انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

التحرير والتنويرالآيات 153–160

تفسير سورة آل عمران آية آية، من التحرير والتنوير.

إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىٓ أُخْرَىٰكُمْ فَأَثَٰبَكُمْ غَمًّۢا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمْ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ۝١٥٣

{إذ تصعدون} متعلّق بقوله:

{ ثم صرفكم عنهم }[آل عمران: 152] أي دفعكم عن المشركين حين أنتم مصعدون.

والإصْعاد: الذهاب في الأرض لأنّ الأرض تسمّى صعيداً، قال جعفر بن عُلْبة:

هَوَاي مَع الرَكْب اليَمَانِينَ مُصْعِد

والإصعاد أيضاً السَّير في الوادي، قال قتادة والربيع: أصعدوا يوم أحُد في الوادي. والمعنى: تفرّون مصعدين، كأنَّه قيل: تذهبون في الأرض أي فراراً، فـ إذ) ظرف للزمان الَّذي عقب صرف الله إيّاهم وكان من آثاره.

{ولا تلون على أحد} أي في هذه الحالة. واللَّيُّ مجاز بمعنى الرّحمة والرفق مثل العطف في حقيقته ومجازه، فالمعنى ولا يلوي أحد عن أحد فأوجز بالحذف، والمراد على أحد منكم، يعني: فررتم لا يرحم أحد أحداً ولا يرفق به، وهذا تمثيل للجدّ في الهروب حتَّى إنّ الواحد ليدوس الآخر لو تعرّض في طريقه.

وجملة {والرسول يدعوكم في أُخراكم} حال، والأخرى آخر الجيش أي من ورائكم. ودعاء الرسول دعاؤه إيّاهم للثبات والرجوع عن الهزيمة، وهذا هو دعاء الرسول النَّاس بقوله:

إليّ عباد الله من يَكُر فله الجنَّة.

وقوله: {فأثابكم غما} إن كان ضمير {فأثابكم} ضميرَ اسم الجلالةَ، وهو الأظهر والموافق لقوله بعده:

{ ثم أنزل عليكم من بعد الغم }[آل عمران: 154] فهو عطف على { صَرَفكم }[آل عمران: 152] أي ترتّب على الصرف إثابتكم. وأصلُ الإثابة إعطاء الثَّواب وهو شيء يكون جزاء على عطاء أو فعل. والغمّ ليس بخير، فيكونُ أثابكم إمّا استعارة تهكمية كقول عمرو بن كلثوم:

قَرَينَاكُم فَعَجَّلْنَا قِراكمقبيلَ الصبح مِرداة طحونا

أي جازاكم الله على ذلك الإصعاد المقارن للصرف أن أثابكم غمّاً أي قلقَا لكم في نفوسكم، والمراد أن عاقبكم بغمّ كقوله: { فبشّرهم بعذاب أليم }[آل عمران: 21] وفي هذا الوجه بعد: لأنّ المقام مقام ملام لا توبيخ، ومقام لا تنديم. وإمّا مشاكلةً تقديرية لأنَّهم لما خرجوا للحرب خرجوا طالبين الثَّواب، فسلكوا مسالك باءوا معها بعقاب فيكون كقول الفرزدق:

أخاف زياداً أن يكون عطاؤُهأدَاهِم سوداً أو مُحَدْرَجَةً سُمرا

وقول الآخر:

قلتُ: اطبُخوا لي جُبَّةً وقميصاً.

ونكتة هذه المشاكلة أن يتوصّل بها إلى الكلام على ما نشأ عن هذا الغمّ من عبرة، ومن توجّه عناية الله تعالى إليهم بعده.

والباء في قوله: {بغمّ} للمصاحبة أي غمّاً مع غمّ، وهو جملة الغموم الَّتي دخلت عليهم من خيبة الأمل في النَّصر بعد ظهور بَوارقه، ومن الانهزام، ومن قتل من قُتل، وجرح من جرح، ويجوز كون الباء للعوض، أي: جازاكم الله غمّاً في نفوسكم عوضاً عن الغمّ الَّذي نسبتم فيه للرسول وإن كان الضّمير في قوله: {فأثابكم} عائداً إلى الرسول في قوله: {والرسول يدعوكم}، وفيه بعد، فالإثابة مجاز في مقابلة فعل الجميل بمثله أي جازاكم بغمّ. والباء في قوله: {بغمّ} باء العوض. والغمّ الأوّل غمّ نفس الرسول، والغمّ الثَّاني غمّ المسلمين، والمعنى أنّ الرسول اغتمّ وحزن لما أصابكم، كما اغتممتم لما شاع من قتله فكان غمّه لأجلكم جزاءاً على غمّكم لأجله.

وقوله: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} تعليل أوّل لـ(أثابكم) أي ألهاكم بذلك الغمّ لئلاّ تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة، وما أصابكم من القتل والجراح، فهو أنساهم بمصيبة صغيرة مصيبة كبيرة، وقيل: (لا) زائدة والمعنى: لتحزنوا، فيكون زيادة في التوبيخ والتنديم إن كان قوله: {أثابكم} تهكّماً أو المعنى فأثابكم الرسول غمّاً لكيلا تحزنوا على ما فاتكم: أي سكت عن تثريبكم، ولم يظهر لكم إلاّ الاغتمام لأجلكم، لكيلا يذكّركم بالتثريب حزناً على ما فاتكم، فأعرض عن ذكره جَبراً لخواطركم. وقيل: المعنى أصابكم بالغمّ الَّذي نشأ عن الهزيمة لتعتادوا نزول المصائب، فيذهب عنكم الهلع والجزع عند النوائب.

وفي الجمع بين {ما فاتكم} و{ما أصابكم} طباق يؤذن بطباق آخر مقدّر، لأنّ ما فات هو النافع وما أصاب هو من الضّار.

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝١٥٤

الضمير في قوله: {ثم أنزل} ضمير اسم الجلالة، وهو يرجّح كون الضمير {أثابكم} مثله لئلا يكون هذا رجوعاً إلى سياق الضمائر المتقدّمة من قوله: {ولقد صدقكم الله وعده} والمعنى ثمّ أغشاكم بالنعاس بعد الهزيمة. وسمّي الأغشاء إنزالاً لأنّه لمّا كان نعاساً مقدّراً من الله لحكمة خاصّة، كان كالنازل من العوالم المشرّفة كما يقال: نزلت السكينة.

والأمَنةُ ـــ بفتح الميم ـــ الأمن، والنعاس: النوم الخفيف أو أوّل النَّوم، وهو يزيل التعب ولا يغيّب صاحبه، فلذلك كان أمنة إذ لو ناموا نوماً ثقيلاً لأخذوا، قال أبو طلحة الأنصاري، والزبير، وأنس ابن مالك: غشينا نعاس حتَّى أنّ السيف ليسقط من يد أحدنا. وقد استجدّوا بذلك نشاطهم، ونسوا حزنهم، لأنّ الحزن تبتدىء خفّته بعد أوّل نومة تعفيه، كما هو مشاهد في أحزان الموت وغيرها. و (نعاساً) بَدل على (أمنة) بدل مطابق.

