انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة سبإ

تفسير الطبريالآيات 24–54

تفسير سورة سبإ آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة سبإ

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 41:55

  1. 1 الآيات 24–45في هذه الصفحة 16:01
  2. 2 الآيات 46–54في هذه الصفحة 6:13

التفسير الصوتي لسورة سبإ كاملًا (4 مقاطع)

قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٢٤

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لهؤلاء الـمشركين بربهم الأوثان والأصنام: من يرزقكم من السموات والأرض بإنزاله الغيث علـيكم منها حياة لـحروثكم، وصلاحاً لـمعايشكم، وتسخيره الشمس والقمر والنـجوم لـمنافعكم، ومنافع أقواتكم، والأرض بإخراجه منها أقواتكم وأقوات أنعامكم؟ وترك الـخبر عن جواب القوم استغناء بدلالة الكلام علـيه، ثم ذكره، وهو: فإن قالوا: لا ندري، فقل: الذي يرزقكم ذلك الله، {وإنا أو إياكم} أيها القوم {لعلـي هُدًى أو فـي ضلال مبـين} يقول: قل لهم: إنا لعلـى هدى أو فـي ضلال، أو إنكم علـى ضلال أو هُدًى. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللَّهُ وإنَّا أوْ إيَّاكُمْ لعَلـى هُدًى أوْ فِـي ضَلالٍ مُبِـينٍ} قال: قد قال ذلك أصحاب مـحمد للـمشركين، والله ما أنا وأنتـم علـى أمر واحد، إنّ أحد الفريقـين لـمهتد.

وقد قال قوم: معنى ذلك: وإنا لعلـى هدى، وإنكم لفـي ضلال مبـين. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي إسحاق بن إبراهيـم الشهيديّ، قال: ثنا عتاب بن بشير، عن خصيف عن عكرمة وزياد، فـي قوله: {وَإنَّا أوْ إيَّاكُمْ لَعَلـى هَدًى أوْ فِـي ضَلالٍ مُبِـينٍ} قال: إنا لعلـى هدى وإنكم لفـي ضلال مبـين.

واختلف أهل العربـية فـي وجه دخول «أو» فـي هذا الـموضع، فقال بعض نـحويـيّ البصرة: لـيس ذلك لأنه شك، ولكن هذا فـي كلام العرب علـى أنه هو الـمهتدِي، قال: وقد يقول الرجل لعبده: أحدنا ضارب صاحبه، ولا يكون فـيه إشكال علـى السامع أن الـمولـى هو الضارب.

وقال آخر منهم: معنى ذلك: إنا لعلـى هدى، وإنكم إياكم فـي ضلال مبـين، لأن العرب تضع «أو» فـي موضع واو الـموالاة، قال جرير:

أثَعْلَبَةَ الفَوَارِسِ أوْ رِياحاً عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ والـخِشابـا

قال: يعنـي ثعلبة ورياحاً، قال: وقد تكلـم بهذا من لا يشكّ فـي دينه، وقد علـموا أنهم علـى هدى، وأولئك فـي ضلال، فـيقال: هذا وإن كان كلاماً واحداً علـى جهة الاستهزاء، فقال: هذا لهم، وقال:

فإنْ يَكُ حُبُّهُمْ رُشْداً أُصِبْهُ وَلسْتُ بِـمُخْطىءٍ إنْ كانَ غَيَّا

وقال بعض نـحويـي الكوفة: معنى «أو» ومعنى الواو فـي هذا الـموضع فـي الـمعنى، غير أن القرينة علـى غير ذلك لا تكون «أو» بـمنزلة الواو، ولكنها تكون فـي الأمر الـمفوّض، كما تقول: إن شئت فخذ درهماً أو اثنـين، فله أن يأخذ اثنـين أو واحداً، ولـيس له أن يأخذ ثلاثة. قال: وهو فـي قول من لا يبصر العربـية، ويجعل «أو» بـمنزلة الواو، ويجوز له أن يأخذ ثلاثة، لأنه فـي قولهم بـمنزلة قولك: خذ درهماً أو اثنـين قال: والـمعنى فـي {إنَّا أو إياكُمْ} إنا لضالون أو مهتدون، وإنكم أيضاً لضالون، وهو يعلـم أن رسوله الـمهتدي، وأن غيره الضالّ. قال: وأنت تقول فـي الكلام للرجل يكذّبك. واللَّهِ إن أحدنا لكاذب، وأنت تعنـيه، وكذّبته تكذيبـاً غير مكشوف، وهو فـي القرآن وكلام العرب كثـير، أن يوجَّه الكلام إلـى أحسن مذاهبه، إذا عرف، كقول القائل لـمن قال: والله لقد قدم فلان، وهو كاذب فـيقول: قل: إن شاء الله، أو قل: فـيـما أظنّ، فـيكذّبه بأحسن تصريح التكذيب. قال: ومن كلام العرب أن يقولوا: قاتله الله، ثم يستقبح فـيقولون: قاتله الله، وكاتعه الله. قال: ومن ذلك: ويحَك، وويسَك، إنـما هي فـي معنى: ويْـلَك، إلا أنها دونها.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أن ذلك أمر من الله لنبـيه بتكذيب من أمره بخطابه بهذا القول بأجمل التكذيب، كما يقول الرجل لصاحب له يخاطبه، وهو يريد تكذيبه فـي خبر له: أحدنا كاذب، وقائل ذلك يعنـي صاحبه، لا نفسه فلهذا الـمعنى صير الكلام بأو.

قُل لَّا تُسْـَٔلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْـَٔلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ۝٢٥ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ ۝٢٦

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء الـمشركين: أحد فريقـينا علـى هدى والآخر علـى ضلال، لا تُسْألون أنتـم عما أجرمنا نـحن من جرم، وركبنا من إثم، ولا نُسأَلُ نـحن عما تعملون أنتـم من عمل، قل لهم: يجمع بـيننا ربنا يوم القـيامة عنده، ثم يفتـح بـيننا بـالـحقّ. يقول: ثم يقضي بـيننا بـالعدل، فـيتبـين عند ذلك الـمهتدي منا من الضالّ {وَهُوَ الفَتَّاحُ العَلِـيـمُ} يقول: والله القاضي العلـيـم بـالقضاء بـين خـلقه، لأنه لا تـخفـى عنه خافـية، ولا يحتاج إلـى شهود تعرّفه الـمُـحقّ من الـمبطل. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قُلْ يَجْمَعُ بَـيْنَنا رَبُّنا} يوم القـيامة {ثُمَّ يَفْتَـحُ بَـيْنَنا}: أي يقضي بـيننا.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَهُوَ الفَتَّاحُ العَلِـيـمُ} يقول: القاضي.

