انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

التحرير والتنويرالآيات 161–178

تفسير سورة آل عمران آية آية، من التحرير والتنوير.

وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ۝١٦١

الأظهر أنَّه عطف على مجموع الكلام عطف الغرض رعلى الغرض وموقعه عقب جملة:

{ إن ينصركم الله فلا غالب لكم }[آل عمران: 160]. الآية لأنها أفادت أن النصر بيد الله والخذْل بيده، وذلك يستلزم التَّحريض على طلب مرضاته ليكون لطيفاً بمن يُرضونه. وإذ قد كانت هذه النَّصائح والمواعظ موجهة إليهم ليعملوا بها فيما يستقبل من غزواتهم، نبّهوا إلى شيء يستخفّ به الجيش في الغزوات، وهو الغُلول ليعلموا أنّ ذلك لا يُرضي الله تعالى فيحذَروه ويكونوا ممّا هو أدعى لغضب الله أشدّ حذراً فهذه مناسبة التَّحذير من الغلول ويعضّد ذلك أنّ سبب هزيمتهم يوم أُحُد هو تعجلهم إلى أخذ الغنائم. والغلُول: تعجّل بأخذ شيء من غال الغنيمة.

ولا تجد غير هذا يصلح لأن يكون مناسباً لتعقيب آية النصر بآية الغلول، فإنّ غزوة أحُد الَّتي أتت السورة على قصّتها لم يقع فيها غُلول ولا كائن للمسلمين فيها غنيمة وما ذكره بعض المفسِّرين من قضية غلولٍ وقعت يومَ بدر في قطيفة حمراء أو في سيف لا يستقيم هنا لبعد ما بين غزوة بدر وغزوة أُحُد فضلاً على ما ذكره بعضهم من نزول هذه الآية في حرص الأعراب على قسمة الغنائم يوم حُنين الواقعِ بعد غزوة أحُد بخمس سنين.

وقرأ جمهور العشرة: يُغَلّ ـــ بضمّ التحتية وفتح الغين ـــ وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو وعاصم ـــ بفتح التحتية وضَمّ الغين ـــ.

والفعل مشتقّ من الغلول وهو أخذ شيء من الغنيمة بدون إذن أمير الجيش، والغلول مصدر غير قياسي، ويطلق الغلول على الخيانة في المال مطلقاً.

وصيغة {وما كان لنبي أن يُغلّ} صيغة جحود تفيد مبالغة النَّفي. وقد تقدّم القول فيها عند قوله تعالى:

{ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنُّبَوة }[آل عمران: 79] في هذه السورة فإذا استعملت في الإنشاء كما هنا أفادت المبالغة في النَّهي. والمعنى على قراءة الجمهور نهي جيش النبي عن أن يَغلُو لأنّ الغلول في غنائم النبي صلى الله عليه وسلم غلول للنبي، إذ قسمة الغنائم إليه، وأمَّا على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم فمعنى أن النبي لا يَغُلّ أنَّه لا يقع الغلول في جيشه فإسناد الغُلول إلى النبي مجاز عقلي لملابسة جيش النبي نبيئَهم ولك أن تجعله على تقدير مضاف. والتقدير: ما كَان لجيش نَبيء أن يَغُلّ.

ولبعض المفسّرين من المتقدّمين ومن بعدهم تأويلات للمعنى على هذه القراءة فيها سَماجة.

ومعنى و{من يغلل يأت بما غل يوم القيامة} أنَّه يأتي به مشهَّراً مفضوحاً بالسرقة.

ومن اللَّطائف ما في البيان والتبيين للجاحظ: أنّ مَزْيَداً ـــ رجلاً من الأعراب ـــ سرق نافجة مسك فقيل له: كيفَ تسرقها وقد قال الله تعالى: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة}؟ فقال: إذَنْ أحمِلُها طيّبةَ الريح خفيفة المحمل. وهذا تلميح وتلقي المخاطب بغير ما يترقّب. وقريب منه ما حكي عن عبد الله بن مسعود والدرك على مَن حكاه قالوا: لمّا بعث إليه عثمان ليسلم مصحفه ليحرقه بعد أن اتَّفق المسلمون على المصحف الَّذي كُتب في عهد أبي بكر قال ابن مسعود: إنّ الله قال: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} وإنِّي غالّ مصحفي فمن استطاع منكم أن يَغُلّ مصحفه فليفعل. ولا أثق بصحَّة هذا الخبر لأنّ ابْن مسعود يعلم أنّ هذا ليس من الغلول.

وقوله: {ثم توفى كل نفس ما كسبت} تنبيه على العقوبة بعد التفضيح، إذ قد علم أنّ الكلام السابق مسوق مساق النَّهي، وجيء بـ(ثمّ) للدّلالة على طول مهلة التفضيح، ومن جملة النُّفوس الَّتي توفَّى ما كسبت نفس من يغلل، فقد دخل في العموم.

وجملة {وهم لا يظلمون} حال مؤكدة لمضمون الجملة قبلها وهي {توفى كل نفس ما كسبت}.

والآية دلّت على تحريم الغلول وهو أخذ شيء من المغنم بغير إذن أمير الجيش، وهو من الكبائر لأنَّه مِثل السرقة، وأصحّ ما في الغلول حديث «الموطأ»:

أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع من خيبر قاصداً وادي القُرى وكان له عبد أسود يدعى مِدْعَما، فبينما هو يحطّ رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر فقتله، فقال النَّاس: هنيئاً له الجنَّةُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"كلاّ والَّذي نفسي بيده إن الشَّملة التي أخذها يومَ خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً" .

ومن غلّ في المغنم يؤخذ منه مَا غَلَّه ويؤدّب بالاجتهاد، ولا قطع فيه باتِّفاق، هذا قول الجمهور، وقال الأوزاعي، وإسحاق، وأحمد بن حنبل، وجماعة: يحرق متاع الغالّ كُلّه عدَا سِلاحَه وسرجه، ويردّ ما غلّه إلى بيت المال، واستدلّوا بحديث رواه صالح بن محمد بن زائدة أبو واقد الليثي، عن عمر بن الخطاب: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إذا وجدتم الرجل قد غلّ فأحرقوا متاعه واضربوه وهو حديث ضعيف، قال الترمذي سألت محمداً ـــ يعني البخاري ـــ عنه فقال: «إنَّما رواه صالح بن محمد، وهو منكر الحديث. على أنَّه لو صَحّ لوجَبَ تأويله لأنّ قواعد الشَّريعة تدلّ على وجوب تأويله فالأخذ به إغراق في التعلّق بالظواهر وليس من التفقّه في شيء.

أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ۝١٦٢ هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ۝١٦٣

تفريع على قوله: {ثم توفى محل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} فهو كالبيان لتوفية كلّ نفس بما كسبت.

