انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

التحرير والتنويرالآيات 45–63

تفسير سورة آل عمران آية آية، من التحرير والتنوير.

إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ۝٤٥ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝٤٦

بدل اشتمال من جملة

{ وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك }[آل عمران: 42] قصد منه التكرير لتكميل المقُول بعد الجمل المعترضة. ولكونه بدلاً لم يعطف على إذْ قالت الأولِ. وتقدّم الكلام على يُبشرك.

والكلمة مراد بها كلمة التكوين وهي تعلق القدرة التنجيزي كما في حديث خلق الإنسان من قوله: «ويؤمر بأرْبَع كَلِمَات بكتب رزقه وأجله» إلخ.

ووصف عيسى بكلمة مراد به كلمة خاصة مخالفة للمعتاد في تكوين الجنين أي بدون الأسباب المعتادة.

وقوله: {منه} مِن للابتداء المجازي أي بدون واسطة أسباب النسل المعتادة وقد دلّ على ذلك قوله:

{ إذا قضى أمراً }[البقرة: 117].

وقوله: {اسمه المسيح عيسى ابن مريم} عبر عن العَلَم واللقَب والوصفِ بالاسم. لأنّ لثلاثتها أثراً في تمييز المسمّى. فأما اللقب والعلم فظاهر. وأما الوصف المفيد للنسب فلأنّ السامعين تعارفوا ذكر اسم الأب في ذكر الأعلام للتمييز وهو المتعارف، وتذكر الأمّ في النسب إما للجهل بالأب كقول بعضهم: زياد بن سُمَيةَ قبل أن يُلْحق بأبي سفيان في زمنِ معاويةَ بن أبي سفيان، وإما لأنّ لأمّه مفخراً عظيماً كقولهم: عَمْرو ابن هند، وهو عمرو بن المنذر ملكُ العرب.

والمسيح كلمة عبرانية بمعنى الوصف. ونقلت إلى العربية علماً بالغلبة على عيسى وقد سمى متنصرة العرب بعضَ أبنائهم «عبد المسيح» وأصلها مَسِّيِّح - بميم مفتوحة ثم سين مهملة مكسورة مشدّدة ثم ياء مثنّاة مكسورة مشدّدة ثم حاء مهملة ساكنة - ونطق به بعض العرب بوزن سِكِّين.

ومعنى مسيح ممسوح بدهن المَسْحة وهو الزيت المعطّر الذي أمر الله موسى أن يتّخذه ليسكبه على رأس أخيه هارون حينما جعله كاهناً لبني إسرائيل، وصارت كهنة بني إسرائيل يمسحون بمثله من يملِّكونهم عليهم من عهد شاول الملِك، فصار المسيح عندهم بمعنى المَلِك: ففي أول سفر صمويل الثاني من كتب العهد القديم قال داود للذي أتاه بتاج شاول الملك المعروف عند العرب بطالوت «كيف لم تخف أن تمدّ يدك لتهلك مسيح الرب».

فيحتمل أنّ عيسى سمّي بهذا الوصف كما يُسَمّون بمَلِك ويحتمل أنه لقبٌ لقبه به اليهود تهكماً عليه إذ اتهموه بأنه يحاول أن يصير ملكاً على إسرائيل ثم غَلب عليه إطلاق هذا الوصف بينهم واشتهر بعد ذلك، فلذلك سمي به في القرآن.

والوجيه ذو الوجاهة وهي: التقدّم على الأمثال، والكرامةُ بين القوم، وهي وصف مشتق من الوَجْه للإنسان وهو أفضل أعضائه الظاهرة منه، وأجمعها لوسائل الإدراك وتصريف الأعمال، فأطلق الوجه على أول الشيء على طريقة الاستعارة الشائعة فيقال: وجهُ النهار لأول النهار قال تعالى:

{ وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وَجْهَ النهار واكفُروا آخرَه }[آل عمران: 72] وقال الربيع بن زياد العبسي:

مَن كان مسروراً بمقتل مالكفليأتِ نسوتنا بوجه نهار

وقال الأعشى:

ولاَح لهم وَجْهَ العَشِيَّاتِ سَمْلَقُ

ويقولون: هو وَجْه القوم أي سيّدهم والمقدّم بينهم. واشتق من هذا الاسم فعل وَجُه بضم الجيم ككَرُم فجاء منه وَجيه صفةً مشبّهة، فوجيه الناس المكرّم بينهم، ومقبول الكلمة فيهم، قال تعالى في وصف موسى عليه السلام: {وكان عند اللَّه وجيهاً}.

والمهد شِبْه الصندوق من خشب لا غطاء له يُمهد فيه مَضجع للصبي مدة رضاعه يُوضع فيه لحفظه من السقوط.

وخُص تكليمُه بحالين: حالِ كونه في المَهد، وحالِ كونه كهلاً، مع أنه يتكلّم فيما بين ذلك لأنّ لذَينك الحالين مزيدَ اختصاص بتشريف اللَّه إياه فأما تكليمه الناس في المهد فلأنه خارق عادة إرهاصاً لنبوءته. وأما تكليمهم كهلاً فمراد به دَعوتُه الناس إلى الشريعة. فالتكليم مستعمل في صريحه وفي كنايته باعتبار القرينة المعينة للمعنيين وهي ما تعلق بالفعل من المجرورين.

وعطف عليه {ومن الصالحين} فالمجرور ظرف مستقرّ في موضع الحال.

والصالحون الذين صفتهم الصلاح لا تفارقهم، والصلاح استقامة الأعمال وطهارة النفس قال إبراهيم:

{ ربِّ هبْ لي من الصالحين }[الصافات: 100].

والكهل من دخل في عشرة الأربعين وهو الذي فارق عصر الشباب، والمرأة شهلة بالشين، ولا يقال كهلة كما لا يقال شهل للرجل إلاّ أن العرب قديماً سمّوا شهلاً مثل شهل بن شيبان الملقب الفِنْد الزِّماني فدلنا ذلك على أنّ الوصف أميت. وقد كان عيسى عليه السلام حيث بعث ابن نيف وثلاثين.

وقوله: {وجيهاً} حال من {كلمة} باعتبار ما صِدْقها. {ومن المقرّبين} عطف على الحال، {ويكلم} جملة معطوفة على الحال المفردة: لأنّ الجملة التي لها محل من الإعراب لها حكم المفرد.

وقوله: {في المهد} حال من ضمير (يكلّم). وكهلاً عطف على محلّ الجار والمجرور، لأنهما في موضع الحال، فعطف عليهما بالنصب، {ومن الصالحين} معطوف على {ومن المقرّبين}.

قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ۝٤٧

قوله: {قالت رب} جملة معترضة، من كلامها، بين كلام الملائكة.

والنداء للتحسر وليس للخطاب: لأنّ الذي كلمها هو الملك، وهي قد توجهت إلى الله.