قُلْ أَرُونِىَ ٱلَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِۦ شُرَكَآءَ كَلَّا بَلْ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٢٧

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لهؤلاء الـمشركين بـالله الآلهة والأصنام: أَرُونـي أيُّها القوم الَّذين ألـحقتـموهم بـالله فصيَّرتـموهم له شركاء فـي عبـادتكم إياهم: ماذا خـلقوا من الأرض، أم لهم شرك فـي السموات، {كلاّ} يقول تعالـى ذكره: كذبوا، لـيس الأمر كما وصفوا، ولا كما جعلوا وقالوا من أن لله شريكاً، بل هو الـمعبود الذي لا شريك له، ولا يصلـح أن يكون له شريك فـي ملكه، العزيز فـي انتقامه مـمن أشرك به من خـلقه، الـحكيـم فـي تدبـيره خـلقه.

وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٢٨

يقول تعالـى ذكره: وما أرسلناك يا مـحمد إلـى هؤلاء الـمشركين بـالله من قومك خاصة، ولكنا أرسلناك كافة للناس أجمعين، العرب منهم والعجم، والأحمر والأسود، بشيراً من أطاعك، ونذيراً من كذّبك، {وَلَكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَـمُونَ} أن الله أرسلك كذلك إلـى جميع البشر. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَما أرْسَلْناكَ إلاَّ كافَّةً للنَّاس} قال: أرسل الله مـحمداً إلـى العرب والعجم، فأكرمُهُم علـى الله أطوعهم له.

ذُكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم قال:

أنا سابِقُ العَرَبِ، وَصُهَيْبُ سابِقُ الرُّومِ، وَبِلالُ سابِقُ الـحَبَشَةِ، وَسَلْـمانُ سابِقُ فـارِسَ».

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٢٩ قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَـْٔخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ ۝٣٠

يقول تعالـى ذكره: ويقول هؤلاء الـمشركون بـالله إذا سمعوا وعيد الله الكفـار وما هو فـاعل بهم فـي معادهم مـما أنزل الله فـي كتابه: {مَتـى هَذَا الوَعْدُ} جائياً، وفـي أيّ وقت هو كائن {إنْ كُنْتُـمْ فـيـما تَعِدُوننا} من ذلك {صَادِقِـينَ} أنه كائن، قال الله لنبـيه: {قُلْ} لهم يا مـحمد: {لَكُمْ} أيها القوم {مِيعادُ يَوْمٍ} هو آتـيكم {لا تَسْتأْخِرُونَ عَنْهُ} إذا جاءكم {ساعَةً} فتنظروا للتوبة والإنابة {وَلا تسْتَقدِمونَ} قبله بـالعذاب، لأن الله جعل لكم ذلك أجلاً.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ بِهَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَلَا بِٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ لَوْلَآ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ۝٣١

يقول تعالـى ذكره: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَروا} من مشركي العرب: {لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا القُرآنِ} الذي جاءنا به مـحمد صلى الله عليه وسلم، ولا بـالكتاب الذي جاء به غيره من بـين يديه، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا القُرآنِ وَلا بـالَّذِي بـينَ يَدَيْهِ} قال: قال الـمشركون: لن نؤمن بهذا القرآن، وَلا بـالَّذِي بـينَ يَدَيْهِ من الكتب والأنبـياء.

وقوله: {وَلَوْ تَرَى إذِ الظَّالِـمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ} يتلاومون، يحاور بعضهم بعضاً، يقول الـمستضعفون كانوا فـي الدنـيا للذين كانوا علـيهم فـيها يستكبرون: لولا أنتـم أيها الرؤساء والكبراء فـي الدْنـيا لكنا مؤمنـين بـالله وآياته.

قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوٓا۟ أَنَحْنُ صَدَدْنَٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ ۝٣٢

يقول تعالـى ذكره: {قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} فـي الدنـيا، فرأسوا فـي الضلالة والكفر بـالله {لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} فـيها فكانوا أتبـاعاً لأهل الضلالة منهم، إذ قالوا لهم {لَوْلا أنْتُـمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِـينَ أَنـحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الهُدَى} ومنعناكم من اتبـاع الـحقّ {بَعْدَ إذْ جاءَكُمْ} من عند الله، يبـين لكم {بَلْ كُنْتُـمْ مُـجْرِمِينَ} فمنعكم إيثاركم الكفر بـالله علـى الإيـمان من اتبـاع الهدى، والإيـمان بـالله ورسوله.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُۥٓ أَندَادًا وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَجَعَلْنَا ٱلْأَغْلَٰلَ فِىٓ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٣٣

يقول تعالـى ذكره: {وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} من الكفرة بـالله فـي الدنـيا، فكانوا أتبـاعاً لرؤسائهم فـي الضلالة {لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} فـيها، فكانوا لهم رؤساء {بَلْ مَكْرُ} كم لنا بـ {اللَّـيْـلِ والنَّهارِ} صدّنا عن الهدى {إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بـاللَّهِ وَنـجْعَلَ لَهُ} أمثالاً وأشبـاها فـي العبـادة والألوهة فأضيف الـمكر إلـى اللـيـل والنهار. والـمعنى ما ذكرنا من مكر الـمستكبرين بـالـمستضعفـين فـي اللـيـل والنهار، علـى اتساع العرب فـي الذي قد عُرِف معناها فـيه من منطِقها، من نقل صفة الشيء إلـى غيره، فتقول للرجل: يا فلان نهارك صائم ولـيـلك قائم، وكما قال الشاعر:

ونِـمْتِ وَما لَـيْـلُ الـمَطِيِّ بِنائمِ

وما أشبه ذلك مـما قد مضى بـياننا له فـي غير هذا الـموضع من كتابنا هذا. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {بَلْ مَكْرُ اللَّـيْـلِ والنَّهارِ إذ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بـالله وَنـجْعَلَ لَهُ أنْدَاداً} يقول: بل مكرُكُم بنا فـي اللـيـل والنهار أيها العظماء الرؤساء حتـى أزلتـمونا عن عبـادة الله.