والاستفهام إنكار للمماثلة المستفادة من كاف التَّشبيه فهو بمعنى لا يستوون. والاتِّباع هنا بمعنى التطلّب: شبه حَال المتوّخي بأفعاله رضَى الله بحال المتطلِّب لطِلْبَة فهو يتبعها حيث حلّ ليقتنصها، وفي هذا التَّشبيه حسن التنبيه على أنّ التحصيل على رضوان الله تعالى محتاج إلى فرط اهتمام، وفي فعل (باء) من قوله: {كمن بآء بسخط من الله} تمثيل لحال صاحب المعاصي بالَّذي خرج يطلب ما ينفعه فرجع بما يضرّه، أو رجع بالخيبة كما تقدّم في معنى قوله تعالى:

{ فما ربحت تجارتهم }في سورة البقرة (16). وقد علم من هذه المقابلة حال أهل الطاعة وأهل المعصية، أوْ أهلِ الإيمان وأهلِ الكفر.

وقوله: {هم درجات عند الله} عاد الضّمير لـ {من اتَّبع رضوان الله} لأنَّهم المقصود من الكلام، ولقرينة قوله: {درجات} لأن الدرجات منازل رفعة.

وقوله: {عند الله} تشريف لمنازلهم.

لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝١٦٤

استئناف لتذكير رِجال يومِ أُحُد وغيرهم من المؤمنين بنعمة الله عليهم. ومناسبةُ ذكره هنا أنّ فيه من التسلية على مصيبة الهزيمة حظّاً عظيماً، إذ قد شاع تصْبير المحزون وتعزيته بتذكيره ما هو فيه من النعم، وله مزيد ارتباط بقوله:

{ فبما رحمة من الله لنت لهم }[آل عمران: 159]، وكذلك جاءت آي هذا الغرض في قصة أُحُد ناشئاً بعضها عن بعض، متفنّنة في مواقعها بحسب ما سمحت به فرصُ الفراغ من غرض والشروع في غيره فما تجد طراد الكلام يغدو طَلْقاً في حلبة الاستطراد إلا وتجد له رواحاً إلى مُنْبَعثه.

والمنّ هنا: إسداء المِنّة أي النِّعمة، وليس هو تعداد النعمة على المنعم عليه مثل الَّذي في قوله:

{ لا تبطلوا صدقاتكم بالمَن والأذى } في سورة [البقرة: 264]، وإن كان ذكرُ هذا المنّ مَنّاً بالمعنى الآخر. والكلّ محمود من الله تعالى لأنّ المنّ إنَّما كان مذموماً لما فيه من إبداء التطاول على المنعم عليه، وطوْل الله ليس بمجحود.

والمراد بالمؤمنين هنا المؤمنون يومئذ وهم الَّذين كانوا مع النَّبي بقرينة السياق وهو قوله: {إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم} أي من أمَّتهم العربية.

و(إذ) ظرف لـ(مَنّ) لأنّ الإنعام بهذه النِّعمة حصل أوقات البعث.

ومعنى {من أنفسهم} المماثلةُ لهم في الأشياء التي تكون المماثلة فيها سبباً لقوّة التواصل، وهي هنا النسب، واللغة، والوطن. والعرب تقول: فلان من بني فلان من أنفسهم، أي من صميمهم ليس انتسابه إليهم بوَلاء أو لصق، وكأنّه هذا وجه إطلاق النفس عليه التي هي في معنى المماثلة، فكونه من أهل نسبهم أي كونه عربياً يوجب أنسهم به والركون إليه وعدم الاستيحاش منه، وكونه يتكلّم بلسانهم يجعلهم سريعين إلى فهم ما يجيء به، وكونه جاراً لهم وربيّا فيهم يعجّل لهم التصديق برسالته، إذ يكونون قد خبَروا أمره، وعلموا فضله، وشاهدوا استقامته ومعجزاته. وعن النقاش: قيل ليس في العرب قبيلة إلا ولها ولادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ تغْلِب، وبذلك فسّر:

قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى.»

وهذه المنّة خاصّة بالعرب ومزيّة لهم، زيادة على المنّة ببعثة محمد على جميع البشر، فالعرب وهم الذين تلقّوا الدعوة قبل الناس كلّهم، لأنّ الله أراد ظهور الدين بينهم ليتلقّوه التلقّي الكامل المناسب لصفاء أذهانهم وسرعة فهمهم لدقائق اللغة، ثم يكونوا هم حملته إلى البشر، فيكونوا أعواناً على عموم الدعوة، ولمن تخلّق بأخلاق العرب وأتقن لسانهم والتبس بعوائدهم وأذواقهم اقتراب من هذه المزيّة وهو معظمها، إذ لم يَفته منها إلا النسب والموطن وما هما إلا مكمّلان لحسن التلقّي، ولذلك كان المؤمنون مدّة حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب خاصّة بحيث إنّ تلقّيهم الدعوة كان على سواء في الفهم حتى استقرّ الدين. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال:

من دخل في الإسلام فهو من العرب».

وقوله: {يتلوا عليهم آياته} أي يقرأ عليهم القرآن، وسمّيت جمل القرآن آيات لأنّ كلّ واحدة منها دليل على صدق الرسول من حيث بلاغة اللفظ وكمال المعنى، كما تقدّم في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير، فكانوا صالحين لفهم ما يتلى عليهم من غير حاجة لترجمان.

والتزكية: التطهير، أي يطهر النفوس بهدي الإسلام.

وتعليم الكتاب هو تبيين مقاصد القرآن وأمرُهم بحفظ ألفاظه، لتكون معانيه حاضرة عندهم.

والمراد بالحكمة ما اشتملت عليه الشريعة من تهذيب الأخلاق وتقنين الأحكام لأنّ ذلك كلّه مانع للأنفس من سوء الحال واختلال النظام، وذلك من معنى الحكمة، وتقدّم القول في ذلك عند قوله تعالى:

{ يؤتي الحكمة من يشاء }[البقرة: 269].

وعطفُ الحكمة على الكتاب عطف الأخصّ من وجه على الأعمّ من وجه، فمن الحكمة ما هو في الكتاب نحو:

{ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون }[الحشر: 9] ومنها ما ليس في الكتاب مثل قوله عليه السلام: لا يُلدَغُ المؤمن من جحر مرّتين وفي الكتاب ما هو علم وليس حكمة مثل فَرْض الصلاة والحجّ.

وجملة {وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} حال، وإنْ مخففة مهملة، والجملة بعدها خبر عن ضمير الشأن محذوف، والجملة خبره على رأي صاحب «الكشاف»، وهو التحقيق إذ لا وجه لزوال عملها مع بقاء معناها، ولا وجه للتفرقة بينها وبين المفتوحة إذا خففت فقد قدّروا لها اسماً هو ضمير الشأن، بل نجد المكسورة أولى ببقاء العمل عند التخفيف لأنها أمّ الباب فلا يزول عملها بسهولة، وقال جمهور النحاة: يبطل عملها وتكون بعدها جملة، وعلى هذا فالمراد بإهمالها أنّها لا تنصب مفردين بل تعمل في ضمير شأن وجملة إمَّا اسمية، أو فعلية فعلها من النواسخ غالباً.

ووصف الضلال بالمبين لأنّه لشدّته لا يلتبس على أحد بشائبة هُدى، أو شبهة، فكان حاله مبيّناً كونَه ضلالاً كقوله:

{ وقالوا هذا سحر مبين }[النمل: 13].