وكان مقتضى الظاهر أن يقدّم النعاس ويؤخّر أمنة: لأنّ أمنة بمنزلة الصفة أو المفعول لأجله فحقّه التقديم على المفعول كما جاء في آية [الأنفال: 11]:

{ إذ يغشيكم النعاس أمنة منه } ولكنّه قدّم الأمنة هنا تشريفاً لشأنها لأنَّها جعلت كالمنزل من الله لنصرهم، فهو كالسكينة، فناسب أن يجعل هو مفعول أنزل، ويجعل النعاس بدلاً منه.

وقرأ الجمهور: يَغشى بالتحتية على أنّ الضّمير عائد إلى نعاس، وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف بالفوقية بإعادة الضّمير إلى أمَنة، ولذلك وصفها بقوله: منكم}.

لمّا ذكر حال طائفة المؤمنين، تخلّص منه لذكر حال طائفة المنافقين، كما علم من المقابلة، ومن قوله: {يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية}، ومِن ترك وصفها بمنكم كما وصف الأولى.

{وطائفة} مبتدأ وصف بجملة {قد أهمتهم أنفسهم}. وخبره جملة {يظنون بالله غير الحق} والجملة من قوله: {وطائفة قد أهمتهم} إلى قوله: {والله عليم بذات الصدور} اعتراض بين جملة {ثم أنزل عليكم} الآية. وجملة

{ إن الذين تولوا منكم }[آل عمران: 155] الآية.

ومعنى {أهمتهم أنفسهم} أي حَدّثتهم أنفسهم بما يدخل عليهم الهَمّ وذلك بعدم رضاهم بقدر الله، وبشدّة تلّهفهم على ما أصابهم وتحسّرهم على ما فاتهم مِمّا يظّنونه منجياً لهم لو عملوه: أي من الندم على ما فات، وإذ كانوا كذلك كانت نفوسهم في اضطراب وتحرّق يمنعهم من الاطمئنان ومن المنام، وهذا كقوله الآتي:

{ ليجعل اللَّه ذلك حسرة في قلوبهم }[آل عمران: 156]. وقيل معنى {أهمّتهم} أدخلت عليهم الهَمّ بالكفر والارتداد، وكان رأسُ هذه الطائفة معتّب بن قشير.

وجملة {يظنون بالله غير الحق} إمَّا استئناف بياني نشأ عن قوله: {قد أهمتهم أنفسهم} وإمَّا حال من (طائفة). ومعنى {يظنون بالله غير الحق} أنَّهم ذهبت بهم هواجسهم إلى أن ظنوا بالله ظنوناً باطلة من أوهام الجاهلية. وفي هذا تعريض بأنَّهم لم يزالوا على جاهليتهم لم يخلصوا الدين لله، وقد بيّن بعض ما لهم الظنّ بقوله: {يقولون هل لنا من الأمر من شيء} وهل للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي، بقرينة زيادة (من) قبل النكرة، وهي من خصائص النفي، وهو تبرئة لأنفسهم من أن يكونوا سبباً في مقابلة العدوّ. حتَّى نشأ عنه ما نشأ، وتعريض بأنّ الخروج للقتال يوم أحُدُ خطأ وغرور، ويظنّون أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم ليس برسول إذ لو كان لكان مؤيّداً بالنصر.

والقول في {هل لنا من الأمر من شيء} كالقول في

{ ليس لك من الأمر شيء }[آل عمران: 128] المتقدّم آنفاً. والمراد بالأمر هنا شأن الخروج إلى القتال، والأمر بمعنى السيادة الذي منه الإمارة، ومنه أولو الأمر.

وجملة {يقولون هل لنا من الأمر من شيء} بدل اشتمال من جملة {يظنّون} لأنّ ظنّ الجاهلية يشتمل على معنى هذا القول. ومعنى {لو كان لنا من الأمر شيء} أي من شأن الخروج إلى القتال، أو من أمر تدبير النَّاس شيء، أي رأي ما قتلنا ههنا، أي ما قتل قومنا. وليس المراد انتفاء القتل مع الخروج إلى القتال في أحُدُ، بل المراد انتفاء الخروج إلى أحُدُ الَّذي كان سبباً في قتل من قُتل، كما تدلّ عليه قرينة الإشارة بقوله: (ههنا)، فالكلام كناية. وهذا القول قاله عبد الله بن أُبَي ابن سلول لمّا أخبروه بمن استشهد من الخزرج يومئذ، وهذا تنصّل من أسباب الحرب وتعريض بالنَّبيء ومن أشار بالخروج من المؤمنين الَّذين رغبوا في إحدى الحسنيين.

وإنَّما كان هذا الظنّ غيرَ الحقّ لأنَّه تخليط في معرفة صفات الله وصفات رسوله وما يجوز وما يستحيل، فإنّ لله أمراً وهدياً وله قدَر وتيسير، وكذلك لرسوله الدعوة والتشريع وبذل الجهد في تأييد الدّين وهو في ذلك معصوم، وليس معصوماً من جريان الأسباب الدنيوية عليه، ومن أن يكون الحرب بينه وبين عدوّه سجالاً، قال أبو سفيان لهرقل وقد سأله: كيف كان قتالكم له؟ فقال أبو سفيان: ينال منّا وننال منه، فقال هرقل: وكذلك الإيمان حتَّى يتمّ. فظنّهم ذلك ليس بحقّ.

وقد بيّن الله تعالى أنَّه ظنّ الجاهلية الَّذين لم يعرفوا الإيمان أصلاً فهؤلاء المتظاهرون بالإيمان لم يدخل الإيمان في قلوبهم فبقيت معارفهم كما هي من عهد الجاهلية. والجاهلية صفة جرت على موصوف محذوف يقدّر بالفئة أو الجماعة، وربما أريد به حالة الجاهلية في قولهم أهل الجاهلية، وقوله تعالى: {تبرّج الجاهلية الأولى}، والظاهر أنَّه نسبة إلى الجاهل أي الَّذي لا يعلم الدين والتَّوحيد، فإنّ العرب أطلقت الجهل على ما قابل الحلم، قال ابن الرومي:

بجهل كجهل السيف والسيف منتضىوحلم كحلم السيف والسيف مغمد

وأطلقت الجهل على عدم العلم قال السموأل

فليسَ سواء عالم وجَهول

وقال النابغة:

وليس جَاهل شيءٍ مثلَ مَن علما

وأحسب أن لفظ الجاهلية من مبتكرات القرآن، وصف به أهل الشرك تنفيراً من الجهل، وترغيباً في العلم، ولذلك يذكره القرآن في مقامات الذمّ في نحو قوله: { أفحكم الجاهلية يبغون }[المائدة: 50] { ولاَ تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ الجاهليّة الأولى }[الأحزاب: 33] { إذ جعل الَّذين كفروا في قلوبهم الحَمِيَّة حَمِيَّة الجَاهلية }[الفتح: 26]. وقال ابن عبَّاس: سمعت أبي في الجاهلية يقول: اسقنا كأساً دِهاقاً، وفي حديث حكيم بن حِزام: أنَّه سأل النَّبيء صلى الله عليه وسلم عن أشياء كان يتحنّث بها في الجاهلية من صدقة وعتاقة وصلة رحم. وقالوا: شعر الجاهلية، وأيَّامُ الجاهلية. ولم يسمع ذلك كُلّه إلاّ بعد نزول القرآن وفي كلام المسلمين.

