انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

التحرير والتنويرالآيات 116–128

تفسير سورة آل عمران آية آية، من التحرير والتنوير.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝١١٦

استئناف ابتدائي للانتقال إلى ذكر وعيد المشركين بمناسبة ذكر وعد الذين آمنوا من أهل الكتاب.

وإنَّما عطف الأولاد هنا لأن الغَناء في متعارف النَّاس يكون بالمال والولد، فالمال يدفع به المرءُ عن نفسه في فداء أو نحوه، والولد يدافعون عن أبيهم بالنصر، وقد تقدّم القول في مثله في طالعة هذه السورة.

وكرّر حرف النَّفي مع المعطوف في قوله {ولا أولادهم} لتأكيد عدم غناء أولادهم عنهم لدفع توّهم ما هو متعارف من أن الأولاد لا يقعدون عن الذبّ عن آبائهم.

ويتعلق {من الله} بفعل {لن تغني} على معنى (من) الابتدائية أي غناء يصدر من جانب الله بالعفو عن كفرهم.

وانتصب (شيئاً) على المفعول المطلق لفعل {لن تغني} أي شيئاً من غٍناء. وتنكير شيئاً للتقليل.

وجملة {وأولئك أصحاب النار} عطف على جملة {لن تغني عنه أموالهم ولا أولادهم}. وجيء بالجملة معطوفة، على خلاف الغالب في أمثالها أن يكون بدون عطف، لقصد أن تكون الجملة منصبّاً عليها التَّأكيد بحرف (إنّ) فيكمل لها من أدلَّة تحقيق مضمونها خمسة أدلة هي: التَّكيد بـ{إن}، وموقع اسم الإشارة، والإخبار عنهم بأنَّهم أصحاب النَّار، وضمير الفصل، ووصف خالدون.

مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝١١٧

استئناف بياني لأن قوله: {لن تغني عنهم أموالهم...} الخ يثير سؤال سائل عن إنفاقهم الأموال في الخير من إغاثة الملهوف وإعطاء الديات في الصلح عن القتلى.

ضَرَبَ لأعمالهم المتعلّقة بالأموال مثلاً، فشبّه هيئة إنفاقهم المعجب ظاهرُها، المخيِّببِ آخِرُها، حين يحبطها الكفر، بهيئة زرع أصابته ريح باردة فأهلكته، تشبيه المعقول بالمحسوس. ولمَّا كان التَّشبيه تمثيلياً لم يُتَوخ فيه مُوالاةُ ما شبّه به إنفاقهم لأداةِ التَّمثيل، فقيل: كمثل ريح، ولم يُقل: كمثل حَرْث قوم.

والكلام على الريح تقدّم عند قوله تعالى

{ إنّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار } في سورة [البقرة: 164].

والصّر: البرْد الشّديد المميت لكلّ زرع أو ورق يهبّ عليه فيتركه كالمحترق، ولم يعرف في كلام العرب إطلاق الصرّ على الرّيح الشّديد البرْد وإنَّما الصرّ اسم البرد. وأمّا الصرصر فهو الرسح الشديدة وقد تكون باردة. ومعنى الآية غني عن التأويل، وجوز في الكشاف} أن يكون الصرّ هنا اسماً للريح الباردة وجعله مرادف الصرصر. وقد أقره الكاتبون عليه ولم يذكر هذا الاطلاق في الأساس ولا ذكره الراغب.

وفي قوله {فيها صرّ} إفادة شدّة برد هذه الريح، حتَّى كأنّ جنس الصر مظروف فيها، وهي تحمله إلى الحرث.

والحرث هنا مصدر بمعنى المفعول: أي محروثَ قوم أي أرضاً محروثة والمراد أصابت زرعَ حرث. وتقدّم الكلام على معاني الحرث عند قوله تعالى

{ والأنعام والحرث }[آل عمران: 14] في أول السورة.

وقوله {ظلموا أنفسهم} إدماج في خلال التمثيل يكسب التمثيل تفظيعاً وتشويهاً وليس جُزءاً من الهيئة المشبّه بها. وقد يذكر البلغاء مع المُشَبَّه به صفات لا يقصدون منها غير التحسين أو التقبيح كقول كعب بن زهير:

شُجَّت بذي شبم من ماء مَحْنيَةصافٍ بأبطحَ أضحى وهو مشمولتنفي الرّياحُ القذى عنه وأفرطهُمن صَوْب سَارِيَةٍ بيض يعاليل

فأجرى على الماء الذي هو جزء المشبّه به صفات لا أثر لها في التشبيه.

والسامعون عالمون بأن عقاب الأقوام الذين ظلموا أنفسهم غاية في الشدّة، فذكر وصفهم بظلم أنفسهم لتذكير السامعين بذلك على سبيل الموعظة، وجيء بقوله {مثل ما ينفقون} غير معطوف على ما قبله لأنّه كالبيان لقوله {لن تغني عنهم أموالهم}.

وقوله {وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون} الضمائر فيه عائدة على الذين كفروا. والمعنى أنّ الله لم يظلمهم حين لم يتقبل نفقاتهم بل هم تسبّبوا في ذلك، إذ لم يؤمنوا لأن الإيمان جعله الله شرطاً في قبول الأعمال، فلما أعلمهم بذلك وأنذرهم لم يكن عقابه بعد ذلك ظلماً لهم، وفيه إيذان بأنّ الله لا يخالف وعده من نفي الظلم عن نفسه.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا۟ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلْـَٔايَٰتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ۝١١٨

الآن إذ كشف الله دخائل مَنْ حولَ المسلمين من أهل الكتاب، أتمّ كشف، جاء موقع التحذير من فريق منهم، والتحذير من الاغترار بهم، والنهي عن الإلقاء إليهم بالمودة، وهؤلاء هم المنافقون، للإخبار عنهم بقوله:

{ وإذا لقوكم قالوا آمنا }[آل عمران: 119] الخ... وأكثرهم من اليهود، دون الذين كانوا مشركين من الأوس والخزرج. وهذا موقع الاستنتاج في صناعة الخطابة بعد ذكر التمهيدات والإقناعات. وحقّه الاستئناف الابتدائي كما هنا.

والبطانة ـــ بكسر الباء ـــ في الأصل داخل الثَّوب، وجمعها بطائن، وفي القرآن

{ بطائنها من استبرق }[الرحمٰن: 54] وظاهر الثوب يسمّى الظِهارة ـــ بكسر الظاء ـــ. والبطانة أيضاً الثوب الذي يجعل تحت ثوب آخر، ويسمّى الشِعار، وما فوقه الدثار، وفي الحديث:الأنصارُ شعار والنَّاس دِثار ثمّ أطلقت البطانة على صديق الرجل وخصّيصه الذي يطّلع على شؤونه، تشبيها ببطانة الثياب في شدة القرب من صاحبها.

ومعنى اتخاذهم بطانة أنهم كانوا يحالفونهم ويودّونهم من قبل الإسلام فلمَّا أسلم من أسلم من الأنصار بقيت المودة بينهم وبين من كانوا أحلافهم من اليهود، ثُمّ كان من اليهود من أظهروا الإسلام، ومنهم من بَقي على دينه.

