انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الدخان

تفسير الطبريالآيات 1–28

تفسير سورة الدخان آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الدخان

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطعان · 20:04

  1. 1 الآيات 1–16في هذه الصفحة 6:03
  2. 2 الآيات 17–59في هذه الصفحة 14:01

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

حمٓ ۝١ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُبِينِ ۝٢ إِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَٰرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ۝٣ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ۝٤ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ۝٥ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝٦

قد تقدم بياننا في معنى قوله:{ حم* والكِتابِ المُبِينِ}. وقوله:{ إنَّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكةٍ } أقسم جلّ ثناؤه بهذا الكتاب، أنه أنزله في ليلة مباركة.

واختلف أهل التأويل في تلك الليلة، أيّ ليلة من ليالي السنة هي؟ فقال بعضهم: هي ليلة القدر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { إنَّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُباركَةٍ}: ليلة القدر، ونزلت صحف إبراهيم في أوّل ليلة من رمضان، ونزلت التوراة لستّ ليال مضت من رمضان، ونزل الزَّبور لستّ عشرة مضت من رمضان، ونزل الإنجيل لثمان عشرة مضت من رمضان، ونزل الفُرقان لأربع وعشرين مضت من رمضان.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله:{ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ } قال: هي ليلة القدر.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله عزّ وجل:{ إنَّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنَّا كُنَّا مُنْذِرِيْنَ } قال: تلك الليلة ليلة القدر، أنزل الله هذا القرآن من أمّ الكتاب في ليلة القدر، ثم أنزله على الأنبياء في الليالي والأيام، وفي غير ليلة القدر.

وقال آخرون: بل هي ليلة النصف من شعبان.

والصواب من القول في ذلك قول من قال: عنى بها ليلة القدر، لأن الله جلّ ثناؤه أخبر أن ذلك كذلك لقوله تعالى:{ إنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} خَلْقنا بهذا الكتاب الذي أنزلناه في الليلة المباركة عقوبتنا أن تحلّ بمن كفر منهم، فلم ينب إلى توحيدنا، وإفراد الألوهية لنا.

وقوله:{ فِيها يُفْرَق كُلُّ أمْرٍ حَكِيم} اختلف أهل التأويل في هذه الليلة التي يُفرق فيها كلّ أمر حكيم، نحو اختلافهم في الليلة المباركة، وذلك أن الهاء التي في قوله: {فِيها} عائدة على الليلة المباركة، فقال بعضهم: هي ليلة القدر، يُقْضَى فيها أمر السنة كلها من يموت، ومن يولد، ومن يعزّ، ومن يذل، وسائر أمور السنة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا ربيعة بن كلثوم، قال: كنت عند الحسن، فقال له رجل: يا أبا سعيد، ليلة القدر في كلّ رمضان؟ قال: إي والله، إنها لفي كلّ رمضان، وإنها الليلة التي يُفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كلّ أجل وأمل ورزق إلى مثلها.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ربيعة بن كلثوم، قال: قال رجل للحسن وأنا أسمع: أرأيت ليلة القدر، أفي كل رمضان هي؟ قال: نعم والله الذي لا إله إلاَّ هو، إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يُفرق فيها كل أمر حكيم، يقضي الله كلّ أجل وخلق ورزق إلى مثلها.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الحميد بن سالم، عن عمر مولى غفرة، قال: يقال: ينسخ لملك الموت من يموت ليلة القدر إلى مثلها، وذلك لأن الله عزّ وجلّ يقول:{ إنَّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ } وقال{ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ } قال: فتجد الرجل ينكح النساء، ويغرس الغرس واسمه في الأموات.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سلمة، عن أبي مالك، في قوله:{ فِيها يُفْرَق كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ} قالَ: أمر السنة إلى السنة ما كان من خلق أو رزق أو أجل أو مصيبة، أو نحو هذا.

قال: ثنا سفيان، عن حبيب، عن هلال بن يساف، قال: كان يقال: انتظروا القضاء في شهر رمضان.