والاستفهام في قولها {أنى يكون لي ولد} للإنكار والتعجّب ولذلك أجيب جوابين أحدهما كذلك الله يخلق ما يشاء فهو لرفع إنكارها، والثاني إذا قضى أمراً إلخ لرفع تعجّبها.

وجملة {قال كذلك الله يخلق} إلخ جواب استفهامها ولم تعطف لأنّها جاءت على طريقة المحاورات كما تقدم في قوله تعالى:

{ قالوا أتجعل فيها ومابعدها } في سورة البقرة (30) والقائل لها هو الله تعالى بطريق الوحي.

واسم الإشارة في قوله: كذلك} راجع إلى معنى المذكور في قوله:

{ إن الله يبشرك بكلمة منه إلى قوله وكهلا }[آل عمران: 45، 46] أي مثل ذلك الخلق المذكور يخلق الله ما يشاء. وتقديم اسم الجلالة على الفعل في قوله: {الله يخلق} لإفادة تقوى الحكم وتحقيق الخبر.

وعبر عن تكوين الله لعيسى بفعل يَخْلق: لأنّه إيجاد كائن من غير الأسباب المعتادة لإيجاد مثله، فهو خلْق أنُفٌ غيرُ ناشىء عن أسباب إيجاد الناس، فكان لفعل يخلُق هنا موقعٌ متعين، فإنّ الصانع إذا صنع شيئاً من موادّ معتادة وصنعة معتادة، لا يقول خلَقْت وإنما يقول صَنَعت.

وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ۝٤٨ وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝٤٩

جملة {ويعلّمه} معطوفة على جملة

{ ويكلّم الناس في المهد }[آل عمران: 46] بعد انتهاء الاعتراض.

وقرأ نافع، وعاصم: ويُعلّمه - بالتحتِية - أي يعلّمه اللَّهُ. وقرأه الباقون بنُون العظمة، على الالتفات.

والكتاب مراد به الكتاب المعهود. وعطفُ التوراة تمهيد لعطف الإنجيل - ويجوز أن يكون الكتاب بمعنى الكتابة - وتقدم الكلام على التوراة والإنجيل في أول السورة.

{ورسولاً} عطف على جملة (يُعلّمه) لأنّ جملة الحال، لكونها ذات محل من الإعراب، هي في قوة المفرد فنصب رسولاً على الحال، وصاحب الحال هو قوله بكلمة، فهو من بقية كلام الملائكة.

وفتح همزة أنّ في قوله: {أنى قد جئتكم} لتقدير باء الجر بعد رسولاً، أي رسولاً بهذا المقال لما تضمنه وصف رسولاً من كونه مبْعوثاً بكلام، فهذا مبدأ كلام بعد انتهاء كلام الملائكة.

ومعنى {جئتكم} أُرسلت إليكم من جانب الله ونظيرة قوله تعالى:

{ ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة }[الزخرف: 63].

وقوله: {بآية} حال من ضمير {جئتكم} لأنّ المقصود الإخبار بأنه رسول لا بأنه جاء بآية. شبه أمر الله إياه بأن يبلّغ رسالة بمجيء المرسَل من قوم إلى آخرين ولذلك سميّ النبي رسولاً.

والباء في قوله {بآية} للملابسة أى مقارناً للآيات الدالة على صدقي في هذه الرسالة المعبّر عنها بفعل المجيء. والمجرور متعلق بجئتكم على أنه ظرف لغو، ويجوز أن يكون ظرفاً مستقراً في موضع الحال من {جئتكم} لأن معنى جئتكم: أرسلت إليكم، فلا يحتاج إلى ما يتعلق به. وقوله: {إني أخلق} بكسر الهمزة استئناف لبيان آية وهي قراءة نافع، وأبي جعفر. وقرأه الباقون بفتح همزة أنّي} على أنه بدل من {أني قد جئتكم}.

والخلق: حقيقته تقدير شيء بقدْر، ومنه خلق الأديم تقديره بحسب ما يراد من قِطعَه قبل قطع القطعة منه قال زهير:

ولأنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وبَعْض القَوْم يَخْلُق ثُم لا يَفْرِي

يريد تقدير الأديم قبل قطعه والقطع هو الفري، ويُستعمل مجازاً مشهوراً أو مشتركاً في الإنشاء، والإبداع على غير مثال ولا احتذاءٍ، وفي الإنشاء على مثال يُبْدَع ويقدّر، قال تعالى:

{ ولقد خلقناكم ثم صَوّرناكم }[الأعراف: 11] فهو إبداع الشيء وإبرازه للوجود والخلق هنا مستعمل في حقيقته أيْ: أقدّر لكم من الطين كهيئة الطير، وليس المراد به خلق الحيوان، بدليل قوله فأنفُخ فيه.

وتقدم الكلام على لفظ الطّيْر في قوله تعالى:

{ فخذ أربعة من الطير } في سورة [البقرة: 360]. والكاف في قوله: {كهيئة الطير} بمعنى مثل، وهي صفة لِموصوف محذوف دل عليه أخلُق، أي شيئاً مقدّراً مثلَ هيئة الطير. وقرأ الجمهور «الطَّير» وهو اسم يقع على الجمع غالباً وقد يقع على الواحد. وقرأه أبو جعفر «الطائر».

والضمير المجرور بفي من قوله: {فأنفخ فيه} عائد إلى ذلك الموصوف المحذوف الذي دلت عليه الكاف.

وقرأ نافع - وحده - فيكون طائراً بالإفراد وقرأ الباقون فيكون طَيْراً بصيغة اسم الجمع فقراءة نافع على مراعاة انفراد الضمير، وقراءة الباقين على اعتبار المعنى. جعل لنفسه التقدير، وأسند لله تكوين الحياة فيه.

والهيئة: الصورة والكيفية أي أصَوِّر من الطين صورةً كصورة الطير. وقرأ الجميع كهيئة بتحتية ساكنة بعدها همزة مفتوحة.

وزاد قوله: {بإذن الله} لإظهار العبودية، ونفي توهم المشاركة في خلق الكائنات. والأكمه: الأعمى، أو الذي ولد أعمى.

والأبرص: المصاب بداء البرص وهو داء جلدي له مظاهر متنوّعة منها الخفيف ومنها القوي وأعراضه بقع بيضاء شديدة البياض تظهر على الجلد فإن كانت غائرة في الجلد فهو البرص وإن كانت مساوية لسطح الجلد فهو البَهق ثم تنتشر على الجلد فربما عمّت الجلد كله حتى يصير أبيض، وربما بقيت متميزة عن لون الجلد.