وقوله: {من دونكم} يجوز أن تكون (من) فيه زائدة و(دون) اسم مكان بمعنى حولكم، وهو الاحتمال الأظهر كقوله تعالى في نظيره

{ ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة }[التوبة: 16] ويجوز أن تكون (من) للتبعيض و(دون) بمعنى غير كقوله تعالى { ومنَّا دون ذلك }[الفتح: 27] من غير أهل ملّتكم، وقد علم السامعون أنّ المنهي عن اتِّخاذهم بطانة هم الذين كانوا يموّهون على المؤمنين بأنَّهم منهم، ودخائلهم تقتضي التَّحذير من استبطانهم.

وجملة: {لا يألونكم خبالاً} صفة لبطانة على الوجه الأول، وهذا الوصف ليس من الأوصاف الظاهرة التي تفيد تخصيص النكرة عمّا شاركها، لكنّه يظهر بظهور آثاره للمتوسّمين. فنهى الله المسلمين عن اتّخاذ بطانة هذا شأنها وسمَتها، ووكلهم إلى توسّم الأحوال والأعمال، ويكون قوله {ودّوا مَا عنتُّم} وقوله {قد بدت البغضاء} جملتين في محلّ الوصف أيضاً على طريقة ترك عطف الصفات، ويومىء إلى ذلك قوله: {قد بينّا لكم الآيات إن كنتم تعقلون} أي: قد بيّنا لكم علامات عداوتهم بتلك الصفات إن كنتم تعقلون فتتوسّمون تلك الصّفات، كما قال تعالى: {إنّ في ذلك لآيات للمتوسّمين} وعلى الاحتمال الثاني يجعل {من دونكم} وصفاً، وتكون الجمل بعده مستأنفات واقعة موقع التعليل للنَّهي عن اتِّخاذ بطانة من غير أهل ملّتنا، وهذ الخلال ثابتة لهم فهي صالحة للتوصيف، ولتعليل النَّهي، ذلك لأنّ العداوة النَّاشئة عن اختلاف الدين عداوة متأصّلة لا سيما عداوة قوم يرون هذا الدّين قد أبطَلَ دينهم، وأزال حظوظهم. كما سنبينه.

ومعنى {لا يألونكم خبالاً} لا يقصّرون في حبالكم، والألْوُ التقصير والترك، وفعله ألاَ يَألو، وقد يتوسّعون في هذا الفعل فيعدّى إلى مفعولين، لأنَّهم ضمّنوه معنى المنع فيما يرغَب فيه المفعول، فقالوا لا آلوك جُهداً، كما قالوا لا أدّخرك نصحاً، فالظاهر أنَّه شاع ذلك الاستعمال حتَّى صار التضمين منسياً، فلذلك تعدّى إلى ما يدلّ على الشرّ كما يعدّى إلى ما يدلّ على الخير، فقال هنا: {لا يألونكم خبالا} أي لا يقصّرون في خبالكم، وليس المراد لا يمنعونكم، لأن الخبال لا يُرْغب فيه ولا يسأل.

ويحتمل أنَّه استعمل في هذه الآية على سبيل التهكّم بالبطانة، لأنّ شأن البطانة أن يسعوا إلى ما فيه خير من استبطنهم، فلمّا كان هؤلاء بضدّ ذلك عبّر عن سعيهم بالضرّ، بالفعل الذي من شأنه أن يستعمل في السعي بالخير.

والخبال اختلال الأمر وفساده، ومنه سمّي فساد العقل خبالاً، وفساد الأعْضَاء.

وقوله {ودّوا ما عنتم} الود: المحبّة، والعنَت: التعب الشَّديد، أي رغبوا فيما يعنتكم و(ما) هنا مصدرية، غير زمانية، ففعل {عنتم} لمّا صار بمعنى المصدر زالت دلالته على المضي.

ومعنى {قد بدت البغضاء من أفواههم} ظهرت من فلتات أقوالهم كما قال تعالى: {ولتعرفنهم في لحن القول} فعبّر بالبغضاء عن دلائلها.

وجملة {وما تخفي صدورهم أكبر} حالية.

(والآيات) في قوله: {قد بينا لكم الآيات} بمعنى دلائل سوء نوايا هذه البطانة كما قال:

{ إن في ذلك لآيات للمتوسمين }[الحجر: 75] ولم يزل القرآن يربّي هذه الأمّة على إعمال الفكر، والاستدلال، وتعرّف المسبَّبات من أسبابها في سائر أحوالها: في التَّشريع، والمعاملة ليُنشئها أمَّة علم وفطنة.

ولكون هذه الآيات آياتِ فراسةٍ وتوسّم، قال: {إن كنتم تعقلون} ولم يقل: إن كنتم تعلمون أو تفقهون، لأنّ العقل أعمّ من العلم والفقه.

وجملة {قد بينا لكم الآيات} مستأنفة.

هَٰٓأَنتُمْ أُو۟لَآءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ عَضُّوا۟ عَلَيْكُمُ ٱلْأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا۟ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝١١٩

استئناف ابتدائي، قصد منه المقابلة بين خُلق الفريقين، فالمؤمنون يحبّون أهل الكتاب، وأهل الكتاب يبغضونهم، وكلّ إناء بما فيه يرشح، والشأن أنّ المحبَّة تجلب المحبَّة إلاّ إذا اختلفت المقاصد والأخلاق.

وتركيب ها أنتم أولاء ونظائره مثل هأنا تقدم في قوله تعالى ـــ في سورة [البقرة: 85] ـــ:

{ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم }. ولمّا كان التعجيب في الآية من مجموع الحالين قيل: {هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم} فالعَجب من محبّة المؤمنين إيّاهم في حال بغضهم المؤمنين، ولا يذكر بعد اسم الإشارة جملة في هذا التركيب إلاّ والقصد التعجّب من مضمون تلك الجملة.

وجملة {ولا يحبونكم} جملة حال من الضمير المرفوع في قوله: {تحبونهم} لأنّ محلّ التّعجيب هو مجموع الحالين.

وليس في هذا التعجيب شيء من التغليط، ولكنَّه مجرد إيقاظ، ولذلك عقّبه بقوله: {وتؤمنون بالكتاب كله} فإنَّه كالعذر للمؤمنين في استبطانهم أهل الكتاب بعد إيمان المؤمنين، لأنّ المؤمنين لمَّا آمنوا بجميع رسل الله وكتبهم كانوا ينسبون أهل الكتاب إلى هدى ذهب زمانه، وأدخلوا فيه التّحريف بخلاف أهل الكتاب إذ يرمقون المسلمين بعين الازدراء والضلالة واتّباع ما ليس بحقّ. وهذان النظران، منّا ومنهم، هما أصل تسامح المسلمين مع قوّتهم، وتصَلُّب أهل الكتابين مع ضعفهم.