والمراد به ضلال الشرك والجهالة والتقاتل وأحكام الجاهلية.

ويجوز أن يشمل قوله: {على المؤمنين} المؤمنين في كل العصور ويراد بكونه من أنفسهم أنّه من نوع البشر. ويراد بإسناد تعليم الكتاب والحكمة إليه ما يجمع بين الإسناد الحقيقي والمجازي، لأنّ تعليم ذلك متلقّي منه مباشرة أو بالواسطة.

أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝١٦٥

عُطف الاستفهام الإنكاري التعجيبي على ما تقدّم، فإنّ قولهم: {أنى هذا} ممَّا ينكر وَيَتَعجَّب السامع من صدوره منهم بعد ما عَلِموا ما أتَوا من أسباب المصيبة، إذ لا ينبغي أن يخفى على ذي فطْنَةٍ، وقد جاء موقع هذا الاستفهام بعد ما تكرّر: من تسجيل تبعة الهزيمة عليهم بما ارتكبوا من عصيان أمر الرسول، ومن العجلة إلى الغنيمة، وبعد أن أمرهم بالرضا بما وقع، وَذكَّرَهم النصر الواقع يوم بدر، عطف على ذلك هنا إنكارُ تعجّبهم من إصابة الهزيمة إيّاهم.

(ولَمَّا) اسم زمان مضمّن معنى الشرط فيدلّ على وجود جوابه لوُجود شرطه، وهو ملازم الإضافة إلى جملة شرطه، فالمعنى: قلتم لمَّا أصابتكم مصيبة: أنَّى هذا،.

وجملة {قد أصبتم مثليها} صفة «لمصيبة»، ومعنى أصبتم غَلبتم العدوّ ونلتم منه مِثْلَيْ ما أصابكم به، يقال: أصاب إذا غلب، وأصيب إذا غُلِب، قال قَطَرِيُّ بنُ الفُجَاءةَ:

ثم انصرفت وقد أصَبْتُ ولم أُصَبجَذَعَ البصيرة قارِحَ الإقدام

والمراد بمثليها المساويان في الجنس أو القيمة باعتبار جهة المماثلة أي: أنَّكم قد نلتم مثلي ما أصابكم، والمماثلة هنا مماثلة في القدر والقيمة، لا في الجنس، فإنّ رزايا الحرب أجناس: قَتل، وأسر، وغَنيمة، وأسلاب، فالمسلمون أصابهم يوم أحُد القتل: إذا قُتِل منهم سبعون، وكانوا قد قَتَلوا من المشركين يومَ بدر سبعين، فهذا أحد المثلين، ثم إنّهم أصابوا من المشركين أسرى يوم بدر فذلك مثل آخر في المقدار إذ الأسير كالقتيل، أو أريد أنّهم يومَ أحُد أصابوا قتلَى إلاّ أنّ عددهم أقلّ فهو مثل في الجنس لا في المقدار والقيمة.

و (أنّى) استفهام بمعنى من أين قصدوا به التعجّب والإنكار، وجملة {قلتم أنى هذا} جواب (لمّا)، والاستفهام بأنَّى هنا مستعمل في التعجّب.

ثم ذُيّل الإنكار والتعجّب بقوله: {قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير} أي إنّ الله قدير على نصركم وعلى خذلانكم، فلمّا عصيتم وجررتم لأنفسكم الغضب قدّر الله لكم الخِذلان.

وَمَآ أَصَٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٦٦ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ قَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُوا۟ قَالُوا۟ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّٱتَّبَعْنَٰكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَٰنِ يَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ۝١٦٧ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ وَقَعَدُوا۟ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا۟ قُلْ فَٱدْرَءُوا۟ عَنْ أَنفُسِكُمُ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝١٦٨

عطف على قوله:

{ أو لما أصابتكم مصيبة }[آل عمران: 165] وهو كلام وارد على معنى التسليم أي: هَبُوا أنّ هذه مصيبة، ولم يكن عنها عوض، فهي بقدر الله، فالواجب التسليم، ثم رَجَع إلى ذكر بعض ما في ذلك من الحكمة.

وقوله: {وما أصابكم} أرادَ به عين المراد بقوله: {أصابتكم مصيبة} وهي مصيبة الهزيمة. وإنّما أعيد ما أصابكم لِيعيّن اليوم بأنّه يومَ التقى الجمعان. وما موصولة مضمّنة معنى الشرط كأنّه قيل: وأمّا ما أصابكم، لأنّ قوله: {وما أصابكم} معناه بيانُ سببه وحكمته، فلذلك قرن الخبر بالفاء. و{يوم التقى الجمعان} هو يوم أُحُد. وإنَّما لم يقل وهي بإذن الله لأنَّ المقصود إعلان ذكر المصيبة وأنّها بإذن الله إذ المقام مقام إظهار الحقيقة، وأمّا التعبير بلفظ {ما أصابكم} دون أن يعاد لفظ المصيبة فتفنّن، أو قُصد الإطناب.

والإذن هنا مستعمل في غير معناه إذ لا معنى لتوجّه الإذن إلى المصيبة فهو مجاز في تخلية الله تعالى بين أسباب المصيبة وبين المصابين، وعدم تدارك ذلك باللطف. ووجه الشبه أنّ الإذن تخلية بين المأذون ومطلوبِه ومراده، ذلك أنّ الله تعالى رتّب الأسباب والمسبّبات في هذا العالم على نظام، فإذا جاءت المسبّبات من قِبَل أسبابها فلا عجب، والمسلمون أقلّ من المشركين عدداً وعُدداً فانتصار المسلمين يومَ بدر كرامة لهم، وانهزامهم يوم أُحُد عادة وليس بإهانة. فهذا المراد بالإذن.

وقَوله: {وليعلم المؤمنين} عطف على {فإذن الله} عطفَ العلّة على السبب. والعلم هنا كناية عن الظهور والتقرّر في الخارج كقول إياس بن قبيصة الطائي:

وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطر بيننالأَعْلَمَ مَنْ جَبَانُها مِن شجاعها

أراد لتظهر شجاعتي وجبن الآخرين. وقد تقدّم نظيره قريباً.

و{الذين نافقوا} هم عبد الله بنُ أبيّ ومن انخزل معه يوم أحُد، وهم الذين قيل لهم: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا. قاله لهم عبد الله بن عُمَر ابن حَرَام الأنصاري، والدُ جابر بن عبد الله، فإنّه لمّا رأى انخزالهم قال لهم: اتّقوا الله ولا تتركوا نبيئكم وقاتلوا في سبيل الله أو ادفَعوا. والمراد بالدفع حِراسة الجيش وهو الرباط أي: ادفعوا عنّا من يريدنا من العدوّ فلمّا قال عبد الله بن عمر بن حرام ذلك أجابه عبد الله بن أبي وأصحابه بقولهم: لَوْ نَعْلَمُ قتالاً لاتَّبعناكم، أي لم نعلم أنّه قتال، قيل: أرادوا أنّ هذا ليس بقتال بل إلقاء باليد إلى التَّهْلُكَة، وقيل: أرادوا أنّ قريشاً لا ينوون القتال، وهذا لا يصحّ إلاّ لو كان قولُهم هذا حاصلاً قبل انخزالهم، وعلى هذين فالعِلم بمعنى التحقّق المسمّى بالتصديق عند المناطقة، وقيل: أرادوا لو نحسن القتال لاتّبعناكم، فالعِلم بمعنى المعرفة، وقولهم حينئذ تهكّم وتعذُّر.