وأسبابه مجهولة، ويأتي بالوراثة، وهو غير مُعْد، وشوهد أنّ الإصابة به تكثر في الذين يقللون من النظافة أو يسكنون الأماكن القذرة. والعرب والعبرانيون واليونان يطلقون البرص على مرض آخر هو من مبادىء الجذام فكانوا يتشاءمون بالبرص إذا بَدَتْ أعراضه على واحد منهم. فأما العرب فكان ملوكهم لا يكلمون الأبرص إلاّ من وراءِ حجاب، كما وقع في قصّة الحارث بن حلزة الشاعر مع الملك عمرو بن هند. وأما العبرانيون فهم أشدّ في ذلك. وقد اهتمت التوراة بأحكام الأبرص، وأطالت في بيانها، وكرّرته مراراً، ويظهر منها أنه مرض ينزل في الهواء ويلتصق بجدران المنازل، وقد وصفه الوحي لِموسى ليعَلِّمه الكهنة من بني إسرائيل ويعلمهم طريقة علاجه، ومن أحكامهم أنّ المصاب يُعزل عن القوم ويجعل في محل خاص وأحكامه مفصّلة في سفر اللاويين. ولهذا كان إعجاز المسيح بإبراء الأبرص أهمّ المعجزات فائدة عندهم ديناً ودنيا.

وقد ذكر فقهاء الإسلام البرص في عيوب الزوجين الموجبة للخيار وفصّلوا بين أنواعه التي توجب الخيار والتي لا توجبه ولم يضبطوا أوصافه واقتصروا على تحديد أجل برئه.

وإحياء الموتى معجزة للمسيح أيضاً، كنفخ الروح في الطير المصوّر من الطين، فكان إذا أحيا ميتاً كلّمةُ ثم رجع ميّتاً، وورد في الأناجيل أنّه أحيا بنتاً كانت ماتت فأحياها عقب موتها. ووقع في إنجيل متَّى في الإصحاح 17 أنّ عيسى صعد الجبل ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا أخوه وأظهر لهم موسى وإيلياء يتكلمان معهم، وكلّ ذلك بإذن الله له أن يفعل ذلك.

ومعنى قوله: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخون في بيوتكم} أنّه يخبرهم عن أحوالهم التي لا يطّلع عليها أحد فيخبرهم بما أكلوه في بيوتهم، وما عندهم مدّخر فيها، لتكون هاته المتعاطفات كلّها من قبيل المعجزات بقرينة قوله أنبّئكم لأنّ الإنباء يكون في الأمور الخفيةِ.

وقوله: {إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} جعل هذه الأشياء كلّها آيات تدعو إلى الإيمان به، أي إن كنتم تريدون الإيمان، بخلاف ما إذا كان دأبكم المكابرة. والخطاب موجّه منه إلى بني إسرائيل فإنهم بادروا دعوته بالتكذيب والشتم.

وتعرُّض القرآن لذكر هذه المعجزات تعريض بالنصارى الذين جعلوا منها دليلاً على ألوهية عيسى، بعلة أنّ هذه الأعمال لا تدخل تحت مقدرة البشر، فمن قدر عليها فهو الإله، وهذا دليل سفسطائي أشار الله إلى كشفه بقوله: {بآية من ربكم} وقوله: {بإذن الله} مرتين. وقد روى أهل السِّير أنّ نصارى نجران استدلوا بهذه الأعمال لدى النبي صلى الله عليه وسلم

وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ۝٥٠ إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ ۝٥١

عطف على {بآية} بناء على أنّ قوله: بآية ظرف مستقرّ في موضع الحال كما تقدم أو عطف على جملة {جئتكم} فيقدّر فعل جئتكم بعد واو العطف، {ومصدّقاً} حال من ضمير المقدّر معه، وليس عطفاً على قوله:

{ ورسولا }[آل عمران: 49] لأنّ رسولاً من كلام الملائكة، {ومصدقاً} من كلام عيسى بدليل قوله: {لما بين يدي}.

والمصدّق: المخبر بصِدق غيره، وأدخلت اللام على المفعول للتقوية، للدلالة على تصديقٍ مُثبت محقّق، أي مصدّقاً تصديقاً لا يشوبُه شك ولا نِسبةٌ إلى خطأ. وجَعْل التصديق متعدياً إلى التوراة تَوْطئة لقوله: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}.

ومعنى ما بين يديّ ما تقدم قبلي، لأنّ المتقدّم السابق يمشي بين يدي الجائي فهو هنا تمثيل لحالة السبق، وإن كان بينه وبين نزول التوراة أزمنة طويلة، لأنّها لما اتّصل العمل بها إلى مَجيئه، فكأنها لم تسبقه بزمن طويل. ويستعمل بين يديْ كذا فِي معنى المشاهَد الحاضر، كما تقدم في قوله تعالى: {يعلم ما بين أيديهم} في سورة البقرة.

وعَطْف قوله {ولأحِلّ} على {رسولاً} وما بعده من الأحوال: لأنّ الحال تشبه العلة؛ إذ هي قيد لعاملها، فإذا كان التقييد على معنى التعليل شابَه المفعولَ لأجله، وشابَه الجرور بلام التعليل، فصح أن يُعطف عليها مجرورٌ بلام التعليل. ويجوز أن يكون عطفاً على قوله: {بآية من ربكم} فيتعلّق بفعلِ جئتكم. وعقب به قوله: {مصدّقاً لما بين يديّ} تنبيهاً على أنّ النسخ لا ينافي التصديق؛ لأنّ النسخ إعلام بتغيُّر الحكم. وانحصرت شريعة عيسى في إحياء أحكام التوراة وما تركوه فيها وهو في هذا كغيره من أنبياء بني إسرائيل، وفي تحليل بعض ما حرمه الله عليهم رعياً لحالهم في أزمنة مختلفة، وبهذا كان رسولاً. قيل أحلّ لهم الشحوم، ولحوم الإبل، وبعض السمك، وبعض الطير: الذي كان محرّماً من قبل، وأحلّ لهم السبت، ولم أقف على شيء من ذلك في الإنجيل. وظاهر هذا أنّه لم يحرّم عليهم ما حلّل لهم، فما قيل: إنّه حرّم عليهم الطلاق فهو تقوُّل عليه وإنّما حذّرهم منه وبَيّن لهم سوء عواقبه، وحرّم تزوج المرأة المطلّقة وينضم إلى ذلك ما لا تخلو منه دعوة: من تذكير، ومواعظ، وترغيبات.

{وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ}{ إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ}.

وقوله: {وجئتكم بآية من ربكم} تأكيد لقوله الأولِ:

{ أنى قد جئتكم بآية من ربكم }[آل عمران: 49]. وإنما عطف بالواو لأنه أريد أن يكون من جملة الأخبار المتقدّمة ويحصل التأكيد بمجرّد تقدم مضمونه، فتكون لهذه الجملة اعتباران يجعلانها بمنزلة جملتين، وليبنى عليه التفريع بقوله: {فاتقوا الله وأطيعون}.

وقرأ الجمهور قوله: {وأطيعون} بحذف ياء المتكلم في الوصل والوقف، وقرأه يعقوب: بإثبات الياء فيهما.