جملة {وتؤمنون} معطوفة على {تحبونهم} كما أن جملة {وإذا لقوكم} معطوفة على {ولا يحبونكم} وكلّها أحوال موزّعة على ضمائر الخطاب وضمائر الغيبة.

والتعريف في {الكتاب} للجنس وأكّد بصيغة المفرد مراعاةً للفظه، وأراد بهذا جماعة من منافقي اليهود أشهرهم زيد بن الصتيتِ القَيْنُقَاعي.

والعَضّ: شدّ الشيء بالأسنان. وعضّ الأنامل كناية عن شدّة الغيظ والتحسّر. وإن لم يكن عَضّ أنامل محسوساً، ولكن كنّي به عن لازمه في المتعارف، فإنّ الإنسان إذا اضطرب باطنه من الانفعال صدرت عنه أفعال تناسب ذلك الانفعال، فقد تكون مُعِينة على دفع انفعاله كقتل عدوّه، وفي ضدّه تقبيل من يحبّهُ، وقد تكون قاصرة عليه يشفي بها بعض انفعاله، كتخبّط الصّبي في الأرض إذا غضب، وضَرب الرجل نفسه من الغضب، وعضّه أصابعه من الغيظ، وقرعه سنّه من النَّدم، وضرب الكفّ بالكفّ من التحسّر، ومن ذلك التأوّه والصّياح ونحوها، وهي ضروب من علامات الجزع، وبعضها جبلّي كالصياح، وبعضها عادي يتعارفه النَّاس ويكثر بينهم، فيصيرون يفعلونه بدون تأمّل، وقال الحارث بن ظالم المري:

فأقبل أقوام لئام أذلّةيعضّون من غيظ رؤوس الأباهم

وقوله: {عليكم} على فيه للتَّعليل، والضّمير المجرور ضمير المسلمين، وهو من تعليق الحكم بالذات بتقدير حالة معيّنة، أي على التئامكم وزوال البغضاء، كما فعل شاس بن قيس اليهودي فنزل فيه قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتٰب يردوكم بعد إيمانكم كافرين }[آل عمران: 100]، ونظير هذا التعليق قول الشاعر:

لتقرعِنّ على السنّ من ندمإذا تذكرتِ يوما بعضَ أخلاقي

و {من الغيظ} (من) للتعليل. والغيظ: غضب شديد يلازمه إرادة الانتقام.

وقوله: {قل موتوا بغيظكم} كلام لم يقصد به مخاطبون معيَّنون لأنَّه دعاء على الَّذين يعضّون الأنامل من الغيظ، وهم يفعلون ذلك إذا خلوا، فلا يتصوّر مشافهتهم بالدّعاء على التَّعيين ولكنَّه كلام قصد إسماعه لكلّ من يعلم من نفسه الاتّصاف بالغيظ على المسلمين وهو قريب من الخطاب الَّذي يقصد به عموم كُل مخاطب نحو:

{ ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم }[السجدة: 12].

والدعاء عليهم بالموت بالغيظ صريحهُ طلب موتهم بسبب غيظهم، وهو كناية عن ملازمة الغيظ لهم طول حياتهم إن طالت أو قصرت، وذلك كناية عن دوام سبب غيظهم، وهو حسن حال المسلمين، وانتظام أمرهم، وازدياد خيرهم، وفي هذا الدعاء عليهم بلزوم ألم الغيظ لهم، وبتعجيل موتهم به، وكلّ من المعنيين المكني بهما مراد هنا، والتكنّي بالغيظ وبالحسد عن كمال المغيظ منه المحسود مشهور، والعرب تقول: فلان محسَّد، أي هو في حالة نعمة وكمال.

تذييل لقوله: {عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} وما بيْنها كالاعتراض أي أنّ الله مطلّع عليهم وهو مطلعك على دخائلهم.

إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا۟ بِهَا وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًٔا إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ۝١٢٠

زاد الله كشفا لِما في صدورهم بقوله: {إن تمسسكم حسنة تسؤهم} أي تصبكم حسنة والمسّ الإصابة، ولا يختصّ أحدهما بالخير والآخر بالشرّ، فالتَّعبير بأحدهما في جانب الحسنة، وبالآخر في جانب السيِّئة، تفنّن، وتقدّم عند قوله تعالى:

{ الذي يتخبطه الشيطان من المس } في سورة البقرة (275).

والحسنة والسيِّئة هنا الحادثة أو الحالة الَّتي تحسن عند صاحبها أو تسوء وليس المراد بهما هنا الاصطلاح الشَّرعي.

أرشد الله المؤمنين إلى كيفية تلقّي أذى العدوّ: بأن يتلقّوه بالصّبر والحذر، وعبّر عن الحذر بالاتّقاء أي اتّقاء كيدهم وخداعهم، وقوله {لا يَضِركم كيدهم شيئاً} أي بذلك ينتفي الضرّ كلّه لأنّه أثبت في أوّل الآيات أنّهم لا يضرّون المؤمنين إلاّ أذى، فالأذى ضرّ خفيف، فلمَّا انتفى الضرّ الأعظم الَّذي يحتاج في دفعه إلى شديدِ مقاومة من القتال وحراسة وإنفاق، كان انتفاء ما بَقي من الضرّ هيّناً، وذلك بالصّبر على الأذى، وقلّة الاكتراث به، مع الحذر منهم أن يتوسّلوا بذلك الأذى إلى ما يوصل ضرّاً عظيماً. وفي الحديث:

لا أحد أصبر على أذى يسمعه من اللَّهِ يدعون له نِدّاً وهو يرزقهم.

وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: {لا يضركم} ـــ بكسر الضاد وسكون الراء ـــ من ضارُه يضيره بمعنى أضرّه. وقرأه ابن عامر، وحمزة، وعاصم، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف ـــ بضم الضاد وضم الراء مشدّدة ـــ مِن ضرّهُ يضُرّه، والضمّة ضمّة إتباع لحركة العين عند الإدغام للتخلّص من التقاء الساكنين: سكون الجزم وسكونِ الإدغام، ويجوز في مثله من المضموم العين في المضارع ثلاثةُ وجوه في العربية: الضمّ لإتباع حركة العين، والفتح لخفّته، والكسر لأنَّه الأصل في التخلّص من التقاء الساكنين، ولم يُقرأ إلاّ بالضمّ في المتواتر.

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلْقِتَالِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝١٢١ إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ۝١٢٢

وجود حرف العطف في قوله: {وإذ غدوت} مانع من تعليق الظرف ببعض الأفعال المتقدّمة مثل

{ ودوأ ما عنتم }[آل عمران: 118] ومثل { يفرحوا بها }[آل عمران: 120] وعليه فهو آت كما أتَتْ نظائره في أوائل الآي والقِصص القرآنية، وهو من عطف جملة على جملة وقصة على وذلك انتقال اقتضابي فالتقدير: واذكر إذ غدوت. ولا يأتي في هذا تعلّق الظرف بفعل ممَّا بعده لأنّ قوله: {تبوىء} لاَ يستقيم أن يكون مبدأ الغرض، وقوله: {همت} لا يصلح لتعليق {إذ غدوت} لأنَّه مدخول (إذْ) أخرى.

