انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير البغويالآيات 1–24

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓمٓ ۝١ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۝٢ نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ۝٣

{بسم الله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} قوله تعالى: {الۤمۤ ٱللَّهُ}.

قال الكلبي والربيع بن أنس وغيرهما:

"نزلت هذه الآيات في وفد نجران وكانوا ستين راكباً قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلم وفيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، وفي الأربعة عشر ثلاثة نفر يؤول إليهم أمرهم: العاقب: أمير القوم وصاحب مشورتهم، الذي لا يصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح، والسيد: ثمالهم وصاحب رحلهم، واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة وهو أسقفهم وحبرهم.

دخلوا مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم حين صلى العصر، عليهم ثياب الحِبَرات - جبب وأردية في [جمال] رجال بلحارث بن كعب، يقول من رآهم: ما رأينا وفداً مثلهم، وقد حانت صلاتهم فقاموا للصلاة في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «دعوهم» فصلوا إلى المشرق، [فسلم] السيد والعاقب، فقال لهما رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أسلِما» قالا أسلمنا قبلك، قال «كذبتما يمنعكما من الإِسلام ادعاؤكما لله ولداً وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير»، قالا: إن لم يكن عيسى ولداً لله فمن يكن أبوه؟ وخاصموه جميعاً في عيسى، فقال لهم النبي صلّى الله عليه وسلم: «ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟» قالوا بلى قال: «ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يحفظه ويرزقه» قالوا: بلى، قال: «فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً؟» قالوا: لا، قال: «ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟» قالوا: بلى، قال: «فهل يعلم عيسى عن ذلك شيئاً إلا ما عُلِّم؟»، قالوا: لا، قال: «فإن ربّنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء [وربنا ليس بذي صورة وليس له مثل] وربنا لا يأكل ولا يشرب»، قالوا: بلى، قال: «ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما يغذى الصبي ثم كان يطعم ويشرب ويحدث؟»، قالوا: بلى، قال: «فكيف يكون هذا كما زعمتم؟»، فسكتوا

"، فأنزل الله تعالى صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها. فقال عز من قائل: {الۤمۤ ٱللَّهُ} مفتوح الميم، موصول عند العامة، وإنما فتح الميم لالتقاء الساكنين، حرك إلى أخف الحركات، وقرأ أبو يوسف ويعقوب بن خليفة الأعشى عن أبي بكر: {الۤمۤ ٱللَّهُ} مقطوعاً سكن الميم على نية الوقف ثم قطع الهمزة للابتداء وأجراه على لغة من يقطع ألف الوصل. قوله تعالى {ٱللَّهُ} ابتداء وما بعده خبر، والحي القيوم نعت له.

{نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ} أي القرآن {بِٱلْحَقِّ} بالصدق {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} لما قبله من الكتب في التوحيد والنبوات والأخبار وبعض الشرائع {وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ مِن قَبْلُ} وإنما قال: وأنزل التوراة والإِنجيل، لأن التوراة والإِنجيل أنزلا جملة واحدة، وقال في القرآن «نَزَّلَ» لأنه نزل مفصلاً، والتنزيل للتكثير، والتوراة قال البصريون: أصلها وَوْرية على وزن فوعلة مثل: دوحلة وحوقَلة، فحولت الواو الأولى تاءً وجعلت الياء المفتوحة ألفاً فصارت توراة، ثم كتبت بالياء على أصل الكلمة، وقال الكوفيون: أصلها تفعلة مثل توصية وتوفية، فقلبت الياء ألفاً على لغة طيء فإنهم يقولون للجارية جاراة، وللتوصية توصاة، وأصلها من قولهم: ورى الزند إذا خرجت ناره، وأوريته أنا، قال الله تعالى:

{ أَفَرَءَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى تُورُونَ }[الواقعة: 71] فسمي التوراة لأنها نور وضياء، قال الله تعالى: { وَضِيَآءً وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ }} [الأنبياء: 48] وقيل هي من التوراة وهي كتمان [السر] والتعريض بغيره، وكان أكثر التوراة، معاريض من غير تصريح. والإِنجيل: إِفعيل من النجل وهو الخروج ومنه سمي الولد نجلاً لخروجه، فسمي الإِنجيل به لأن الله تعالى أخرج به دارساً من الحق عافياً، ويقال: هو من النَّجَل وهو سعة العين، سمي به لأنه أنزل سعة لهم ونوراً، وقيل: التوراة بالعبرانية تور، وتور معناه الشريعة، والإِنجيل بالسريانية أنقليون ومعناه الإِكليل.

مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ ۝٤ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْءٌ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ ۝٥ هُوَ ٱلَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى ٱلْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٦

قوله تعالى: {هُدًى لِّلنَّاسِ}، هادياً لمن تبعه ولم يثنِّه لأنه مصدر {وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ} المفرق بين الحق والباطل، وقال السدي: في الآية تقديم وتأخير تقديرها وأنزل التوراة والإِنجيل والفرقان هدى للناس. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ * إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ * هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ}.