وقوله: {إن الله ربي وربكم فاعبدوه} إنّ مكسورة الهمزة لا محالة، وهي واقعة موقع التعليل للأمر بالتقوى والطاعة كشأنها إذا وقعت لِمجرّد الاهتمام كقول بشار

بَكِّرا صَاحِبَيّ قَبْلَ الهَجيرإنّ ذَاكَ النجَاحَ في التبْكِيرِ

ولذلك قال: {ربي وربكم} فهو لكونه ربّهم حقيق بالتقوى، ولكونه ربّ عيسى وأرسله تقتضي تقواه طاعةَ رسوله.

وقوله: فاعبدوه تفريع على الرُّبوبية، فقد جعل قولَه إنّ الله ربي تعليلاً ثم أصلا للتفريع.

وقوله: {هذا صراط مستقيم} الإشارة إلى ما قاله كلِّه أي أنّه الحق الواضح فشبهه بصراط مستقيم لا يضلّ سالكه ولا يتحير.

فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ۝٥٢ رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلْتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ۝٥٣

آذَنَ شرطُ لَما بجمل محذوفة، تقديرها: فوُلِد عيسى، وكَلم الناس في المهد بما أخبرت به الملائكة مريم، وكلم الناس بالرسالة. وأراهم الآيات الموعودَ بها، ودعاهم إلى التصديق به وطاعته، فكفروا به، فلما أحسّ منهم الكفر قال إلى آخره. أي أحسّ الكفر من جماعة من الذين خاطبهم بدعوته في قوله:

{ وأطيعون }[آل عمران: 50] أي سمع تكذيبهم إياه وأُخبر بتمالئهم عليه. «ومنهم» متعلق بأحسّ. وضمير منهم عائد إلى معلوم من المقام يفسره وصف الكفر.

وطَلَبُ النصرِ لإظهار الدعوة لله، موقفٌ من مواقف الرسل، فقد أخبر الله عن نوح «فدعا رَبه أنّي مغلوب فانتصر» وقال موسى:

{ واجعل لي وزيراً من أهلي }[طه: 29] وقد عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على قبائل العرب لينصروه حتى يُبلغ دعوة ربّه.

وقوله: {قال من أنصاري إلى الله} لعله قاله في ملإ بني إسرائيل إبْلاغاً للدعوة، وقطعاً للمعذرة. والنصر يشمل إعلان الدين والدعوة إليه. ووصل وصْفَ أنصاري بإلى إما على تضمين صفة أنصار معنى الضم أي مَن ضامون نصرهم إياي إلى نصر الله إياي، الذي وعدني به؛ إذ لا بدّ لحصول النصر من تحصيل سببه كما هي سنّة الله: قال تعالى:

{ إن تنصروا الله ينصركم }[محمد: 7] على نحو قوله تعالى: { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم }[النساء: 2] أي ضامِّينها فهو ظرف لغو، وإما على جعله حالاً من ياء المتكلم والمعنَى في حال ذهابي إلى الله، أي إلى تبليغ شريعته، فيكون المجرور ظرفاً مستقراً. وعلى كلا الوجهين فالكون الذي اقتضاه المجرور هو كون من أحوال عيسى عليه السلام ولذلك لم يأت الحواريون بمثله في قولهم نحن أنصار الله.

والحواريون: لقب لأصحاب عيسى، عليه السلام: الذين آمنوا به ولازموه، وهو اسم معرَّب من النبطية ومفرده حواري قاله في الإتقان عن ابن حاتم عن الضحّاك ولكنه ادّعى أنّ معناه الغسال أى غسّال الثياب.

وفسّره علماء العربية بأنه من يكون من خاصّة من يضاف هو إليه ومن قرابته.

وغلب على أصحاب عيسى وفي الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم

لكل نبيٍّ حَوَارِيٌّ وحَوارِيّ الزُّبَيْر بنُ العوام

وقد أكثر المفسرون وأهل اللغة في احتمالات اشتقاقه واختلاف معناه وكلّ ذلك إلصاق بالكلمات التي فيها حروف الحاء والواو والراء لا يصحّ منه شيء.

والحواريون اثنا عشر رجلا وهم: سَمْعَان بطرس، وأخوه أندراوس، ويوحنا بن زبْدي، وأخوه يعقوب - وهؤلاء كلّهم صيادو سَمك - ومتَّى العشَّار وتوما وفيليبس، وبرثو لماوس، ويعقوب بن حلفي، ولباوس، وسمعان القانوى، ويهوذا الأسخريوطي.

وكان جواب الحواريين دالاّ على أنهم علموا أنّ نصر عيسى ليس لذاته بل هو نصر لدين الله، وليس في قولهم: {نحن أنصار الله} ما يفيد حصراً لأنّ الإضافة اللفظية لا تفيد تعريفاً، فلم يحصل تعريف الجزأين، ولكنّ الحواريين بادروا إلى هذا الانتداب.

وقد آمن مع الحواريّين أفراد متفرّقون من اليهود، مثل الذين شفى المسيح مرضاهم، وآمن به من النساء أمّه عليها السلام، ومريم المجدلية، وأم يوحنا، وحماة سمعان، ويوثا امرأة حوزي وكيل هيرودس، وسوسة، ونساء أخر ولكنّ النساء لا تطلب منهنّ نصره.

وقوله: {ربنا آمنا} من كلام الحواريين بقية قولهم، وفرّعوا على ذلك الدعاء دعاءً بأن يجعلهم الله مع الشاهدين أي مع الذين شهدوا لرسل الله بالتبليغ، وبالصدق، وهذا مؤذن بأنهم تلقوا من عيسى - فيما علّمهم إياه - فضائل من يشهد للرسل بالصدق.

وَمَكَرُوا۟ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ ۝٥٤

عطف على جملة {فلما أحس عيسى منهم الكفر} فإنّه أحس منهم الكفر وأحس منهم بالغدر والمكر.

وضمير مكروا عائد إلى ما عاد إليه ضمير منهم وهم اليهود وقد بَيّن ذلك قولُه تعالى، في سورة الصف (14):

{ قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة }. والمكر فعل يُقصد به ضر ضُرُّ أحَد في هيئة تخفى عليه، أو تلبيس فعل الإضرار بصورة النفع، والمراد هنا: تدبير اليهود لأخذ المسيح، وسعيُهم لدى ولاة الأمور ليمكّنوهم من قتله. ومَكْرُ الله بهم هو تمثيل لإخفاق الله تعالى مساعيَهم في حال ظنهم أن قد نجحت مساعيهم، وهو هنا مشاكلة. وجَازَ إطلاق المكر على فعل الله تعالى دونَ مشاكلة كما في قوله: { أفأمنوا مكر اللَّه } (99) في سورة الأعراف وبعض أساتذتنا يسمي مثل ذلك مشاكلة تقديرية.

ومعنى: والله خير الماكرين} أي أقواهم عند إرادة مقابلة مكرهم بخذلانه إياهم.