ومعنى {هم للكفر يومئذٍ أقرب منهم للإيمان} أنّ ما يُشاهد من حالهم يومئذ أقرب دلالة على أنهم يُبطنون الكفر مِن دلالة أقوالهم: إنَّا مسلمون، واعتذارِهم بقولهم: لو نعلم قتالاً لاتّبعناكم. أي إنّ عذرهم ظاهر الكذب، وإرادة تفشيل المسلمين، والقرب مجاز في ظهور الكفر عليهم.

ويتعلّق كلّ من المجرورين في قوله: {منهم للإيمان} بقوله: {أقرب} لأنّ {أقرب} تفضيل يقتضي فاضلاً ومفضولاً، فلا يقع لبْس في تعلّق مجرورين به لأنّ السامع يَردّ كل مجرور إلى بعض معنى التفضيل.

وقوله: {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} استئناف لبيان مغزى هذا الاقتراب، لأنّهم يبدون من حالهم أنّهم مؤمنون، فكيف جُعلوا إلى الكفر أقربَ، فقيل: إنّ الذي يُبدونه ليس موافقاً لما في قلوبهم، وفي هذا الاستئناف ما يمنع أن يكون المراد من الكفر في قوله: {هم للكفر} أهلَ الكفر.

وقوله: {الذين قالوا لإخوانهم} بدل من {الذين نافقوا}، أو صفة له، إذا كان مضمون صلته أشهر عند السامعين، إذ لعلّهم عُرفوا من قبل بقولهم فيما تقدّم {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} فذُكِر هنا وصفاً لهم ليتميّزُوا كمال تمييز. واللام في (لإخوانهم) للتعليل وليست للتعدية، قالوا: كما هي في قوله:

{ وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض }[آل عمران: 156].

والمراد بالإخوان هنا عين المراد هناك، وهم الخزرج الذين قتلوا يوم أُحُد، وهم من جلّة المؤمنين.

وجملة {وقعدوا} حال معترَضة، ومعنى لو أطاعونا أي امتثلوا إشارتنا في عدم الخروج إلى أُحُد، وفعلوا كما فعلنا، وقرأ الجمهور: ما قُتِلوا ـــ بتخفيف التاء ـــ من القتل. وقرأه هشام عن ابن عامر ـــ بتشديد التاء ـــ من التقتيل للمبالغة في القتل، وهو يفيد معنى تفظيعهم ما أصاب إخوانهم من القتل طعناً في طاعتهم النبي صلى الله عليه وسلم.

وقوله: {قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} أي ادرأوه عند حلوله، فإنّ من لم يمت بالسيف مات بغيره أي: إن كنتم صادقين في أنّ سبب موت إخوانكم هو عصين أمركم.

وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ۝١٦٩ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا۟ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝١٧٠ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٧١ ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْا۟ أَجْرٌ عَظِيمٌ ۝١٧٢

قوله: {ولا تحسبن} عطف على

{ قل فادرءوا عن أنفسكم الموت }[آل عمران: 168]، فلمّا أمر الله نبيئه أن يجيبهم بما فيه تبكيتهم على طريقة إرخاء العِنان لهم في ظنّهم أنّ الذين قتلوا من إخوانهم قد ذهبوا سُدًى، فقيل لهم: إنّ الموت لا مفرّ منه على كل حال، أعرض بعد ذلك عن خطابهم لقلّة أهليتهم، وأقبل على خطاب من يستأهل المعرفة، فقال: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً} وهو إبطال لما تلهّف منه المنافقون على إضاعة قتلاهم.

والخطاب يجوز أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم تعليماً له، وليُعلِّم المسلمين، ويجوز أن يكون جارياً على طريقة العرب في عدم إرادة مخاطب معيّن.

والحسبان: الظنّ فهو نهي عن أن يظنّ أنّهم أموات وبالأحرى يكون نهياً عن الجزم بأنَّهم أموات.

وقرأ الجمهور: الذين قُتِلوا ـــ بتخفيف التاء ـــ وقرأه ابن عامر ـــ بتشديد التاء ـــ أي قُتِّلوا قتلاً كثيراً.

وقوله: {بل أحياء} للإضراب عن قوله: {ولا تحسبن الذين قتلوا} فلذلك كان ما بعدها جملة غير مفرد، لأنّها أضربت عن حكم الجملة ولم تُضرب عن مفردٍ من الجملة، فالوجه في الجملة التي بعدها أن تكون اسمية من المبتدأ المحذوف والخبر الظاهر، فالتقدير: بل هم أحياء، ولذلك قرأه السبعة ـــ بالرفع ـــ، وقرىء ـــ بالنصب ـــ على أنّ الجملة فعلية، والمعنى: بل أحسبتم أحياء، وأنكرها أبو علي الفارسي.

وقد أثبت القرآن للمجاهدين موتاً ظاهراً بقوله: {قتلوا}، ونفي عنهم الموت الحقيقي بقوله: {بل أحياء عند ربهم يرزقون} فعلِمنا أنّهم وإن كانوا أموات الأجسام فهم أحياء الأرواح، حياة زائدة على حقيقة بقاء الأرواح، غير مضمحلّة، بل هي حياة بمعنى تحقّق آثار الحياة لأرواحهم من حصول اللذات والمدركات السارّة لأنفسهم، ومسرّتهم بإخوانهم، ولذلك كان قوله: {عند ربهم} دليلاً على أنّ حياتهم حياة خاصّة بهم، ليست هي الحياة المتعارفة في هذا العالم، أعني حياة الأجسام وجريان الدم في العروق، ونبضات القلب، ولا هي حياة الأرواح الثابتة لأرواح جميع الناس، وكذلك الرزق يجب أن يكون ملائماً لحياة الأرواح وهو رزق النعيم في الجنّة. فإن علّقنا {عند ربهم} بقوله: أحياء كما هو الظاهر، فالأمر ظاهر، وإن علقناه بقوله: {يرزقون} فكذلك، لأنّ هذه الحياة لمّا كان الرزق الناشىء عنها كائناً عند الله، كانت حياة غير مادّية ولا دنيويَّة، وحينئذ فتقديم الظرف للاهتمام بكينونة هذا الرزق. وقولُه: {فرحين} حال من ضمير {يرزقون}.