ذكراً أو أنثى، أبيض أو أسود، حسناً أو قبيحاً، تاماً أو ناقصاً، {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} وهذا في الرد على وفد نجران من النصارى، حيث قالوا: عيسى ولد الله، فكأنه يقول: كيف يكون لله ولد وقد صوره الله تعالى في الرحم.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الأنصاري، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، أنا علي بن الجعد، أنا أبو خيثمة زهير بن معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول:

حدثنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق:

إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملكأو قال: "«يبعث إليه الملك بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد»، قال: «وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينها وبينه غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنّة فيدخلها»."

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني، أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أنا أبو أحمد بن عيسى الجلودي، أنا أبو إسحق إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنا مسلم بن الحجاج، أنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا سفيان بن عيينه، عن عمرو بن دينار، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد

يبلغ به النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا رب أشقي أو سعيد؟ فيكتب ذلك، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ مِنْهُ ءَايَٰتٌ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ۝٧

قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} مبينات مفصلات، سميت محكمات من الإِحكام، كأنه أحكمها فمنع الخلق من التصرف فيها لظهورها ووضوح معناها {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ} أي أصله الذي يعمل عليه في الإِحكام، وإنما قال: (هن أم الكتاب) ولم يقل أمهات الكتاب، لأن الآيات كلها في تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة، وكلام الله واحد، وقيل: معناه كل آية منهن أم الكتاب كما قال: { وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً } [المؤمنون: 50] أي كل واحد منهما آية {وَأُخَرُ} جمع أخرى ولم يصرفه لأنه معدول عن الآخر، مثل: عمر وزفر {مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ} فإن قيل كيف فرق هاهنا بين المحكم والمتشابه وقد جعل الله كل القرآن محكماً في موضع أخر؟. فقال: { الۤر، كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ }[هود: 1] وجعله كله متشابهاً [في موضع آخر] فقال: { ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً }[الزمر: 23]. قيل: حيث جعل الكل محكماً، أراد أن الكل حق ليس فيه عبث ولا هزل، وحيث جعل الكل متشابهاً أراد أن بعضه يشبه بعضاً في الحق والصدق وفي الحسن، وجعل هاهنا بعضه محكماً وبعضه متشابهاً.

واختلف العلماء فيهما، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: المحكمات هن الآيات الثلاث في سورة الأنعام:

{ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ }[الأنعام: 151] ونظيرها في بني إسرائيل، { وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ }[الإسراء: 23] الآيات، وعنه أنه قال: المتشابهات حروف التهجي في أوائل السور. وقال مجاهد وعكرمة: المحكم ما فيه من الحلال والحرام وما سوى ذلك متشابه يشبه بعضه بعضاً في الحق ويصدق بعضه بعضاً، كقوله تعالى: { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ }[البقرة: 26] { وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ }[يونس: 100]. وقال قتادة والضحاك والسدي: المحكم الناسخ الذي يعمل به، والمتشابه المنسوخ الذي يؤمن به ولا يعمل به. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: محكمات القرآن ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به، والمتشابهات منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به، وقيل: المحكمات ما أوقف الله الخلق على معناه والمتشابه ما استأثر الله تعالى بعلمه لا سبيل لأحد إلى علمه، نحو الخبر عن أشراط الساعة من خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام، وطلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدنيا. وقال محمد بن جعفر بن الزبير: المحكم مالا يحتمل من التأويل غير وجه واحد، والمتشابه ما احتمل أوجهاً. وقيل: المحكم ما يعرف معناه وتكون حججها واضحة ودلائلها لائحة لا تشتبه، والمتشابه هو الذي يدرك علمه بالنظر، ولا يعرف العوام تفصيل الحق فيه من الباطل. وقال بعضهم: المحكم ما يستقل بنفسه في المعنى، والمتشابه ما لا يستقل بنفسه إلا بردِّه إلى غيره.

قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية [باذان]: المتشابه حروف التهجي في أوائل السور،

"وذلك أن رهطاً من اليهود منهم حيـي بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظراؤهما، أتوا النبي صلّى الله عليه وسلم، فقال له حيـي: بلغنا أنه أنزل عليك (الم) فننشدك الله أنزلت عليك؟ قال: «نعم» قال: فإن كان ذلك حقاً فإني أعلم مدة ملك أمتك، هي إحدى وسبعون سنة فهل أنزل غيرها؟ قال: «نعم (المص)» قال: فهذه أكثر هي إحدى وستون ومائة سنة، قال: فهل غيرها؟ قال: «نعم (الر)». قال: هذه أكثر هي مائتان وإحدى وسبعون سنة ولقد خلطت علينا فلا ندري أبكثيره نأخذ أم بقليله ونحن ممن لا يؤمن بهذا" فأنزل الله تعالى: «هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات». {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} أي ميل عن الحق وقيل شك {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ}.