ويجوز أن يكون معنى خير الماكرين: أنّ الإملاء والاستدراج، الذي يقدّره للفجّار والجبابرة والمنافقين، الشبيه بالمَكر في أنّه حَسَن الظاهر سَيّء العاقبة، هو خير محض لا يترتّب عليه إلاّ الصلاح العام، وإن كان يؤذي شخصاً أو أشخاصاً، فهو من هذه الجهة مجرّد عما في المكر من القُبح، ولذلك كانت أفعاله تعالى منزّهة عن الوصف بالقبح أو الشناعة، لأنها لا تقارنها الأحوال التي بها تقبح بعض أفعال العباد؛ من دلالة على سفاهة رَأي، أو سوء طوية، أو جُبن، أو ضُعف، أو طَمع، أو نحو ذلك. أي فإن كان في المكر قبْح فمكر الله خير محض، ولك على هذا الوجه أن تجعل «خَيْر» بمعنى التفضيل وبدونه.

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ۝٥٥ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ۝٥٦ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٥٧

استئناف؛ و (إذ) ظرف غير متعلق بشيء، أو متعلق بمحذوف، أي اذكُر إذ قال الله: كما تقدم في قوله:

{ وإذْ قال ربك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة } [البقرة: 30] وهذا حكاية لأمرِ رفع المسيح وإخفائه عن أنظار أعدائه. وقدّم الله في خطابه إعلامه بذلك استئناساً له، إذ لم يتم ما يرغبه من هداية قومه. مع العلم بأنه يحب لقاء الله، وتبشيراً له بأنّ الله مظهر دينَه؛ لأنّ غاية هم الرسول هو الهدى، وإبلاغ الشريعة، فلذلك قال له: {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا} والنداء فيه للاستئناس، وفي الحديث أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يقبض نبي حتى يُخَيَّر.

وقوله: {إني متوفيك} ظاهر معناه: إنّي مميتك، هذا هو معنى هذا الفعل في مواقع استعماله لأنّ أصل فعل توفَّى الشيءَ أنه قَبَضه تاماً واستوفاه. فيقال: توفاه اللَّهِ أي قدّر موته، ويقال: توفاه ملك الموت أي أنفذ إرادة الله بموته، ويطلق التوفّي على النوم مجازاً بعلاقة المشابهة في نحو قوله تعالى:

{ وهو الذي يَتَوَفَّاكم بالليل }[الأنعام: 60] - وقوله - { الله يتوفَّى الأنفسَ حينَ موتها والتي لم تَمُتْ في منامها فيُمْسِك التي قضى عليها الموتَ ويرسل الأخرى إلى أجل مسمّى }[الزمر: 42]. أي وأما التي لم تمت الموت المعروف فيميتها في منامها موتاً شبيهاً بالموت التام كقوله: {هو الذي يتوفاكم بالليل} - ثم قال - {حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا} فالكل إماتة في التحقيق، وإنما فَصَل بينهما العرف والاستعمال، ولذلك فرّع بالبيان بقوله: فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمّى، فالكلام منتظم غاية الانتظام، وقد اشتبه نظمه على بعض الأفهام. وأصرح من هذه الآية آية المائدة: فلمَا توفيتَني كنت أنتَ الرقيب عليهم لأنه دل على أنه قد توفّى الوفاة المعروفة التي تحول بين المرء وبين علم ما يقع في الأرض، وحملُها على النوم بالنسبة لِعيسى لا معنى له؛ لأنهُ إذا أراد رفعَه لم يلزم أن ينام؛ ولأنّ النوم حينئذ وسيلة للرفع فلا ينبغي الاهتمام بذكره وترك ذكر المقصد، فالقول بأنها بمعنى الرفع عن هذا العالم إيجاد معنى جديد للوفاة في اللغة بدون حجة، ولذلك قال ابن عباس، ووهب بن منبه: إنها وفاة موت وهو ظاهر قول مالك في جامع العتبية قال مالك: مات عيسى وهو ابن إحدى وثلاثين سنة قال ابن رشد في البيان والتحصيل: «يحتمل أنّ قوله: مات وهو ابن ثلاث وثلاثين على الحقيقة لا على المجاز».

وقال الربيع: هي وفاة نوم رفعه الله في منامه، وقال الحسن وجماعة: معناه إنّي قابضك من الأرض، ومخلصك في السماء، وقيل: متوفيك متقبل عملك. والذي دعاهم إلى تأويل معنى الوفاة ما ورد في الأحاديث الصحيحة: أنّ عيسى ينزل في آخر مدّة الدنيا، فأفهم أنّ له حياة خاصة أخصّ من حياة أرواح بقية الأنبياء، التي هي حياة أخصّ من حياة بقية الأرواح؛ فإنّ حياة الأرواح متفاوتة كما دلّ عليه حديث

أرواح الشهداء في حواصل طيور خضْرٍ ورووا أنّ تأويل المعنى في هذه الآية أولى من تأويل الحديث في معنى حياته وفي نزوله، فمنهم من تأوّل معنى الوفاة فجعله حيا بحياته الأولى، ومنهم من أبقى الوفاة على ظاهرها، وجعل حياته بحياة ثانية، فقال وهب بن منبه: توفاه الله ثلاثَ ساعات ورفعه فيها، ثم أحياه عنده في السماء. وقال بعضهم: توفّي سبع ساعات. وسكت ابن عباس ومالكٌ عن تعيين كيفية ذلك، ولقد وُفِّقا وسُدِّدا. ويجوز أن تكون حياته كحياة سائر الأنبياء، وأن يكون نزوله - إن حمل على ظاهره - بعثاً له قبل إبان البعث على وجه الخصوصية، وقد جاء التعبير عن نزوله بلفظ «يبعث الله عيسى فيقتل الدجال» رواه مسلم عن عبد الله بن عمر، ولا يموت بعد ذلك بل يخلص من هنالك إلى الآخرة.

وقد قيل في تأويله: إنّ عطف {ورافعك إلي} على التقديم والتأخير؛ إذ الواو لا تفيد ترتيب الزمان أي إنّي رافعك إليّ ثم متوفيك بعد ذلك، وليس في الكلام دلالة على أنه يموت في آخر الدهر سوى أنّ في حديث أبي هريرة في كتاب أبي داود:

ويمكث (أي عيسى) أربعين سنة ثم يُتوفى فيصلّي عليه المسلمون والوجه أن يحمل قوله تعالى: {إني متوفيك} على حقيقته، وهو الظاهر، وأن تؤوّل الأخبار التي يفيد ظاهرها أنه حيّ على معنى حياة كرامة عند الله، كحياة الشهداء وأقوى، وأنه إذا حمل نزوله على ظاهره دون تأويل، أنّ ذلك يقوم مقام البعض، وأنّ قوله - في حديث أبي هريرة - ثم يتوفّى فيصلي عليه المسلمون مدرج من أبي هريرة لأنّه لم يروه غيره ممن رووا حديث نزول عيسى، وهم جَمْع من الصحابة، والروايات مختلفة وغير صريحة. ولم يتعرض القرآن في عدّ مزاياه إلى أنه ينزل في آخر الزمان.