والاستبشار: حصول البشارة، فالسين والتاء فيه كما هما في قوله تعالى:

{ واستغنى اللَّه }[التغابن: 6] وقد جمع اللَّهُ لهم بين المسرّة بأنفسهم والمسرّة بمن بقي من إخوانهم، لأنّ في بقائهم نكاية لأعدائهم، وهم مع حصول فضل الشهادة لهم على أيدي الأعداء يتمنّون هلاك أعدائهم، لأنّ في هلاكهم تحقيق أمنية أخرى لهم وهي أمنية نصر الدين.

فالمراد {بالذين لم يلحقوا بهم} رفقاؤهم الذين كانوا يجاهدون معهم، ومعنى لم يلحقوا بهم لم يستشهدوا فيصيروا إلى الحياة الآخرة.

و{من خلفهم} تمثيل بمعنى من بعدهم، والتقدير: ويستبشرون بالذين لم يصيروا إلى الدار الآخرة مِن رفاقهم بأَمْنِهم وانتفاءِ ما يُحْزنهم. وقوله: {ألا خوف عليهم} بدل اشتمال، و(لا) عاملة عمل ليس ومفيدة معناها، ولم يُبن اسم (لا) على الفتح هنا لظهور أنّ المقصود نفي الجنس ولا احتمال لنفي الوحدة فلا حاجة لبناء النكرة على الفتح، وهو كقول إحدى نساء حديث أمّ زرع:

زوجي كلَيْلِ تِهَامَة، لا حرٌّ ولا قرّ ولا مخافة ولا سَآمَهْ برفع الأسماء النكرات الثلاثة.

وفي هذا دلالة على أنّ أرواح هؤلاء الشهداء مُنحت الكشفَ على ما يسرّها من أحوال الذين يهمّهم شأنهم في الدنيا. وأنّ هذا الكشف ثابت لجميع الشهداء في سبيل الله، وقد يكون خاصّاً الأحوال السارّة لأنّها لذّة لها. وقد يكون عامّاً لِجميع الأحوال لأنّ لذّة الأرواح تحصل بالمعرفة، على أنّ الإمام الرازي حَصَر اللذّة الحقيقية في المعارف. وهي لذّة الحكماء بمعرفة حقائق الأشياء، ولو كانت سيئة.

وفي الآية بشارة لأصحاب أُحُد بأنّهم لا تلحقهم نكبة بعد ذلك اليوم.

وضمير {يستبشرون بنعمة من الله} يجوز أن يعود إلى الذين لم يلحقوا بهم فتكون الجملة حالاً من الذين لم يلحقوا بهم أي لا خوف عليهم ولا حزن فهم مستبشرون بنعمة من الله، ويحتمل أن يكون تكريراً لقوله: {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا} والضمير لـ{الذين قُتِلوا في سبيل الله}، وفائدة التكرير تحقيق معنى البشارة كقوله:

{ ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا }[القصص: 63] فكرّر أغويناهم، ولأنّ هذا استبشار منه عائد لأنفسهم، ومنه عائد لرفاقهم الذين استجابوا لله من بعد القرح، والأولى عائدة لإخوانهم. والنعمة: هي ما يكون به صلاح، والفضل: الزيادة في النعمة.

وقوله: {وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} قرأه الجمهور ـــ بفتح همزة (أنّ) ـــ على أنه عطف على {نعمةٍ من الله وفضلٍ}، والمقصود من ذلك تفخيم ما حصل لهم من الاستبشار وانشراح الأنفس بأنْ جمع الله لهم المسرّة الجثمانية الجزئية والمسرّة العقليّة الكلية، فإنّ إدراك الحقائق الكلية لذّة روحانية عظيمة لشرف الحقائق الكلية وشرف العلم بها، وحصول المسرّة للنفس من انكشافها لها وإدراكها، أي استبشروا بأنّ عَلِموا حقيقة كليّة وسرّاً جليلاً من أسرار العِلم بصفات الله وكمالاته، التي تعمّ آثارها، أهل الكمال كلَّهم، فتشمل الذين أدركوها وغيرهم، ولولا هذا المعنى الجليل لم يكن داع إلى زيادة {وأن الله لا يضيع أجرالمؤمنين} إذ لم يحصل بزيادته زيادةُ نعمة وفضل للمستبشرين مِن جنس النعمة والفضل الأولين، بل حصلت نعمة وفضل آخران. وقرأه الكسائي ـــ بكسر همزة (إنّ) ـــ على أنه عطف على جملة {يستبشرون} في معنى التذييل فهو غير داخل فيما استبشر به الشهداء. ويجوز أن تكون الجملة على هذا الوجه ابتداء كلام، فتكون الواو للاستئناف.

وجملة {الذين استجابوا لله والرسول} صفة للمؤمنين أو مبتدأ خبره {للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم} وهذه الاستجابة تشير إلى ما وقع إثر أُحُد من الأرجاف بأنّ المشركين، بعد أن بلغوا الرّوحاء، خطر لهم أنْ لو لحقوا المسلمين فاستأصلوهم. وقد مرّ ذكر هذا وما وقع لمعبد بن أبي معبد الخزاعي عند قوله تعالى:

{ يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم }[آل عمران: 149]. وقد تقدّم القول في القرح عند قوله: { إن يمسسكم قرح }[آل عمران: 140]. والظاهر أنَّه هنا للقرح المجازي، ولذلك لم يجمع فيقال القروح.

ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَٰنًا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ ۝١٧٣ فَٱنقَلَبُوا۟ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوٓءٌ وَٱتَّبَعُوا۟ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ۝١٧٤ إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝١٧٥

يجوز أن يكون {الذين قال لهم الناس} إلى آخره، بدلاً من

{ الذين استجابوا لله والرسول }[آل عمران: 172]، أو صفة له، أو صفة ثانية للمؤمنين في قوله: { وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين }[آل عمران: 171] على طريقة ترك العطف في الأخبار. وإنَّما جيء بإعادة الموصول، دون أن تعطف الصلة على الصلة، اهتماماً بشأن هذه الصلة الثانية حتّى لا تكون كجزء صلةٍ، ويجوز أن يكون ابتداء كلام مستأنفٍ، فيكون مبتدأ وخبره قوله: { إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه }[آل عمران: 175] أي ذلك القول، كما سيأتي. وهذا تخلّص بذكر شأن من شؤون المسلمين كفاهم الله به بأس عدوّهم بعد يَوم أحُد بعامٍ، إنجازاً لوعدهم مع أبي سفيان إذ قال: مَوعدكم بدر في العام القابل، وكان أبو سفيان قد كره الخروج إلى لقاء المسلمين في ذلك الأجل، وكاد للمسلمين ليُظهر إخلاف الوعد منهم ليجعل ذلك ذريعة إلى الإرجاف بين العرب بضعف المسلمين، فجَاعَل ركباً من عبدِ القيس مارينَ بمَرّ الظَّهْرانَ قرب مكّة قاصدين المدينة للميرة، أن يخبروا المسلمين بأنّ قريشاً جمعوا لهم جيشاً عظيماً، وكان مع الركب نعيم بن مسعود الأشجعي، فأخبر نعيم ومن معه المسلمين بذلك فزاد ذلك المسلمين استعداداً وحميّة للدين، وخرجوا إلى الموعد وهو بدر، فلم يجدوا المشركين وانتظروهم هنالك، وكانت هنالك سوق فاتّجَرُوا ورجعوا سالمين غير مذمومين، فذلك قوله تعالى: {الذين قال لهم الناس أي الركب العَبْدِيُّون إن الناس قد جمعوا لكم} أي إنّ قريشاً قد جمعوا لكم. وحذف مفعول {جمعوا} أي جمعوا أنفسهم وعُددهم وأحلافهم كما فعلوا يوم بدر الأول.