ومناسبة ذكر هذه الوقعة عقب ما تقدّم أنَّها من أوضح مظاهر كيد المخالفين في الدّين، المنافقين، ولمَّا كان شأن المنافقين من اليهود وأهل يثرب واحداً، ودخيلتهما سواء، وكانوا يعملون على ما تدبّره اليهود، جمع الله مكائد الفريقين بذكر غزوة أحُد، وكان نزول هذه السورة عقب غزوة أحُد كما تقدّم. فهذه الآيات تشير إلى وقعة أحُد الكائنة في شوّال سنة ثلاث من الهجرة حين نزل مشركو مكَّة ومن معهم من أحلافهم سَفْحَ جبل أحُد، حول المدينة، لأخذ الثَّأر بما نالهم يوم بدر من الهزيمة، فاستشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فيما يفعلون وفيهم عبد الله بنُ أبي ابن سَلُول رأسُ المنافقين، فأشار جمهورهم بالتحصّن بالمدينة حتَّى إذا دخل عليهم المشركون المدينة قاتلوهم في الديار والحصون فغلبوهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين، وأشار فريق بالخروج ورغبوا في الجهاد وألحُّوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأي المشيرين بالخروج، ولبس لأْمته، ثُمّ عرضَ للمسلمين تردّد في الخروج فراجعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتَّى يحكم الله بينه وبين عدُوّه. وخرج بالمسلمين إلى جبل أحُد وكان الجبل وراءهم، وصَفَّهم للحرب، وانكشفت الحرب عن هزيمة خفيفة لحقت المسلمين بسبب مكيدة عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، إذا انخزل هو وثلث الجيش، وكان عدد جيش المسلمين سبعمائة، وعددُ جيش أهل مكَّة ثلاثة آلاف، وهمّت بنو سَلِمَة وبنو حَارثة من المسلمين بالانخزال، ثُمّ عصمهم الله، فذلك قوله تعالى: {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما} أي ناصرهما على ذلك الهَمّ الشيطاني، الّذي لو صار عزماً لكان سبب شقائهما، فلعناية الله بهما بَرّأهما الله من فعل ما همَّتا به، وفي «البخاري» عن جابر بن عبد الله قال:نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سَلِمة وفينا نزلتْ {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} وما يسرّني أنَّها لم تنزل والله يقول: {والله وليهما} وانكشفت الواقعة عن مرجوحية المسلمين إذ قتل منهم سبعون، وقتل من المشركين نيف وعشرون وقال أبو سفيان يومئذ: «اعلُ هُبَلْ يوم بيوم بدر والحربُ سِجَال» وقتل حمزة ـــ رضي الله عنه ـــ ومَثّلت به هند بنت عتبة بن ربيعة، زوج أبي سفيان، إذ بقرت عن بطنه وقطعت قطعة من كبده لتأكلها لإحْنَةٍ كانت في قلبها عليه إذ قتل أباها عتبة يوم بدر، ثُمّ أسلمت بعد وحسن إسلامها. وشُجّ وجه النَّبي صلى الله عليه وسلم يومئذ وكُسِرَت رباعيته. والغدوّ: الخروج في وقت الغداة.

و(مِن) في قوله: {من أهلك} ابتدائية.

والأهل: الزوج. والكلام بتقدير مضاف يدلّ عليه فعْل {غدوتَ} أي من بيت أهلِك وهو بيت عائشة ـــ رضي الله عنها ـــ.

و{تُبَوّىء} تجعل مَبَاء أي مكان بَوْء.

والبَوْء: الرجوع، وهو هنا المقرّ لأنَّه يبوء إليه صاحبه. وانتصب {المؤمنين} على أنَّه مفعول أوّل لِـ(ـتُبَوِّىء)، ومقاعد مفعول ثان إجراء لفعل تُبَوّىء مجرى تعطي. والمقاعد جمع مقعد. وهو مكان القعود أي الجلوس على الأرض، والقعود ضدّ الوقوف والقيام، وإضافة مقاعد لاسم {القتال} قرينة على أنَّه أطلق على المواضع اللاّئقة بالقتال الَّتي يثبت فيها الجيش ولا ينتقل عنها لأنَّها لائقة بحركاته، فأطلق المقاعد هنا على مواضع القرار كناية، أو مجازاً مرسلاً بعلاقة الإطلاق، وشاع ذلك في الكلام حتَّى ساوى المقرّ والمكان، ومنه قوله تعالى:

{ في مقعد صدق }[القمر: 55].

واعلم أنّ كلمة مقاعد جرى فيها على الشريف الرضي نقد إذ قال في رثاء أبي إسحاق الصابيء:

أعْزِزْ عَلَيّ بأن أراك وقَد خَلاعن جَانبَيْكَ مَقَاعِدُ العُوّاد

ذكر ابن الأثير في المَثل السائر أن ابن سنان قال: إيراده هذه اللَّفظة في هذا الموضع صحيح إلاّ أنَّه موافق لما يُكره ذِكْرُه لا سيما وقد أضافه إلى من تحتمل إضافته إليه وهم العُوّاد، ولو انفرد لكان الأمرُ سهلاً. قال ابن الأثير: قد جاءت هذه اللَّفظة في القرآن فجاءت مرضية وهي قوله تعالى: {وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال} ألا ترى أنَّها في هذه الآية غير مضافة إلى من تُقبح إضافتها إليه.

وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝١٢٣ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ ۝١٢٤ بَلَىٰٓ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ۝١٢٥

إذ قد كانت وقعة أحُد لم تنكشف عن نصر المسلمين، عَقَّب الله ذكرها بأن ذكَّرهم الله تعالى نَصره إيّاهم النصر الَّذي قدّره لهم يوم بدر، وهو نصر عظيم إذ كان نصرَ فئة قليلةٍ على جيش كثير، ذي عُدد وافرة، وكان قتلى المشركين يومئذ سادةَ قريش، وأيمّة الشرك، وحسبك بأبي جهل بن هشام، ولذلك قال تعالى: {وأنتم أذلة} أي ضعفاء. والذلّ ضد العزّ فهو الوهن والضعف. وهذا تعريض بأنّ انهزام يوم أحُد لا يفلّ حدّة المسلمين لأنّهم صاروا أعزّة. والحرب سجال.

وقوله: {فاتقوا الله لعلكم تشكرون} اعتراض بين جملة {ولقد نصركم الله ببدر} ومتعلّق فعلها أعني {إذ تقول للمؤمنين}. والفاء للتفريع والفاء تقع في الجملة المعترضة على الأصحّ، خلافاً لمن منع ذلك من النحويين.. فإنَّه لمّا ذكّرهم بتلك المنّة العظيمة ذكّرهم بأنَّها سبب للشكر فأمرهم بالشكر بملازمة التَّقوى تأدّباً بنسبة قوله تعالى:

{ لئن شكرتم لأزيدنكم }[إبراهيم: 70].

