حلّ بها. ذُكر عن مـجاهد أنه قرأ ذلك: «فُزِعَ» بـمعنى: كَشَف الله الفزع عنها.

والصواب من القراءة فـي ذلك القراءة بـالزاي والعين لإجماع الـحجة من القراء وأهل التأويـل علـيها، ولصحة الـخبر الذي ذكرناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتأيـيدها، والدلالة علـى صحتها.

الخميس، 22 أكتوبر 2026 11 جمادى الأولى 1448 هـ