وقال بعض المُفسّرين وأهل العربية: إنّ لفظ الناس هنا أطلق على نُعيم بن مسعود وأبي سفيان، وجعلوه شاهداً على استعمال الناس بمعنى الواحد والآية تحتمله، وإطلاق لفظ الناس مراداً به واحد أو نحوه مستعمل لقصد الإبهام، ومنه قوله تعالى:

{ أم يحسدون الناس على ما ءاتاهم الله من فضله }[النساء: 54] قال المفسّرون: يعني بـ(الناس) محمداً صلى الله عليه وسلم.

وقوله: {فزادهم إيماناً} أي زادهم قول الناس، فضمير الرفع المستتر في {فزادهم} عائد إلى القول المستفاد من فعل {قال لهم الناس} أو عائد إلى الناس، ولمّا كان ذاك القول مراداً به تخويف المسلمين ورجوعهم عن قصدهم. وحصل منه خلاف ما أراد به المشركون، جُعل ما حصل به زائداً في إيمان المسلمين. فالظاهر أنّ الإيمان أطلق هنا على العمل، أي العزم على النصر والجهاد، وهو بهذا المعنى يزيد وينقص. ومسألة زيادة الإيمان ونقصه مسألة قديمة، والخلاف فيها مبنيّ على أنّ الأعمال يطلق عليها اسم الإيمان، كما قال تعالى:

{ وما كان اللَّه ليضيع إيمانكم }[البقرة: 143] يعني صَلاتكم. أمّا التَّصديق القلبي وهو عقد القلب على إثبات وجود الله وصفاته وبعثة الرسل وصدق الرسول، فلا يقبل النقص، ولا يقبل الزيادة، ولذلك لا خلاف بين المسلمين في هذا المعنى، وإنّما هو خلاف مبني على اللفظ، غير أنّه قد تقرّر في علم الأخلاق أنّ الاعتقاد الجازم إذا تكررت أدلّته، أو طال زمانه، أو قارنته التجارب، يزداد جلاء وانكشافاً، وهو المعبّر عنه بالمَلَكة، فلعلّ هذا المعنى ممّا يراد بالزيادة، بقرينة أنّ القرآن لم يطلق وصف النقص في الإيمان بل ما ذكر إلا الزيادة، وقد قال إبراهيمُ عليه السلام: { بلى ولكن ليطمئنّ قلبي }[البقرة: 260]

وقولهم: {حسبنا الله ونعم الوكيل} كلمة لعلّهمُ ألهموها أو تلقّوها عن النبي صلى الله عليه وسلم وحسب أي كاف، وهو اسم جامد بمعنى الوصف ليس له فعل، قالوا: ومنه اسمه تعالى الحَسيب، فهو فعيل بمعنى مُفعل. وقيل: الإحساب هو الإكفاء، وقيل: هو اسم فعل بمعنى كفى، وهو ظاهر القاموس. وردّه ابن هشام في توضيحه بأنّ دخول العوامل عليه نحو {فإنّ حسبك الله}، وقولهم: بحسبك درهم، ينافي دعوى كونه اسم فعل لأنّ أسماء الأفعال لا تدخل عليها العوامل، وقيل: هو مصدر، وهو ظاهر كلام سيبويه. وهو من الأسماء اللازمة للإضافة لفظاً دون معنى، فيبنى على الضمّ مثل: قبلُ وبعدُ، كقولهم: اعطه درهمين فَحَسْبُ، ويتجدّد له معنى حينئذ فيكون بمعنى لا غير. وإضافته لا تفيده تعريفاً لأنّه في قوة المشتقّ ولذلك توصف به النكرة، وهو ملازم الإفراد والتذكير فلا يثنّى ولا يجمعُ ولا يؤنّث لأنّه لجموده شابَه المصدر، أو لأنّه لمّا كان اسم فعل فهو كالمصدر، أو لأنّه مصدر، وهو شأن المصادر، ومَعناها: إنّهم اكتفوا بالله ناصراً وإن كانوا في قِلّة وضعف.

وجملة {ونعم الوكيل} معطوفة على {حسبنا الله} في كلام القائلين، فالواو من المحكي لا من الحكاية، وهو من عطف الإنشاء على الخبر الذي لا تطلب فيه إلا المناسبة. والمخصوص بالمدح محذوف لتقدّم دليله.

و {الوكيل} فعيل بمعنى مفعول أي موكول إليه. يقال: وكل حاجته إلى فلان إذا اعتمد عليه في قضائها وفوّض إليه تحصيلها، ويقال للذي لا يستطيع القيام بشؤونه بنفسه: رَجل وَكَل ـــ بفتحتين ـــ أي كثير الاعتماد على غيره، فالوكيل هو القائم بشأن من وكّله، وهذا القيام بشأن الموكِّل يختلف باختلاف الأحوال الموكّل فيها، وبذلك الاختلاف يختلف معنى الوكيل، فإن كان القيام في دفع العداء والجور فالوكيل الناصر والمدافع

{ قل لست عليكم بوكيل }[الأنعام: 66]، ومنه { فمن يجادل اللَّه عنهم يوم القيامة أمَّن يكون عليهم وكيلاً }[النساء: 109]. ومنه الوكيل في الخصومة، وإن كان في شؤون الحياة فالوكيل الكافل والكافي منه: { أن لا تتخذوا من دوني وكيلاً }[الإسراء: 2] كما قال: { وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً }[النحل: 91] ولذلك كان من أسمائه تعالى: الوكيل، وقولُه: {وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} ومنه الوكيل على المال، ولذلك أطلق على هذا المعنى أيضاً اسم الكفيل في قوله تعالى: {وقد جعلتم اللَّه عليكم كفيلاً}. وقد حمل الزمخشري الوكيل على ما يشمل هذا عند قوله تعالى: { وهو على كل شيء وكيل } في سورة [الأنعام: 102]، فقال: وهو مالك لكلّ شيء من الأرزاق والآجال رقيب على الأعمال. وذلك يدل على أنّ الوكيل اسم جامع للرقيب والحافظ في الأمور التي يُعني الناس بحفظها ورقابتها وادّخارها، ولذلك يتقيّد ويتعمّم بحسب المقامات.

وقوله: {فانقلبوا بنعمة من الله} تعقيب للإخبار عن ثبات إيمانهم وقولِهم: حسبنا الله ونعم الوكيل، وهو تعقيب لمحذوف يدلّ عليه فعل {فانقلبوا}، لأنّ الانقلاب يقتضي أنَّهم خرجوا للقاء العدوّ الذي بلغ عنهم أنّهم جمعوا لَهم ولم يَعبأوا بتخويف الشيطان، والتقدير: فخرجوا فانقلبوا بنعمة من الله.