وقد ذُكر فـي تأويـله عن سعيد بن جبـير ما:

حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا ابن يـمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جُبَـير {بَلْ مَكْرُ اللَّـيْـلِ والنَّهارِ} قال: مَرُّ اللـيـل والنهار.

وقوله: {إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بـاللّهِ} يقول: حين تأمروننا أن نكفر بـالله.

وقوله: {ونـجعَلَ لَهُ أنْدَاداً} يقول: شركاء، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ونَـجْعَلَ لَهُ أنْدَاداً} شركاء.

قوله: {وأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَـمَّا رأَوُا العَذَابَ} يقول: وندموا علـى ما فرّطوا من طاعة الله فـي الدنـيا حين عاينوا عذاب الله الذي أعدّه لهم، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وأَسَرُّوا النَّدَامَةَ} بـينهم {لَـمَّا رأَوُا العَذَابَ}.

قوله: {وَجَعَلْنا الأَغْلالَ فِـي أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا} وغُلَّت أيدي الكافرين بـالله فـي جهنـم إلـى أعناقهم فـي جوامع من نار جهنـم، جزاء بـما كانوا بـالله فـي الدنـيا يكفرون، يقول جلّ ثناؤه: ما يفعل الله ذلك بهم إلاَّ ثوابـاً لأعمالهم الـخبـيثة التـي كانوا فـي الدنـيا يعملونها، ومكافأة لهم علـيها.

وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ۝٣٤

يقول تعالـى ذكره: وما بعثنا إلـى أهل قرية نذيراً يُنذرهم بأسَنا أن ينزل بهم علـى معصيتهم إيانا، إلاَّ قال كُبراؤها ورؤساؤها فـي الضلالة كما قال قوم فرعون من الـمشركين له: إنا بـما أُرسلتـم به من النِّذارة، وبُعثتـم به من توحيد الله، والبراءة من الآلهة والأنداد كافرون. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَما أرْسَلْنا فِـي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إنَّا بِـمَا أُرْسِلْتُـمْ بِهِ كافِرُونَ} قال: هم رؤوسهم وقادتهم فـي الشرّ.

وَقَالُوا۟ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَٰلًا وَأَوْلَٰدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ۝٣٥ قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٣٦

يقول تعالـى ذكره: وقال أهل الاستكبـار علـى الله من كل قرية أرسلنا فـيها نذيراً لأنبـيائنا ورسلنا: نـحن {أكْثَرُ أمْوَالاً وأوْلاداً} وَما نَـحْنُ فِـي الآخرَةِ {بِـمُعَذَّبـينَ} لأن الله لو لـم يكن راضياً ما نـحن علـيه من الـملة والعمل لـم يخوّلنا الأموال والأولاد، ولـم يبسط لنا فـي الرزق، وإنـما أعطانا ما أعطانا من ذلك لرضاه أعمالنا، وآثرنا بـما آثرنا علـى غيرنا لفضلنا، وزلفة لنا عنده يقول الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا مـحمد: {إن ربـي يبسط الرزق} من الـمعاش والرياش فـي الدنـيا {لـمن يشاء} من خـلقه {ويَقْدِر} فـيضيق علـى من يشاء لا لـمـحبة فـيـمن يبسط له ذلك ولا خير فـيه ولا زُلْفة له، استـحقّ بها منه، ولا لبُغض منه لـمن قدر علـيه ذلك، ولا مَقْت، ولكنه يفعل ذلك مِـحْنة لعبـاده وابتلاء، وأكثر الناس لا يعلـمون أن الله يفعل ذلك اختبـاراً لعبـاده، ولكنهم يظنون أن ذلك منه مـحبة لـمن بَسَطَ له ومَقْت لـمن قَدَر علـيه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:

{ وَما أمْوَالُكُمْ وَلا أوْلادُكمْ بـالتـي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفَـى... }الآية، قال: قالوا: نـحن أكثر أموالاً وأولاداً، فأخبرهم الله أنه لـيست أموالكم ولا أولادكم بـالتـي تقرّبكم عندنا زُلْفـى، { إلاَّ مَنْ آمَنَ وعَمِلَ صَالـحاً }، قال: وهذا قول الـمشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قالوا: لو لـم يكن الله عنا راضياً لـم يعطنا هذا، كما قال قارون: لولا أن الله رَضِيَ بـي وبحالـي ما أعطانـي هذا، قال: { أوَ لَـمْ يَعْلَـمْ أنَّ اللّهَ قَدْ أهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ... }إلـى آخر الآية.

وَمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُكُم بِٱلَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰٓ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحًا فَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا۟ وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ ۝٣٧

يقول جلّ ثناؤه: وما أموالكم التـي تفتـخرون بها أيُّها القوم علـى الناس، ولا أولادكم الذين تتكبرون بهم بـالتـي تقرّبكم منا قُرْبَةً. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {عِنْدَنا زُلْفَـى} قال: قُربَى.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَما أمْوَالُكُمْ وَلا أوْلادُكُمْ بـالَّتِـي تُقَرّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفَـى} لا يعتبر الناس بكثرة الـمال والولد، وإن الكافر قد يُعْطَى الـمال، وربـما حُبِس عن الـمؤمن.

وقال جلّ ثناؤه: {وَما أمْوَالُكُمْ وَلا أوْلادُكُمْ بـالتـي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفَـى} ولـم يقل بـاللَّتـين، وقد ذكر الأموال والأولاد، وهما نوعان مختلفـان لأنه ذُكر من كل نوع منهما جمع يصلـح فـيه التـي ولو قال قائل: أراد بذلك أحد النوعين لـم يبعد قوله، وكان ذلك كقول الشاعر:

نَـحْنُ بِـمَا عِنْدَنا، وأنْتَ بِـمَا عِنْدَكَ رَاضٍ والرأيُ مُخْتَلِفُ

ولـم يقل: راضيان.

وقوله: {إلاَّ مَنْ آمَنَ وعَمِلَ صَالِـحاً} اختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك فقال بعضهم: معنى ذلك: وما أموالكم ولا أولادكم بـالتـي تقرّبكم عندنا زُلفـى، إلاَّ من آمن وعمل صالـحاً، فإنه تقرّبهم أموالهم وأولادهم بطاعتهم الله فـي ذلك وأدائهم فـيه حقه إلـى الله زلفـى دون أهل الكفر بـالله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قول الله: {إلاَّ مَنْ آمَنَ وعَمِلَ صَالِـحاً} قال: لـم تضرّهم أموالهم ولا أولادهم فـي الدنـيا للـمؤمنـين، وقرأ:

{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الـحُسْنَى وَزِيادَةٌ } فـالـحُسنى: الـجنة، والزيادة: ما أعطاهم الله فـي الدنـيا لـم يحاسبهم به، كما حاسب الآخرين، فمن حملا علـى هذا التأويـل نصب بوقوع تقرّب علـيه، وقد يحتـمل أن يكون «من» فـي موضع رفع، فـيكون كأنه قـيـل: وما هو إلاَّ من آمن وعمل صالـحاً.