وقوله: {غير الحق} منتصب على أنَّه مفعول {يظنّون} كأنَّه قيل الباطلَ. وانتصب قوله: {ظن الجاهلية} على المصدر المبيّن للنوع إذ كلّ أحد يعرف عقائد الجاهلية إن كان متلبِّساً بها أو تاركاً بها.

وجملة {يخفون} حال من الضّمير في {يقولون} أي يقولون ذلك في حال نيّتهم غيرَ ظَاهِرِه، فـ {يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك} إعلان بنفاقهم، وأنّ قولهم: {هل لنا من الأمر من شيء} وقولهم: {لو كان من الأمر شيء ما قتلنا ههنا} هو وإن كان ظاهره صورة العتاب عن ترك مشورتهم فنِيَّتهم منه تخطئة النَّبيء في خروجه بالمسلمين إلى أُحُد، وأنَّهم أسدّ رأياً منه.

وجملة {يقولون لو كان لنا من الأمر شيء} بدل اشتمال من جملة {يخفون في أنفسهم} إذ كانوا قد قالوا ذلك فيما بينهم ولم يظهروه، أو هي بيان لجملة {يقولون هل لنا من الأمر من شيء} إذا أظهروا قولهم للمسلمين، فترجع الجملة إلى معنى بدل الاشتمال من جملة {يظنّون} لأنها لما بينت جملة هي بدل فهي أيضا كالتي بينتها، وهذا أظهر لأجل قوله بعدَه: {قل لو كنتم في بيوتكم} فإنَّه يقتضي أنّ تلك القالة فشت وبلغت الرسولَ، ولا يحسن كون جملة {يقولون لو كان} إلى آخره مستأنفة خلافا لما في «الكشاف».

وهذه المقالة صدرت من مُعَتِّب بن قُشير قال الزبير بن العوّام: غشيني النُّعاس فسمعت معتّب بن قشير يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا. فحكى القرآن مقالته كما قالها، وأسندت إلى جميعهم لأنَّهم سمعوها ورضوا بها.

وجملة {قل إن الأمر كله لله} ردّ عليهم هذا العذر الباطل أي أنّ الله ورسوله غير محتاجين إلى أمركم. والجملة معترضة. وقرأ الجمهور: كلَّه ـــ بالنصب ـــ تأكيداً لاسم إنّ، وقرأه أبو عمرو، ويعقوب ـــ بالرفع ـــ على نيّة الابتداء. والجملةُ خبر إنّ.

لقن الله رسوله الجواب عن قولهم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا. والجواب إبطال لقولهم، وتعليم للمؤمنين لدفع ما عسى أن يقع في نفوسهم من الريب، إذا سمعوا كلام المنافقين، أو هو جواب للمنافقين ويحصل به علم للمؤمنين. وفُصلت الجملة جرياً على حكاية المقاولة كما قرّرنا غير مرّة. وهذا الجواب جار على الحقيقة وهي جريان الأشياء على قَدر من الله والتسليمِ لذلك بعد استفراغ الجهد في مصادفة المأمول، فليس هذا الجواب ونظائره بمقتض ترك الأسباب، لأنّ قدر الله تعالى وقضاءه غير معلومَين لنا إلاّ بعد الوقوع، فنحن مأمورون بالسعي فيما عساه أن يكون كاشفاً عن مصادفة قدر الله لمأمولنا، فإن استفرغنا جهودنا وحُرمنا المأمول، علمنا أنّ قدر الله جرى من قبل على خلاف مرادنا. فأمَّا ترك الأسباب فليس من شأننا، وهو مخالف لما أراد الله منّا، وإعراض عمّا أقامنا الله فيه في هذا العالم وهو تحريف لمعنى القدَر. والمعنى: لو لم تكونوا ههنا وكنتم في بيوتكم لخرج الَّذين كتب الله عليهم أن يموتوا مقتولين فقتلوا في مضاجعهم الَّتي اضطجعوا فيها يوم أُحُد أي مصارعهم فالمراد بقوله: {كتب} قدّر، ومعنى {برز} خرج إلى البراز وهو الأرض.

وقرأ الجمهور باء (بيوتكم) ـــ بالكسر ـــ. وقرأه أبو عمرو، وورش عن نافع، وحفص، وأبو جعفر ـــ بالضم ـــ.

والمضاجع جمع مضجع ـــ بفتح الميم وفتح الجيم ـــ وهو محلّ الضجوع، والضجوع: وضع الجنب بالأرض للراحة والنَّوم، وفعله من باب منع ومصدره القياسي الضجْع، وأمَّا الضجوع فغير قياسي، ثمّ غلب إطلاق المضجع على مكان النَّوم قال تعالى:

{ تتجافى جنوبهم عن المضاجع }[السجدة: 16] وفي حديث أمّ زرع: مَضْجَعه كمَسلّ شَطْبَة. فحقيقة الضجوع هو وضع الجنب للنَّوم والراحة وأطلق هنا على مصارع القتلى على سبيل الاستعارة، وحسّنها أنّ الشهداء أحياء، فهو استعارة أو مشاكلة تقديرية لأنّ قولهم، ما قُتلنا ههنا يتضمَّن معنى أنّ الشهداء كانوا يَبْقون في بيوتهم متمتَّعين بفروشهم.

{وليبتلي الله ما في صدوركم} عطف على قوله:

{ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم }[آل عمران: 153] وما بينهما جمل بعضها عطف على الجملة المعلّلة، وبعضها معترضة، فهو خطاب للمؤمنين لا محالة، وهو علَّة ثانية لقوله: { فأثابكم غما بغم }[آل عمران: 153].

والصّدُور هنا بمعنى الضّمائر، والابتلاءُ: الاختبار، وهو هنا كناية عن أثره، وهو إظهاره للنَّاس والحجّة على أصحاب تلك الضّمائر بقرينة قوله: {والله عليم بذات الصدور} كما تقدّم في قوله تعالى:

{ وليعلم اللَّه الذين ءامنوا }[آل عمران: 140].

والتمحيص تخليص الشيء ممَّا يخالطه ممَّا فيه عيب له فهو كالتزكية. والقلوب هنا بمعنى العقائد، ومعنى تمحيص ما فيه قلوبهم تطهيرها ممَّا يخامرها من الريب حين سماع شُبه المنافقين الّتي يبثُّونها بينهم.

وأطلق الصدور على الضّمائر لأنّ الصدر في كلام العرب يطلق على الإحساس الباطني، وفي الحديث:

الإثم ما حاك في الصّدر وأطلق القلب على الاعتقاد لأنّ القلب في لسان العرب هو ما به يحصّل التفكّر والاعتقاد. وعُدّي إلى الصّدور فعل الابتلاء لأنَّه اختبار الأخلاق والضّمائر: ما فيها من خير وشَرّ، وليتميّز ما في النفس. وَعُدِّيَ إلى القلوب فعل التمحيص لأنّ الظنون والعقائد محتاجة إلى التمحيص لتكون مصدر كلّ خير.

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ۝١٥٥

استئناف لبيان سبب الهزيمة الخفيّ، وهي استزلال الشيطان إيّاهم، وأراد بـ {يوم التقى الجمعان} يومَ أُحُد، و(استزلّهم) بمعنى أزلّهم أي جعلهم زالّين، والزلل مستعار لفعل الخطيئة، والسين والتاء فيه للتأكيد، مثل استفاد واستبشر واستنشق وقول النَّابغة:

وهم قتلوا الطائي بالجوّ عنوةأبا جابر فاسْتَنْكحوا أم جابر

أي نكحوا. ومنه قوله تعالى: { واستغنى اللَّه }[التغابن: 6] وقوله: { أبى واستكبر }[البقرة: 34]. ولا يحسن حمل السين والتاء على معنى الطلب لأنّ المقصود لومهم على وقوعهم في معصية الرسول، فهو زلل واقع.