والباء للملابسة أي ملابسين لِنعمة وفضل من الله. فالنعمة هي ما أخذوه من الأموال، والفضلُ فضل الجهاد. ومعنى لم يمسسهم سوء لم يلاقوا حرباً مع المشركين.

وجملة {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} إمّا استئناف بياني إن جَعلتَ قوله: {الذين قال لهم الناس} بدلاً أو صفة كما تقدّم، وإمَّا خبر عن {الذين قال لهم الناس إن جَعلَت قوله: {الذين قال لهم الناس} مبتدأ، والتقدير: الذين قال لهم الناس إلى آخره إنّما مقالهم يخوّف الشيطان به. ورابط هذه الجملة بالمبتدأ، وهو {الذين قال لهم الناس} على هذا التقدير، هو اسم الإشارة، واسم الإشارة مبتدأ.

ثم الإشارة بقوله: {ذلكم} إمّا عائد إلى المقال فلفظ الشيطان على هذا مبتدأ ثان، ولفظه مستعمل في معناه الحقيقي، والمعنى: أنّ ذلك المقال ناشىء عن وسوسة الشيطان في نفوس الذين دبّروا مكيدة الإرجاف بتلك المقالة لتخويف المسلمين بواسطة ركب عبد القيس.

وإمّا أن تعود الإشارة الى {الناس} من قوله: {قال لهم الناس} لأن الناس مؤوّل بشخص، أعني نُعميا بن مسعود، فالشيطان بدل أو بيان من اسم الإشارة وأطلق عليه لفظ شيطان على طريقة التشبيه البليغ.

وقوله: {يخوف أولياءه} تقديره يخوّفكم أولياءه، فحذف المفعول الأول لفعل (يخوّف) بقرينة قوله بعده: {فلا تخافوهم} فإنّ خَوّف يتعدّى إلى مفعولين إذ هو مضاعف خاف المجرّد، وخاف يتعدّى الى مفعول واحد فصار بالتضعيف متعدّياً إلى مفعولين من باب كَسَا كما قال تعالى:

{ ويحذّركم اللَّه نفسه }[آل عمران: 28].

وضمير {فلا تخافوهم} على هذا يعود إلى {أولياءه} وجملة {وخافون} معترضة بين جملة {فلا تخافوهم} وجملة {إن كنتم مؤمنين}.

وقوله: {إن كنتم مؤمنين} شرط مؤخّر تقدّم دليل جوابه، وهو تذكير وإحماء لإيمانهم وإلا فقد علم أنّهم مؤمنون حقّاً.

وَلَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًٔا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝١٧٦

نهي للرسول عن أن يحزن من فعل قوم يحرصون على الكفر أي على أعماله ومعنى {يسارعون في الكفر} يتوغّلون فيه ويَعجَلون إلى إظهاره وتأييده والعمل به عند سنوح الفرص، ويحرصون على إلقائه في نفوس الناس، فعبّر عن هذا المعنى بقوله: {يسارعون}، فقيل: ذلك من التضمين ضمّن يسارعون معنى يقعون، فعدّي بفي، وهي طريقة «الكشاف» وشروحه، وعندي أنّ هذا استعارة تمثيلية: شبّه حال حرصهم وجدّهم في تفكير الناس وإدخال الشكّ على المؤمنين وتربّصهم الدوائر وانتهازهم الفرص بحال الطالب المسارع الى تحصيل شيء يخشى أن يَفوته وهو متوغّل فيه متلبس به، فلذلك عدّي بفي الدالة على سرعتهم سرعة طالب التمكين، لا طالب الحصول، إذ هو حاصل عندهم ولو عدّي بإلى لفهم منه أنّهم لم يكفروا عند المسارعة.l قيل: هؤلاء هم المنافقون، وقيل: قوم أسلموا ثم خافوا من المشركين فارتدّوا.

وجملة {إنهم لن يضروا الله شيئاً} تعليل للنهي عن أن يحزنه تسارعهم الى الكفر بعلّة يوقن بها الرسول ــــــ عليه الصلاة والسلام ــــــ. وموقع إنّ في مثل هذا المقام إفادة التعليل، وإنّ تُغني غناء فاء التسبّب، كما تقدّم غير مرّة.

ونفي {لن يضروا الله} مراد به نفي أن يعطّلوا ما أراده إذ قد كان الله وعد الرسول إظهار دينه على الدّين كلّه، وكان سعي المنافقين في تعطيل ذلك، نهي الله رسوله أن يحزن لما يبدو له من اشتداد المنافقين في معاكسة الدعوة، وبيّن له أنّهم لن يستطيعوا إبطال مراد الله، تذكيراً له بأنه وعده بأنّه متمّ نوره.

ووجه الحاجة الى هذا النهي: هو أنّ نفس الرسول، وإن بلغت مرتقى الكمال، لا تعدو أن تعتريها في بعض أوقات الشدّة أحوال النفوس البشرية: من تأثير مظاهر الأسباب، وتوقّع حصول المسبّبات العادية عندها، كما وقع للرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر. وهو في العريش، وإذا انتفى إضرارهم الله انتفى إضرارهم المؤمنين فيما وعدهم الله. وقرأ الجمهور: يَحْزُنك ــــــ بفتح الياء وضمّ الزاي ــــــ من حَزَنَه إذا أدخل عليه الحزن، وقرأه نَافع ــــــ بضم الياء وكسر الزاي ــــــ من أحزنه.

وجملة {يريد الله} استئناف لبيان جزائهم على كفرهم في الآخرة، بعد أن بيّن السلامة من كيدهم في الدنيا والمعنى: أنّ الله خذلهم وسلبهم التوفيق فكانوا مسارعين في الكفر لأنّه أراد أن لا يكون لهم حظّ في الآخرة. والحظّ: النصيب من شيء نافع.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًٔا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝١٧٧

تكرير لجملة {إنهم لن يضروا الله شيئاً} قصد به، مع التأكيد، إفادةُ هذا الخبر استقلالاً للاهتمام به بعد أن ذكر على وجه التعليل لتسلية الرسول. وفي اختلاف الصلتين إيماء إلى أنّ مضمون كل صلة منهما هو سبب الخبر الثابت لمَوصُولها، وتأكيد لقوله: {إنهم لن يضروا الله شيئاً} المتقدّم، كقول لبيد

:كدُخان نارٍ سَاطِـع أسْنَامُها

بعد قوله:

كدُخان مُشْعَلَةٍ يُشَبّ ضِرامُها

مع زيادة بيان اشتهارهم هم بمضمون الصلة.

والاشتراء مستعار للاستبدال كما تقدّم في قوله تعالى:

{ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } في سورة [البقرة: 16].

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ۝١٧٨

عطف على قوله:

{ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً }[آل عمران: 169] والمقصود مقابلة الإعلام بخلاف الحسبان في حالتين: إحداهما تلوح للناظر حالة ضرّ، والأخرى تلوح حالة خير، فأعلم الله أن كلتا الحالتين على خلاف ما يتراءى للناظرين.