ومن الشكر على ذلك النَّصر أن يثبتوا في قتال العدو، وامتثالُ أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم وأن لا تَفُلّ حدّتَهم هزيمة يوم أحُد.

وظرف {إذ تقول للمؤمنين} زماني وهو متعلّق «بنصركم» لأنّ الوعد بنصرة الملائكة والمؤمنين كان يوم بدر لا يوم أحُد. هذا قول جمهور المفسّرين.

وخصّ هذا الوقت بالذكر لأنَّه كان وقت ظهور هذه المعجزة، وهذه النِّعمة، فكان جديراً بالتذكير والامتنان.

والمعنى: إذ تعِد المؤمنين بإمداد الله بالملائكة، فما كان قول النَّبي صلى الله عليه وسلم لهم تلك المقالة إلاّ بوعد أوحاه الله إليه أن يقوله.

والاستفهام في قوله: {ألن يكفيكم} تقريري، والتقريري يكثر أن يورد على النَّفي، كما قدّمنا بيانه عند قوله تعالى:

{ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } في سورة [البقرة: 243].

وإنَّما جيء في النَّفي بحرف لَن الَّذي يفيد تأكيد النَّفي للإشعَار بأنّهم كانوا يوم بدر لقلّتهم، وضعفهم، مع كثرة عدوّهم، وشوكته، كالآيسين من كفاية هذا المدد من الملائكة، فأوقع الاستفهام التَّقريري على ذلك ليكون تلقيناً لِمن يخالج نفسَه اليأس من كفاية ذلك العدد من الملائكة، بأن يصرّح بما في نفسه، والمقصود من ذلك لازمهُ، وهذا إثبات أنّ ذلك العدد كاف.

ولأجل كون الاستفهام غير حقيقي كان جوابه من قِبَل السائل بقوله: {بلى} لأنّه ممَّا لا تسع المماراة فيه كما سيأتي في قوله تعالى:

{ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم } في سورة [الأنعام:19]، فكان (بلى) إبطالاً للنفي، وإثباتاً لكون ذلك العدد كافياً، وهو من تمام مقالة النَّبي للمؤمنين.

وقد جاء في سورة الأنفال [9] عند ذكره وقعة بدر أن الله وعدهم بمدد من الملائكة عدده ألف بقوله:

{ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنِّي ممدّكم بألف من الملائكة مردفين } وذكر هنا أنّ الله وعدهم بثلاثة آلاف ثُمّ صيّرهم إلى خمسة آلاف. ووجه الجمع بين الآيتين أنّ الله وعدهم بثلاثة آلاف ثُمّ صيّرهم إلى خمسة آلاف. ووجه الجمع بين الآيتين أنّ الله وعدهم بألف من الملائكة وأطمعهم بالزّيادة بقوله: { مردفين }[الأنفال: 9] أي مردَفيْن بعدد آخر، ودلّ كلامه هنا على أنَّهم لم يزالوا وجلين من كثرة عدد العدوّ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ألن يكفيكم أن يمدّكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين أراد الله بذلك زيادة تثبيتهم ثمّ زادهم ألفين إن صبروا واتَّقوا. وبهذا الوجه فسّر الجمهور، وهو الذي يقتضيه السياق. وقد ثبت أنّ الملائكة نزلوا يوم بدر لنصرة المؤمنين، وشاهد بعض الصّحابة طائفة منهم، وبعضهم شهد آثار قتلهم رجالاً من المشركين.

ووصف الملائكة بمُنْزَلين للدلالة على أنَّهم يَنزلون إلى الارض في موقع القتال عناية بالمسلمين قال تعالى:

{ ما تَنَزَّل الملائكة إلاّ بالحق }[الحجر: 8].

وقرأ الجمهور: مُنْزلين ـــ بسكون النُّون وتخفيف الزاي ـــ وقرأه ابن عامر ـــ بفتح النُّون وتشديد الزاي ـــ. وأنزل ونزّل بمعنى واحد.

فالضميران: المرفوعُ والمجرور، في قوله: {ويأتوكم من فورهم} عائدان إلى الملائكة الَّذين جرى الكلام عليهم، كما هو الظاهر، وعلى هذا حمله جمع من المفسّرين.

وعليه فموقع قوله: {ويأتوكم} موقع وعد، فهو المعنى معطوف على {يمددكم ربكم} وكان حقّه أن يرِد بعده، ولكنَّه قدّم على المعطوف عليه، تعجيلاً للطمأنينة إلى نفوس المؤمنين، فيكون تقديمه من تقديم المعطوف على المعطوف عليه، وإذا جاز ذلك التَّقديم في عطف المفردات كما في قول صَنَّان بن عَبَّاد اليَشْكُرِي:

ثمّ اشتَكَيْتُ لأَشْكانِي وسَاكنُهقَبْرٌ بِسِنْجَارَ أوْ قبر على قَهَدِ

قال ابن جنّي في شرح أبيات الحماسة: قدّم المعطوف على المعطوف عليه، وحَسَّنه شدّة الاتِّصال بين الفعل ومرفوعه (أي فالعامل وهو الفعل آخذ حظَّه من التقديم ولا التفات لكون المعطوفِ عليه مؤخّراً عن المعطوف) ولو قلت: ضربت وزيداً عمراً كان أضعف، لأنّ اتّصال المفعول بالفعل ليس في قوّة اتّصال الفاعل به، ولكن لو قلت: مررت وزيد بعمرو، لم يجز من جهة أنَّك لم تقدم العامل، وهو الباء، على حرف العطف. ومن تقديم المفعول به قول زيد:

جمعتَ وعيباً غِيبةً ونَمِيمَةًثلاثَ خصال لستَ عنها بمُرْعوِيْ

ومنه قول آخر:

لعن الإلهُ وزوجَها مَعَهاهِنْدَ الهنود طَوِيلَةَ الفعل

ولا يجوز وعيباً جمعت غيبة ونميمة. وأمَّا قوله:

عليكِ ورحمةُ الله السلامُ

فممَّا قرب مأخذه عن سيبويه، ولكن الجماعة لم تتلقّ هذا البيت إلاّ على اعتقاد التَّقديم فيه، ووافقه المرزوقي على ذلك، وليس في كلامهما أن تقديم المعطوف في مثل ما حسُن تقديمه فيه خاص بالضرورة في الشعر، فلذلك خرّجنا عليه هذا الوجه في الآية وهو من عطف الجمل، على أن عطف الجمل أوسع من عطف المفردات لأنَّه عطف صوري.

ووقع في «مغني اللبيب» ـــ في حرف الواو ـــ أنّ تقديم معطوفها على المعطوف عليه ضرورة، وسبقه إلى ذلك ابن السِّيد في شرح أبياتتِ الجمل، والتفتزاني في شرح المفتاح، كما نقله عنه الدماميني في «تحفة الغريب».

