انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير القرطبيالآيات 1–8

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓمٓ ۝١ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۝٢

فيه خمس مسائل:

الأولى: قوله: {الۤمۤ} {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} هذه السورة مدنية بإجماع. وحكى النقاش: أن ٱسمها في التوراة طَيْبة، وقرأ الحسن وعمرو بن عُبِيْد وعاصم بن أبي النَّجُود وأبو جعفر الرُّؤاسِي «الۤمۤ. ألله» بقطع ألف الوصل، على تقدير الوقف على «الۤمۤ» كما يقدرون الوقف على أسماء الأعداد في نحو واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة وهم واصلون. قال الأخفش سعيد: ويجوز «الۤم الله» بكسر الميم لالتقاء الساكنين. قال الزجاج: هذا خطأ، ولا تقوله العرب لثقله. قال النحاس: القراءة الأُولى قراءة العامّة، وقد تكلم فيها النحويون القدماء؛ فمذهب سيبويه أنّ الميم فتحت لالتقاء الساكنين، وٱختاروا لها الفتح لئلا يُجْمع بين كسرة وياء وكسرة قبلها. وقال الكسائي: حروف التهجي إذا لحقتها ألفُ وصل فحذفتَ ألف الوصل حرّكتها بحركة الألف فقلت: الۤمۤ الله، والم ٱذكر، والم ٱقتربت. وقال الفرّاء: الأصل «الۤمۤ ألله» كما قرأ الرؤاسيّ فألقيت حركة الهمزة على الميم. وقرأ عمر بن الخطاب «الْحَيُّ القَيَّامُ» وقال خارجة: في مصحف عبد الله «الْحَيُّ القَيِّمُ». وقد تقدم ما للعلماء من آراء في الحروف التي في أوائل السور في أوّل «البقرة» ومن حيث جاء في هذه السورة {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} جملةً قائمة بنفسها فتتصوّر تلك الأقوال كلها.

الثانية: روى الكِسائيّ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلّى العشاء فٱستفتح «آل عمران» فقرأ الۤمۤ. الله لا إله إلا هو الحيُّ القَيَّامُ» فقرأ في الركعة الأولى بمائة آية، وفي الثانية بالمائة الباقية. قال علماؤنا: ولا يقرأ سورة في ركعتين، فإن فعل أجزأه. وقال مالك في المجموعة: لا بأس به، وما هو بالشأن.

قلت: الصحيح جواز ذلك. وقد قرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم «بالأعراف» في المغرب فرّقها في ركعتين. خرّجه النسائي أيضاً، وصحّحه أبو محمد عبد الحق، وسيأتي.

الثالثة: هذه السورة ورد في فضلها آثار وأخبار، فمن ذلك ما جاء أنها أمَانٌ من الحيات، وكنْزٌ للصُّعْلوك، وأنها تُحَاجّ عن قارئها في الآخرة، ويُكْتَب لمن قرأ آخرها في ليلةٍ كقيام ليلة، إلى غير ذلك. ذكر الدارمي أبو محمد في مسنده حدّثنا أبو عُبَيْد القاسم بن سلاَم قال: حدثني عُبَيْد الله الأشجَعي قال: حدثني مِسْعَر قال: حدثني جابر، قبل أن يقع فيما وقع فيه، عن الشَّعْبيّ قال: قال عبد الله: نعِم كنْزُ الصُّعْلوك سورةُ «آل عمران» يقوم بها في آخر الليل. حدّثنا محمد بن سعيد حدّثنا عبد السلام عن الجُرَيْرِيّ عن أبي السَّلِيل قال: أصاب رجل دماً قال: فأوى إلى وادي مَجَنّة: وادٍ لا يمشي فيه أحد إلا أصابته جنّة، وعلى شَفير الوادي راهبان، فلمّا أمسى قال أحدهما لصاحبه: هلك والله الرجل! قال: فٱفتتح سورةَ «آل عمران» قالا: فقرأ سورة طَيْبة لعله سينجو. قال: فأصبح سليماً. وأسند عن مَكْحُول قال: من قرأ سورة «آل عمران» يوم الجمعة صلت عليه الملائكة إلى الليل. وأسند عن عثمان ابن عفان قال: من قرأ آخر سورة «آل عمران» في ليلة كتب له قيام ليلة. في طريقه ٱبنُ لَهِيَعة. وخرّج مسلم عن النوّاس بنِ سَمْعَان الكِلاَبيّ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

يُؤتَى بالقرآن يوم القيامة وأهلهِ الذين كانوا يعملون به تَقْدُمه سورة البقرة وآل عمران ـ وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمْثَالٍ ما نسيتُهُنَّ بعدُ، قال: كأنهما غمامتان أو ظُلّتان سَوْداوان بينهما شَرْقٌ أو كأنَّهما حِزْقانِ من طير صَوَافَّ تُحَاجّان عن صاحبهماوخرّج أيضاً عن أبي أُمَامَة الباهليّ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه اقرءوا الّزهْرَاوَين البقرة وسورة آل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غَيَايتَان أو كأنهما فِرْقَانِ من طير صَوَافّ تُحاجَّان عن أصحابهما اقرءوا سورة البقرة فإنّ أخْذها بركةٌ وتركها حسْرةٌ ولا يستطيعها البَطَلة. قال معاوية: وبلغني أن البطلة السَحَرَة.

الرابعة: للعلماء في تسمية «البقرة وآل عمران» بالَّزهرَاوَيْن ثلاثة أقوال:

الأول: أنهما النّيِّرتان، مأخوذ من الزّهْر والزُّهْرَةِ؛ فإمّا لهدايتهما قارئهما بما يزهر له من أنوارهما، أي من معانيهما.

وإما لِما يترتب على قراءتهما من النور التامّ يوم القيامة، وهو القول الثاني.