والتطهير في قوله: {ومطهرك} مجازي بمعنى العصمة والتنزيه؛ لأنّ طهارة عيسى هي هي، ولكن لو سُلط عليه أعداؤُه لكان ذلك إهانة له.

وحذف متعلق «كفروا» لظهوره أي الذين كفروا بك وهم اليهود، لأنّ اليهود ما كفروا بالله بل كفروا برسالة عيسى، ولأنّ عيسى لم يبعث لغيرهم فتطهيرُه لا يظنّ أنّه تطهيرٌ من المشركين بقرينة السياق.

والفوقية في قوله: {فوق الذين كفروا} بمعنى الظهور والانتصار، وهي فوقية دنيوية بدليل قوله: {إلى يوم القيامة}.

والمراد بالذين اتبعوه: الحواريون ومن اتبعه بعد ذلك، إلى أن نُسخت شريعته بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم.

وجملة {ثم إليّ مرجعكم} عطف على جملة {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا} إذ مضمون كلتا الجملتين من شأن جزاءِ اللَّهِ متّبِعي عيسى والكافرين به. وثم للتراخي الرتبي؛ لأنّ الجزاء الحاصل عند مرجع الناس إلى الله يوم القيامة، مع ما يقارنه من الحكم بين الفريقين فيما اختلفوا فيه، أعظمُ درجةً وأهم من جعل متبعي عيسى فوق الذين كفروا في الدنيا.

والظاهر أنّ هذه الجملة مما خاطب الله به عيسى، وأنّ ضمير مرجعكم، وما معه من ضمائر المخاطبين، عائد إلى عيسى والذين اتبعوه والذين كفروا به.

ويجوز أن يكون خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فتكون ثم للانتقال من غرض إلى غرض، زيادة على التراخي الرتبي والتراخي الزمني.

والمَرْجعِ مصدر ميمي معناه الرجوع. وحقيقة الرجوع غير مستقيمة هنا فتعيّن أنّه رجوع مجازي، فيجوز أن يكون المرادُ به البعثَ للحساب بعد الموت، وإطلاقه على هذا المعنى كثير في القرآن بلفظه وبمرادفه نحو المصير، ويجوز أن يكون مراداً به انتهاء إمهال الله إياهم في أجلٍ أراده فينفذ فيهم مراده في الدنيا.

ويجوز الجمع بين المعنيين باستعمال اللفظ في مجازيه، وهو المناسب لجمع العذابين في قوله: {فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة} وعلى الوجهين يجري تفسير حكم الله بينهم فيما هم فيه يختلفون. وقوله: {فأما الذين كفروا فأعذبهم} - إلى قوله - {فنوفيهم أجورهم} تفصيل لما أجمل في قوله {فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. وقوله {فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والأخرة} المقصود من هذا الوعيدِ هو عذاب الآخرة لأنه وقع في حَيز تفصيل الضمائر من قوله: {فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون} وإنما يكون ذلك في الآخرة، فذُكِر عذاب الدنيا هنا إدماج. فإن كان هذا مما خاطب الله به عيسى فهو مستعمل في صريح معناه، وإن كان كلاماً من الله في القرآن خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمونَ، صح أن يكون مراداً منه أيضاً التعريض بالمشركين في ظلمهم محمداً صلى الله عليه وسلم عن مكابرة منهم وحسد. وتقدم تفسير إسناد المحبة إلى الله عند قوله: قل إن كنتم تحبون الله في هذه السورة.

وجملة {وما لهم من ناصرين} تذييل لجملة {أعذّبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة} أي ولا يجدون ناصرين ينصرونهم علينا في تعذيبهم الذي قدّره الله تعالى

واعلم أنّ قوله {فأعذّبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة} قضية جزئية لا تقتضي استمرار العذابين:

فأما عذاب الدنيا فهو يجري على نظام أحوال الدنيا: من شدة وضعف وعدم استمرار، فمعنى انتفاء الناصرين لهم منه انتفاءُ الناصرين في المدة التي قدّرها الله لتعذيبهم في الدنيا، وهذا متفاوت، وقد وَجَد اليهود ناصرين في بعض الأزمان مثل قصة استير في الماضي وقضية فلسطين في هذا العصر.

وأما عذاب الآخرة: فهو مطلق هنا، ومقيد في آيات كثيرة بالتأييد، كما قال:

{ وما هم بخارجين من النار }[البقرة: 167].

وجملة {والله لا يحب الظالمين} تذييل للتفصيل كله فهي تذييل ثانٍ لجملة {فأعذبهم عذاباً شديداً} بصريح معناها، أي أعذّبهم لأنهم ظالمون والله لا يحبّ الظالمين وتذييلٌ لجملة {وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات} إلى آخرها، بكناية معناها؛ لأنّ انتفاء محبة الله الظالمين يستلزم أنه يحبّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلذلك يعطيهم ثوابهم وافياً.

ومعنى كونهم ظالمين أنهم ظلَموا أنفسهم بكفرهم وظلَمَ النصارى الله بأن نقصوه بإثبات ولد له وظلموا عيسى بأن نسبوه ابناً للَّه تعالى، وظلمه اليهود بتكذيبهم إياه وأذاهم.

وعذاب الدنيا هو زوال الملك وضرب الذلة والمسكنة والجزية، والتشريد في الأقطار، وكونهم يعيشون تبعاً للناس، وعذاب الآخرة هو جهنم. ومعنى {وما لهم من ناصرين} أنهم لا يجدون ناصراً يدفع عنهم ذلك وإن حاوله لم يظفَر به وأسند {فنوفيهم} إلى نون العظمة تنبيهاً على عظمة مفعول هذا الفاعل؛ إذ العظيم يعطى عظيماً. والتقدير {فيوفيهم أجورهم في الدنيا والآخرة} بدليل مقابله في ضدّهم من قوله: {فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة} وتوفية الأجور في الدنيا تظهر في أمور كثيرة: منها رضا اللَّهِ عنهم، وبَركاته معهم، والحياة الطيبة، وحسن الذكر. وجملة {والله لا يحب الظالمين} تذييل، وفيها اكتفاء: أي ويحبّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات.

وقرأ الجمهور: فنوفيهم - بالنون - وقرأه حفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب، فيوفيهم بياء الغائب على الالتفات.

ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ ٱلْـَٔايَٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ ۝٥٨

تذييل: فإنّ الآياتِ والذكر أعمّ من الذي تُلي هنا، واسم الإشارة إلى الكلام السابق من قوله تعالى:

{ إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه }[آل عمران: 45] وتذكير اسم الإشارة لتأويل المشار إليه بالكلام أو بالمذكورِ. وجملة نتلوه حال من اسم الإشارة على حدّ { وهذا بَعْلي شيخاً }[هود: 72] وهو استعمال عربي فصيح وإن خالف في صحة مجيء الحال من اسم الإشارة بعض النحاة.