وجعل جمع من المفسّرين ضميري الغيبة في قوله: {ويأتوكم من فورهم} عائديْن إلى طائفة من المشركين، بلغ المسلمين أنَّهم سيمدّون جيش العدوّ يوم بدر، وهم كرز بن جابر المحاربي، ومن معه، فشقّ ذلك على المسلمين وخافوا، فأنزل الله تعالى: {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم} الآية، وعليه درج «الكشاف» ومتابعوه. فيكون معادُ الضّميرين غير مذكور في الكلام، ولكنَّه معلوم للنَّاس الَّذين حضروا يوم بدر، وحينئذ يكون {يأتوكم} معطوفاً على الشرط: أي إن صبرتم واتّقيتم وأتاكم كرز وأصحابه يعاونون المشركين عليكم يمددكم ربّكم بأكثر من ألف ومن ثلاثة آلاف بخمسة آلاف، قالوا فبلغت كرزاً وأصحابه هزيمة المشركين يوم بدر فعدل عن إمدادهم فلم يمدّهم الله بالملائكة، أي بالملائكة الزائدين على الألف. وقيل: لم يمدّهم بملائكة أصلاً، والآثار تشهد بخلاف ذلك.

وذهب بعض المفسّرين الأوّلين: مثل مجاهد، وعكرمة، والضحاك، والزهري: إلى أن القول المحكي في قوله تعالى: {إذ تقول للمؤمنين} قول صادر يوم أحُد، قالوا وعدهم الله بالمدد من الملائكة على شرط أن يصبروا، فلمّا لم يصبروا واستَبَقُوا إلى طلب الغنيمة لم يمددهم الله ولا بملَك واحد، وعلى هذا التفسير يكون {إذ تقول المؤمنين} بدلاً من {وإذ غَدَوْت} وحينئذ يتعيّن أن تكون جملة {ويأتوكم} مقدمة على المعطوفة هي عليها، للوجه المتقدّم من تحقيق سرعة النَّصر، ويكون القول في إعراب {ويأتوكم} على ما ذكرناه آنفاً من الوجهين.

ومعنى {من فورهم هذا} المبادرة السَّريعة، فإنّ الفور المبادرة إلى الفعل، وإضافة الفور إلى ضمير الآتين لإفادة شدّة اختصاص الفَور بهم، أي شدّة اتّصافهم به حتَّى صار يعرف بأنَّه فورهم، ومن هذا القبيل قولهم خرج من فوره. و(من) لابتداء الغاية.

والإشارة بقوله (هذا) إلى الفور تنزيلاً له منزلة المشاهد القريب، وتلك كناية أو استعادة لكونه عاجلاً.

{ومسوّمين} قرأه الجمهور ـــ بفتح الواو ـــ على صيغة اسم المفعول من سوّمه، وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، ويعقوب ـــ بكسر الواو ـــ بصيغة اسم الفاعل. وهو مشتقّ من السُّومة ـــ بضم السين ـــ وهي العلامة مقلوب سمة لأنّ أصل سمة وسمة. وتطلق السومة على علامة يجعلها البطل لنفسه في الحرب من صوف أو ريش ملوّن، يجعلها على رأسه أو على رأس فرسه، يرمز بها إلى أنَّه لا يتّقي أن يعرفه أعداؤه، فيسدّدوا إليه سهامهم، أو يحملون عليه بسيوفهم، فهو يرمز بها إلى أنَّه واثق بحمايته نفسه بشجاعته، وصِدقِ لقائه، وأنَّه لا يعبأ بغيره من العدوّ. وتقدّم الكلام عليها في تفسير قوله تعالى:

{ والخيل المسومة }[آل عمران: 14] في أوّل هذه السورة. وصيغة التفعيل والاستفعال تكثران في اشتقاق الأفعال من الأسماء الجامدة.

ووصف الملائكة بذلك كناية على كونهم شداداً.

وأحسب أنّ الأعداد المذكورة هنا مناسبة لجيش العدوّ لأنّ جيش العدوّ يوم بدر كان ألفاً فوعدهم الله بمدد ألف من الملائكة فلمَّا خشُوا أن يلحق بالعدوّ مدد من كُرْز المحاربي. وعدهم الله بثلاثة آلاف أي بجيش له قلب.

وميمنة وميسرة كلّ ركن منها ألف، ولمَّا لم تنقشع خشيتهم من إمداد المشركين لأعدائهم وعدهم الله بخمسة آلاف، وهو جيش عظيم له قلب وميمنة وميسرة ومقدّمة وساقة، وذلك هو الخميس، وهو أعظم تركيباً وجعل كُلّ ركن منه مساوياً لجيش العدوّ كلّه.

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ۝١٢٦ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا۟ خَآئِبِينَ ۝١٢٧ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَٰلِمُونَ ۝١٢٨

يجوز أن تكون جملة {وما جعله الله إلا بشرىٰ} في موضع الحال من اسم الجلالة في قوله:

{ ولقد نصركم الله ببدر }[البقرة: 123] والمعنى لقد نصركم الله ببدر حين تقول للمؤمنين مَا وعدك الله به في حال أنّ الله ما جعل ذلك الوعدَ إلاّ بشرى لكم وإلاّ فإنَّه وعَدَكم النصر كما في قوله تعالى: { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنَّها لكم }[الأنفال: 70] الآية.

ويجوز أن يكون الواو للعطف عطفَ الإخبار على التذكير والامتنان. وإظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار للتنويه بهذه العناية من الله بهم، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين.

وضمير النصب في قوله: {جعله} عائد إلى الإمداد المستفاد مِن

{ يمددكم }[آل عمران: 125] أو إلى الوعد المستفاد من قوله: { إن تصبروا وتتقوا }[آل عمران: 125] الآية.

والاستثناء مفرّغ. و{بشرى} مفعول ثان لـ (ـجعله) أي ما جعل الله الإمداد والوعد به إلاّ أنَّه بشرى، أي جعله بشرى، ولم يجعله غير ذلك.

و (لكم) متعلّق بـ (بشرى). وفائدة التصريح به مع ظهور أن البشرى إليهم هي الدلالة على تكرمة الله تعالى إيّاهم بأنْ بَشَّرهم بشرى لأجلهم كما في التصريح بذلك في قوله تعالى:

{ ألم نشرح لك صدرك }[الشرح: 1]

والبشرى اسم لمصدر بَشَّر كالرُّجعى، والبشرى خبر بحصول ما فيه نفع ومسرّة للمخبر به، فإنّ الله لمَّا وعدهم بالنَّصر أيقنوا به فكان في تبيين سببه وهو الإمداد بالملائكة طَمْأنة لنفوسهم لأنّ النفوس تركن إلى الصّور المألوفة.

والطمْأنة والطُّمأنِينة: السكون وعدم الاضطراب، واستعيرت هنا ليقين النَّفس بحصول الأمر تشبيهاً للعلم الثابت بثبات النفس أي عدم اضطرابها، وتقدّمت عند قوله تعالى:

{ ولكن ليطمئنّ قلبي } في سورة [البقرة:260].

{وعُطف ولتطمئنّ} على {بُشرى} فكانَ داخلاً في حيّز الاستثناء فيكون استثناء مِن عللٍ، أي ما جعله الله لأجل شيء إلاّ لأجل أن تطمئن قلوبكم به.