والمراد بالزّلل الانهزام، وإطلاق الزلل عليه معلوم مشهور كإطلاق ثبات القدم على ضدّه وهو النَّصر قال تعالى:

{ وثبت أقدامنا }[آل عمران: 147].

والباء في {ببعض ما كسبوا} للسببية وأريد {ببعض ما كسبوا} مفارقة موقفهم، وعصيان أمر الرّسول، والتنازع، والتعجيل إلى الغنيمة، والمعنى أن ما أصابهم كان من آثار الشيطان، رماهم فيه ببعض ما كسبوا من صنيعهم، والمقصد من هذا إلقاء تبعة ذلك الانهزام على عواتقهم، وإبطال ما عرّض به المنافقون من رمى تبعته على أمر الرسول ـــ عليه الصلاة والسّلام ـــ بالخروج، وتحريض الله المؤمنين على الجهاد. وذلك شأن ضعاف العقول أن يشتبه عليهم مقارن الفعل بسببه، ولأجل تخليص الأفكار من هذا الغلط الخفيّ وضع أهل المنطق باب القضيّة اللزوميّة والقضيّة الاتفاقية.

ومناسبةُ ذكر هذه الآية عقب الَّتي قبلها أنَّه تعالى بعد أن بيَّن لهم مرتبة حقّ اليقين بقوله: {قل لو كنتم في بيوتكم} انتقل بهم إلى مرتبة الأسباب الظاهرة، فبيّن لهم أنَّه إن كان للأسباب تأثير فسبب مصيبتهم هي أفعالهم الَّتي أملاها الشيطان عليهم وأضلّهم، فلم يتفطّنوا إلى السبب، والتبس عليهم بالمقارن، ومن شأن هذا الضلال أن يحول بين المخطىء وبين تدارك خطئه ولا يخفى ما في الجمع بين هذه الأغراض من العلم الصّحيح، وتزكية النفوس، وتحبيب الله ورسوله للمؤمنين، وتعظيمه عندهم، وتنفيرهم من الشيطان، والأفعالِ الذميمة، ومعصية الرسول، وتسفيه أحلام المشركين والمنافقين. وعلى هذا فالمراد من الذين تولّوا نفس المخاطبين بقوله:

{ ثم صرفكم عنهم... }[آل عمران: 152] الآيات. وضمير {منكم} راجع إلى عامّة جيش أُحُد فشمل الذين ثبتوا ولم يفرّوا. وعن السديّ أنّ الذين تولّوا جماعة هربوا إلى المدينة.

وللمفسّرين في قوله: {استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} احتمالات ذكرها صاحب «الكشاف» والفخر، وهي بمعزل عن القصد.

وقوله: {ولقد عفا الله عنهم} أعيد الإخبار بالعفْو تأنيساً لهم كقوله: {ولقد عفا عنكم}.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَقَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ كَانُوا۟ غُزًّى لَّوْ كَانُوا۟ عِندَنَا مَا مَاتُوا۟ وَمَا قُتِلُوا۟ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ۝١٥٦

تحذير من العود إلى مخالجة عقائد المشركين، وبيان لسوء عاقبة تلك العقائد في الدنيا أيضاً. والكلام استئناف. والإقبال على المؤمنين بالخطاب تلطّف بهم جميعاً بعد تقريع فريق منهم الَّذين تولّوا يوم التقى الجمعان. واللام في قولهم: {لإخوانهم} ليست لام تعدية فعل القول بل هي لام العلّة كقوله تعالى: {ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً} لأنّ الإخوان ليسوا متكلّماً معهم بل هم الَّذين ماتوا وقُتلوا، والمراد بالإخوان الأقارب في النسب، أي من الخزرج المؤمنين، لأنّ الشهداء من المؤمنين.

و (إذ) هنا ظرف للماضي بدليل فعليّ (قالوا وضَربوا)، وقد حذف فعل دلّ عليه قوله: {ما ماتوا} تقديره: فماتوا في سفرهم أو قتلوا في الغزو.

والضرب في الأرض هو السفر، فالضرب مستعمل في السير لأنّ أصل الضّرب هو إيقاع جسم على جسم وقرعه به، فالسير ضرب في الأرض بالأرجل، فأطلق على السفر للتجارة في قوله تعالى:

{ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل اللَّه }[المزمل: 20]، وعلى مطلق السفر كما هنا، وعلى السفر للغزو كما في قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا }[النساء: 94] وقوله: { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة }[النساء: 101] والظاهر أنّ المراد هنا السفر في مصالح المسلمين لأنّ ذلك هو الَّذي يلومهم عليه الكفار، وقيل: أريد بالضرب في الأرض التجارة.

وعليه يكون قرنه مع القتل في الغزو لكونهما كذلك في عقيدة الكفار.

و {غُزًّى} جمع غاز. وفُعَّل قليل في جمع فَاعل الناقص. وهو مع ذلك فصيح. ونظيره عُفَّى في قول امرىء القيس:

لَهَا قُلُب عُفَّى الحِيَاضِ أُجُونُ

وقوله: {ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} علّة لـ(ـقَالوا) باعتبار ما يتضمّنه من اعتقاد ذلك مع الإعلان به توجيهاً للنَّهي عن التشبيه بهم أي فإنَّكم إن اعتقدتم اعتقادهم لحِقَكم أثره كما لحقهم، فالإشارة بقوله: (ذلك) إلى القول الدال على الاعتقاد، وعلى هذا الوجه فالتعليل خارج عن التشبيه. وقيل: اللام لام العاقبة، أي: لا تكونوا كالَّذين قالوا فترتّب على قولهم أن كان ذلك حسرة في قلوبهم، فيكون قوله: {ليجعل} على هذا الوجه من صلة (الّذين)، ومن جملة الأحوال المشبّه بها، فيعلم أنّ النّهي عن التّشبّه بهم فيها لما فيها من الضرّ.

والحَسرة: شدّة الأسف أي الحُزن، وكانَ هذا حسرة عليهم لأنَّهم توهّموا أنّ مصابهم نشأ عن تضييعهم الحزم، وأنَّهم لو كانوا سلكوا غير ما سلكوه لنجوا فلا يزالون متلهّفين على مافتهم. والمؤمن يبذل جهده فإذا خَابَ سَلَّم لْحكم القدر.

وقوله: {والله بما تعملون بصير} تحذير لهم من أن يضمروا العود إلى ما نهوا عنه.

وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ۝١٥٧ وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحْشَرُونَ ۝١٥٨

ذكر ترغيباً وترهيباً، فجعل الموت في سبيل الله والموت في غير سبيل الله، إذا أعقبتهما المَغفرة خيراً من الحياة وما يجمعون فيها، وجعل الموت والقتل في سبيل الله وسيلة للحشر والحساب فلْيَعْلَم أحد بماذَا يُلاقي ربّه. والواو للعطف على قوله: {لا تكذبوا كالذين كفروا} وعلى قوله:

{ والله يحي ويميت }[آل عمران: 156]

واللام في قوله: {ولئن قتلتم} موطّئة للقسم أي مؤذنة بأنّ قبلها قسماً مقدّراً، ورد بعده شرط فلذلك لا تقع إلاّ مع الشرط. واللام في قوله: {لمغفرة} هي لام جواب القسم. والجوابُ هو قوله: {لمغفرة من الله ورحمة خير} لظهور أنّ التقدير: لمغفرة ورحمة لكم. وقرأه نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف: مِتّم ـــ بكسر الميم ـــ على لغة الحجاز لأنَّهم جعلوا مَاضيهُ مثل خَاف، اعتبروه مكسور العين وجعلوا مضارعه من باب قَام فقالوا: يموت، ولم يقولوا: يمات، فهو من تداخل اللغتين. وأمَّا سُفلى مضر فقد جاءوا به في الحالين من باب: قام فقرأوه: مُتُّم. وبها قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عَمرو، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب. وقرأ الجمهور، {ممَّا تجمعون} ـــ بتاء الخطاب ـــ وقرأ حفص عن عاصم ـــ بياء الغائب ـــ على أنّ الضّمير عائد إلى المشركين أي خير لكم من غنائم المشركين الّتي جمعوها وطمعتم أنتم في غنمها.

وقُدّم القتل في الأولى والموتُ في الثانية اعتباراً بعطف ما يظنّ أنّه أبْعد عن الحكم فإنّ كون القتل في سبيل الله سبباً للمغفرة أمر قريب، ولكن كون الموت في غير السبيل مثل ذلك أمر خفي مستبعد، وكذلك تقديم الموت في الثَّانية لأنّ القتل في سبيل الله قد يظنّ أنَّه بعيد عن أن يعقبه الحشر، مع ما فيه من التفنّن، ومن ردّ العجز على الصدر وجعل القتل مبدأ الكلام وعوده.

فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ ۝١٥٩

الفاء للتفريع على ما اشتمل عليه الكلام السابق الَّذي حُكي فيه مخالفة طوائف لأمر الرسول من مؤمنين ومنافقين، وما حكي من عفو الله عنهم فيما صنعوا. ولأنّ في تلك الواقعة المحكية بالآيات السابقة مظاهر كثيرة من لين النَّبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين، حيث استشارهم في الخروج، وحيث لم يثرِّبهم على ما صنعوا من مغادرة مراكزهم، ولمَّا كان عفو الله عنهم يعرف في معاملة الرّسول إيّاهم، ألاَن الله لهم الرسول تحقيقاً لرحمته وعفوه، فكان المعنى: ولقد عفا الله عنهم برحمته فَلاَن لهم الرسول بإذن الله وتكوينه إيّاه راحماً، قال تعالى:

{ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين }[الأنبياء: 107].

والباء للمصاحبة، أي لنتَ مع رحمة الله: إذ كان لينه في ذلك كلّه ليناً لا تفريط معه لشيء من مصالحهم، ولا مجاراةً لهم في التساهل في أمر الدّين، فلذلك كان حقيقاً باسم الرحمة.

وتقديم المجرور مفيد للحصر الإضافي، أي: برحمة من الله لا بغير ذلك من أحوالهم، وهذا القصر مفيد التعريض بأنّ أحوالهم كانت مستوجبة الغلظ عليهم، ولكن الله ألاَن خلق رسوله رحمة بهم، لحكمة علمها الله في سياسة هذه الأمَّة.

وزيدت (ما) بعد باء الجرّ لتأكيد الجملة بما فيه من القصر، فتعيّنَ بزيادتها كون التَّقديم للحصر، لا لمجرد الاهتمام، ونبّه عليه في «الكشاف».

واللِينُ هنا مجاز في سعة الخلق مع أمّة الدعوة والمسلمين، وفي الصفح عن جَفاء المشركين، وإقالة العثرات. ودلّ فعل المضيّ في قوله: {لنت} على أنّ ذلك وصف تقرّر وعرف من خُلقه، وأنّ فطرته على ذلك برحمة من الله إذ خلقَه كذلك

{ واللَّه أعلم حيث يجعل رسالاته }[الأنعام: 124]، فخلق الرسول مُناسب لتحقيق حصول مراد الله تعالى من إرساله، لأنّ الرسول يجيء بشريعة يبلّغها عن الله تعالى، فالتبليغ متعيّن لا مصانعة فيه، ولا يتأثّر بخلق الرسول، وهو أيضاً مأمور بسياسة أمَّته بتلك الشريعة، وتنفيذها فيهم، وهذا عمل له ارتباط قوي بمناسبة خُلق الرسول لطباع أمّته حتَّى يلائم خلقه الوسائل المتوسَّل بها لحمل أمَّته على الشَّريعة الناجحة في البلوغ بهم إلى مراد الله تعالى منهم.

أرسل محمَّد صلى الله عليه وسلم مفطوراً على الرحمة، فكان لِينه رحمة من الله بالأمَّة في تنفيذ شريعته بدون تساهل وبرفق وإعانة على تحصيلها، فلذلك جعل لينه مصاحباً لرحمةٍ من الله أودعها الله فِيه، إذ هو قد بعث للنَّاس كافّة، ولكن اختار الله أن تكون دعوته بين العرب أولَ شيء لحكمةٍ أرادها الله تعالى في أن يكون العرب هم مبلغي الشَّريعة للعالم.

والعرب أمَّة عُرفت بالأنفة، وإباء الضيم، وسلامةِ الفطرة. وسرعةِ الفهم. وهم المتلقُّون الأوّلون للدين فلم تكن تليق بهم الشّدة والغلظة، ولكنّهم محتاجون إلى استنزال طائرهم في تبليغ الشريعة لهم، ليتجنّبوا بذلك المكابرةَ الَّتي هي الحائل الوحيد بينهم وبين الإذعان إلى الحقّ. وورد أن صفح النَّبي صلى الله عليه وسلم وعفوه ورحمته كان سبباً في دخول كثير في الإسلام، كما ذكر بعض ذلك عياض في كتاب الشفاء.

فضمير {لهم} عائد على جميع الأمَّة كما هو مقتضى مقام التَّشريع وسياسة الأمَّة، وليس عائداً على المسلمين الَّذين عصوا أمر الرسول يوم أُحُد، لأنَّه لا يناسب قوله بعده: {لانفضوا من حولك} إذ لا يُظنّ ذلك بالمسلمين، ولأنَّه لا يناسب قوله بعده: {وشاورهم في الأمر} إذا كان المراد المشاورة للاستعانة بآرائهم، بل المعنى: لو كنت فظّاً لنفرك كثير ممّن استجاب لك فهلكوا، أو يكون الضّمير عائداً على المنافقين المعبّر عنهم بقوله:

{ وطائفة قد أهمتهم أنفسهم }[آل عمران: 154] فالمعنى: ولو كنت فظّاً لأعلنوا الكفر وتفرّقوا عنك، وليس المراد أنَّك لنت لهم في وقعة أُحُد خاصّة، لأنّ قوله بعده: {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} إلخ ينافي ذلك المحمل.

والفَظّ: السيء الخلق، الجافي الطبع.