ويجوز كونه معطوفا على قوله:

{ ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر }[آل عمران: 176] إذ نهاه عن أن يكون ذلك موجباً لحزنه، لأنهم لا يضرّون الله شيئاً، ثم ألقى إليه خبراً لقصد إبلاغه إلى المشركين وإخوانهم المنافقين: أن لا يحسبوا أن بقاءهم نفع لهم بل هو إملاء لهم يزدادون به آثاماً، ليكون أخذُهم بعد ذلك أشدّ. وقرأه الجمهور {ولا يَحسبنّ الذين كفروا} ــــــ بياء الغيبة ــــــ وفاعلُ الفعل (الذين كفروا)، وقرأه حمزة وحده ــــــ بتاء الخطاب ــــــ.

فالخطاب إما للرسول ــــــ عليه السلام ــــــ وهو نهي عن حسبان لم يقع، فالنهي للتحذير منه أو عن حسبان هو خاطر خطر للرسول صلى الله عليه وسلم غير أنّه حسبان تعجّب، لأنّ الرسول يعلم أنّ الإملاء ليس خيراً لهم، أو المخاطب الرسول والمقصود غيره، ممّن يظنّ ذلك من المؤمنين على طريقة التعريض مثل

{ لئن أشركت ليحبطنّ عملك }[الزمر: 65]، أو المراد من الخطاب كلّ مخاطب يصلح لذلك.

وعلى قراءة ــــــ الياء التحتية ــــــ فالنهي مقصود به بلوغه إليهم ليعلموا سوء عاقبتهم، ويُمِرَّ عيشهم بهذا الوعيد، لأنّ المسلمين لا يحسبون ذلك من قبل والإملاء: الإمهال في الحياة، والمراد به هنا تأخير حياتهم، وعدمُ استئصالهم في الحرب، حيث فرحوا بالنصر يوم أُحُد، وبأنّ قتلى المسلمين بوم أحُد كانوا أكثر من قتلاهم.

ويجوز أن يراد بالإملاء التخلية بينهم وبين أعمالهم في كيد المسلمين وحربهم وعدم الأخذ على أيديهم بالهزيمة والقتل كما كان يوم بدر، يقال: أملى لفرسه إذا أرخى له الطِّوَل في المرعى، وهو مأخوذ من الملْو بالواو وهو سيرُ البعير الشديدُ، ثم قالوا: أمليت للبعير والفرس إذا وسَّعت له في القيد لأنّه يتمكّن بذلك من الخَبَب والركض، فشُبِّه فعله بشدّة السير، وقالوا: أمليت لزيد في غيّه أى تركته: على وجه الاستعارة، وأملى الله لفلان أخّر عقابه، قال تعالى:

{ وأملي لهم إن كيدي متين }[الأعراف: 183] واستعير التملّي لطول المدّة تشبيهاً للمعقول بالمحسوس فقالوا: ملأَّك الله حبيبَك تمليئة، أي أطال عمرك معه.

وقوله: {أنما نملي لهم خير لأنفسهم} (أَنّ) أخت (إنّ) المكسورة الهمزة، و(ما) موصولة وليست الزائدة، وقد كتبت في المصحف كلمة واحدة كما تكتب إنّما المركبة من (إن) أخت (أنّ) و(ما) الزائدةِ الكافّةِ، التي هي حرف حصر بمعنى (مَا) و(إلاّ)، وكان القياس أن تكتب مفصولة وهو اصطلاح حدث بعد كتابة المصاحف لم يكن مطّرداً في الرسم القديم، على هذا اجتمعت كلمات المفسّرين من المتقدّمين والمتأخّرين. وأنا أرى أنّه يجوز أن يكون (أنّما) من قوله: {أنما نملي لهم خير لأنفسهم} هي أنّما أخت إنّما المكسورة وأنّها مركّبة من (أنّ) و(ما) الكافّة الزائدة وأنها طريق من طرق القصر عند المحقّقين، وأنّ المعنى: ولا يحسبنّ الذين كفروا انحصار إمهالنا لهم في أنّه خير لهم لأنّهم لمّا فرحوا بالسلامة من القتل وبالبقاء بقيد الحياة قد أضمروا في أنفسهم اعتقاد أنّ بقاءهم ما هو إلاّ خير لهم لأنّهم يحسبون القتل شرّاً لهم، إذ لا يؤمنون بجزاء الشهادة في الآخرة لكفرهم بالبعث. فهو قصر حقيقي في ظنّهم.

ولهذا يكون رسمهم كلمة (أنَّما) المفتوحة الهمزة في المصحف جارياً على ما يقتضيه اصطلاح الرسم. و{أنّما نملي لهم خير لأنفسهم} هو بدل اشتمال من {الذين كفروا}، فيكون سادّاً مسدّ المفعولين، لأنّ المبدل منه صار كالمتروك، وسلكت طريقة الإبدال لما فيه من الإجمال، ثمّ التفصيل، لأنّ تعلّق الظنّ بالمفعول الأول يستدعي تشوّف السامع للجهة التي تعلَّق بها الظنّ، وهي مدلول المفعول الثاني، فإذا سمع ما يسدّ مسدّ المفعولين بعد ذلك تمكّن من نفسه فضْل تمكّن وزاد تقريراً.

وقوله: {إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً} استئناف واقع موقع التعليل للنهي عن حسبان الإملاء خيراً، أي ما هو بخير لأنّهم يزدادون في تلك المدّة إثماً.

و(إنما) هذه كلمة مركّبة من (إِنّ) حرف التوكيد و(ما) الزائدة الكافّة وهي أداة حصر أي: ما نملي لهم إلاّ ليزدادوا إثماً، أي فيكون أخذهم به أشدّ فهو قصر قلب.

ومعناه أنّه يملي لهم ويؤخّرهم وهم على كفرهم فيزدادون إثماً في تلك المدّة، فيشتدّ عقابهم على ذلك، وبذلك لا يكون الإملاء لهم خيراً لهم، بل هو شرّ لهم.

واللام في {ليزدادوا إثماً} لام العاقبة كما هي في قوله تعالى:

{ ليكون لهم عدواً وحزناً }[القصص: 8] أي: إنما نملي لهم فيزدادون إثماً، فلمّا كان ازدياد الإثم ناشئاً عن الإملاء، كان كالعلّة له، لا سيما وازدياد الإثم يعلمه الله فهو حين أملَى لهم علم أنّهم يزدادون به إثماً، فكان الازدياد من الإثم شديد الشبه بالعلّة، أمّا علّة الإملاء في الحقيقة ونفس الأمر فهي شيء آخر يعلمه الله، وهو داخل في جملة حكمة خلق أسباب الضلال وأهله والشياطين والأشياء الضارّة. وهي مسألة مفروغ منها في علم الكلام، وهي ممّا استأثر الله بعلم الحكمة في شأنه. وتعليلُ النهي على حسبان الإملاء لهم خيراً لأنفسهم حاصل، لأنّ مداره على التلازم بين الإملاء لهم وبين ازديادهم من الإثم في مدّة الإملاء
الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