وقوله: {فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ} يقول: فهؤلاء لهم من الله علـى أعمالهم الصالـحة الضعف من الثواب، بـالواحدة عشر. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِـمَا عَمِلُوا} قال: بأعمالهم الواحد عشر، وفـي سبـيـل الله بـالواحد سبعُ مئة.

وقوله: {فِـي الغُرُفـاتِ آمِنُونَ} يقول: وهم فـي غرفـات الـجنات آمنون من عذاب الله.

وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِىٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ۝٣٨

يقول تعالـى ذكره: والذين يعملون فـي آياتنا، يعنـي: فـي حججنا وآي كتابنا، يبتغون إبطاله، ويريدون إطفـاء نوره معاونـين، يحسبون أنهم يفوتوننا بأنفسهم، ويُعْجزوننا {أُولَئكَ فـي العَذابِ مُـحْضَرونَ} يعنـي فـي عذاب جهنـم مـحضرون يوم القـيامة {قُلْ إنَّ رَبّـي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِـمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبـادِهِ} يقول تعالـى ذكره: قل يا مـحمد إن ربـي يبسط الرزق لـمن يشاء من خَـلْقه، فـيوسعه علـيه تكرمة له وغير تكرمة، ويَقْدِر علـى من يشاء منهم فـيضيقه ويقتره إهانة له وغير إهانة، بل مِـحنة واختبـاراً {وَما أنْفَقْتُـمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْـلِفُهُ} يقول: وما أنفقتـم أيها الناس من نفقة فـي طاعة الله، فإن الله يخـلفها علـيكم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفـيان، عن الـمنهال بن عمرو، عن سعيد بن جُبَـير {وَما أنْفَقْتُـمْ منْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْـلِفُهُ} قال: ما كان فـي غير إسراف ولا تقتـير.

وقوله: {وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِـينَ} يقول: وهو خير من قـيـل إنه يَرْزُق ووُصِف به، وذلك أنه قد يوصف بذلك من دونه، فـيقال: فلان يَرزُق أهله وعياله

.

قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥ وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ۝٣٩ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ۝٤٠ قَالُوا۟ سُبْحَٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ ۝٤١

يقول تعالـى ذكره: ويوم نـحشر هؤلاء الكفـار بـالله جميعاً، ثم نقول للـملائكة: أهؤلاء كانوا يعبدونكم من دوننا؟ فتتبرأ منهم الـملائكة {قَالُوا سُبْحَانَكَ} ربنا، تنزيهاً لك وتبرئة مـما أضاف إلـيك هؤلاء من الشركاء والأنداد {أَنْتَ وَلِـيُّنَا مِنْ دونِهِمْ} لا نتـخذ ولـياً دونك {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْـجِنَّ}. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَيَوْمَ نَـحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ للْـمَلاَئِكة أهَؤُلاءِ إيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ} استفهام، كقوله لعيسى:

{ أءَنْتَ قُلْتَ للنَّاسِ اتَّـخِذُونِـي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ }؟

وقوله: {أكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} يقول: أكثرهم بـالـجنّ مصدّقون، يزعمون أنهم بنات الله، تعالـى الله عما يقولون عُلُوّاً كبـيراً

.

فَٱلْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ۝٤٢

يقول تعالـى ذكره: فـالـيوم لا يـملك بعضكم أيها الـملائكة للذين كانوا فـي الدنـيا يعبدونكم نفعاً ينفعونكم به ولا ضرًّا ينالونكم به، أو تنالونهم به {وَنَقُولُ للَّذِينَ ظَلَـمُوا} يقول: ونقول للذين عبدوا غير الله فوضعوا العبـادة فـي غير موضعها، وجعلوها لغير من تنبغي أن تكون له: {ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ التـي كُنْتُـم بها} فـي الدنـيا {تُكَذّبونَ} فقد وردتـموها.

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٍ قَالُوا۟ مَا هَٰذَآ إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُكُمْ وَقَالُوا۟ مَا هَٰذَآ إِلَّآ إِفْكٌ مُّفْتَرًى وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ۝٤٣

يقول تعالـى ذكره: وإذا تُتلـى علـى هؤلاء الـمشركين آيات كتابنا {بـيِّنات} يقول: واضحات أنهنّ حقّ من عندنا {قالُوا ما هَذَا إلاَّ رَجُلُ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آبـاؤُكُمْ} يقول: قالوا عند ذلك: لا تتبعوا مـحمداً، فما هو إلاَّ رجل يريد إن يصدّكم عما كان يعبد آبـاؤكم من الأوثان، ويغير دينكم ودين آبـائكم {وَقالُوا ما هَذَا إلاَّ إفْكٌ مُفْتَرًى} يقول تعالـى ذكره: وقال هؤلاء الـمشركون: ما هذا الذي تتلو علـينا يا مـحمد، يعنون القرآن، إلاَّ إفك. يقول: إلاَّ كَذِبٌ مُفْترى يقول: مختلَق. متـخرّص {وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا للْـحَقّ لـما جَاءهمْ إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُبِـينٌ} يقول جلّ ثناؤه: وقال الكفـار للـحقّ، يعنـي مـحمداً صلى الله عليه وسلم لـما جاءهم، يعنـي: لـما بعثه الله نبـياً: هذا سحر مبـين يقول: ما هذا إلاَّ سحر مبـين، يبـين لـمن رآه وتأمله أنه سحر

.

وَمَآ ءَاتَيْنَٰهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ ۝٤٤ وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا۟ مِعْشَارَ مَآ ءَاتَيْنَٰهُمْ فَكَذَّبُوا۟ رُسُلِى فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ۝٤٥

يقول تعالـى ذكره: وما أنزلنا علـى الـمشركين القائلـين لـمـحمد صلى الله عليه وسلم لـما جاءهم بآياتنا: هذا سحر مبـين بـما يقولون من ذلك كتبـاً يدرسونها: يقول: يقرؤونها، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَما ءاتَـيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها}: أي يقرؤونها.