حدثنا الفضل بن الصباح، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن حصين، عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن في قوله:{فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ} قال: يدبر أمر السنة في ليلة القدر.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:{ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ} قال: في ليلة القدر كلّ أمر يكون في السنة إلى السنة: الحياة والموت، يقدر فيها المعايش والمصائب كلها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { إنَّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ } ليلة القدر {فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ } كُنَّا نُحدَّثُ أنه يُفْرق فيها أمر السنة إلى السنة.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: هي ليلة القدر فيها يُقضى ما يكون من السنة إلى السنة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، قال: سألت مجاهداً، فقلت: أرأيت دعاء أحدنا يقول: اللهمّ إن كان اسمي في السعداء، فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فامحه منهم، واجعله بالسعداء، فقال: حسن، ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر من ذلك، فسألته عن هذا الدعاء، قال:{ إنَّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ، فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ} قال: يقضي في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدّم ما يشاء، ويؤخر ما يشاء فأما كتاب السعادة والشقاء فهو ثابت لا يغير. وقال آخرون: بل هي ليلة النصف من شعبان. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الفضل بن الصباح، والحسن بن عرفة، قالا: ثنا الحسن بن إسماعيل البجلي، عن محمد بن سوقة، عن عكرمة في قول الله تبارك وتعالى: { فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ} قال: في ليلة النصف من شعبان، يبرم فيه أمر السنة، وتنسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاج فلا يزاد فيهم أحد، ولا ينقص منهم أحد.

حدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الليث، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن عثمان بن محمد بن المُغيرة بن الأخنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

تُقْطَعُ الآجالُ مِنْ شَعْبانُ إلى شَعْبانَ حتى إن الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ وَقَدْ خَرَجَ اسمُهُ فِي المَوْتَى

حدثني محمد بن معمر، قال: ثنا أبو هشام، قال ثنا عبد الواحد، قال: ثنا عثمان بن حكيم، قال: ثنا سعيد بن جُبير، قال: قال ابن عباس: إن الرجل ليمشي في الناس وقد رُفع في الأموات، قال: ثم قرأ هذه الآية { إنَّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ، فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيم} قال: ثم قال: يفرق فيها أمر الدنيا من السنة إلى السنة.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: ذلك ليلة القدر لما قد تقدّم من بياننا عن أن المعنِيَّ بقوله:{ إنَّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ } ليلة القدر، والهاء في قوله: فِيها من ذكر الليلة المباركة. وعنى بقوله:{ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ } في هذه الليلة المباركة يُقْضَى ويُفْصَل كلّ أمر أحكمه الله تعالى في تلك السنة إلى مثلها من السنة الأخرى، ووضع حكيم موضع محكم، كما قال: آلم، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الحَكِيمِ يعني: المحكم.

وقوله:{ أمْراً مِنْ عِنْدِنا إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} يقول تعالى ذكره: في هذه الليلة المباركة يُفْرق كلّ أمر حكيم، أمرا من عندنا.

واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله: {أمْراً} فقال بعض نحويي الكوفة: نصب على إنا أنزلناه أمراً ورحمة على الحال. وقال بعض نحويي البصرة: نصب على معنى يفرق كل أمر فرقا وأمراً. قال: وكذلك قوله:{ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } قال: ويجوز أن تنصب الرحمة بوقوع مرسلين عليها، فجعل الرحمة للنبيّ صلى الله عليه وسلم.

وقوله:{ إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } يقول تعالى ذكره: إنا كنا مرسلي رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى عبادنا رحمة من ربك يا محمد{ إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ } يقول: إن الله تبارك وتعالى هو السميع لما يقول هؤلاء المشركون فيما أنزلنا من كتابنا، وأرسلنا من رسلنا إليهم، وغير ذلك من منطقهم ومنطق غيرهم، العليم بما تنطوي عليه ضمائرهم، وغير ذلك من أمورهم وأمور غيرهم.

رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ۝٧ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝٨ بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ يَلْعَبُونَ ۝٩

اختلفتِ القرّاء في قراءة قوله:{ رَبِّ السَّمَوَاتِ والأرْضِ } فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة «رَبُّ السَّمَوَاتِ» بالرفع على إتباع إعراب الربّ إعراب السميع العليم. وقرأته عامة قرّاء الكوفة وبعض المكيين {رَبِّ السَّمَوَاتِ} خفضاً ردّاً على الرب في قوله جلّ جلاله:{ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ}.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

ويعني بقوله: { رَبِّ السَّمَوَات والأرْضِ وَما بَيْنَهُما} يقول تعالى ذكره الذي أنزل هذا الكتاب يا محمد عليك، وأرسلك إلى هؤلاء المشركين رحمة من ربك، مالك السموات السبع والأرض وما بينهما من الأشياء كلها.

وقوله:{ إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِين} يقول: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم من أن ربكم ربّ السموات والأرض، فإن الذي أخبرتكم أن الله هو الذي هذه الصفات صفاته، وأن هذا القرآن تنزيله، ومحمداً صلى الله عليه وسلم رسوله حق يقين، فأيقنوا به كما أيقنتم بما توقنون من حقائق الأشياء غيره.

وقوله:{ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ} يقول: لا معبود لكم أيها الناس غير ربّ السموات والأرض وما بينهما، فلا تعبدوا غيره، فإنه لا تصلح العبادة لغيره، ولا تنبغي لشيء سواه، يحيي ويميت، يقول: هو الذي يحي ما يشاء، ويميت ما يشاء مما كان حياً.

وقوله:{ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِين} يقول: هو مالككم ومالك من مضى قبلكم من آبائكم الأوّلين، يقول: فهذا الذي هذه صفته، هو الربّ فاعبدوه دون آلهتكم التي لا تقدر على ضرّ ولا نفع.

وقوله: {بَلْ هُمْ فِي شَكّ يَلْعَبُون} يقول تعالى ذكره ما هم بموقنين بحقيقة ما يقال لهم ويخبرون من هذه الأخبار، يعني بذلك مشركي قريش، ولكنهم في شكّ منه، فهم يلهون بشكهم في الذي يخبرون به من ذلك.

فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ۝١٠ يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝١١ رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ۝١٢

يعني تعالى ذكره بقوله:{ فارْتَقِبْ } فانتظر يا محمد بهؤلاء المشركين من قومك الذين هم في شكّ يلعبون، وإنما هو افتعل، من رقبته: إذا انتظرته وحرسته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فارْتَقِبْ}: أي فانتظر.

وقوله: {يَوْمَ تَأْتِي السمَّاءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ } اختلف أهل التأويل في هذا الذي أمر الله عزّ وجلّ نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرتقبه، وأخبره أن السماء تأتي فيه بدخان مبين: أي يوم هو؟ ومتى هو؟ وفي معنى الدخان الذي ذُكر في هذا الموضع، فقال بعضهم: ذلك حين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش ربه تبارك وتعالى أن يأخذهم بسنين كسني يوسف، فأخذوا بالمجاعة، قالوا: وعنى بالدخان ما كان يصيبهم حينئذٍ في أبصارهم من شدة الجوع من الظلمة كهيئة الدخان. ذكر من قال ذلك:

حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، قال: دخلنا المسجد، فإذا رجل يقص على أصحابه. ويقول:{ يَوْمَ تأْتِي السَّماءُ بِدُخان مُبِينٍ} تدرون ما ذلك الدخان؟ ذلك دخان يأتي يوم القيامة، فيأخذ أسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه شبه الزكام؟ قال: فأتينا ابن مسعود، فذكرنا ذلك له وكان مضطجعاً، ففزع، فقعد فقال: إن الله عزّ وجلّ قال لنبيه صلى الله عليه وسلم

{ قُلْ ما أسألُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أجْرٍ وَما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ } إن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم، سأحدثكم عن ذلك، إن قريشا لما أبطأت عن الإسلام، واستعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يَوسف، فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان، قال الله تبارك وتعالى:{ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يَغْشَى الناسَ هَذَا عَذَابٌ ألِيمٌ } فَقالُوا: {رَبَّنا اكْشِفْ عَنا العَذَابَ إنَّا مُؤْمِنُونَ} قال الله جلّ ثناؤه: { إنَّا كاشِفُوا العَذَابِ قَلِيلاً إنَّكُمْ عائِدُونَ يَوْم نَبْطِش البَطْشَةَ الكُبْرَى إنَّا مُنْتَقِمُونَ } } قال: فعادوا يوم بدر فانتقم الله منهم.