واختلفوا في المعنيِّ بهذه الآية. قال الربيع: هم وفد نجران الذين خاصموا النبي صلّى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام، وقالوا له: ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ قال: «بلى»، قالوا: حسبنا ذلك، فأنزل الله هذه الآية. وقال الكلبي: هم اليهود طلبوا علم أجل هذه الأمة واستخراجها بحساب الجُمَّل. وقال ابن جريج: هم المنافقون، وقال الحسن: هم الخوارج، وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} قال: إن لم يكونوا الحرورية والسبأية فلا أدري من هم، وقيل: هم جميع المبتدعة.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد ابن إسماعيل، أنا عبد الله بن مسلمة، أنا يزيد بن إبراهيم التستري، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله عنهما قالت:

تلا رسول الله صلّى الله عليه وسلم هذه الآية «هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات» - إلى قوله «أولو الألباب»، قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذروهم.»

قوله تعالى: {ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ} طلب الشرك قاله الربيع والسدي، وقال مجاهد: ابتغاء الشبهات واللبس ليضلوا بها جهالهم {وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ} تفسيره وعلمه، دليله قوله تعالى:

{ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً }[الكهف: 78] وقيل: ابتغاؤه عاقبته، وهو طلب أجل هذه الأمة من حساب الجمل، دليله قوله تعالى: { ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }[الإسراء: 35] أي عاقبة.

قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} اختلف العلماء في نظم هذه الآية فقال قوم: الواو في قوله والراسخون واو العطف يعني: أن تأويل المتشابه يعلمه الله ويعلمه الراسخون في العلم وهم مع علمهم {يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ} وهذا قول مجاهد والربيع، وعلى هذا يكون قوله: «يقولون» حالا معناه: والراسخون في العلم قائلين آمنا به، هذا كقوله تعالى:

{ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَى } [الحشر: 7] ثم قال: { لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَـٰجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ }[الحشر: 8] إلى أن قال: { وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَـٰنَ مِن قَبْلِهِمْ } [الحشر: 9] ثم قال: { وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ } [الحشر: 10] وهذا عطف على ما سبق، ثم قال: { يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا }[الحشر: 10] يعني هم مع استحقاقهم الفيء يقولون ربنا اغفر لنا، أي قائلين على الحال. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول في هذه الآية: أنا من الراسخين في العلم، وروي عن مجاهد: أنا ممن يعلم تأويله. وذهب الأكثرون إلى أن الواو في قوله «والراسخون» واو الاستئناف، وتم الكلام عند قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} وهو قول أبي بن كعب وعائشة وعروة بن الزبير رضي الله عنهم ورواية طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما، وبه قال الحسن وأكثر التابعين واختاره الكسائي والفراء والأخفش، وقالوا: لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله ويجوز أن يكون للقرآن تأويل استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحداً من خلقه، كما استأثر بعلم الساعة، ووقت طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجال، ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام، ونحوها، والخلق متعبَّدون في المتشابه بالايمان به، وفي المحكم بالإِيمان به والعمل، ومما يصدِّق ذلك قراءة عبد الله إنْ تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به، وفي حرف أُبي: ويقول الراسخون في العلم آمنا به. وقال عمر بن عبد العزيز: في هذه الآية انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا آمنا به كل من عند ربنا. وهذا قول أقيس في العربية وأشبه بظاهر الآية. قوله تعالى: {وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} أي الداخلون في العلم، هم الذين أتقنوا علمهم بحيث لا يدخل في معرفتهم شك، وأصله من رسوخ الشيء في الشيء وهو ثبوته يقال: رسخ الإِيمان في قلب فلان يرسخ رسخاً ورسوخاً، وقيل: الراسخون في العلم علماء مؤمني أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وأصحابه، دليله قوله تعالى: { لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ }[النساء: 162] يعني [المدارسين] علم التوراة وسئل مالك بن أنس رضي الله عنه عن الراسخين في العلم قال العالم العامل بما علم المتبع له، وقيل: الراسخ في العلم من وجد في علمه أربعة أشياء: التقوى بينه وبين الله، والتواضع بينه وبين الخلق، والزهد بينه وبين الدنيا، والمجاهدة بينه وبين نفسه. وقال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد والسدي: بقولهم آمنا به سماهم الله تعالى راسخين في العلم، فرسوخهم في العلم قولهم: آمنا به، أي بالمتشابه {كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ وما علمنا وما لم نعلم {وَمَا يَذَّكَّرُ} وما يتعظ بما في القرآن {إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ} ذوو العقول.