{ وَما أرْسَلْنا إلَـيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ} يقول: وما أرسلنا إلـى هؤلاء الـمشركين من قومك يا مـحمد فـيـما يقولون ويعملون قبلك من نبـيّ ينذرهم بأسنا علـيه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَما أرْسَلْنا إلَـيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ} ما أنزل الله علـى العرب كتابـاً قبل القرآن، ولا بعث إلـيهم نبـياً قبل مـحمد صلى الله عليه وسلم.

وقوله: {وكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} يقول: وكذّب الذين من قبلهم من الأمـم رسلنا وتنزيـلنا {وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَـيْناهُمْ} يقول: ولـم يبلغ قومك يا مـحمد عُشْر ما أعطينا الذين من قبلهم من الأمـم من القوّة والأيدي والبطْش، وغير ذلك من النعم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما ءاتَـيْناهُمْ} من القوّة فـي الدنـيا.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما ءاتَـيْناهُمْ} يقول: ما جاوزوا معشار ما أنعمنا علـيهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما ءاتَـيْناهُمْ} يخبركم أنه أَعْطَى القوم ما لـم يُعْطكم من القوّة وغير ذلك.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما ءاتَـيْنَاهُمْ} قال: ما بلغ هؤلاء أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم معشار ما آتـينا الذين من قبلهم، وما أعطيناهم من الدنـيا، وبسطنا علـيهم {فَكَذّبوا رسلـي فكَيْفَ كانَ نَكِيرِ} يقول: فكذّبوا رسلـي فـيـما أتوهم به من رسالتـي، فعاقبناهم بتغيـيرنا بهم ما كنا آتـيناهم من النعم، فـانظر يا مـحمد كيف كان نكير. يقول: كيف كان تغيـيري بهم وعقوبتـي. p>

قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍ أَن تَقُومُوا۟ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا۟ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ۝٤٦

يقول تعالـى ذكره: قل يا مـحمد لهؤلاء الـمشركين من قومك: إنـما أعظكم أيُّها القوم بواحدة وهي طاعة الله، كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {إنَّـما أعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ} قال: بطاعة الله.

وقوله: {أنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى} يقول: وتلك الواحدة التـي أعظكم بها هي أن تقوموا لله اثنـين اثنـين، {وفُرادَى} فُرادَى، فإن فـي موضع خفض ترجمة عن الواحدة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنـي أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {أنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى} قال: واحداً واثنـين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قُلْ إنَّـمَا أعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى} رجلاً ورجلـين. وقـيـل: إنـما قـيـل: إنـما أعظكم بواحدة، وتلك الواحدة أن تقوموا لله بـالنصيحة وترك الهوى. {مَثْنَى} يقول: يقوم الرجل منكم مع آخر فـيتصادقان علـى الـمناظرة، هل علـمتـم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم جنوناً قطُّ؟ ثم ينفرد كل واحد منكم، فـيتفكر ويعتبر فرداً هل كان ذلك به؟ فتعلـموا حينئذٍ أنه نذير لكم.

وقوله: {ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ} يقول: لأنه لـيس بـمـجنون. وقوله {إنْ هُوَ إلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَـينَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} يقول: ما مـحمد إلاَّ نذير لكم ينذركم علـى كفركم بـالله عقابه أمام عذاب جهنـم قبل أن تَصْلَوْها، وقوله: «هو» كناية اسم مـحمد صلى الله عليه وسلم.

قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ۝٤٧

يقول تعالـى ذكره: قل يا مـحمد لقومك الـمكذّبـيك، الرّادّين علـيك ما أتـيتهم به من عند ربك: ما أسألكم من جُعْلٍ علـى إنذاريكم عذاب الله، وتـخويفكم به بأسه، ونصيحتـي لكم فـي أمري إياكم بـالإيـمان بـالله، والعمل بطاعته، فهو لكم لا حاجة لـي به. وإنـما معنى الكلام: قل لهم: إنـي لـم أسألكم علـى ذلك جُعْلاً فتتهمونـي، وتظنوا أنـي إنـما دعوتكم إلـى اتبـاعي لـمال آخذه منكم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قُلْ ما سألْتُكُمْ مِنْ أجْر}: أي جُعل {فَهُوَ لَكُمْ} يقول: لـم أسألكم علـى الإسلام جُعْلاً.

وقوله: {إنْ أجْرِيَ إلاَّ عَلـى اللّهِ} يقول: ما ثوابـي علـى دعائكم إلـى الإيـمان بـالله، والعمل بطاعته، وتبلـيغكم رسالته، إلاَّ علـى الله {وَهُوَ عَلـى كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} يقول: والله علـى حقـيقة ما أقول لكم شهيد يشهد لـي به، وعلـى غير ذلك من الأشياء كلها.

قُلْ إِنَّ رَبِّى يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ ۝٤٨ قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ ٱلْبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ ۝٤٩

يقول جلّ ثناؤه لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} يا مـحمد لـمشركي قومك {إنَّ رَبّـي يَقْذِفُ بـالـحَقّ} وهو الوحي، يقول: ينزله من السماء، فـيقذفه إلـى نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم {عَلاَّمُ الغُيُوبِ} يقول: علام ما يغيب عن الأبصار، ولا مَظْهَر لها، وما لـم يكن مـما هو كائن، وذلك من صفة الربّ غير أنه رُفع لـمـجيئه بعد الـخبر، وكذلك تفعل العرب إذا وقع النعت بعد الـخبر، فـي أن أتبعوا النعت إعراب ما فـي الـخبر، فقالوا: إن أبـاك يقوم الكريـم، فرفع الكريـم علـى ما وَصَفت، والنصب فـيه جائز، لأنه نعت للأب، فـيتبع إعرابه {قُلْ جاءَ الـحَقُّ} يقول: قل لهم يا مـحمد: جاء القرآن ووحي الله {وَما يُبْدِىءُ البـاطِلُ} يقول: وما ينشىء البـاطل خـلقاً والبـاطل هو فـيـما فسَّره أهل التأويـل: إبلـيس {وَما يُعِيدُ} يقول: ولا يعيده حياً بعد فنائه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قُلْ إنَّ رَبّـي يَقْذِفُ بـالـحَقّ}: أي بـالوحي {عَلاَّمُ الغُيُوبِ قُلْ جاءَ الـحَقُّ} أي القرآن {وَما يُبْدِىءُ البـاطِلُ وَما يُعِيدُ}، والبـاطل: إبلـيس: أي ما يخـلق إبلـيس أحداً، ولا يبعثه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {قُلْ إنَّ رَبّـي يَقْذِفُ بـالـحَقّ عَلاَّمُ الغُيُوبِ}، فقرأ: {بَلْ نَقْذِفُ بـالـحَقّ علـى البـاطلِ...} إلـى قوله