الثالث: سُمّيتا بذلك لأنهما اشتركتا فيما تضمنه ٱسم الله الأعظم، كما ذكره أبو داود وغيره عن أسماء بنت يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إن اسِمَ الله الأعظم في هاتين الآيتين {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} والتي في آل عمران {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} أخرجه ابن ماجه أيضاً. والغمام: السحاب الملْتَفّ، وهو الغَيَايَة إذا كانت قريباً من الرأس، وهي الظّلة أيضاً. والمعنى: أن قارئهما في ظِلّ ثوابهما؛ كما جاء «الرجل في ظِلّ صدقته» وقوله «تُحاجّان» أي يخلق الله من يجادل عنه بثوابهما، ملائكة كما جاء في بعض الحديث:إن من قرأ {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} الآية - خلق الله سبعين ملكاً يستغفرون له إلى يوم القيامة. وقوله: «بينهما شَرقٌ» قُيِّد بسكون الراء وفتحها، وهو تنبيه على الضياء؛ لأنه لما قال: «سَوْداوان» قد يُتَوَهّم أنهما مُظْلمتان، فنفى ذلك بقوله «بينهما شَرْق». ويعني بكونهما سوداوان أي من كثافتهما التي بسببها حالتا بين مَنْ تحتهما وبين حرارة الشمس وشدّة اللّهَب. والله أعلم.

الخامسة: صَدْرُ هذه السورة نزل بسبب وفد نَجرْان فيما ذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير، وكانوا نصارى وَفَدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في ستِّين راكباً، فيهم من أشرافهم أربعة عشر رجلاً، في الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يرجع أمرهم: العاقب أميرُ القوم وذو آرائهم وٱسمه عبد المسيح، والسيدِّ ثِمالُهم وصاحب مُجْتَمَعهم وٱسمه الأَيْهم، وأبو حارثة بن عَلْقَمَة أحد بكر بن وائل أُسقُفُهم وعالمهم؛ فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر صلاة العصر، عليهم ثياب الحِبَرات جُبَبٌ وأرْدية. فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما رأينا وفداً مثلهم جَمَالاً وجلالة. وحانت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المَشْرِق. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «دَعُوهم». ثم أقاموا بها أياماً يُناظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى ويزعمون أنه ٱبن الله، إلى غير ذلك من أقوال شنيعة مضطربة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يردّ عليهم بالبراهين الساطعة وهم لا يُبْصرون، ونزل فيهم صَدْر هذه السورة إلى نَيِّف وثمانين آية؛ إلى أن آل أمرهم إلى أن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة، حسب ما هو مذكور في سيرة ٱبن إسحاق وغيره.

نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ۝٣ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ ۝٤

قوله تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} يعني القرآن {بِٱلْحَقِّ} أي بالصدق، وقيل: بالحجة الغالبة. والقرآن نزل نجوماً: شيئاً بعد شيء؛ فلذلك قال {نَزّلَ} والتنزيل مرّة بعد مرّة. والتوراة والإنجيل نزلا دفعة واحدة؛ فلذلك قال {أَنْزَلَ}. والباء في قوله {بِالْحَقِّ} في موضع الحال من الكتاب، والباء متعلقة بمحذوف، التقدير آتياً بالحق. ولا تتعلق بـ {نَزَّلَ}، لأنه قد تعدَى إلى مفعولين أحدهما بحرف جر، ولا يتعدّى إلى ثالث. و {مُصَدِّقاً} حال مؤكِّدة غير منتقلة؛ لأنه لا يمكن أن يكون غير مصدِّق، أي غير موافق؛ هذا قول الجمهور. وقدّر فيه بعضهم الانتقال، على معنى أنه مصدِّق لنفسه ومصدِّق لغيره.

قوله تعالى: {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} يعني من الكتب المنزَّلة، والتوراة معناها الضياء والنور؛ مشتقة من وَرَى الزَّنْد ووَرِيَ لغتان إذا خرجت ناره. وأصلها تَوْرَيَةٌ على وزن تَفْعَله، والتاء زائدة، تحركت الياء وقبلها فتحة فقُلبت ألفاً. ويجوز أن تكون تَفْعِلة فتنقل الراء من الكسر إلى الفتح؛ كما قالوا في جارِيةٍ: جَارَاة، وفي ناصيةٍ ناصاة؛ كلاهما عن الفرّاء. وقال الخليل: أصلُها فَوْعَلة؛ فالأصل وَوْرَيةٌ، قُلِبت الواو الأولى تاء كما قلبت في تَوْلَج، والأصل وَوْلَج فَوْعَلٌ من وَلَجَت، وقلبت الياء ألفا لحركتها وٱنفتاح ما قبلها. وبناء فَوْعَلَةٍ أكثر من تَفْعَلَة، وقيل: التوراة مأخوذة من التَوْرِيِة، وهي التعريض بالشيء والكتمان لغيره؛ فكأن أَكثر التوراة معاريضُ وتلويحات من غير تصريح وإيضاح؛ هذا قول المؤَرِّج. والجمهور على القول الأوّل لقوله تعالى:

{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ } [الأنبياء: 48] يعني التوراة، والإنجيل إفْعِيلٌ من النَّجْل وهو الأصل، ويجمع على أنَاجِيل، وتوراة على تَوَارٍ؛ فالإنجيل أصلٌ لعلوم وحِكَم. ويقال: لعن الله نَاجِلَيْه، يعني والديه، إذْ كانا أصلَه، وقيل: هو من نَجَلتُ الشيء إذا ٱستَخرجته؛ فالإنجيل مستخرج به علوم وحِكم؛ ومنه سُمّي الولدُ والنَسْل نَجْلاً لخروجه؛ كما قال:

إلى مَعْشَرٍ لم يُوِرِثِ اللؤمَ جَدُّهمأصاغرَهم وكلُّ فَحْل لهم نَجْلُ

والنجل الماء الذي يخرج من النَزِّ. وٱستَنْجَلت الأرضُ، وبها نِجَالٌ إذا خرج منها الماء، فسمِّي الإنجيل به؛ لأن الله تعالى أخرج به دَارِساً من الحق عافياً. وقيل: هو من النَّجَل في العين (بالتحريك) وهو سَعَتُها؛ وطعنة نجلاء، أي واسعة؛ قال:

رُبَّما ضَرْبةٍ بسيفٍ صقِيلٍبين بُصْرَى وطعنةٍ نَجلاء

فسمِّيَ الإنجيل بذلك؛ لأنه أصلٌ أخرجه لهم ووسَّعه عليهم ونُوراً وضياء. وقيل: التّنَاجُل التنازُع؛ وسمِّي إنجيلاً، لتنازُع الناس فيه. وحكى شَمِرٌ عن بعضهم: الإنجيل كلُّ كتاب مكتوب وافر السطور. وقيل؛ نَجَل عَمل وصنَع؛ قال:

وأنجـلُ فـي ذاك الصنيـع كمـا نَجَـلْ

أي أعمل وأصنع. وقيل: التوراة والإنجيل من اللغة السُّرْيانية. وقيل: الإنجيل بالسُّرْيانية إنْكليون؛ حكاه الثعلبي. قال الجوهري: الإنجيل كتاب عيسى عليه السلام يذكَّر ويؤنّث؛ فمن أنّثَ أراد الصحيفة، ومن ذكر أراد الكتاب. قال غيره؛ وقد يُسَمّى القرآن إنجيلاً أيضاً؛ كما روي في قصة مناجاة موسى عليه السلام أنه قال: «يارب أرى في الألواح أقْواماً أناجِيلُهم في صدورهم فٱجعلهم أُمّتي». فقال الله تعالى له: تلك أُمة أحمد صلى الله عليه وسلم، وإنما أراد بالإنجيل القرآن. وقرأ الحسن: «والأَنْجِيل» بفتح الهمزة، والباقون بالكسر مثل الإكليل، لغتان. ويحتمل إن سمع أن يكون مما عرّبته العرب من الأسماء الأعجمية، ولا مثال له في كلامها.

قوله تعالى: {مِن قَبْلُ} يعني القرآن {هُدًى لِّلنَّاسِ} قال ٱبن فورك: التقدير هدى للناس المتقين؛ دليله في البقرة

{ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ }} [البقرة: 2] فردّ هذا العامّ إلى ذلك الخاص. و «هدى» في موضع نصب على الحال. و {ٱلْفُرْقَانَ} القرآن. وقد تقدّم.

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْءٌ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ ۝٥

هذا خبر عن علمه تعالى بالأشياء على التفصيل؛ ومثله في القرآن كثير. فهو العالم بما كان وما يكون وما لا يكون؛ فكيف يكون عيسى إلهاً أو ٱبن إله وهو تَخْفى عليه الأشياء!

هُوَ ٱلَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى ٱلْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٦

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ} أخبر تعالى: عن تصويره للبشر في أرحام الأُمهات. وأصل الرحِم من الرّحْمة، لأنها مما يُتَراحَم به. وٱشتقاق الصُّورَة من صاره إلى كذا إذا أماله؛ فالصورة مائلة إلى شَبَهٍ وهَيْئة. وهذه الآية تعظيم لله تعالى، وفي ضمنها الرد على نصارى نَجْران، وأنّ عيسى من المَصوَّرين، وذلك مما لا ينكره عاقل. وأشار تعالى إلى شرح التّصْوير في سورة «الحج» و «المؤمنون». وكذا شرحه النبيّ صلى الله عليه وسلم في حديث ٱبن مسعود، على ما يأتي هناك بيانه إن شاء الله تعالىٰ. وفيها الردّ على الطبائعيين أيضاً إذْ يجعلونها فاعلةً مستبِدّة. وقد مضى الردّ عليهم في آية التوحيد وفي مسند ٱبن سنجر ـ وٱسمه محمد بن سنْجر ـ حديث:

إن الله تعالى يخلق عِظام الجنين وغَضارِيفه من مَنِى الرجل وشحمه ولحمه من مَنِى المرأة. وفي هذا أدَلُّ دليل على أن الولد يكون من ماء الرجل والمرأة، وهو صريح في قوله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ }} [الحجرات: 13] وفي صحيح مسلم من حديث ثوبان وفيه: أنّ اليهودي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال: «ينفعك إن حدّثتك»؟. قال: أسمعُ بأُذُنيّ، قال: جئتك أسألك عن الولد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ماء الرجل أبيضُ وماء المرأة أصفر فإذا ٱجتمعا فَعَلا مَنىُّ الرجل مَنيَّ المرأة أذكَرا بإذْن الله تعالى وإذا عَلاَ مَنىُّ المرأة مَنىَّ الرجلِ آنَثَا بإذن اللهالحديث. وسيأتي بيانه آخر «الشّورَى» إن شاء الله تعالى

الثانية: قوله تعالى: {كَيْفَ يَشَآءُ} يعني من حُسْن وقُبْح وسواد وبَيَاض وطُول وقِصَر وسَلامة وعاهة، إلى غير ذلك من الشقاء والسعادة. وذُكر عن إبراهيم بن أدْهم أنّ القرّاء ٱجتمعوا إليه ليسمعوا ما عنده من الأحاديث، فقال لهم: إني مشغول عنكم بأربعة أشياء، فلا أتفرّغ لرواية الحديث. فقيل له: وما ذاك الشغل؟ قال: أحدها أنِّي أتفكر في يوم المِيثاق حيث قال: «هؤلاء في الجنة ولا أُبَالي وهؤلاء في النار ولا أُبَالي» فلا أدري من أي الفريقين كنتُ في ذلك الوقت. والثاني حيث صُوِّرتُ في الرَّحِم فقال الملك الذي هو موكلّ على الأرحام: «يا ربِّ شَقِيُّ هو أم سعيد» فلا أدري كيف كان الجواب في ذلك الوقت. والثالث حين يقبِضُ ملكُ الموت روحي فيقول: «ياربِّ مع الكفر أم مع الإيمان » فلا أدري كيف يخرج الجواب. والرابع حيث يقول:

{ وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ }} [يسۤ: 59] فلا أدري في أيِّ الفريقين أكونُ. ثم قال تعالى: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي لا خالق ولا مصوّر سواه؛ وذلك دليل على وحدانيته، فكيف يكون عيسى إلهاً مُصوِّراً وهو مُصوَّرٌ. {ٱلْعَزِيزُ} الذي لا يغالب. {ٱلْحَكِيمُ} ذو الحكمة أو المُحْكِم، وهذا أخص بما ذكر من التصوير.