والغليظ القلب: القاسِيه، إذ الغلظة مجاز عن القسوة وقلّة التسامح، كما كان اللين مجازاً في عكس ذلك، وقالت جواري الأنصار لعمر ـــ حين انتهرهنّ ـــ «أنت أفظّ وأغلظ من رسول الله» يردن أنت فظّ وغليظ دون رسول الله.

والانفضاض: التفرق. و{من حولك} أي من جهتك وإزائك، يقال: حَوْله وحَوْلَيه وحَوَاليْه وحَوَالَه وحِيَالَه وبِحِيَالِه. والضّمير للذين حَوْل رسول الله، أي الَّذين دخلوا في الدّين لأنَّهم لا يطيقون الشدّة، والكلام تمثيل: شبّهت هيئة النفور منه وكراهية الدخول في دينه بالانفضاض من حوله أي الفرار عنه متفرّقين، وهو يؤذَّن بأنَّهم حوله متّبعون له.

والتَّفريع في قوله: {فاعف عنهم} على قوله: {لنت لهم} الآية، لأنّ جميع الأفعال المأمور بها مناسب للين، فأمَّا العفول والاستغفار فأمرهما ظاهر، وأمَّا عطف {وشاورهم} فلأنّ الخروج إلى أُحُد كان عن تشاور معهم وإشارتهم، ويشمل هذا الضّميرُ جميع الَّذين لاَن لهم - صلى الله عليه وسلم - وهم أصحابه الَّذين حوله سواء من صدر منهم أمر يوم أحُد وغيرهم.

والمشاورة مصدر شاور، والاسم الشُّورَى والمَشُورة ـــ بفتح الميم وضم الشِّين ـــ أصلها مَفْعُلة ـــ بضمّ العين، فوقع فيها نقل حركة الواو إلى الساكن ـــ. قيل: المشاورة مشتقّة من شار الدابّة إذا اختبر جَريها عند العرض على المشتري، وفعل شار الدابّة مشتقّ من المِشْوَار وهو المكان الَّذي تُركض فيه الدوابّ. وأصله معرّب (نَشْخُوَار) بالفارسية وهو ما تبقيه الدابّة من علفها. وقيل: مشتقّة من شار العسل أي جناه من الوقَبَة لأنّ بها يستخرج الحقّ والصّواب، وإنَّما تكون في الأمر المهمّ المشكل من شؤون المرء في نفسه أو شؤون القبيلة أو شؤون الأمة.

و (أل) في الأمر للجنس، والمراد بالأمر المهمّ الَّذي يؤتمر له، ومنه قولهم: أمْر أمِر، وقال أبو سفيان لأصحابه ـــ في حديث هرقل ـــ: "لقد أمِر أمْرُ ابن أبي كَبشة، إنَّه يَخافُه مَلِك بَنِي الأصفر". وقيل: أريد بالأمر أمر الحرب فاللام للعهد.

وظاهر الأمر أنّ المراد المشاورة الحقيقية الَّتي يقصد منها الاستعانة برأي المستشارَيْن بدليل قوله عقبه: {فإذا عزمت فتوكل على الله} فضمير الجميع في قوله: {وشاورهم} عائد على المسلمين خاصة: أي شاور الَّذين أسلموا مِن بين مَن لنت لهم، أي لا يصدّك خطل رأيهم فيما بدا منهم يوم أحُد عن أن تستعين برأيهم في مواقع أخرى، فإنَّما كان ما حصل فلتة منهم، وعشرة قد أقَلْتَهم منها.

ويحتمل أن يراد استشارة عبد الله بن أبي وأصحابه، فالمراد الأخذ بظاهر أحوالهم وتأليفهم، لعلّهم أن يُخلصوا الإسلام أو لا يزيدوا نفاقاً، وقطعاً لأعذارهم فيما يستقبل.

وقد دلّت الآية على أن الشُّورى مأمور بها الرسُول صلى الله عليه وسلم فيما عبّر عنه بـ(ـالأمر) وهو مُهمّات اللأمّة ومصالحها في الحرب وغيره، وذلك في غير أمر التَّشريع لأنّ أمر التَّشريع إن كان فيه وحي فلا محيد عنه، وإن لم يكن فيه وحي وقلنا بجواز الاجتهاد للنَّبي صلى الله عليه وسلم في التَّشريع فلا تدخل فيه الشورى لأنّ شأن الاجتهاد أن يستند إلى الأدلّة لا للآراء، والمجتهد لا يستشير غيره إلاّ عند القضاء باجتهاده. كما فعل عُمر وعُثمان.

فتعيّن أنّ المشاورة المأمور بها هنا هي المشاورة في شؤون الأمَّة ومصالحها، وقد أمر الله بها هنا ومدحها في ذكر الأنصار في قوله تعالى:

{ وأمرهم شورى بينهم }[الشورى: 38] واشترطها في أمر العائلة فقال: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما }[البقرة: 233]. فشرع بهاته الآيات المشاورة في مراتب المصالح كلّها: وهي مصالح العائلة ومصالح القبيلة أو البلد، ومصالح الأمَّة.

واختلف العلماء في مدلول قوله: {وشاورهم} هل هو للوجوب أو للندب، وهل هو خاصّ بالرسول ـــ عليه الصلاة السَّلام ـــ، أو عامّ له ولولاة أمور الأمَّة كلّهم.

فَذهب المالكية إلى الوجوب والعموم، قال ابن خُوَيْز منداد: واجب على الولاة المشاورة، فيُشاورون العلماء فيما يشكل من أمور الدّين، ويشاورون وجوه الجيش فيما يتعلّق بالحرب، ويشاورون وجوه النَّاس فيما يتعلَّق بمصالحهم ويشاورون وجوه الكتّاب والعمّال والوزراء فيما يتعلّق بمصالح البلاد وعمارتها. وأشار ابن العربي إلى وجوبها بأنَّها سبب للصّواب فقالَ: والشورى مِسبار العقل وسبب الصّواب. يشير إلى أنَّنا مأمورون بتحرّي الصّواب في مصالح الأمَّة، وما يتوقّف عليه الواجب فهو واجب. وقال ابن عطية: الشورى من قواعد الشَّريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، وهذا ما لا اختلاف فيه. واعتراض عليه ابن عرفة قوله: فعزله واجب ولم يعترض كونَها واجبة، إلاّ أنّ ابن عطية ذكر ذلك جازماً به وابن عرفة اعترضه بالقياس على قول علماء الكلام بعدم عزل الأمير إذا ظهر فسقه، يعني ولا يزيد تركُ الشورى على كونه تركَ واجب فهو فسق. وقلت: من حفظ حجَّة على من لم يحفظ، وإنّ القياس فيه فارق معتبر فإنّ الفسق مضرّته قاصرة على النفس وترك التشاور تعريض بمصالح المسلمين للخطر والفوات، ومحمل الأمر عند المالكية للوجوب والأصل عندهم عدم الخصوصية في التَّشريع إلاّ لدليل.