{ وَلَكُمُ الوَيْـلُ مِـمَّا تَصِفُونَ }قال: يُزْهِق الله البـاطل، ويثبت الله الـحقّ الذي دمغ به البـاطل، يدمغ بـالـحقّ علـى البـاطل، فـيهلك البـاطل ويثبت الـحقّ، فذلك قوله {قُلْ إنَّ رَبّـي يَقْذِفُ بـالـحَقّ عَلاَّمُ الغُيُوبِ}

.

قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِىٓ إِلَىَّ رَبِّىٓ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ۝٥٠

يقول تعالـى ذكره: قل يا مـحمد لقومك: إن ضَلَلتُ عن الهدى، فسلكت غير طريق الـحقّ، فإنـما ضلالـي عن الصواب علـى نفسي، يقول: فإن ضلالـي عن الهدى علـى نفسي ضرّه {وَإنِ اهْتَدَيْتُ} يقول: وإن استقمت علـى الـحقّ {فِـيـما يُوحِي إلـيَّ رَبّـي} يقول: فبوحي الله الذي يوحِي إلـيّ، وتوفـيقه للاستقامة علـى مـحجة الـحق وطريق الهُدى.

وقوله: {إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} يقول: إن ربـي سميع لـما أقول لكم، حافظ له، وهو الـمـجازِي لـي علـى صدقـي فـي ذلك، وذلك منـي غير بعيد، فـيتعذّر علـيه سماع ما أقول لكم، وما تقولون، وما يقوله غيرنا، ولكنه قريب من كلّ متكلـم يسمع كل ما ينطق به، أقرب إلـيه من حبل الوريد.

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ فَزِعُوا۟ فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا۟ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ۝٥١

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ولو تَرى يا مـحمد إذ فزعوا.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيـين بهذه الآية، فقال بعضهم: عُنِـي بها هؤلاء الـمشركون الذين وصفهم تعالـى ذكره بقوله:

{ وَإذَا تُتْلَـى عَلَـيْهِمْ آياتُنا بَـيِّناتٍ قالُوا ما هَذَا إلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آبـاؤُكُمْ } قال: وعُنِـي بقوله: {إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ} عند نزول نقمة الله بهم فـي الدنـيا. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلَوْ تَرَى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ...} إلـى آخر الآية، قال: هذا من عذاب الدنـيا.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ} قال: هذا عذاب الدنـيا.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلَوْ تَرَى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ...} إلـى آخر السورة، قال: هؤلاء قتلـى الـمشركين من أهل بدر، نزلت فـيهم هذه الآية، قال: وهم الذين بدّلوا نعمة الله كفراً، وأحلُّوا قومهم دارَ البوار جهنـم، أهل بدر من الـمشركين.

وقال آخرون: عنى بذلك جيش يخسف بهم ببـيداء من الأرض. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، فـي قوله: {وَلَوْ تَرَى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ} قال: هم الـجيش الذي يُخْسَف بهم بـالبـيداء، يبقـى منهم رجل يخبر الناس بـما لقـي أصحابه.

حدثنا عصام بن رَوّاد بن الـجَرّاح، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا سفـيان بن سعيد، قال: ثنـي منصور بن الـمعتـمر، عن رِبْعِيِّ بن حِرَاش، قال: سمعت حُذيفة بن الـيـمان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذَكر فتنة تكون بـين أهل الـمشرق والـمغرب. قال:

فبـينـما هم كذلك، إذ خرج علـيهم السُّفْـيانـيّ من الوادي الـيابس فـي فَورة ذلك، حتـى ينزل دمشق، فـيبعث جيشين: جيشاً إلـى الـمشرق، وجيشاً إلـى الـمدينة، حتـى ينزلوا بأرض بـابل فـي الـمدينة الـملعونة، والبقعة الـخبـيثة، فـيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف، وَيَبْقُرون بها أكثر من مئة امرأة، ويقتلون بها ثلاث مئة كبش من بنـي العبـاس، ثم ينـحدرون إلـى الكوفة فـيخَرّبون ما حولها، ثم يخرجون متوجهين إلـى الشأم، فتـخرج راية هذا من الكوفة، فتلـحق ذلك الـجيش منها علـى الفئتـين فـيقتلونهم، لا يفلت منهم مخبر، ويستنقذون ما فـي أيديهم من السَّبْـي والغنائم، ويخـلـي جيشه التالـي بـالـمدينة، فـينهبونها ثلاثة أيام ولـيالـيها، ثم يخرجون متوجهين إلـى مكة، حتـى إذا كانوا بـالبـيداء، بعث الله جبريـل، فـيقول: يا جبرائيـل اذهب فأبدهم، فـيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم، فذلك قوله فـي سورة سبأ {وَلَوْ تَرَى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ...} الآية، ولا ينفلت منهم إلاَّ رجلان: أحدهما بشير، والآخر نذير، وهما من جهينة ، فلذلك جاء القول:

وَعِنْدَ جُهَيْنَةَ الـخَبرُ الـيَقِـينُ

حدثنا مـحمد بن خـلَف العسقلانـيّ قال: سألت روّاد بن الـجرّاح، عن الـحديث الذي حدث به عنه، عن سفـيان الثوري، عن منصور، عن ربعى، عن حذيفة عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، عن قصة ذكرها فـي الفتن، قال: فقلت له: أخبرنـي عن هذا الـحديث سمعته من سفـيان الثوريّ؟ قال: لا، قلت: فقرأته علـيه، قال: لا، قلت: فقرىء علـيه وأنت حاضر؟ قال: لا، قلت: فما قصته، فما خبره؟ قال: جاءنـي قوم فقالوا: معنا حديث عجيب، أو كلام هذا معناه، نقرؤه وتسمعه، قلت لهم: هاتوه، فقرءوه علـيّ، ثم ذهبوا فحدّثوا به عنـي، أو كلام هذا معناه.