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ مِنْهُ ءَايَٰتٌ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ۝٧

فيه تسع مسائل:

الأولى: خرّج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إذا رأيتم الذين يتّبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فٱحذروهم وعن أبي غالب قال: كنت أمشي مع أبي أُمَامة وهو على حمارٍ له، حتى إذا ٱنتهى إلى دَرَج مسجد دمشق فإذا رؤوس منصوبة؛ فقال: ما هذه الرُّؤوس؟ قيل: هذه رؤوس خوارج يجاء بهم من العراق. فقال أبو أُمامة: كِلابُ النار كِلابُ النار كلابُ النارٰ شرُّ قتلى تحت ظل السماء، طوبى لمن قتلهم وقتلوه ـ يقولها ثلاثاً ـ ثم بكى. فقلت: ما يبكيك يا أبا أُمَامة؟ قال: رحمةً لهم، إنهم كانوا من أهل الإسلام فخرجوا منه؛ ثم قرأ {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} إلى آخر الآيات. ثم قرأ { وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ }} [آل عمران: 105]. فقلت: يا أبا أُمَامة، هُمْ هؤلاء؟ قال نعم. قلتُ: أشيء تقوله برأيك أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إني إذَّاً لَجَريءٌ إني إذا لَجريءٰ بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمسٍ ولا ست ولا سبع، ووضع أصبعيْه في أُذُنَيْه، قال: وإلاّ فصُمَّتا ـ قالها ثلاثاً ـ ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقةً واحدةٌ في الجنة وسائرهم في النار ولتَزيدنّ عليهم هذه الأمة واحدة واحدةٌ في الجنة وسائرُهم في النار».

الثانية: ٱختلف العلماء في المحكمات والمتشابهات على أقوال عديدة، فقال جابر بن عبد الله، وهو مقتضى قول الشعبي وسفيان الثوري وغيرهما: المحكمات من آي القرآن ما عرِف تأويله وفهم معناه وتفسيره. والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما ٱستأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه. قال بعضهم: وذلك مِثل وقت قيام الساعة، وخروج يأجوج ومأجوج والدجال وعيسى، ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور.

قلت: هذا أحسن ما قيل في المتشابه. وقد قدّمنا في أوائل سورة البقرة عن الربيع بن خيثم أنّ الله تعالى أنزل القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء؛ الحديث. وقال أبو عثمان؛ المحكم فاتحة الكتاب التي لا تجزىء الصلاة إلا بها. وقال محمد بن الفضل: سورة الإخلاص، لأنه ليس فيها إلا التوحيد فقط. وقد قيل: القرأن كله محكم: لقوله تعالى:

{ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ } [هود: 1] وقيل: كله متشابه؛ لقوله: { كِتَاباً مُّتَشَابِهاً }} [الزمر: 23].

قلت: وليس هذا من معنى الآية في شيء؛ فإن قوله تعالى

{ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ } [هود: 1] أي في النظم والرصْف وأنه حق من عند الله. ومعنى «كتاباً مُتَشَابِهاً»، أي يشبه بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا. وليس المراد بقوله «آيَاتٌ مُحُكَمَاتٌ» «وأُخَرُ مُتَشَابِهاتٌ» هذا المعنى؛ وإنما المتشابه في هذه الآية من باب الاحتمال والاشتباه، من قوله { { إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا }} [البقرة: 70] أي ٱلتبس علينا، أي يحتمل أنواعاً كثيرة من البقر. والمراد بالمحكم ما في مقابلة هذا، وهو ما لا التباس فيه ولا يحتمل إلا وجها واحداً. وقيل: إن المتشابه ما يحتمل وجوها، ثم إذا رُدَّتْ الوجوه إلى وجه واحد وأبطِل الباقي صار المتشابه محكماً. فالمحكم أبداً أصل تردّ إليه الفروع، والمتشابه هو الفرع. وقال ٱبن عباس: المحكمات هو قوله في سورة الأنعام {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151] إلى ثلاث آيات، وقوله في بني إسرائيل { وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }} [الإسراء: 23] قال ٱبن عطية: وهذا عندي مثال أعطاه في المحكمات. وقال ٱبن عباس أيضاً؛ المحكمات ناسخه وحرامه وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به، والمتشابهات المنسوخات ومقدّمه ومؤخّره وأمثالُه وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به، وقال ٱبن مسعود وغيره: المحكمات الناسخات، والمتشابهات المنسوخات، وقاله قتادة والربيع والضحاك. وقال محمد بن جعفر بن الزبير: المحكمات هي التي فيها حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخُصُوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه. والمتشابهات لهنّ تصريف وتحريف وتأويل، ٱبتلى الله فيهنّ العباد؛ وقاله مجاهد وٱبن إسحاق. قال ٱبن عطية: وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية. قال النحاس: أحسن ما قيل في المحكمات، والمتشابهات أنّ المحكمات ما كان قائماً بنفسه لا يحتاج أن يرجع فيه إلى غيره؛ نحو { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ }} [الإخلاص: 4] { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ } [طه: 82] والمتشابهات نحو { إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً } [الزمر: 53] يرجع فيه إلى قوله جل وعلا: { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ } [طه: 82] وإلى قوله عز وجل؛ { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } [النساء: 48].