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ ۝٨

قوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} أي ويقول الراسخون: ربنا لا تزغ قلوبنا أي لا تملْها عن الحق والهدى كما أزغت قلوب الذين في قلوبهم زيغ {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} وفقتنا لدينك والإِيمان بالمحكم والمتشابه من كتابك {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ} أعطنا من عندك {رَحْمَةً} توفيقاً وتثبيتاً للذي نحن عليه من الإِيمان والهدى، وقال الضحاك: تجاوزاً ومغفرة {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ}.

أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي، أنا أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي أنا أبو أحمد ابن عدي الحافظ، أنا أبو بكر عبد الرحمن بن القاسم القرشي يعرف بابن الرواس الكبير بدمشق، أنا أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني، أنا صدقة، أنا عبد الرحمن بن زيد بن جابر، حدثني بشر بن عبيد الله قال: سمعت أبا إدريس الخولاني يقول: حدثني النواس بن سمعان الكلابي قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، والميزان بيد الرحمن يرفع قوماً ويضع آخرين إلى يوم القيامة. »

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، حدثنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أنا حاجب بن أحمد الطوسي، أنا عبد الرحيم بن منيب، أنا يزيد بن هارون، أنا سعيد بن إياس الجُريري عن غنيم بن قيس عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

مثل القلب كريشة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهراً لبطن

.

رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ۝٩ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ ۝١٠ كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ۝١١ قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ۝١٢

قوله تعالى: {ربَّنَا إنَّكَ جَامِعُ النَّاس لِيَوْمٍ} أي لقضاء يوم، وقيل: اللام بمعنى في، أي في يوم {لاَّ رَيْبَ فِيهِ} أي لا شك فيه، وهو يوم القيامة {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} وهو مفعال من الوعد.

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ} لن تنفع ولن تدفع {عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ} قال الكلبي: من عذاب الله، وقال أبو عبيدة: من بمعنى عند، أي عند الله {شَيْئاً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ، كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ}.

قال ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة ومجاهد: كفعل آل فرعون وصنيعهم في الكفر والتكذيب، وقال عطاء والكسائي وأبو عبيدة: كسنة آل فرعون، وقال الأخفش: كأمر آل فرعون وشأنهم، وقال النضر بن شميل: كعادة آل فرعون، يريد عادة هؤلاء الكفار في تكذيب الرسول وجحود الحق كعادة آل فرعون، {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} كفار الأمم الماضية، مثل عاد وثمود وغيرهم {كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ} فعاقبهم الله {بِذُنُوبِهِمْ} وقيل نظم الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم} عند حلول النقمة والعقوبة مثل آل فرعون وكفار الأمم الخالية أخذناهم فلن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}.

قوله تعالى: {قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ} قرأ حمزة والكسائي بالياء فيهما، أي أنهم يغلبون ويحشرون، وقرأ الآخرون بالتاء فيهما، على الخطاب، أي: قل لهم: أنكم ستغلبون وتحشرون.

قال مقاتل: أراد مشركي مكة، معناه: قل لكفار مكة: ستغلبون يوم بدر وتحشرون إلى جهنم في الآخرة، فلما نزلت هذه الآية قال لهم النبي صلّى الله عليه وسلم يوم بدر

إن الله غالبكم وحاشركم إلى جهنم.»

وقال بعضهم: المراد بهذه الآية: اليهود.

وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن يهود أهل المدينة قالوا لما هزم رسول الله صلّى الله عليه وسلم المشركين يوم بدر: هذا - والله - النبي الذي بَشَّرنَا به موسى لا ترد له راية، وأرادوا اتباعه، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى تنظروا إلى وقعة له أخرى، فلما كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم شَكُّوا فغلب عليهم الشقاء، فلم يسلموا، وقد كان بينهم وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلم عهد إلى مدة فنقضوا ذلك العهد، وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكباً إلى مكة ليستفزَّهم، فأجمعوا أمرهم على قتال رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية.

وقال محمد بن إسحاق عن رجاله ورواه سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً:

"أنه لما أصاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم قريشاً ببدر ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال:

«يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر وأسلِموا قبل أن ينزل بكم مثل ما نزل بهم فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم»، فقالوا: يا محمد، لا يغرنك أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصةً، وإنا والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس

"، فأنزل الله تعالى {قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ} تهزمون {وَتُحْشَرُونَ} في الآخرة {إِلَىٰ جَهَنَّمَ} {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} الفراش، أي بئس ما مهد لهم، يعني: النار.

قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِۦ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَٰرِ ۝١٣

قوله تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ} ولم يقل قد كانت لكم، والآية مؤنثة لأنه ردها إلى البيان أي قد كان لكم بيان، فذهب إلى المعنى. وقال الفراء: إنما ذُكِّرَ لأنه حالت الصفة بين الفعل والاسم المؤنث، فذكر الفعل، وكل ما جاء من هذا النحو فهذا وجهه، فمعنى الآية: قد كان لكم آية أي عبرة ودلالة على صدق ما أقول أنكم ستغلبون. {فِي فِئَتَيْنِ} فرقتين وأصلها فيء الحرب، لأن بعضهم يفيء إلى بعض {ٱلْتَقَتَا} يوم بدر {فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} طاعة الله، وهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأصحابه، وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، سبعة وسبعون رجلاً من المهاجرين، ومائتان وستة وثلاثون رجلاً من الأنصار، وصاحب راية المهاجرين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة، وكان فيهم سبعون بعيراً وفرسان، فرس للمقداد بن عمرو، وفرس لمرثد بن أبي مرثد، وأكثرهم رجّاله، وكان معهم من السلاح ستة أدرع وثمانية سيوف. قوله تعالى: {وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ} أي فرقة أخرى كافرة، هم مشركوا مكة، وكانوا تسعمائة وخمسين رجلاً من المقاتلة، رأسهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وفيهم مائة فرس، وكانت حرب بدر أول مشهد شهده رسول الله صلّى الله عليه وسلم {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ} قرأ أهل المدينة ويعقوب بالتاء، يعني ترون يا معشر اليهود أهل مكة مِثْلَي المسلمين، وذلك أن جماعة من اليهود كانوا حضروا قتال بدر لينظروا على من تكون الدائرة فرأوا المشركين مثلي عدد المسلمين ورأوا النصرة مع ذلك للمسلمين فكان ذلك معجزة وآية، وقرأ الآخرون بالياء، واختلفوا في وجهه: فجعل بعضهم الرؤيةَ للمسلمين، ثم له تأويلان، أحدهما يرى المسلمون المشركين مثليهم كما هم، فإن قيل: كيف قال: مثليهم وهم كانوا ثلاثة أمثالهم؟ قيل: هذا مثل قول الرجل وعنده درهم أنا أحتاج إلى مثلي هذا الدرهم يعني إلى مثليه سواه فيكون ثلاثة دراهم، والتأويل الثاني - وهو الأصح - كان المسلمون يرون المشركين مثلي عدد أنفسهم، قلَّلهم الله تعالى في أعينهم حتى رأوهم ستمائة وستة وعشرين، ثم قللهم الله في أعينهم في حالة أخرى حتى رأوهم مثل عدد أنفسهم. قال ابن مسعود رضي الله عنه: نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً. ثم قللهم الله تعالى أيضاً في أعينهم حتى رأوهم عدداً يسيراً أقل من أنفسهم [قال ابن مسعود رضي الله عنه]: حتى قلتُ لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، قال بعضهم: الرؤية راجعة إلى المشركين، يعني يرى المشركون المسلمين مثليهم، قللهم الله قبل القتال في أعين المشركين ليجتريء المشركون عليهم ولا ينصرفوا فلما أخذوا في القتال كثرهم الله في أعين المشركين، ليجبنوا وقللهم في أعين المؤمنين ليجترؤوا، فذلك قوله تعالى:

{ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ }[الأنفال: 44]. قوله تعالى: {رَأْىَ ٱلْعَيْنِ} أي في رأي العين نصب بنزع حرف الصنعة {وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ} الذي ذكرت {لَعِبْرَةً لاُِّوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ} لذوي العقول، وقيل لمن أبصر الجمعين.

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَٰمِ وَٱلْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ ۝١٤

قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ} جمع شهوة وهي ما تدعو النفس إليه {مِنَ ٱلنِّسَاءِ}.

بدأ بهن لأنهن حبائل الشيطان {وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ} جمع قنطار واختلفوا فيه فقال الربيع بن أنس: القنطار المال الكثير بعضه على بعض، وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: القنطار ألف ومائتا أوقية، وقال ابن عباس رضي الله عنهما [والضحاك]: ألف ومائتا مثقال. وعنهما رواية أخرى اثنا عشر ألف درهم وألف [دينار] دية أحدكم، وعن الحسن القنطار دية أحدكم، وقال سعيد بن جبير وعكرمة: هو مائة ألف ومائة مَنٍّ ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم، ولقد جاء الإِسلام يوم جاء وبمكة مائة رجل قد قنطروا، وقال سعيد بن المسيب وقتادة: ثمانون ألفاً، وقال مجاهد سبعون ألفاً، وعن السدي قال: أربعة آلاف مثقال، وقال الحكم: القنطار ما بين السماء والأرض من مال، وقال أبو نضرة: ملء مسك ثور ذهباً أو فضة. وسمي قنطاراً من الإِحكام، يقال: قنطرت الشيء إذا أحكمته، ومنه سميت القنطرة. قوله تعالى: {ٱلْمُقَنطَرَةِ}، قال الضحاك: المحصنة المحكمة، وقال قتادة: هي الكثيرة المنضدة بعضها فوق بعض، وقال يمان: [المدفونة]، وقال السدي المضروبة المنقوشة حتى صارت دراهم ودنانير، وقال [الفراء]: المضعفة، فالقناطير ثلاثة والمقنطرة تسعة {مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ} وقيل سمي الذهب ذهباً لأنه يذهب ولا يبقى، والفضة لأنها تنفضُّ أي تتفرق {وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ} الخيل جمع لا واحد له من لفظه، واحدها فرس، كالقوم والنساء ونحوهما المسومة، قال مجاهد: هي المطهمة الحسان، وقال عكرمة: تسويمها حسنها، وقال سعيد بن جبير: هي الراعية، يقال: أسام الخيل وسوَّمها، قال الحسن وأبو عبيدة: هي المعلمة من السيماء، والسيماء العلامة، ثم منهم من قال: سيماها الشبه واللون وهو قول قتادة وقيل: الكي. {وَٱلأَنْعَـٰمِ} جمع النعم، وهي الإِبل والبقر والغنم جمع لا واحد له من لفظه {وَٱلْحَرْثِ} يعني الزرع {ذَٰلِكَ} الذي ذكرنا {مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} يشير إلى أنها متاع يفنى {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ} أي المرجع، فيه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة.

قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ ۝١٥ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ۝١٦ ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلْقَٰنِتِينَ وَٱلْمُنفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلْأَسْحَارِ ۝١٧

قوله تعالى: {قل أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ، خَـٰالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ} قرأه العامة بكسر الراء، وروى أبو بكر عن عاصم بضم الراء، وهما لغتان كالعُدوان والعِدوان.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا يحيى بن سليمان، حدثني ابن وهب، حدثني مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:

قال النبي صلّى الله عليه وسلم

إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير كله في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً.»

قوله تعالى: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ} إن شئت جعلت محل الذين خفضاً رداً على قوله {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} وإن شئت جعلته رفعاً على الابتداء، ويحتمل أن يكون نصباً تقديره أعني الذين يقولون {رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا} صدقنا {فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} استرها علينا وتجاوز عنا {وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ، ٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّـٰدِقِينَ} إن شئت نصبتها على المدح، وإن شئت خفضتها على النعت، يعني الصابرين في أداء الأمر وعن ارتكاب النهي، وعلى البأساء والضراء وحين البأس، والصادقين في إيمانهم، قال قتادة: هم قوم صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم فصدقوا في السر والعلانية {وَٱلْقَـٰنِتِينَ} المطيعين المصلين {وَٱلْمُنفِقِينَ} أموالهم في طاعة الله {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ} قال مجاهد وقتادة والكلبي: يعني المصلين بالأسحار وعن زيد بن أسلم أنه قال: هم الذين يصلون الصبح، في الجماعة، وقيل بالسَّحَر لقربه من الصُبح، وقال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر ثم استغفروا، وقال نافع كان ابن عمر رضي الله عنهما يحيي الليل ثم يقول: يا نافع أسْحَرْنا؟ فأقول: لا، فيعاود الصلاة فإذا قلت: نعم قعد يستغفر الله ويدعو، حتى يصبح.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد بن الحسن بن أحمد المخلدي، حدثنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، أنا قتيبة، [بن سعيد] أنا يعقوب بن عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه:

أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:

ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل فيقول: أنا الملك أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له."

وحكي عن الحسن أن لقمان قال لابنه: يا بني لا تكن أعجز من هذا الديك يصوِّت من الأسحار وأنت نائم على فراشك.

شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝١٨ إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَٰمُ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ۝١٩

قوله تعالى: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} قيل: نزلت هذه الآية في نصارى نجران.

وقال الكلبي:

"قدم حبران من أحبار الشام على النبي صلّى الله عليه وسلم فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي صلّى الله عليه وسلم الذي يخرج في آخر الزمان؟ فلما دخلا عليه عرفاه بالصفة، فقالا له: أنت محمد؟ قال: نعم، قالا له: وأنت أحمد؟ قال: «أنا محمد وأحمد» قالا له: فإنا نسألك عن شيء فإن أخبرتنا به آمنا بك وصدقناك، فقال، اسألا فقالا أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله عز وجل، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأسلم الرجلان."