وقوله: {من الآيات} خبر {ذلك} أيّ إنّ تلاوة ذلك عليك من آيات صدقك في دعوى الرسالة؛ فإنك لم تكن تعلمَ ذلك، وهو ذِكر وموعظة للناس، وهذا أحسن من جعل نتلوه خبراً عن المبتدأ، ومن وجوه أخرى. والحكيم بمعنى المُحكَم، أو هو مجاز عقلي أي الحكيم عالمُه أو تاليه.

إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ۝٥٩ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ۝٦٠

استئناف بياني: بُيّن به مَا نشأ من الأوهام، عند النصارى، عن وصف عيسى بأنه كلمة من الله، فَضلوا بتوهمهم أنه ليس خالص الناسوت. وهذا شروع في إبطال عقيدة النصارى من تألِيهِ عيسى، وردّ مطاعنهم في الإسلام وهو أقطع دليل بطريق الإلزام؛ لأنهم قالوا بإلاهية عيسى من أجل أنه خلق بكلمةٍ من الله وليس له أب، فقالوا: هو ابن الله، فأراهم الله أنّ آدم أوْلَى بأن يُدّعَى له ذلك، فإذا لم يكن آدم إلاهاً مع أنه خلق بدون أبوين فعيسى أولى بالمخلوقية من آدمَ.

ومحل التمثيل كون كليهما خُلق من دون أب، ويزيد آدمُ بكونه من دون أم أيضاً، فلذلك احتيج إلى ذكر وجه الشبه بقوله: {خلقه من تراب} الآية أي خلقه دون أب ولا أم بل بكلمة كن، مع بيان كونه أقوى في المشبه به على ما هو الغالب. وإنما قال عند الله أي نسبته إلى الله لا يزيد على آدم شيئاً في كونه خلْقاً غيرَ معتاد، لكم لأنهم جعلوا خلقه العجيب موجباً للمسيحَ نسبةَ خاصة عند الله وهي البُنوة. وقال ابن عطية: أراد بقوله: {عند الله} نفس الأمر والواقع.

والضمير في خلقه لآدم لا لعيسى؛ إذ قد علِم الكلُّ أنّ عيسى لم يُخلق من تراب، فمحل التشبيه قوله: {ثم قال له كن فيكون}.

وجملة {خلقه} وما عطف عليها مُبيِّنة لجملة كمثل آدم.

وثم للتراخي الرتبي فإنّ تكوينه بأمر {كن} أرفع رتبة من خلقه من تراب، وهو أسبق في الوجود والتّكوين المشار إليه بكن: هو تكوينه على الصفة المقصودة، ولذلك لم يقل: كَوّنه من تراب ولم يقل: قال له كُن من تراب ثم أحياه، بل قال خلقه ثم قال له كن. وقول كن تعبير عن تعلق القدرة بتكوينه حياً ذا روح ليعلم السامعون أنّ التكوين ليس بصنع يد، ولا نحتٍ بآلة، ولكنه بإرادةٍ وتَعَلققِ قدرةٍ وتسخيرِ الكائنات التي لها أثر في تكوين المراد، حتى تلتئم وتندفع إلى إظهار المكوّن وكلّ ذلك عن توجه الإرادة بالتنجيز، فبتلك الكلمة كان آدمُ أيضاً كلمةً من الله ولكنه لم يوصف بذلك لأنّه لم يقع احتياج إلى ذلك لِفوات زمانه.

وإنما قال: {فيكون} ولم يقل فكَان لاستحضار صورة تَكَوُّنِه، ولا يحمل المضارع في مثل هذا إلاّ على هذا المعنى، مثل قوله:

{ اللَّهُ الذي أرسل الرياح فتثير سَحاباً }[فاطر: 9] وحمله على غير هذا هنا لا وجه له.

وقوله: {الحق من ربك} خبر مبتدأ محذوف: أي هذا الحق. ومن ربك حال من الحق. والخطاب في {فلا تكن من الممترين} للنبي صلى الله عليه وسلم والمقصود التعريض بغيره، والمعرَّض بهم هنا هم النصارى الممترُون الذين امتروا في الإلاهية بسبب تحقق أن لاَ أبَ لِعيسى.

فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا۟ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰذِبِينَ ۝٦١

تفريع على قوله: {الحق من ربك فلا تكن من الممترين} لما فيه من إيماء إلى أنّ وفد نجران ممترون في هذا الذي بَيّن الله لهم في هذه الآيات: أي فإن استمرّوا على محاجتهم إياك مكابرةً في هذا الحق أو في شأن عيسى فادعهم إلى المباهلة والملاعنة. ذلك أنّ تصْميمَهم على معتقدهم بعد هذا البيان مكابرة محْضة بعد ما جاءك من العلم وبينتَ لهم، فلم يبق أوضحُ مما حاجَجْتهم به فعلمت أنهم إنما يحاجونك عن مكابرة، وقلة يقين، فادعهم إلى المباهلة بالملاعنة الموصوفة هنا.

و{تعالوا} اسم فعل لطلب القدوم، وهو في الأصل أمر من تعالى يتعالى إذا قَصد العلوّ، فكأنّهم أرادوا به في الأصل أمراً بالصعود إلى مكان عالٍ تشريفاً للمدعُو، ثم شاع حتى صار لمطلق الأمر بالقدوم أو الحضور، وأجريت عليه أحوال اسم الفعل فهو مبني على فتح آخره وأما قول أبي فراس الحمداني:

أيَا جَارَتَا مَا أنْصَفَ الدهرُ بينناتَعَالِي أقَاسِمْكِ الهُمُومَ تَعَالِي

فقد لحَّنوه فيه.

ومعنى {تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم} ائتوا وادعوا أبناءكم ونحن ندعو أبناءنا إلى آخره، والمقصود هو قوله: {ثم نبتهل} إلى آخره.

و(ثم) هنا للتراخي الرتبي.

والابتهال مشتق من البَهْل وهو الدعاء باللعن ويطلق على الاجتهاد في الدعاء مطلقاً لأنّ الداعي باللعن يجتهد في دعائه والمراد في الآية المعنى الأول.

ومعنى {فنجعل لعنت الله} فنَدْعُ بإيقاع اللعنة على الكاذبين. وهذا الدعاء إلى المباهلة إلجاءٌ لهم إلى أن يعترفوا بالحق أو يَكفُوا. روى المفسرون وأهل السيرة أنّ وفد نجران لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملاعنة قال لهم العاقب: نلاعنه فوالله لئن كان نبيئاً فلاعننا لا نفلح أبداً ولا عقبنا من بعدنا فلم يجيبوا إلى المباهلة وعدلوا إلى المصالحة كما سيأتي.