قلت: ما قاله النحاس يبين ما ٱختاره ٱبنُ عطية، وهو الجاري على وَضْع اللسان؛ وذلك أن المحْكَم آسم مفعول من أحْكِم، والإحكام الإتْقان؛ ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد، إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته وإتقان تركيبها؛ ومتى ٱخْتَلّ أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال. والله أعلم. وقال ٱبن خويزِمَنْدَاد: للمتشابه وجوهٌ، والذي يتعلق به الحكم ما ٱختلف فيه العلماء أيّ الآيتين نسخت الأُخرى؛ كقول عليّ وابن عباس في الحامل المتوفى عنها زوجها تعتدّ أقْصَى الأجلين. فكان عمر وزيد بن ثابت وٱبن مسعود وغيرهم يقولون وضع الحمل، ويقولون: سورة النساء القصرى نسختْ أربعة أشهر وعَشْراً. وكان عليّ وابن عباس يقولان لم تنسخ. وكٱختلافهم في الوصية للوارث هل نُسخت أم لم تُنْسَخ. وكتعارض الآيتين أيهما أولى أن تقدّم إذا لم يعرف النسخ ولم توجد شرائطه؛ كقوله تعالى:

{ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ }} [النساء: 24] يقتضي الجمع بين الأقارب من مِلك اليمين، وقوله تعالى: { وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } [النساء: 23] يمنع ذلك. ومنه أيضاً تعارض الأخبار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وتعارض الأقْيسَة، فذلك المتشابه. وليس من المتشابه أن تقرأ الآية بقراءتين ويكون الاسم محتملاً أو مجملاً يحتاج إلى تفسير؛ لأن الواجب منه قدر ما يتناوله الاسم أو جميعه. والقراءتان كالآيتين يجب العمل بموجبهما جميعاً؛ كما قرىء: { وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ } [المائدة: 6] بالفتح والكسر، على ما يأتي بيانه «في المائدة» إن شاء الله تعالى

الثالثة: روى البخاريّ عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياءَ تختلفُ عليّ. قال: ما هو؟ قال:

{ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ } [المؤمنون: 101] وقال: { { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ }} [الصافات: 27] وقال: { وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً }} [النساء: 42] وقال: { وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }} [الأنعام: 23] فقد كتموا في هذه الآية. وفي النازعات { { أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا }} { { وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا }} [النازعات: 27 ـ 30] فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال { أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ }} [فصلت: 9 ـ 11] فذكر في هذا خلق الأرض قبل خلق السماء. وقال: { وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } [الفتح:14]. { وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً } [الفتح:7]. { وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً } [النساء: 134] فكأنه كان ثم مضى. فقال ٱبن عباس: «فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ» في النفخة الأُولى، ثم ينفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون؛ ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وأمّا قوله: {مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون: تعالوا نقول: لم نكن مشركين؛ فختم الله على أفواههم فتنطق جوارحهم بأعمالهم؛ فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثاً، وعنده يودّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين. وخلق الله الأرض في يومين، ثم ٱستوى إلى السماء فسوّاهن سبع سماوات في يومين، ثم دحا الأرض أي بسطها فأخرج منها الماء والمرعى، وخلق فيها الجبال والأشجار والآكام وما بينها في يومين آخرين؛ فذلك قوله: { وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا } [النازعات: 30]. فخلقت الأرض وما فيها في أربعة أيام، وخلقت السماء في يومين. وقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} يعني نفسه ذلك، أي لم يزل ولا يزال كذلك؛ فإن الله لم يرِد شيئاً إلا أصاب به الذي أراد. ويحك! فلا يختلِف عليك القرآن؛ فإن كلا من عند الله.

الرابعة: قوله تعالى: {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} لم تصرف «أُخَرُ» لأنها عدِلت عن الألف واللام؛ لأن أصلها أن تكون صفة بالألف واللام كالكبر والصغر؛ فلما عدلت عن مجرى الألف واللام منِعت الصرف. أبو عبيد: لم يصرِفوها لأن واحدها لا ينصرف في معرفة ولا نكرة. وأنكر ذلك المبرد وقال: يجب على هذا ألا ينصرف غضاب وعطاش الكسائيّ: لم تنصرف لأنها صفة. وأنكره المبرد أيضاً وقال: إن لبدا وحطما صفتان وهما منصرفان. سيبويه: لا يجوز أن تكون أخَرُ معدولة عن الألف واللام؛ لأنها لو كانت معدولة عن الألف واللام لكان معرفة، ألا ترى أن سَحَرَ معرفة في جميع الأقاويل لما كانت معدولة عن السحر، وَأَمْسِ في قول من قال: ذهب أمسِ معدولاً عن الأمس؛ فلو كان أخر معدولاً أيضاً عن الألف واللام لكان معرفة، وقد وصفه الله تعالى بالنكرة.

الخامسة: قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} الذين رفع بالابتداء، والخبر «فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ». والزيغ الميل؛ ومنه زاغت الشمس، وزاغت الأبصار. ويقال: زاغ يزيغ زيغاً إذا ترك القصد؛ ومنه قوله تعالى:

{ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ } [الصف: 5]. وهذه الآية تعمّ كل طائفة من كافر وزِنديق وجاهل وصاحب بِدعة، وإن كانت الإشارة بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران. وقال قتادة في تفسير قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ}: إن لم يكونوا الحرورية وأنواع الخوارج فلا أدري من هم.

قلت: قد مرّ هذا التفسير عن أبي أمامة مرفوعاً، وحسبك.

السادسة: قوله تعالى: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} قال شيخنا أبو العباس رحمة الله عليه: متبِعو المتشابه لا يخلو أن يتبعوه ويجمعوه طلباً للتشكيك في القرآن وإضلالِ العوامّ، كما فعلته الزنادقة والقرامِطة الطاعنون في القرآن؛ أو طلباً لاعتقاد ظواهر المتشابه، كما فعلته المجسِّمة الذِين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجِسمية حتى ٱعتقدوا أن البارىء تعالى جسم مجسم وصورة مصوّرة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع، تعالى الله عن ذلكٰ؛ أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها، أو كما فعل صبِيغ حين أكثر على عمر فيه السؤال. فهذه أربعة أقسام:

الأوّل: لا شك في كفرهم، وأن حكم الله فيهم القتل من غير ٱستتابة.

الثاني: الصحيح القول بتكفيرهم، إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور، ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ٱرتدّ.