قال أبو جعفر: وقد:

حدثنـي ببعض هذا الـحديث مـحمد بن خـلف، قال: ثنا عبد العزيز بن أبـان، عن سفـيان الثوري، عن منصور، عن ربعى، عن حُذيفة، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، حديث طويـل، قال: رأيته فـي كتاب الـحسين بن علـيّ الصدائي، عن شيخ، عن روّاد، عن سفـيان بطوله.

وقال آخرون: بل عنى بذلك الـمشركون إذا فزعوا عند خروجهم من قبورهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن، قوله: {وَلَوْ تَرَى إذْ فَزِعوا} قال: فزعوا يوم القـيامة حين خرجوا من قبورهم. وقال قتادة: {وَلَوْ تَرَى إذْ فَزِعُوا فَلاَ فَوْتَ وأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ} حين عاينوا عذاب الله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن ابن معقل {وَلَوْ تَرَى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ} قال: أفزعهم يوم القـيامة فلـم يفوتوا.

والذي هو أولـى بـالصواب فـي تأويـل ذلك، وأشبه بـما دلَّ علـيه ظاهر التنزيـل قول من قال: وعيد الله الـمشركين الذين كذّبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه لأن الآيات قبل هذه الآية جاءت بـالإخبـار عنهم وعن أسبـابهم، وبوعيد الله إياهم مغبته، وهذه الآية فـي سياق تلك الآيات، فلأن يكون ذلك خبراً عن حالهم أشبه منه بأن يكون خبراً لـما لـم يجر له ذكر. وإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: ولو ترى يا مـحمد هؤلاء الـمشركين من قومك، فتعاينهم حين فزعوا من معاينتهم عذاب الله {فَلا فَوْتَ} يقول فلا سبـيـل حينئذٍ أن يفوتوا بأنفسهم، أو يعجزونا هربـاً، وينـجوا من عذابنا، كما:

حدثنا علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلَوْ تَرَى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ} يقول: فلا نـجاة.

حدثنا عمرو بن عبد الـحميد، قال: ثنا مروان، عن جويبر، عن الضحاك، فـي قوله: {وَلَوْ تَرَى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ} قال: لا هرب.

وقوله: {وأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ} يقول: وأخذهم الله بعذابه من موضع قريب، لأنهم حيث كانوا من الله قريب لا يبعدون عنه.

وَقَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ ۝٥٢

يقول تعالـى ذكره: وقال هؤلاء الـمشركون حين عاينوا عذاب الله آمنا به، يعنـي: آمنا بـالله وبكتابه ورسوله. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَقالُوا آمَنَّا بِهِ} قالوا: آمنا بـالله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {قالُوا آمَنَّا بِهِ} عند ذلك، يعنـي: حين عاينوا عذاب الله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَقالُوا آمَنَّا بِهِ} بعد القتل وقوله {وأنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ} يقول: ومن أيّ وجه لهم التناوش.

واختلفت قرّاء الأمصار فـي ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة {التَّناوُشُ} بغير همز، بـمعنى: التناول وقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة: «التَّناؤُشُ» بـالهمز، بـمعنى: التنؤُّش، وهو الإبطاء، يقال منه: تناءشت الشيء: أخذته من بعيد، ونشته: أخذته من قريب ومن التنؤُّش قول الشاعر:

تَـمَنَّى نَئِيشاً أنْ يكُونَ أطاعَنِـي وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الأمُورِ أمُورُ

ومن النَّوْش قول الراجز:

فَهْيَ تَنُوشُ الـحَوْضَ نَوْشاً مِنْ عَلا نَوْشاً بِهِ تَقْطَعُ أجْوَازَ الفَلا

ويقال للقوم فـي الـحرب، إذا دنا بعضهم إلـى بعض بـالرماح ولـم يتلاقوا: قد تناوش القوم.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان فـي قرّاء الأمصار، متقاربتا الـمعنى، وذلك أن معنى ذلك: وقالوا آمنا بـالله، فـي حين لا ينفعهم قـيـل ذلك، فقال الله {وأنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ} أي وأين لهم التوبة والرجعة: أي قد بعدت عنهم، فصاروا منها كموضع بعيد أن يتناولوها وإنـما وصفت ذلك الـموضع بـالبعيد، لأنهم قالوا ذلك فـي القـيامة، فقال الله: أنـي لهم بـالتوبة الـمقبولة، والتوبة الـمقبولة إنـما كانت فـي الدنـيا، وقد ذهبت الدنـيا فصارت بعيداً من الآخرة، فبأية القراءتـين اللتـين ذكرت قرأ القارىء فمصيب الصواب فـي ذلك.

وقد يجوز أن يكون الذين قرؤوا ذلك بـالهمز همزوا، وهم يريدون معنى من لـم يهمز، ولكنهم همزوه لانضمام الواو فقلبوها، كما قـيـل:

{ وَإذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ } فجعلت الواو من وُقتت، إذا كانت مضمومة همزوه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، قال: قلت لابن عبـاس: أرأيت قول الله: {وأنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ} قال: يسألون الردّ، ولـيس بحين ردّ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس نـحوه.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {وأنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ} يقول: فكيف لهم بـالردّ.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وأنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ} قال: الردّ.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد {وأنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ} قال: التناول {مِنْ مَكانٍ بَعيد}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وأنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ} قال: هؤلاء قتلـى أهل بدر من قتل منهم، وقرأ:

{ وَلَوْ تَرَى إذْ فَزِعُوا فَد فَوْتَ وأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ وَقالُوا آمَنَّا بِهِ }... الآية، قال: التناوش: التناول، وأنَّى لهم تناول التوبة من مكان بعيد، وقد تركوها فـي الدنـيا، قال: وهذا بعد الـموت فـي الآخرة.

قال: وقال ابن زيد فـي قوله {وَقالُوا آمَنَّا بِهِ} بعد القتل {وأنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعيدٍ} وقرأ:

{ وَلا الَّذِينَ يَـمُوتونَ وَهُمْ كُفَّـارٌ }} قال: لـيس لهم توبة، وقال: عرض الله علـيهم أن يتوبوا مرّة واحدة، فـيقبلها الله منهم، فأبوا، أو يعرضون التوبة بعد الـموت، قال: فهم يعرضونها فـي الآخرة خمس عرضات، فـيأبى الله أن يقبلها منهم قال: والتائب عند الـموت لـيست له توبة { وَلَوْ تَرَى إذْ وُقِـفُوا علـى النَّارِ فَقالُوا يا لَـيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذّبَ بآياتِ رَبِّنا... }الآية، وقرأ: { رَبَّنا أبْصَرْنا وَسمعْنا فـارْجِعْنا نَعْمَلْ صَالِـحاً إنَّا مُوقِنُونَ }

حدثنا عمرو بن عبد الـحميد، قال: ثنا مروان، عن جُويبر، عن الضحاك، فـي قوله: {وأنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ} قال: وأنى لهم الرجعة.