وهذه المباهلة لعلّها من طرق التناصف عند النصارى فدعاهم إليها النبي صلى الله عليه وسلم لإقامة الحجة عليهم.

وإنما جمع في الملاعنة الأبناء والنساء: لأنه لمّا ظهرت مكابرتهم في الحق وحبّ الدنيا، عُلم أنّ من هذه صفته يكون أهله ونساؤه أحبّ إليه من الحق كما قال شعيب «أرَهْطِيَ أعَزُّ علَيكم من الله» وأنه يخشى سوء العيش، وفقدان الأهل، ولا يخشى عذاب الآخرة.

والظاهر أنّ المراد بضمير المتكلم المشارَك أنه عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين، والذين يحضرهم لذلك وأبناء أهل الوفد ونساؤهم اللاّئي كُنَّ معهم.

والنساء: الأزواج لا محالة، وهو إطلاق معروف عند العرب إذا أضيف لفظ النساء إلى واحد أو جماعة دون ما إذا وَرَد غير مضاف، قال تعالى:

{ يا نساء النبي لستُنّ كأحدٍ من النساء }[الأحزاب: 32] وقال: {ونساء المؤمنين} وقال النابغة:

حِذارَا على أنْ لاَ تُنَالَ مَقَادَتِيولاَ نِسْوَتِي حَتى يَمُتْن حَرائرا

والأنفس أنفس المتكلمين وأنفس المخاطبين أي وإيانا وإياكم، وأما الأبناء فيحتمل أنّ المراد شبانهم، ويحتمل أنه يشمل الصبيان، والمقصود أن تعود عليهم آثار الملاعنة.

والابتهال افتعال من البهل، وهو اللعن، يقال: بهله الله بمعنى لعنه واللعنة بَهلة وبُهلة - بالضم والفتح - ثم استعمل الابتهال مجازاً مشهوراً في مطلق الدعاء قال الأعشى:

لا تقعدنَّ وقد أكَّلّتَها حطباًتعوذ من شرّها يوماً وتبتهل

وهو المراد هنا بدليل أنّه فرّع عليه قوله: {فنجعل لعنت الله على الكاذبين}.

وهذه دعوة إنصاف لا يدعو لها إلاّ واثق بأنه على الحق. وهذه المباهلة لم تقع لأنّ نصارى نجران لم يستجيبوا إليها. وقد روى أبو نعيم في الدلائل أنّ النبي هيأ علياً وفاطمةً وحَسَناً وحُسَيناً ليصحبهم معه للمباهلة. ولم يذكروا فيه إحضار نسائه ولا إحضار بعض المسلمين.

إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٦٢ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُفْسِدِينَ ۝٦٣

جملة {إن هذا لهو القصص الحق} وما عطف عليها بالواو اعتراض لبيان ما اقتضاه قوله:

{ الكاذبين }[آل عمران: 61] لأنهم نفوا أن يكون عيسى عبد الله، وزعموا أنه غلب فإثبات أنه عبد هو الحق.

واسم الإشارة راجع إلى ما ذكر من نفي الإلٰهية عن عيسى.

والضمير في قوله لَهو القصصُ ضمير فصل، ودخلت عليه لام الابتداء لزيادة التقوية التي أفادَها ضمير الفصل؛ لأنّ اللام وَحدها مفيدة تقوية الخبر وَضمير الفصل يفيد القصر أي هذا القصص لا ما تَقُصُّه كتُب النصارى وعَقائِدهم.

والقصَص - بفتح القاف والصاد - اسم لما يُقَص، يقال: قَصّ الخبر قَصّاً إذا أخبر به، والقَصُّ أخص من الإخبار؛ فإنّ القص إخبار بخبرٍ فيه طولٌ وتفصيل وتسمى الحادثة التي من شأنها أن يُخبر بها قِصة - بكسر القاف - أي مقصوصة أي مما يقُصها القُصّاص، ويقال للذي ينتصب لتحديث الناس بأخبار الماضين قَصّاص - بفتح القاف -. فالقصصُ اسم لما يُقص: قال تعالى: {نحن نقص عليك أحسن القصص وقيل: هو اسم مصدر وليس هو مصدراً، ومن جرى على لسانه من أهل اللغة أنه مصدر فذلك تسامح من تسامح الأقدمين، فالقصّ بالإدغام مصدر، والقصص بالفَكّ اسم للمصدر واسم للخبر المقصوص.

وقوله: وما من إلٰه إلا الله} تأكيد لحقيَّة هذا القصص. ودخلت من الزائدة بعد حرف نفي تنصيصاً على قصد النفي الجنس لتدل الجملة على التوحيد، ونفي الشريك بالصراحة، ودلالةِ المطابقة، وأن ليس المراد نفي الوحدة عن غير الله، فيوهم أنه قد يكون إلاَ هَان أو أكثر في شقّ آخر، وإن كان هذا يؤول إلى نفي الشريك لكن بدلالة الالتزام.

وقوله: {وإن الله لهو العزيز الحكيم} فيه ما في قوله: {إن هذا لهو القصص الحق} فأفاد تقوية الخَبر عَن الله تعالى بالعزّة والحكم، والمقصود إبطال إلٰهية المسيح على حسب اعتقاد المخاطبين من النصارى، فإنهم زعموا أنه قتله اليهود وذلك ذِلّة وعجز لا يلتئمان مع الإلٰهية فكيف يكون إلٰه وهو غير عزيز وهو محكوم عليه، وهو أيضاً إبطال لإلٰهيته على اعتقادنا؛ لأنه كان محتَاجَاً لإنقاذه من أيدي الظالمين.

وجملة {فإن تولوا الله عليم بالمفسدين} عطف على قوله:

{ فقل تعالوا }[آل عمران: 61] وهذا تسجيل عليهم إذ نكصوا عن المباهلة، وقد علم بذلك أنهم قصدوا المكابرة ولم يتطلبوا الحق، رُوي أنهم لما أبوا المباهلة قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم "فإن أبيتم فأسلموا" فأبوا فقال: "فإن أبيتم فأعطوا الجزية عن يد" فأبوا فقال لهم: "فإني أنبذ إليكم على سواء أي أترك لكم العهد الذي بيننا فقالوا: «ما لنا طاقة بحرب العرب، ولكنا نصالحك على ألاّ تغزونا ولا تخيفنا ولا تردّنا عن ديننا على أن نؤدّي إليك كلّ عام ألفي حُلة حمراء ألْفاً في صفر وألْفَاً في رجب وثلاثين درعاً عادية من حديد» وطلبوا منه أن يبعث معهم رجُلاً أميناً يحكم بينهم فقال: لأبعثنّ معكم أميناً حَقَّ أمينٍ فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، ولم أقف على ما دعاهم إلى طلب أمين ولا على مقدار المدة التي مكث فيها أبو عبيدة بينهم.
الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