قوله {شَهِدَ ٱللَّهُ} أي بين الله لأن الشهادة تبين، وقال مجاهد: حكم الله [وقيل: علم الله] وقيل: أعلم الله أنه لا إله إلا هو.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة، فشهد بنفسه لنفسه قبل أن خلق الخلق حين كان ولم تكن سماء ولا أرض ولا بر ولا بحر فقال: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}. وقوله: {وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ} أي وشهدت الملائكة، قيل: معنى شهادة الله الإِخبار والإِعلام، ومعنى شهادة الملائكة والمؤمنين الإِقرار. قوله تعالى {وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ} يعني الأنبياء عليهم السلام. وقال ابن كيسان يعني: المهاجرين والأنصار، وقال مقاتل: علماء مؤمني أهل الكتاب، عبد الله بن سلام وأصحابه. قال السدي والكلبي: يعني جميع علماء المؤمنين. {قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل. ونظم هذه الآية شهد الله قائماً بالقسط، نصب على الحال، وقيل: نصب على القطع، ومعنى قوله {قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ} أي قائماً بتدبير الخلق كما يقال: فلان قائم بأمر فلان، أي: مدبر له ومتعهد لأسبابه، وقائم بحق فلان أي مجازٍ له فالله جل جلاله مدبر رازق مجازٍ بالأعمال. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ}.

يعني الدين المرضي الصحيح، كما قال تعالى:

{ وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ دِيناً }[المائدة: 3] وقال { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ }[آل عمران: 85] وفتح الكسائي الألف من أن الدين رداً على أن الأولى تقديره شهد الله أنه لا إله إلا هو وشهد أن الدين عند الله الإِسلام، أو شهد الله أن الدين عند الله الإِسلام بأنه لا إله إلا هو، وكسر الباقون الألف على الابتداء والإِسلام هو الدخول في السلم وهو الانقياد والطاعة، يقال: أسلم أي دخل في السلم واستسلم، قال قتادة في قوله تعالى {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} قال: شهادة أن لا إله إلا الله والإِقرار بما جاء من عند الله تعالى وهو دين الله الذي شرع لنفسه وبعث به رسله ودل عليه أولياءه [ولا يقبل غيره ولا يجزي إلا به].

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنا أبو إسحق الثعلبي، أنا أبو عمرو الفراتي، أنا أبو موسى عمران بن موسى، أنا الحسن بن سفيان، أنا عمار بن عمر بن المختار، حدثني أبي عن غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريباً من الأعمش وكنت أختلف إليه فلما كنت ذات ليلة أردت أن أنحدر إلى البصرة، فإذا الأعمش قائم من الليل يتهجد، فمر بهذه الآية {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} قالها مراراً، قلت: لقد سمع فيها شيئاً، فصليت معه وودعته، ثم قلت: إني سمعتك تقرأ آية ترددها فما بلغك فيها؟ [قال لي: أوما بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ سنتين لم تحدثني]، قال: والله لا أحدثك بها إلى سنة، فكتبت على بابه ذلك اليوم وأقمت سنة، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد قد مضت السنة قال: حدثني أبو وائل عن عبد الله قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله: إن لعبدي هذا عندي عهداً، وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة.»

قوله تعالى: {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} قال الكلبي: نزلت في اليهود والنصارى حين تركوا الإِسلام، أي وما اختلف الذين أُوتوا الكتاب في نبوة محمد صلّى الله عليه وسلم إلا من بعد ما جاءهم العلم، يعني بيان نعته في كتبهم، وقال الربيع: إن موسى عليه السلام لما حضره الموت، دعا سبعين رجلاً من أحبار بني إسرائيل فاستودعهم التوراة واستخلف يوشع بن نون، فلما مضى القرن الأول والثاني والثالث وقعت الفرقة بينهم وهم الذين أوتوا الكتاب من أبناء أولئك السبعين حتى أهرقوا بينهم الدماء، ووقع الشر والاختلاف، وذلك من بعد ما جاءهم العلم يعني بيان ما في التوراة {بَغْياً بَيْنَهُمْ} أي طلباً للملك والرياسة، فسلط الله عليهم الجبابرة وقال محمد بن جعفر بن الزبير: نزلت في نصارى نجران ومعناها {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} يعني الإِنجيل في أمر عيسى عليه السلام، وفرقوا القول فيه إلا من بعد ما جاءهم العلم بأن الله واحد وأن عيسى عبده ورسوله {بَغْيًا بَيْنَهُمْ} أي للمعاداة والمخالفة {وَمَن يَكْفُرْ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}.

فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا۟ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ ۝٢٠

قوله تعالى: {فَإِنْ حَآجُّوكَ}، أي: خاصموك يا محمد في الدين، وذلك أن اليهود والنصارى قالوا لسنا على ما سميتنا به يا محمد إنما اليهودية والنصرانية نسب، والدين هو الإِسلام ونحن عليه فقال الله تعالى: {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ}، أي انقدت لله وحده بقلبي ولساني وجميع جوارحي، وإنما خص الوجه لأنه أكرم الجوارح من الإِنسان وفيه بهاؤه، فإذا خضع وجهه للشيء فقد خضع له جميع جوارحه، وقال الفراء: معناه أخلصت عملي لله {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ} أي ومن اتبعني أسلم كما أسلمت، وأثبت نافع وأبو عمرو الياء في قوله تعالى (اتبعني) على الأصل وحذفه الأخرون على الخط لأنها في المصحف بغير ياء.