وقوله: {مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ} يقول: من آخرتهم إلـى الدنـيا، كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ} من الآخرة إلـى الدنـيا.

وَقَدْ كَفَرُوا۟ بِهِۦ مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ ۝٥٣

يقول تعالـى ذكره: {وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ} يقول: وقد كفروا بـما يسألونه ربهم عند نزول العذاب بهم، ومعاينتهم إياه من الإقالة له، وذلك الإيـمان بـالله، وبـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وبـما جاءهم به من عند الله.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ}: أي بـالإيـمان فـي الدنـيا.

وقوله: {وَيَقْذِفُونَ بـالغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ} يقول: وهم الـيوم يقذفون بـالغيب مـحمداً من مكان بعيد، يعنـي أنهم يرجمونه، وما أتاهم من كتاب الله بـالظنون والأوهام، فـيقول بعضهم: هو ساحر، وبعضهم شاعر، وغير ذلك. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {وَيَقْذِفُونَ بـالغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ} قال: قولهم ساحر، بل هو كاهن، بل هو شاعر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَيَقْذِفُونَ بـالغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ} أي يرجمون بـالظنّ، يقولون: لا بعث، ولا جنة، ولا نار.

حدثنـي يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَيَقْذِفُونَ بـالغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ} قال: بـالقرآن.

وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ فِى شَكٍّ مُّرِيبٍۭ ۝٥٤

يقول تعالـى ذكره: وحيـل بـين هؤلاء الـمشركين حين فزعوا، فلا فوت، وأخذوا من مكان قريب، فقالوا آمنا به {وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ} حينئذ من الإيـمان بـما كانوا به فـي الدنـيا قبل ذلك يكفرون ولا سبـيـل لهم إلـيه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي إسماعيـل بن حفص الأبلـي، قال: ثنا الـمعتـمر، عن أبـي الأشهب، عن الـحسن، فـي قوله: {وَحيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ} قال: حيـل بـينهم وبـين الإيـمان بـالله.

حدثنا ابن بِشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن عبد الصمد، قال: سمعت الـحسن، وسئل عن هذه الآية {وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ} قال: حيـل بـينهم وبـين الإيـمان.

حدثنـي ابن أبـي زياد، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا أبو الأشهب، عن الـحسن {وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ} قال: حيـل بـينهم وبـين الإيـمان.

حدثنا أحمد بن عبد الصمد الأنصاري، قال: ثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ} قال: من الرجوع إلـى الدنـيا لـيتوبوا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ} كان القوم يشتهون طاعة الله أن يكونوا عملوا بها فـي الدنـيا حين عاينوا ما عاينوا.

حدثنا الـحسن بن واضح، قال: ثنا الـحسن بن حبـيب، قال: ثنا أبو الأشهب، عن الـحسن، فـي قوله: {وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ} قال: حيـل بـينهم وبـين الإيـمان.

وقال آخرون: معنى ذلك: وحيـل بـينهم وبـين ما يشتهون من مال وولد وزهرة الدنـيا. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى قال: ثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ} قال: من مال أو ولد أو زهرة.

حدثنـي يونس، قال: قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ} قال: فـي الدنـيا التـي كانوا فـيها والـحياة.

وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـي ذلك، لأن القوم إنـما تَـمَنَّوا حين عاينوا من عذاب الله ما عاينوا، ما أخبر الله عنهم أنهم تَـمَنَّوه، وقالوا آمنا به، فقال الله: وأنى لهم تَناوُش ذلك من مكان بعيد، وقد كفروا من قبل ذلك فـي الدنـيا. فإذا كان ذلك كذلك، فلأن يكون قوله: {وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ} خبراً عن أنه لا سبـيـل لهم إلـى ما تـمنوه أولـى من أن يكون خبراً عن غيره.

وقوله: {كمَا فُعِلَ بأشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ} يقول فعلنا بهؤلاء الـمشركين، فحلنا بـينهم وبـين ما يشتهون من الإيـمان بـالله عند نزول سَخَط الله بهم، ومعاينتهم بأسه كما فعلنا بأشياعهم علـى كفرهم بـالله من قبلهم من كفـار الأمـم، فلـم نقبل منهم إيـمانهم فـي ذلك الوقت، كما لـم نقبل فـي مثل ذلك الوقت من ضُرَبـائهم. والأشياع: جمع شِيَع، وشِيَع: جمع شيعة، فأشياع جمع الـجمع. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح {كمَا فُعِلَ بأشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ} قال الكفـار من قبلهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {كمَا فُعِلَ بأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ} أي فـي الدنـيا كانوا إذا عاينوا العذاب لـم يُقبل منهم إيـمان.

وقوله: {إنَّهُمْ كانُوا فِـي شَكَ مُرِيبٍ} يقول تعالـى ذكره: وحيـل بـين هؤلاء الـمشركين حين عاينوا بأس الله، وبـين الإيـمان: إنهم كانوا قبل فـي الدنـيا فـي شكّ من نزول العذاب الذي نزل بهم وعاينوه، وقد أخبرهم نبـيهم أنهم إن لـم ينـيبوا مـما هم علـيه مقـيـمون من الكفر بـالله، وعبـادة الأوثان أن الله مُهْلِكهم، ومُـحِلُّ بهم عقوبته فـي عاجل الدنـيا، وآجل الآخرة قبل نزوله بهم {مريب} يقول: موجب لصاحبه الذي هو به ما يَرِيبه من مكروه، من قولهم: قد أراب الرجل: إذا أتـى ريبة وركب فـاحشة كما قال الراجز:

يا قَوْمُ مالـي وأبـا ذُؤَيْبِ؟ كُنْتُ إذا أتَوْتُهُ مِنْ غَيْبِ يَشُمُّ عِطْفِـي وَيَبَزُّ ثَوْبِـيِ كأنَّـمَا أرَبْتُهُ بِرَيْبِ

يقول: كأنـما أتـيت إلـيه ريبة.
الخميس، 22 أكتوبر 2026 11 جمادى الأولى 1448 هـ