وعن الشافعي أنّ هذا الأمر للاستحباب، ولتقتدي به الأمّة، وهو عامّ للرسول وغيره، تطييباً لنفوس أصحابه ورفعاً لأقدارهم، وروى مثله عن قتادة، والرّبيع، وابن إسحاق. وردّ هذا أبو بكر أحمدُ بن عليّ الرازي الحنفي المشهور بالجَصّاص بقوله: لو كان معلوماً عندهم أنَّهم إذا استَفرغوا جهدهم في استنباط الصّواب عمَّا سُئِلُوا عنه، ثُمّ لم يكن معمولاً به، لم يكن في ذلك تطييب لنفوسهم ولا رفع لأقدارهم، بل فيه إيحاشُهم فالمشاورة لم تفد شيئاً فهذا تأويل ساقط. وقال النووي، في صدر كتاب الصلاة من «شرح مسلم»: الصحيح عندهم وجوبها وهو المختار. وقال الفخر: ظاهر الأمر أنَّه للوجوب. ولم ينسب العلماء للحنفية قولاً في هذا الأمر إلا أنّ الجَصّاص قال في كتابه أحكام القرآن عند قوله تعالى: {وأمرهم شورى بينهم}): هذا يدلّ على جلالة وقع المَشُورة لذكرها مع الإيمان وإقامة الصّلاة ويدلّ على أنَّنا مأمورون بها. ومجموع كلامي الجصّاص يدلّ أن مذهب أبي حنيفة وجوبها.

ومن السلف من ذهب إلى اختصاص الوجوب بالنَّبي صلى الله عليه وسلم قاله الحسن وسفيان، قالا: وإنَّما أمر بها ليقتدى به غيره وتشيع في أمَّته وذلك فيما لا وحي فيه. وقد استشار النَّبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج لبدر، وفي الخروج إلى أحُد، وفي شأن الأسرى يوم بدر، واستشار عموم الجيش في رَدِّ سبي هوازن.

والظاهر أنَّها لا تكون في الأحكام الشرعية لأنّ الأحكام إن كانت بوحي فظاهر، وإن كانت اجتهادية، بناء على جواز الاجتهاد للنَّبي صلى الله عليه وسلم في الأمور الشرعية، فالاجتهاد إنَّما يستند للأدلَّة لا للآراء وإذا كان المجتهد من أمَّته لا يستشير في اجتهاده، فكيف تجب الاستشارة على النَّبي صلى الله عليه وسلم مع أنَّه لو اجتهد وقلنا بجواز الخطإ عليه فإنَّه لا يُقرّ على خطإ باتّفاق العلماء. ولم يزل من سنّة خلفاء العدل استشارة أهل الرأي في مصالح المسلمين، قال البخاري في كتاب الاعتصام من «صحيحه»: «وكانت الأئمة بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم، وكان القُرّاء أصحابَ مشُورة عمَرَ: كُهولاً كانوا أو شُبَّاناً، وكان وقّافاً عند كتاب الله». وأخرج الخطيب عن عليّ قال:

قلت: يا رسول الله الأمر ينزل بعدَك لم يَنزل فيه قرآن ولم يسْمع منك فيه شيء ـــ قال: اجمعوا له العابِد من أمّتي واجعلوه بينكم شُورى ولا تقضوه برأي واحدواستشار أبو بكر في قتال أهل الردّة، وتشاور الصّحابةُ في أمر الخليفة بعد وفاة النَّبي صلى الله عليه وسلم وجعل عمر ـــ رضي الله عنه ـــ الأمر شورى بعده في ستَّة عيّنهم، وجعل مراقبة الشورى لِخمسين من الأنصار، وكان عمر يكتب لعمّاله يأمرهم بالتَّشاور، ويتمثّل لهم في كتابه بقول الشاعر (لم أقف على اسمه):

خَلِيلَيّ ليسَ الرأيُ في صَدرِ واحدأشِيرا عَلَيّ بالَّذِي تَرَيَانِ

هذا والشورى ممَّا جبل لله عليه الإنسان في فطرته السليمة أي فطره على محبّة الصلاح وتطلّب النجاح في المساعي، ولذلك قرن الله تعالى خلق أصل البشر بالتَّشاور في شأنه إذ قال للملائكة: { إني جاعل في الأرض خليفة }[البقرة: 30]، إذ قد غَنِي الله عن إعانة المخلوقات في الرأي ولكنَّه عرض على الملائكة مراده ليكون التَّشاور سنّة في البشر ضرورة أنّه مقترن بتكوينه، فإنّ مقارنة الشيء للشيء في أصل التكوين يوجب إلفه وتعارفه، ولمَّا كانت الشورى معنى من المعاني لا ذات لها في الوجود جعل الله إلفها للبشر بطريقة المقارنة في وقت التكوين. ولم تزل الشورى في أطوار التاريخ رائجة في البشر فقد استشار فرعون في شأن موسى ـــ عليه السَّلام ـــ فيما حكى الله عنه بقوله: { فماذا تأمرون }[الأعراف: 110]. واستشارت بلقيس في شأن سليمان ـــ عليه السلام ـــ فيما حكى الله عنها بقوله: {قالت يأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون} وإنَّما يلهي النَّاس عنها حبّ الاستبداد، وكراهية سماع ما يخالف الهوى، وذلك من انحراف الطبائع وليس من أصل الفطرة، ولذلك يهرع المستبدّ إلى الشورى عند المضائق. قال ابن عبد البرّ في بهجة المجالس: الشورى محمودة عند عامّة العلماء ولا أعلم أحداً رضِي الاستبداد إلاّ رجل مفتون مخادع لمن يطلب عنده فائدة، أو رجل فاتك يحاول حين الغفلة، وكلا الرجلين فاسق. ومثَل أوّلهما قول عمر بن أبي ربيعة:

واستَبَدّت مَرّة واحِدةإنَّمَا العَاجِز مَن لا يستبدّ

ومَثل ثانيهما قول سَعْد بن نَاشِب:

إذا هَمّ ألقَى بين عينيه عزمهونَكَّب عن ذِكْر العواقب جانباًولم يستَشِرْ في أمره غَير نفسهولم يَرْضَ إلا قَائم السيف صاحباً

ومن أحسن ما قيل في الشورى قول بشار بن برد:

إذا بَلغ الرأيُ المَشُورة فاستَعنبحزم نصيح أو نصيحة حازمولا تحسب الشُورى عليك غضاضةمَكانُ الخَوافي قُوّة للقَوادِم

وهي أبيات كثيرة مثبتة في كتب الأدب.

وقوله: {فإذا عزمت فتوكل على الله} العزم هو تصميم الرأي على الفعل وحُذف متعلَّق (عزمت) لأنَّه دلّ عليه التفريع عن قوله: {وشاورهم في الأمر}، فالتقدير: فإذا عزمت على الأمر. وقد ظهر من التفريع أنّ المراد: فإذا عزمت بعد الشورى أي تبيّن لك وجه السداد فيما يجب أن تسلكه فعزمت على تَنفيذه سواء كان على وفق بعض آراء أهل الشورى أم كان رأياً آخر لاح للرّسول سدادُه فقد يَخْرج من آراء أهل الشورى رأي، وفي المثل: «مَا بَيْنَ الرأيَيْن رأي».