حدثني عبد الله بن محمد الزهريّ، قال: ثنا مالك بن سُعَير، قال: ثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق قال: كان في المسجد رجل يذكر الناس، فذكر نحو حديث عيسى، عن يحيى بن عيسى، إلا أنه قال: فانتقم يوم بدر، فهي البطشة الكبرى.

حدثنا ابن حميد، وعمرو بن عبد الحميد، قالا: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، عن مسروق، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوساً وهو مضطجع بيننا، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن: إن قاصاً عند أبواب كندة يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام، فقام عبد الله وجلس وهو غضبان، فقال: يا أيها الناس اتقوا الله، فمن علم شيئاً فليقل بما يعلم، ومن لا يعلم فليقل: الله أعلم. وقال عمرو: فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم، وما على أحدكم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم، فإن الله عزّ وجلّ يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:

{ قُلْ ما أسألُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أجْر وَما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ } إن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما رأى من الناس إدباراً، قال: اللهمّ سبعاً كسبع يوسف، فأخذتهم سنة حصَّت كل شيء، حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف، ينظر أحدهم إلى السماء فيرى دخاناً من الجوع، فأتاه أبو سفيان بن حرب فقال: يا محمد إنك جئت تأمر بالطاعة وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، قال الله عزّ وجلّ:{ فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ...} إلى قوله: { إنَّكُمْ عائِدُونَ } قال: فكُشف عنهم { يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إنَّا مُنْتَقِمُونَ }فالبطشة يوم بدر، وقد مضت آية الروم وآية الدخان، والبطشة واللزام.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق قال: قال عبد الله: خمس قد مضين: الدخان، واللزام، والبطشة، والقمر، والروم.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، قال: شهدت جنازة فيها زيد بن عليّ فأنشأ يحدّث يومئذٍ، فقال: إن الدخان يجيء قبل يوم القيامة، فيأخذ بأنف المؤمن الزكام، ويأخذ بمسامع الكافر، قال: قلت رحمك الله، إن صاحبنا عبد الله قد قال غير هذا، قال: إن الدخان قد مضى وقرأ هذه الآية { فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِين يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ ألِيمٌ } قال: أصاب الناس جهد حتى جعل الرجل يرى ما بينه وبين السماء دخاناً، فذلك قوله:{ فارْتَقِب} وكذا قرأ عبد الله إلى قوله:{ مُؤْمِنُونَ} قالَ:

{ إنَّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلاً } قلت لزيد فعادوا، فأعاد الله عليهم بدراً، فذلك قوله: وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا فذلك يوم بدر، قال: فقبل والله، قال عاصم: فقال رجل يردّ عليه، فقال زيد رحمة الله عليه: أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: إنَّكُمْ سَيَجِيئُكُمْ رُوَاةٌ، فَمَا وَافَقَ القُرآنَ فَخُذُوا بِهِ، وَما كانَ غيرَ ذلكَ فَدَعُوهُ

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن ابن مسعود أنه قال: البطشة الكبرى يوم بدر، وقد مضى الدخان.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن عوف، قال: سمعت أبا العالية يقول: إن الدخان قد مضى.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن عمرو، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: مضى الدخان لسنين أصابتهم.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أيوب، عن محمد، قال: نُبئت أن ابن مسعود كان يقول: قد مضى الدخان، كان سنين كسني يوسف.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِين} قال: الجدب وإمساك المطر عن كفار قريش، إلى قوله:{ إنَّا مُؤْمِنُونَ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ} قال: كان ابن مسعود يقول: قد مضى الدخان، وكان سنين كسني يوسف {يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أليمٌ}.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:{ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِين}: قد مضى شأن الدخان.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله {يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى} قال: يوم بدر.