وجملة {وما النصر إلا من عند الله} تذييل أي كلّ نصر هو من الله لا من الملائكة. وإجراء وصفي العزيز الحكيم هنا لأنَّهما أولى بالذكر في هذا المقام، لأنّ العزيز ينصر من يريد نصره، والحكيم يعلم من يستحق نصره وكيف يُعطاه.

وقوله: {ليقطع طرفاً} متعلّق بـ (النَّصر) باعتبار أنَّه علَّة لبعض أحوال النصر، أي ليقطع يوم بدر طرفاً من المشركين.

والطَّرف ـــ بالتحريك ـــ يجوز أن يكون بمعنى النَّاحية، ويخصّ بالنَّاحية الَّتي هي منتهى المكان، قال أبو تمّام:

كانت هي الوسَطَ المحميّ فاتّصلتْبها الحَوادث حتَّى أصبحت طَرفا

فيكون استعارة لطائفة من المشركين كقوله تعالى: { أو لم يروا أنّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها }[الرعد: 41] ويجوز أن يكون بمعنى الجزء المتطرّف من الجسد كاليدين والرجلين والرأس فيكون مستعاراً هنا لأشراففِ المشركين، أي ليقطع من جسم الشرك أهم أعضائه، أي ليستأصل صناديد الَّذين كفروا. وتنكير (طرفاً) للتفخيم، ويقال: هو من أطراف العرب، أي من أشرافها وأهل بيوتاتها.

ومَعنى {أو يكبتهم} يصيبهم بغمّ وكمد، وأصل كبت كَبَد بالدال إذا أصابه في كَبده. كقولهم: صُدرَ إذا أصيب في صدره، وكُلِيَ إذا أصيب في كُلْيَتِه، ومُتِنَ إذا أصيب في مَتْنه، ورُئي إذا أصيب في رِئته، فأبدلت الدال تاء وقد تبدل التاء دالاً كقولهم: سَبَد رأسَه وسبَته أي حلقه. والعرب تتخيّل الغمّ والحزن مقرّه الكبد، والغضب مقرّه الصّدر وأعضاء التنفّس. قال أبو الطيب يمدح سيف الدّولة حِين سفره عن أنطاكية:

لأَكْبِتَ حَاسداً وأرِي عَدُواًكأنَّهُمَا ودَاعُكَ والرّحيلُ

وقد استقرى أحوال الهزيمة فإنّ فريقاً قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين، وفريقاً كبتُوا وانقلبوا خائبين، وفريقاً مَنَّ الله عليهم بالإسلام، فأسلموا، وفريقاً عُذّبوا بالموت على الكفر بعد ذلك، أو عذبوا في الدنيا بالذلّ، والصغار، والأسر، والمَنّ عليهم يوم الفتح، بعد أخذ بلدهم و «أو» بين هذه الأفعال للتقسيم.

وهذا القطع والكبت قد مضيا يوم بدر قبل نزول هذه الآية بنحو سنتين، فالتَّعبير عنهما بصيغة المضارع لقصد استحضار الحالة العجيبة في ذلك النصر المبين العزيز النظير.

وجملة {ليس لك من الأمر شيء} معترضة بين المتعاطفات، والخطاب للنَّبي صلى الله عليه وسلم فيجوز أن تُحْمَل على صريح لفظها، فيكون المعنى نفي أن يكون للنَّبي، أي لقتاله الكفارَ بجيشه من المسلمين، تأثير في حصول النَّصر يوم بدر، فإن المسلمين كانوا في قلّة من كُلّ جانب من جوانب القتال، أي فالنصر حصل بمحض فضل الله على المسلمين، وهذا من معنى قوله:

{ فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى }[الأنفال: 17]. ولفظ (الأمر) من قوله: {ليس لك من الأمر شيء} معناه الشأن، و (أل) فيه للعهد، أي من الشأن الذي عرفتموه وهو النَّصر.

ويجوز أن تحمل الجملة على أنَّها كناية عن صرف النَّبي ـــ عليْه الصلاة والسلام ـــ عن الاشتغال بشأن ما صنع الله بالَّذين كفروا، من قطع طَرفهم، وكبْتِهم أو توبة عليهم، أو تعذيب لهم: أي فذلك موكول إلينا نحقّقُه متى أردنا، ويتخلّف متى أردنا على حسب ما تقتضيه حكمتنا، وذلك كالاعتذار عن تخلّف نصر المُسلمين يوم أحُد.

فلفظ (الأمر) بمعنى شأن المشركين. والتعريفُ فيه عوض عن المضاف إليه، أي ليس لك من أمرهم اهتمام. وهذا تذكير بما كان للنَّبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر من تخوّف ظهور المشركين عليه، وإلحاحه في الدّعاء بالنَّصر. ولعلّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يوَدّ استيصال جميع المشركين يوم بدر حيث وجد مقتضى ذلك وهو نزول الملائكة لإهلاكهم، فذكّره الله بذلك أنَّه لم يقدّر استيصالهم جميعاً بل جعل الانتقام منهم ألواناً فانتقم من طائفة بقطع طرَف منهم، ومن بقيّتهم بالكَبْتِ، وهو الحزن على قتلاهم، وذهاب رؤسائهم، واختلال أمورهم، واستبقى طائفة ليتوب عليهم ويهديهم، فيكونوا قوّة للمسلمين فيؤمنوا بعد ذلك، وهم من آمن من أهل مكَّة قبل الفتح، ويوم الفتح: مثل أبي سفيان، والحارث بن هشام أخي أبي جهل، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وخالد بن الوليد، وعذّب طائفة عذاب الدنيا بالأسر، أو بالقتل: مثل ابن خَطل، والنضْر بن الحارث، فلذلك قيل له: «ليس لك من الأمر شيء». ووضعت هذه الجملة بين المتعاطفات ليظهر أنّ المراد من الأمر هو الأمر الدائر بين هذه الأحوال الأربعة من أحوال المشركين، أي ليس لك من أمر هذه الأحوال الأربعة شيء ولكنّه موكول إلى الله، هو أعلم بما سيصيرون إليه وجَعل هذه الجملة قبل قوله: {أو يتوب عليهم} استئناس للنَّبي صلى الله عليه وسلم إذ قُدّم ما يدلّ على الانتقام منهم لأجله، ثُمّ أردف بما يدلّ على العفو عنهم، ثُمّ أردف بما يدلّ على عقابهم، ففي بعض هذه الأحوال إرضاء له من جانب الانتصار له، وفي بعضها إرضاء له من جانب تطويعهم له. ولأجل هذا المقصد عاد الكلام إلى بقية عقوبات المشركين بقوله تعالى: {أو يعذبهم}.