وقوله: {فتوكل على الله} التوكُّل حقيقته الاعتماد، وهو هنا مجاز في الشروع في الفعل مع رجاء السداد فيه من الله، وهو شأن أهل الإيمان، فالتوكّل انفعال قلبي عقلي يتوجّه به الفاعل إلى الله راجياً الإعانة ومستعيذاً من الخيبة والعوائق، وربَّما رافقه قول لساني وهو الدعاء بذلك. وبذلك يَظهر أن قوله: {فتوكل على الله} دليل على جواب إذَا، وفَرع عنه، والتقدير: فإذَا عزمت فَبَادر ولا تتأخّر وتَوكَّل على الله، لأنّ للتأخّر آفاتٍ، والتردّد يضيّع الأوقات، ولو كان التَّوكل هو جواب إذا لما كان للشورى فائدة لأنّ الشورى كما علمت لقصد استظهار أنفع الوسائل لحصول الفعل المرغوب على أحسن وجه وأقربه، فإنّ القصد منها العمل بما يتضّح منها، ولو كان المراد حصول التوكّل من أوّل خطور الخاطر، لما كان للأمر بالشورى من فائدة. وهذه الآية أوضح آية في الإرشاد إلى معنى التَّوكل الَّذي حرَف القاصرون ومن كان على شاكلتهم معناه، فأفسدوا هذا الدين من مبناه.

وقوله: {إن الله يحب المتوكلين} لأنّ التوكّل علامة صدق الإيمان، وفيه ملاحظة عظمة الله وقدرته، واعتقادُ الحاجة إليه، وعدم الاستغناء عنه وهذا، أدب عظيم مع الخالق يدلّ على محبّة العبد ربّه فلذلك أحبَّه الله.

إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعْدِهِۦ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ۝١٦٠

استئناف نشأ عن قوله:

{ ولئن قتلتم في سبيل الله أو مِتُّم }[آل عمران: 157] أو عن قوله: { لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم }[آل عمران: 156] الآية.

ولو حُمل هذا الخبر على ظاهر الإخبار لكان إخبَاراً بأمر معلوم عند المخاطبين إذ هم مؤمنون، ولا يجهل مؤمن أنّ الله إذا قَدّر نَصر أحَدٍ فلا رادّ لنصره، وأنَّه إذا قدّر خَذْلَه فلا ملجأ له من الهزيمة، فإنّ مثل هذا المعنى محقّق في جانب الله لا يجهله معترف بإلهيته، مؤمن بوحدانيته، وهل بعد اعتقاد نفي الشريك عن الله في ملكه مجال لاعتقاد وجود ممانع له في إرادته، فيتعيّن أن يكون هذا الخبر مراداً به غيرُ ظاهر الإخبار، وأحسن ما يحمل عليه أن يكون تقريراً لتسلية المؤمنين على ما أصابهم من الهزيمة، حتَّى لا يحزنوا على ما فات لأنّ ردّ الأمور إلى الله تعالى عند العجز عن تداركها مسلاة للنفس، وعزاء على المصيبة، وفي ضمن ذلك تنبيه إلى أنّ نصر الله قوماً في بعض الأيَّام، وخَذْله إيّاهم في بعضها، لا يكون إلاّ لحِكَم وأسباب، فعليهم السعي في أسباب الرضا الموجب للنصر، وتجنّب أسباب السخط الموجب للخَذل كما أشار إليه قوله:

{ يأيُّها الَّذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم }[محمد: 7] وقوله: {فأثابكم غماً بغم} [آل عمران: 153] وقوله الآتي: { أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليْها قلتم أنى هذا }[آل عمران: 165] وعليهم التطلّب للأسباب الَّتي قُدر لهم النَّصر لأجلها في مثل يوم بَدر، وأضدادها الَّتي كان بها الخَذل في يَوم أحُد، وفي التفكير في ذلك مجال واسع لمكاشفات الحقائق والعلل والأسباب والحكم والمنافع والمضارّ على قدر سعة التفكير الجائل في ذلك، ففي هذا الخبر العظيم إطلاق للأفكار من عقالها، وزجّ بها في مسارح العبر، ومراكض العظات، والسابقون الجيادُ، فالخبر مستعمل في لازم معناه وهو الحضّ على تحصيل ذلك. وعلى هذا الوجه تظهر مناسبة موقع هذا الاستئناف عقب ما تقدّمه: لأنَّه بعد أن خاطبهم بفنون الملام والمعذرة والتسلية من قوله: { قد خلت من قبلكم سنن }[آل عمران: 137] إلى هنا، جمع لهم كُلّ ذلك في كلام جامع نافعٍ في تلقِّي الماضي، وصالحٍ للعمل به في المستقبل، ويجوز أن يكون الإخبار مبنيّاً على تنزيل العالم منزلة الجاهل، حيث أظهروا من الحرص على الغنيمة ومن التأوّل في أمر الرسول لهم في الثبات، ومن التلهّف على ما أصابهم من الهزيمة والقتل والجرح، ما جعل حالهم كحال من يجهل أنّ النصر والخذل بيد الله تعالى. فالخبر مستعمل في معناه على خلاف مقتضى الظاهر.

والنَّصر: الإعانة على الخلاص من غلب العَدوّ ومُريد الإضرار.

والخِذْلانُ ضدّه: وهو إمساك الإعانة مع القدرة، مأخوذ من خَذلت الوَحشية إذا تخلفت عن القطيع لأجل عجز ولدها عن المشي.

ومعنى {إن ينصركم} {وإن يخذلكم} إنْ يُرد هَذا لَكم، وإلاّ لما استقام جواب الشرط الأوّل، وهو «{فلا غالب لكم} إذ لا فائدة في ترتيب عدم الغلب على حصول النصر بالفِعل، ولا سيما مع نفي الجنس في قوله: {فلا غالب لكم}، لأنَّه يصير من الإخبار بالمعلوم، كما تقول: إن قمتَ فأنتَ لست بقَاعد. وأمَّا فعل الشرط الثَّاني وهو: {وإن يخذلكم} فيقدّر كذلك حَمْلاً على نظيره، وإن كان يستقيم المعنى بدون تأويل فيه. وهذا من استعمال الفعل في معنى إرادة الفعل كقوله تعالى:

{ إذا قمتم إلى الصلوٰة فاغسلوا وجوهكم }[المائدة: 6] الآية.

وجَعْل الجواب بقوله: {فلا غالب لكم} دون أن يقول: لا تغلبوا، للتنصيص على التَّعميم في الجواب، لأنّ عموم ترتّب الجزاء على الشرط أغلبي وقد يكون جزئياً أي لا تغلبوا من بعض المغالبين، فأريد بإفادة التعميم دفع التّوهم.

والاستفهام في قوله: {فمن ذا الذي ينصركم من بعده} إنكاري أي فلا ينصركم أحد غيره.

وكلمة {من بَعده} هنا مستعملة في لازم معناها وهو المغايرة والمجاوزة: أي فمن الَّذي ينصركم دونَه أو غيرَه أي دون اللَّه، فالضّمير ضمير اسم الجلالة لا محالة، واستعمال (بعد) في مثل هذا شائع في القرآن قال تعالى:

{ فمن يهديه من بعد الله }[الجاثية: 23] وأصل هذا الاستعمال أنه كالتمثيلية المكنية: بأن مثلت الحالة الحاصلة من تقدير الانكسار بحالة من أسلم الذي استنصر به وخذله فتركه وانصرف عنه لأن المقاتل معك إذا ولى عنك فقد خذلك فحذف ما يدل على الحالة المشبه بها ورمز إليه بلازمه وهو لفظ {من بعده}.

وجملة {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} تذييل قصد به الأمر بالتَّوكل المستند إلى ارتكاب أسباب نصر الله تعالى: من أسبابٍ عادية وهي الاستعداد، وأسبابٍ نفسانية وهي تزكية النفس واتّباع رضَى الله تعالى

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