وقال آخرون: الدخان آية من آيات الله، مرسلة على عباده قبل مجيء الساعة، فيدخل في أسماع أهل الكفر به، ويعتري أهل الإيمان به كهيئة الزكام، قالوا: ولم يأت بعد، وهو آتٍ. ذكر من قال ذلك:

حدثني واصل بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن عبد الملك بن المُغيرة، عن عبد الرحمن بن البيلمان، عن ابن عمر، قال: يخرج الدخان، فيأخذ المؤمن كهيئة الزكمة، ويدخل في مسامع الكافر والمنافق، حتى يكون كالرأس الحنيذ.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة، قال: غدوت على ابن عباس ذات يوم، فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت، قلت: لمَ؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت.

حدثنا محمد بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، عن عوف، قال: قال الحسن: إن الدخان قد بقي من الآيات، فإذا جاء الدخان نفخ الكافر حتى يخرج من كلّ سمع من مسامعه، ويأخذ المؤمن كزكمة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عثمان، يعني ابن الهيثم، قال: ثنا عوف، عن الحسن بنحوه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي سعيد، قال: يهيج الدخان بالناس. فأما المؤمن فيأخذه منه كهيئة الزكمة. وأما الكافر فيهيجه حتى يخرج من كلّ مسمع منه قال: وكان بعض أهل العلم يقول: فما مَثل الأرض يومئذٍ إلا كمَثل بيت أوقد فيه ليس فيه خصاصة.

حدثني عصام بن روّاد بن الجراح، قال: ثني أبي، قال: ثنا سفيان بن سعيد الثوري، قال: ثنا منصور بن المعتمر، عن ربْعِيِّ بن حِرَاش، قال: سمعت حُذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أوَّلْ الآياتِ الدَّجالُ، وَنُزُولُ عِيسَى بْن مَرْيَمَ، وَنارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدْنِ أَبَيْنَ تَسُوقُ النَّاسَ إلى المَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهُمْ إذَا قالُوا، والدُّخان، قال حُذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية {يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِين يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ ألِيمٌ } يَمْلاَ ما بَينَ المَشْرقِ والمَغْرِبِ يَمْكُثُ أرْبَعِينَ يَوْما وَلَيْلَةً أمّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبَهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكامِ. وأمَّا الكافِرُ فَيَكُونُ بِمْنزِلَةِ السَّكْرانِ يَخْرُجُ مِنْ مَنْخِرَيْهِ وأُذُنَيْهِ ودُبُرِهِ

حدثني محمد بن عوف، قال: ثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، قال: ثني أبي، قال: ثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعريّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ رَبَّكُمْ أنْذَرَكُمْ ثَلاثا: الدُّخان يَأْخُذ المُؤْمِنَ كالزَّكْمَةِ، وَيأْخُذُ الكافِرَ فَيَنْتَفِخُ حتى يَخْرُجَ مِنْ كُلّ مَسْمَعٍ مِنْهُ، والثَّانِيَة الدَّابَّةُ، والثَّالِثَة الدَّجَّالُ

وأولى القولين بالصواب في ذلك ما رُوي عن ابن مسعود من أن الدخان الذي أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرتقبه، هو ما أصاب قومه من الجهد بدعائه عليهم، على ما وصفه ابن مسعود من ذلك إن لم يكن خبر حُذيفة الذي ذكرناه عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحاً، وإن كان صحيحاً، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بما أنزل الله عليه، وليس لأحد مع قوله الذي يصح عنه قول، وإنما لم أشهد له بالصحة، لأن محمد بن خلف العسقلانيّ حدثني أنه سأل روّاداً عن هذا الحديث، هل سمعه من سفيان؟ فقال له: لا، فقلت له: فقرأته عليه، فقال: لا، فقلت له: فقرىء عليه وأنت حاضر فأقرّ به، فقال: لا، فقلت: فمن أين جئت به؟ قال: جاءني به قوم فعرضوه عليّ وقالوا لي: اسمعه منا فقرأوه عليّ، ثم ذهبوا، فحدّثوا به عني، أو كما قال فلما ذكرت من ذلك لم أشهد له بالصحة، وإنما قلت: القول الذي قاله عبد الله بن مسعود هو أولى بتأويل الآية، لأن الله جلّ ثناؤه توعَّد بالدخان مشركي قريش وأن قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم:{ فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ } في سياق خطاب الله كفار قريش وتقريعه إياهم بشركهم بقوله:

{ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ يُحْي ويُمِيتُ ربُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الأوّلِينَ، بَلْ هُمْ فِي شَكّ يَلْعَبُونَ }، ثم أتبع ذلك قوله لنبيه عليه الصلاة والسلام: {فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِين} أمراً منه له بالصبر إلى أن يأتيهم بأسه وتهديداً للمشركين فهو بأن يكون إذ كان وعيداً لهم قد أحله بهم أشبه من أن يكون آخره عنهم لغيرهم، وبعد، فإنه غير منكر أن يكون أحلّ بالكفار الذين توعدهم بهذا الوعيد ما توعدهم، ويكون مُحِلاً فيما يستأنف بعد بآخرين دخانا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا كذلك، لأن الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تظاهرت بأن ذلك كائن، فإنه قد كان ما رَوَى عنه عبد الله بن مسعود، فكلا الخبرين اللذين رُويا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح.

وإن كان تأويل الآية في هذا الموضع ما قلنا، فإذ كان الذي قلنا في ذلك أولى التأويلين، فبين أن معناه: فانتظر يا محمد لمشركي قومك يوم تأتيهم السماء من البلاء الذي يحل بهم على كفرهم بمثل الدخان المبين لمن تأمله أنه دخان. يغشَى الناسَ: يقول: يغشى أبصارهم من الجهد الذي يصيبهم هَذَا عَذَابٌ ألِيمٌ يعني أنهم يقولون مما نالهم من ذلك الكرب والجهد: هذا عذاب أليم. وهو الموجع، وترك من الكلام «يقولون» استغناءً بمعرفة السامعين معناه من ذكرها.

وقوله:{ رَبَّنا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ } يعني أن الكافرين الذين يصيبهم ذلك الجهد يضرعون إلى ربهم بمسألتهم إياه كشف ذلك الجهد عنهم، ويقولون: إنك إن كشفته آمنا بك وعبدناك من دون كلّ معبود سواك، كما أخبر عنهم جلّ ثناؤه { رَبَّنا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إنَّا مُؤْمِنُونَ}.

أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ ۝١٣ ثُمَّ تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَقَالُوا۟ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ ۝١٤ إِنَّا كَاشِفُوا۟ ٱلْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ ۝١٥

يقول تعالى ذكره: من أيّ وجه لهؤلاء المشركين التذكر من بعد نزول البلاء بهم، وقد تولوا عن رسولنا حين جاءهم مدبرين عنه، لا يتذكرون بما يُتلى عليهم من كتابنا، ولا يتعظون بما يعظهم به من حججنا، ويقولون: إنما هو مجنون عُلِّم هذا الكلام. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله:{ أنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى} قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله:{ أنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى} يقول: كيف لهم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { أنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى} بعد وقوع هذا البلاء.

وبنحو الذي قلنا أيضا في قوله:{ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمُ مَجْنُونٌ} قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمُ مَجْنُونٌ} قال: تولوا عن محمد عليه الصلاة والسلام، وقالوا: معلم مجنون.

وقوله:{ إنَّا كاشِفُوا العَذَابِ قَلِيلاً إنَّكُمْ عائِدُونَ} يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين الذين أخبر عنهم أنهم يستغيثون به من الدخان النازل والعذاب الحالّ بهم من الجهد، وأخبر عنهم أنهم يعاهدونه أنه إن كشف العذاب عنهم آمنوا إنا كاشفوا العذاب: يعني الضرّ النازل بهم بالخصب الذي نحدثه لهم { قَلِيلاً إنَّكُمْ عائِدُونَ} يقول: إنكم أيها المشركون إذا كَشَفْتُ عنكم ما بكم من ضرّ لم تفوا بما تعدون وتعاهدون عليه ربكم من الإيمان، ولكنكم تعودون في ضلالتكم وغيكم، وما كنتم قبل أن يكشف عنكم.