الثالث: ٱختلفوا في جواز ذلك بناء على الخلاف في جواز تأويلها. وقد عرف أنّ مذهب السلف ترك التعرّض لتأويلها مع قطعهم بٱستحالة ظواهرها، فيقولون أمِرّوها كما جاءت. وذهب بعضهم إلى إبداء تأويلاتها وحملِها على ما يصح حمله في اللسان عليها من غير قطع بتعيين مجمل منها.

الرابع: الحكم فيه الأدب البليغ، كما فعله عمر بصبيغ. وقال أبو بكر الأنباريّ: وقد كان الأئمة من السلف يعاقبون من يسأل عن تفسير الحروف المشكلات في القرآن، لأن السائل إن كان يبغي بسؤاله تخليد البدعة وإثارة الفتنة فهو حقيق بالنكير وأعظم التعزير، وإن لم يكن ذلك مقصده فقد ٱستحق العتب بما ٱجترم من الذنب، إذ أوجد للمنافقين الملحدين في ذلك الوقت سبيلاً إلى أن يقصدوا ضَعَفَة المسلمين بالتشكيك والتضليل في تحريف القرآن عن مناهج التنزيل وحقائق التأويل. فمن ذلك ما حدّثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي أنبأنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن زيد بن حازم عن سليمان بن يسار أن صبِيغ بن عِسل قدِم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن وعن أشياء؛ فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فبعث إليه عمر فأحضره وقد أعدّ له عراجين من عراجين النخل. فلما حضر قال له عمر: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبِيغ. فقال عمر رضي الله عنه: وأنا عبد الله عمر؛ ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشَجّه، ثم تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين! فقد والله ذهب ما كنت أجدُ في رأسي. وقد ٱختلفت الروايات في أدبه، وسيأتي ذكرها في «الذاريات». ثم إن الله تعالى ألهمه التوبة وقذفها في قلبه فتاب وحسنت توبته. ومعنى {ٱبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} طلب الشبهات واللبس على المؤمنين حتى يفسدوا ذات بينهم، ويردّوا الناس إلى زيغِهم. وقال أبو إسحاق الزجاج: معنى {ٱبتغاء تأويله} أنهم طلبوا تأويل بعثِهم وإحيائهم، فأعلم الله جل وعز أن تأويل ذلك ووقته لا يعلمه إلا الله. قال: والدليل على ذلك قوله تعالى:

{ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ } [الأعراف: 53] ـ أي يوم يرون ما يوعدون من البعث والنشور والعذاب ـ {يَقُولُ الَّذينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ} ـ أي تركوه ـ { قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ } [الأعراف: 53] أي قد رأينا تأويل ما أنبأتنا به الرّسل. قال: فالوقف على قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} أي لا يعلم أحد متى البعث إلا الله.

السابعة: قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} يقال: إن جماعة من اليهود منهم حيي بن أخطب دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: بلغنا أنه نزل عليك {الۤمۤ}، فإن كنت صادقاً في مقالتك فإن ملك أُمّتك يكون إحدى وسبعين سنة؛ لأن الألِف في حساب الجّمل واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فنزل {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ}. والتأويل يكون بمعنى التفسير، كقولك: تأويل هذه الكلمة على كذا. ويكون بمعنى ما يؤول الأمر إليه. وٱشتقاقه من آل الأمر إلى كذا يؤول إليه، أي صار. وأوّلته تأويلاً أي صيرته. وقد حدّه بعض الفقهاء فقالوا: هو إبداء ٱحتمالٍ في اللفظ مقصود بدليل خارج عنه. فالتفسير بيان اللفظ؛ كقوله

{ { لاَ رَيْبَ فِيهِ } [البقرة: 1] أي لا شك. وأصله من الفسر وهو البيان؛ يقال: فسرت الشيء (مخففاً) أفْسِره (بالكسر) فَسْراً. والتأويل بيان المعنى؛ كقوله لا شك فيه عند المؤمنين. أو لأنه حق في نفسه فلا يقبل ذاته الشك وإنما الشك وصف الشاك. وكقول ٱبن عباس في الجد أبا؛ لأنه تأوّل قول الله عز وجل: { يَابَنِيۤ آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } [الأعراف: 26].

الثامنة: قوله تعالى: {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} ٱختلف العلماء في {والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم} هل هو ٱبتداء كلامٍ مقطوع مما قبله، أو هو معطوف على ما قبله فتكون الواو للجمع. فالذي عليه الأكثر أنه مقطوع مما قبله، وأنّ الكلام تَمّ عند قوله {إِلاَّ ٱللَّهُ} هذا قول ابن عمرو بن عباس وعائشة وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، وهو مذهب الكِسائيّ والأخفش والفرّاء وأبي عبيد وغيرهم. قال أبو نهِيك الأسديّ: إنكم تصِلون هذه الآية وإنها مقطوعة. وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قولهم {آمَنَّا به كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}. وقال مثل هذا عمر بن عبد العزيز، وحكى الطبريّ نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس. و {يقولون} على هذا خبر {الراسخون}. قال الخطابيّ: وقد جعل الله تعالى آيات كتابه الذي أمرنا بالإيمان به والتصديق بما فيه قسمين: محكماً ومتشابِهاً؛ فقال عز من قائل: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ - إلى قوله - كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} فأعْلَمَ أنّ المتشابه من الكتاب قد ٱستأثر الله بعلمه، فلا يعلم تأويله أحَدٌ غيره، ثم أثنى الله عز وجل على الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به. ولولا صحة الإيمان منهم لم يستحقوا الثناء عليه. ومذهب أكثر العلماء أن الوقف التّام في هذه الآية إنما هو عند قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} وأن ما بعده ٱستئناف كلامٍ آخر، وهو قوله {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ}. وروي ذلك عن ٱبن مسعود وأُبيّ بن كعب وٱبن عباس وعائشة. وإنما روى عن مجاهد أنه نَسَق {الراسخون} على ما قبله وزعم أنهم يعلمونه. وٱحتج له بعض أهل اللغة فقال: معناه والراسخون في العلم يعلمونه قائلين آمنا؛ وزعم أن موضع {يقولون} نصب على الحال. وعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه؛ لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معاً، ولا تذكر حالاً إلا مع ظهور الفعل؛ فإذا لم يظهر فعل فلا يكون حال؛ ولو جاز ذلك لجاز أن يقال: عبد الله راكباً، بمعنى أقبل عبد الله راكباً؛ وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل كقوله: عبد الله يتكلم يصلح بين الناس؛ فكان يصلح حالاً له؛ كقول الشاعر ـ أنشدنيه أبو عمر قال أنشدنا أبو العباس ثعلب ـ:

أرسلتُ فيها قَطِماً لُكَالِكَا يَقْصُر يَمْشِي ويطول بَارِكا

أي يقصر ماشياً؛ فكان قول عامة العلماء مع مساعدة مذاهب النحويين له أولى من قول مجاهد وحده، وأيضاً فإنه لا يجوز أن ينفى الله سبحانه شيئاً عن الخلق ويثبته لنفسه ثم يكون له في ذلك شريك. ألا ترى قوله عز وجل: { قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ }} [النمل: 65] وقوله: { لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ } [الأعراف: 187] وقوله: { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [القصص: 88]، فكان هذا كله مما ٱستأثر الله سبحانه بعلمه لا يُشْرِكه فيه غيره. وكذلك قوله تبارك وتعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ}. ولو كانت الواو في قوله: {وَٱلرَّاسِخُونَ} للنسق لم يكن لقوله: {كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} فائدة. والله أعلم.

قلت: ما حكاه الخطابيّ من أنه لم يقل بقول مجاهد غيره فقد روي عن ٱبن عباس أن الراسخين معطوف على ٱسم الله عز وجل، وأنهم داخلون في علم المتشابه، وأنهم مع علمهم به يقولون آمنا به؛ وقاله الربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم. و {يقولون} على هذا التأويل نصب على الحال من الراسخين؛ كما قال:

الريحُ تَبْكِـي شَجْـوَهاوالبرقُ يلْمَـع في الغَمامَـهْ

وهذا البيت يحتمل المعنيين؛ فيجوز أن يكون «والبرق» مبتدأ، والخبر «يلمع» على التأويل الأوّل، فيكون مقطوعاً مما قبله. ويجوز أن يكون معطوفاً على الريح، و «يلمع» في موضع الحال على التأويل الثاني أي لامِعاً. وٱحتجّ قائلو هذه المقالة أيضاً بأن الله سبحانه مدحهم بالرسوخ في العلم؛ فكيف يمدحهم وهم جهّال! وقد قال ٱبن عباس: أنا ممن يعلم تأويله. وقرأ مجاهد هذه الآية وقال: أنا ممن يعلم تأويله؛ حكاه عنه إمام الحرمين أبو المعالي.

قلت: وقد ردّ بعض العلماء هذا القول إلى القول الأوّل فقال: وتقدير تمام الكلام {عِند اللَّهِ} أن معناه وما يعلم تأويلَه إلا الله يعني تأويلَ المتشابهات، والراسخون في العلم يعلمون بعضه قائلين آمنّا به كلٌّ من عند ربنا بما نُصِب من الدلائل في المُحْكَم ومكّن من ردّه إليه. فإذا علموا تأويل بعضه ولم يعلموا البعض قالوا آمنا بالجميع كلٌّ من عند ربنا، وما لم يحِط به علمنا من الخفايا مما في شرعه الصّالح فعلمه عند ربِّنا. فإن قال قائل: قد أشكل على الراسخين بعض تفسيره حتى قال ٱبن عباس: لا أدري ما الأوّاهُ ولا ما غِسْلِين، قيل له: هذا لا يلزم؛ لأن ٱبن عباس قد علم بعد ذلك ففسر ما وقف عليه. وجوابٌ أقطع من هذا وهو أنه سبحانه لم يقل وكل راسخ فيجب هذا، فإذا لم يعلمه أحد علمه الآخر. ورجّح ٱبن فورك أنّ الراسخين يعلمون التأويل وأطنب في ذلك؛ وفي قوله عليه السلام لابن عباس:

اللَّهمّ فقهه في الدين وعلمه التأويل ما يبين لك ذلك، أي علمه معاني كتابك. والوقف على هذا يكون عند قوله {والرّاسِخُونَ في الْعِلْم}. قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر: وهو الصحيح؛ فإن تسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون أكثر من المُحْكَم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب. وفي أيّ شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع!. لكن المتشابه يتنوّع، فمنه ما لا يعلم أَلبتّة كأمر الرُّوح والساعة مما ٱستأثر الله بغيبه، وهذا لا يتعاطى عِلمه أحد لا ٱبن عباس ولا غيره. فمن قال من العلماء الحُذَّاق بأن الراسخين لا يعلمون علم المتشابه فإنما أراد هذا النوع، وأما ما يمكن حمله على وجوه في اللغة ومَنَاحٍ في كلام العرب فيُتأوّل ويُعلم تأويله المستقيم، ويُزال ما فيه مما عسى أن يتعلق من تأويل غير مستقيم؛ كقوله في عيسى: { وَرُوحٌ مِّنْهُ }} [النساء: 171] إلى غير ذلك. فلا يُسمّى أحدٌ راسخاً إلا بأن يعلم من هذا النوع كثيراً بحسب ما قُدّر له. وأمّا من يقول: إن المتشابه هو المنسوخ فيستقيم على قوله إدخالُ الراسخين في علم التأويل؛ لكن تخصيصه المتشابهات بهذا النوع غير صحيح.