وقوله: {وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَٱلأُمِّيِّينَ} يعني العرب {ءَأَسْلَمْتُمْ} لفظه استفهام ومعناه أمر، أي أسلموا كما قال:

{ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ }[المائدة: 91] أي انتهوا، {فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ} فقرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلم هذه الآية فقال أهل الكتاب: أسلمنا، فقال لليهود: أتشهدون أن عيسى كلمة الله وعبده ورسوله فقالوا: معاذ الله، وقال للنصارى: أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله؟ قالوا: معاذ الله أن يكون عيسى عبداً فقال الله عز وجل: {وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ} أي تبليغ الرسالة وليس عليك الهداية {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} عالم بمن يؤمن وبمن لا يؤمن.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ۝٢١

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ} يجحدون بآيات الله يعني القرآن، وهم اليهود والنصارى {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ}، قرأ حمزة: ويقاتلون الذين يأمرون، قال ابن جريج: كان الوحي يأتي على [أنبياء] بني إسرائيل، ولم يكن يأتيهم كتاب، فيذكِّرون قومهم فيُقتلون، فيقوم رجال ممن اتبعهم وصدقهم فيذكرون قومهم فيُقتلون أيضاً، فهم الذين يأمرون بالقسط من الناس.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن فنجويه الدينوري، أنا أبو نصر منصور بن جعفر النهاوندي، أنا أحمد بن يحيى بن الجارود، أنا محمد بن عمرو بن حيان، أنا محمد بن (حمير)، أنا أبو الحسن مولى بني أسد عن مكحول عن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال:

"قلت لرسول الله صلّى الله عليه وسلم، أي الناسِ أشد عذاباً يوم القيامة؟ قال: «رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بالمعروف ونهى عن المنكر» ثم قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلم {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ} إلى أن انتهى إلى قوله {وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ} ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثةً وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عُبّاد بني إسرائيل أمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوهم جميعاً في آخر النهار في ذلك اليوم فهم الذين ذكرهم الله في كتابه وأنزل الآية فيهم.»

{فَبَشِّرْهُم} أخبرهم {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} وجيع، وإنما أدخل الفاء على خبر إن وتقديره الذين يكفرون ويقتلون فبشرهم، لأنه لا يقال: أن زيداً فقائم

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ۝٢٢

{أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ} بطلت {أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} وبطلان العمل في الدنيا أن لا يقبل، وفي الآخرة ألا يجازى عليه.

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ۝٢٣ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ۝٢٤

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} يعني اليهود {يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} اختلفوا في هذا الكتاب، فقال قتادة: هم اليهود دُعوا إلى حكم القرآن فأعرضوا عنه.

وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية:

إِن الله تعالى جعل القرآن حكماً فيما بينهم وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فحكم القرآن على اليهود والنصارى أنهم على غير الهدى فأعرضوا عنه، وقال الآخرون: هو التوراة.

روى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

"دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلم بيت المدارس على جماعة من اليهود، فدعاهم إلى الله عز وجل. فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: على ملة إبراهيم، قالا: إن إبراهيم كان يهودياً، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «فهلمُّوا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم»" فأبيا عليه، فأنزل الله تعالىٰ هذه الآية.

وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما

"أن رجلاً وامرأة من أهل خيبر زنيا وكان في كتابهم الرجم، فكرهوا رجمهما لشرفهما فيهم، فرفعوا أمرهما إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ورجوا أن يكون عنده رخصة فحكم عليهما بالرجم فقال له النعمان بن أوفى وبحري بن عمرو: جُرْتَ عليهما يا محمد ليس عليهما الرجم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم «بيني وبينكم التوراة» قالوا: قد أنصفتنا، قال «فمن أعلمكم بالتوراة» قالوا رجل أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا، فأرسلوا إليه فقدم المدينة، وكان جبريل قد وصفه لرسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلم «أنت ابن صوريا؟» قال: نعم، قال: «أنت أعلم اليهود»؟ قال: كذلك يزعمون قال: فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلم بشيء من التوراة، فيها الرجم مكتوب، فقال له: «اقرأ» فلما أتى على آية الرجم وضع كفه عليها وقرأ ما بعدها على رسول الله صلّى الله عليه وسلم. فقال عبد الله ابن سلام، يا رسول الله قد جاوزها فقام فرفع كفه عنها ثم قرأ على رسول الله صلّى الله عليه وسلم وعلى اليهود بأن المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة رجما، وإن كانت المرأة حبلى تربص بها حتى تضع ما في بطنها، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم باليهوديين فرجما، فغضب اليهود لذلك وانصرفوا". فأنزل الله عز وجل {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ} {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَ أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم} والغرور هو الإِطماع فيما لا يحصل منه شيء {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} والافتراء اختلاق الكذب.

الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026 9 جمادى الأولى 1448 هـ