ولكون التَّذكير بيوم بدر وقع في خلال الإشارة إلى وقعة أحُد، كأنّ في هذا التَّقسيم إيماء إلى ما يصلح بياناً لِحكمة الهزيمة اللاحقة المسلمين يوم أحُد، إذ كان في استبقاء كثير من المشركين، لم يصبهم القتلُ يومئذ، ادّخار فريق عظيم منهم للإسلام فيما بعد، بَعْد أن حصل رعبهم من المسلمين بوقعة بدر، وإن حسِبوا للمسلمين أي حساب بما شاهدوه من شجاعتهم يوم أحُد، وإن لم ينتصروا. ولا يستقيم أن يكون قوله: {ليس لك من الأمر شيء} متعلّقاً بأحوال يوم أحُد: لأنّ سياق الكلام ينبو عنه، وحال المشركين يوم أحُد لا يناسبه قولُه: {ليقطع طرفاً من الذين كفروا} إلى قوله: {خائبين}.

ووقع في «صَحِيح مسلم»، عن أنس بن مالك: أنّ النَّبي صلى الله عليه وسلم شُجّ وجهه، وكُسرت رباعيته يوم أحُد، وجاء المسلمون يمسحون الدم عن وجه نبيّهم، فقال النَّبي ـــ عليْه السَّلام ـــ:

كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيّهم وهو يدعوهم إلى ربّهم أي في حال أنَّه يدعوهم إلى الخير عند ربّهم، فنزلت الآية، ومعناه: لا تستبْعِد فلاحهم. ولا شكّ أن قوله فنزلت هذه الآية مُتأوّل على إرادة:: فذُكِّر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية، لظهور أن ما ذكروه غير صالح لأن يكون سبباً لأنّ النبي تعجّب من فلاحهم أو استبعده، ولم يدّع لنفسه شيئاً، أو عملاً، حتَّى يقال: «ليس لك من الأمر شيء». وروى الترمذي: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم دعا على أربعة من المشركين، وسمّى أناساً، فنزلت هذه الآية لنهيه عن ذلك، ثُمّ أسلموا. وقيل: إنَّه همّ بالدعاء، أو استأذن الله أن يدعو عليهم بالاستيصال، فنهى. ويردّ هذه الوجوه ما في «صحيح مسلم»، عن ابن مسعود، قال: كأنِّي أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيئاً من الأنبياء ضربه قومه، وهو يمسح الدم عن وجهه، وهو يقول: ربّ اغفر لقومي فإنَّهم لا يعلمون. وورد أنَّه لمَّا شجّ وجهه يوم أحُد قال له أصحابه: لو دعوت عليهم، فقال: إنِّي لم أبعث لَعَّاناً، ولكِنِّي بعثت داعياً ورحمة، اللَّهُمّ اهْدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون. وما ثبت من خُلقه صلى الله عليه وسلم أنَّه كان لا ينتقم لنفسه.

وأغرَبَ جماعة فقالوا نزل قوله: {ليس لك من الأمر شيء} نسخاً لما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم في قنوته على رِعْل، وذكْوان، وعُصية، ولِحْيان، الَّذين قتلوا أصحاب بئر معونة، وسندهم في ذلك ما وقع في «البخاري» أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يدعو عليهم، حتَّى أنزل الله: {ليس لك من الأمر شيء}. قال ابن عطية: وهذا كلام ضعيف كله وليس هذا من مواضع الناسخ والمنسوخ. وكيف يصحّ أن تكون نزلت لنسخ ذلك وهي متوسطة بين علل النَّصر الواقع يوم بدر. وتفسيرُ ما وقع في «صحيح البخاري» من حديث أبي هريرة: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ترك الدعاء على المشركين بعد نزول هذه الآية أخذاً بكامل الأدب، لأنّ الله لمَّا أعلمه في هذا بما يدلّ على أن الله أعلَمُ بما فيه نفع الإسلام، ونقمة الكفر، ترك الدعاء عليهم إذ لعلّهم أن يسلموا. وإذ جعلنا دعاءه صلى الله عليه وسلم على قبائل من المشركين في القنوت شرعاً تقررّ بالاجتهاد في موضع الإباحة لأن أصل الدعاء على العدوّ مباح، فتركه لذلك بعد نزول هذه الآية، من قبيل النسخ بالقياس، نسخت حكم الإباحة التي هي استواء الفعل والترك بإثبات حكم أولوية الفعل.

ومنهم من أبعد المرمى، وزعم أن قوله: {أو يتوب عليهم} منصوب بأن مضمرة وجوباً، وأنّ (أو) بمعنى حتَّى: أي ليس لك من أمر إيمانهم شيء حتَّى يتوب الله عليهم، أي لا يؤمنون إلاّ إذا تاب عليهم، وهل يجهل هذا أحد حتَّى يحتاج إلى بيانه، على أن الجملة وقعت بين علل النصر، فكيف يشتّت الكلام، وتنتثر المتعاطفات.

ومنهم من جعل {أو يتوب عليهم} عطفاً على قوله {الأمر} أو على قوله {شيء}، من عطف الفعل على اسم خالص بإضمار أنْ على سبيل الجواز، أي ليس لك من أمرهم أو توبتهم شيء، أو ليس لك من الأمر شيء أو توبة عليهم.

فإن قلت: هلاّ جمع العقوبات متوالية: فقال ليقطع طرفاً من الَّذين كفروا، أو يكبتهم فينقلبوا خائبين، أو يتوبَ عليهم، أو يعذّبهم، قلت: روعي قضاء حقّ جمع النظير أولاً، وجمع الضدّين ثانياً، بجمع القَطْع والكبْتِ، ثم جمع التوبة والعذاب، على نحو ما أجاب به أبو الطيب عن نقد من نقد قوله في سيف الدّولة:

وقفتَ وما في الموت شَكّ لواقفكأنَّك في جفن الردى وهو نائمتَمُرّ بك الأبطال كَلْمى حزينةووَجْهُك وَضّاح وثَغرك باسم

إذ قدّم من صفتيه تشبيهه بكونه في جفن الردى لمناسبة الموت، وأخَّر الحال وهي ووجهك وضّاح لمضادّة قوله كلمى حزينة، في قصة مذكورة في كتب الأدب.

واللام الجارّة لام الملك، وكاف الخطاب لمعيّن، وهو الرسول ـــ عليه الصّلاة والسّلام ـــ.

وهذه الجملة تجري مجرى المثل إذ ركبت تركيباً وجيزاً محذوفاً منه بعض الكلمات، ولم أظفر، فيما حفظت من غير القرآن، بأنَّها كانت مستعملة عند العرب، فلعلّها من مبتكرات القرآن، وقريب منها قوله:

{ وما أملك لك من اللَّه من شيء }[الممتحنة: 4] وسيجيء قريب منها في قوله الآتي: { يقولون هل لنا من الأمر من شيء }[آل عمران: 154] و { يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا }[آل عمران: 154] فإن كانت حكاية قولهم بلفظه، فقد دلّ على أنّ هذه الكلمة مستعملة عند العرب، وإن كان حكاية بالمعنى فلا.

وقوله: {فإنهم ظالمون} إشارة إلى أنَّهم بالعقوبة أجدر، وأنّ التّوبة عليهم إن وقعت فضل من الله تعالى

الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