والرسوخ: الثبوت في الشيء، وكل ثابت راسخ. وأصله في الأجرام أن يرسخ الجبل والشجر في الأرض؛ قال الشاعر:

لقد رَسَختْ في الصّدْر مِنِّي مودّةٌلِلَيْلَى أبَتْ آياتُها أنْ تَغَيَّرا

ورسَخ الإيمان في قلب فلان يَرْسَخ رسوخاً. وحكى بعضهم: رسخ الغَدِيرُ: نَضَب ماؤه؛ حكاه ٱبن فارس فهو من الأضداد. ورَسَخ ورَضَخ ورَصُن ورسَب كله ثبت فيه. وسئل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الراسخين في العلم فقال: هو مَنْ بَرّتْ يمينُه وصدَق لسانُه وٱستقام قلبه. فإن قيل: كيف كان في القرآن متشابه والله يقول: { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ }} [النحل: 44] فكيف لم يجعله كله واضحاً؟ قيل له: الحكمة في ذلك ـ والله أعلم ـ أن يظهر فضل العلماء، لأنه لو كان كله واضحاً لم يظهر فضلُ بعضهم على بعض. وهكذا يفعل من يصنِّف تصنيفاً يجعل بعضه واضحاً وبعضه مشكلاً، ويترك للجُثْوَة موضعاً؛ لأن ما هان وجودُه قلّ بهاؤه. والله أعلم.

التاسعة: قوله تعالى: {كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} فيه ضمير عائد على كتاب الله تعالى مُحكمِه ومُتشابهه؛ والتقدير: كله من عند ربنا. وحذف الضمير لدلالة {كلّ} عليه؛ إذْ هي لفظة تقتضي الإضافة. ثم قال: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} أي ما يقول هذا ويُؤمنُ ويقفُ حيث وقَفَ ويَدَع ٱتّباع المتشابه إلا ذو لُبٍّ، وهو العقل. ولُبّ كل شيء خالصه؛ فلذلك قيل للعقل لُبّ. و {أولوا} جمع ذو.

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ ۝٨

فيه مسألتان:

الأُولى: قوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} في الكلام حذف تقديره يقولون. وهذا حكاية عن الراسخين. ويجوز أن يكون المعنى قل يا محمد، ويقال: إزاغة القلب فسادٌ ومَيْل عن الدِّين، أفكانوا يخافون وقد هُدُوا أن ينقلهم الله إلى الفساد؟ فالجواب أن يكونوا سألوا إذ هداهم الله ألاّ يبتليهم بما يثقُل عليهم من الأعمال فَيَعْجِزوا عنه؛ نحو

{ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ }} [النساء: 66] قال ٱبن كيسان: سألوا ألا يَزِيغوا فيُزِيغ الله قلوبهم؛ نحو { فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ } [الصف: 5] أي ثبِّتنا على هدايتك إذ هديتنا وألا نَزيغ فنستحق أن تُزيغ قلوبنا. وقيل: هو منقطع مما قبلُ؛ وذلك أنه تعالى لما ذكر أهل الزيغ عقب ذلك بأن علم عباده الدعاء إليه في ألا يكونوا من الطائفة الذميمة التي ذُكِرت وهي أهل الزّيْغ. وفي (الموطأ) عن أبي عبد الله الصنابِحِيّ أنه قال: قدِمتُ المدينة في خلافة أبي بكر الصديق فصليتُ وراءه المغرب، فقرأ في الركعتين الأُوليين بأُمّ القرآن وسورة من قصار المُفَصَّل، ثم قام في الثالثة، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه، فسمعته يقرأ بأُمّ القرآن وهذه الآية {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا} الآية. قال العلماء: قراءته بهذه الآية ضرْبٌ من القُنوتْ والدعاء لما كان فيه من أمر أهل الردّة. والقنوت جائز في المغرب عند جماعة من أهل العلم، وفي كل صلاة أيضاً إذا دهِم المسلمين أمرٌ عظيم يُفزعهم ويخافون منه على أنفسهم. وروى الترمِذِيّ من حديث شَهْر بن حَوْشَب قال قلت لأُمّ سَلَمة: يا أُمّ المؤمنين، ما كان أكثَرُ دعاءِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر دعائه «يا مُقَلِّب القلوب ثَبِّتْ قلبي على دِينك». فقلت: يا رسول الله، ما أكثر دعاءَك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك! قال: «يا أُمّ سلمة إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ». فتلا معاذ {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْد إذْ هَدَيْتَنَا}. قال: حديث حسن. وهذه الآية حجة على المعتزلة في قولهم: إن الله لا يضِل العباد. ولو لم تكن الإزاغة من قِبله لما جاز أن يُدْعَى في دفع ما لا يجوز عليه فعلُه. وقرأ أبو واقد الجرّاح «لا تَزِغْ قُلُوبَنَا» بإسناد الفعل إلى القلوب، وهذه رغبة إلى الله تعالى. ومعنى الآية على القراءتين ألا يكون منك خلق الزيغ فيها فتزيغ.

الثانية: قوله تعالى: {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً} أي من عندك ومِن قِبلك تفضلاً لا عن سبب مِنا ولا عمل. وفي هذا ٱستسلام وتطارح. وفي «لَدُنْ» أربع لغات: لَدُن بفتح اللام وضم الدال وجزم النون، وهي أفصحها؛ وبفتح اللام وضم الدال وحذف النون؛ وبضم اللام وجزم الدال وفتح النون؛ وبفتح اللام وسكون الدال وفتح النون. ولعل جُهّال المتصوِّفة وزنادقة الباطنية يتشبثون بهذه الآية وأمثالها فيقولون: العلم ما وهبه الله ٱبتداء من غير كسب، والنظرُ في الكتب والأوراق حجابٌ. وهذا مردود على ما يأتي بيانه في هذا الموضع. ومعنى الآية: هب لنا نعيماً صادراً عن الرحمة؛ لأن الرحمة راجعة إلى صفة الذات فلا يتصوّر فيها الهبة. يقال: وَهب يَهَب؛ والأصل يُوهِب بكسر الهاء. ومن قال: الأصل يوهب بفتح الهاء فقد أخطأ؛ لأنه لو كان كما قال لم تحذف الواو، كما لم تحذف في يَوْجَل. وإنما حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة؛ ثم فتح بعد حذفها لأن فيه حرفاً من حروف الحلق.

السبت، 24 أكتوبر 2026 13 جمادى الأولى 1448 هـ