وكان قتادة يقول: معناه: إنكم عائدون في عذاب الله.

حدثنا بذلك ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر عنه. وأما الذين قالوا: عنى بقوله:

{ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ } الدخان نفسه، فإنهم قالوا في هذا الموضع: عنى بالعذاب الذي قال إنَّا كاشِفُوا العَذَابِ: الدخان. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { إنَّا كاشِفُوا العَذَابِ قَلِيلاً } يعني الدخان.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {إنَّا كاشِفُوا العَذَبِ قَلِيلاً } قال: قد فعل، كشف الدخان حين كان.

قوله:{ إنَّكُمْ عائِدونَ} قال: كُشِف عنهم فعادوا.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة{ إنَّكُمْ عائِدُونَ } إلى عذاب الله.

يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ ۝١٦ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ۝١٧ أَنْ أَدُّوٓا۟ إِلَىَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ۝١٨

يقول تعالى ذكره: إنكم أيها المشركون إن كشفت عنكم العذاب النازل بكم، والضرّ الحالّ بكم، ثم عدتم في كفركم، ونقضتم عهدكم الذي عاهدتم ربكم، انتقمت منكم يوم أبطش بكم بطشتي الكبرى في عاجل الدنيا، فأهلككم، وكشف الله عنهم، فعادوا، فبطش بهم جلّ ثناؤه بطشته الكبرى في الدنيا، فأهلكهم قتلاً بالسيف. وقد اختلف أهل التأويل في البطشة الكبرى، فقال بعضهم: هي بطشة الله بمشركي قريش يوم بدر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن المثنى، قال: ثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن ابن مسعود، أنه قال: البطشة الكبرى: يوم بدر.

حدثني عبد الله بن محمد الزهري، قال: ثنا مالك بن سعير، قال: ثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق قال: قال يوم بدر، البطشة الكبرى.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أيوب، عن محمد، قال: نبئت أن ابن مسعود كان يقول:{ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى} يوم بدر.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد { يَوْم نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى} قال: يوم بدر.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى} قال: يوم بدر.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، قال: سمعت أبا العالية في هذه الآية {يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى} قال: يوم بدر.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إنَّا مُنْتَقِمُونَ} قال: يعني يوم بدر.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عثام بن عليّ، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: قلت: ما البطشة الكبرى فقال: يوم القيامة، فقلت: إن عبد الله كان يقول: يوم بدر قال: فبلغني أنه سُئل بعد ذلك فقال: يوم بدر.

حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب قالا: ثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن إبراهيم، بنحوه.

حدثنا بشر، ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن مجاهد، عن أبيّ بن كعب، قال: يوم بدر.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:{ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى}: يوم بدر.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:{ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الكُبْرَى} قال: هذا يوم بدر. وقال آخرون: بل هي بطشة الله بأعدائه يوم القيامة. ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا خالد الحذّاء، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس: قال ابن مسعود: البطشة الكبرى: يوم بدر، وأنا أقول: هي يوم القيامة.

حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب، قالا: ثنا ابن دريس، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، قال: مرّ بي عكرمة، فسألته عن البطشة الكبرى فقال: يوم القيامة قال: قلت: إن عبد الله بن مسعود كان يقول: يوم بدر، وأخبرني من سأله بعد ذلك فقال: يوم بدر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله:{ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى} قال قتادة عن الحسن: إنه يوم القيامة.

وقد بيَّنا الصواب في ذلك فيما مضى، والعلة التي من أجلها اخترنا ما أخترنا من القول فيه.

وقوله:{ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ} يعني تعالى ذكره: ولقد اختبرنا وابتلينا يا محمد قبل مشركي قومك مثال هؤلاء قوم فرعون من القبط. {وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ} يقول: وجاءهم رسول من عندنا أرسلناه إليهم، وهو موسى بن عمران صلوات الله عليه. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ} يعني موسى.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله:{ رَسُولٌ كَرِيمٌ } قال: موسى عليه السلام، ووصفه جل ثناؤه بالكرم، لأنه كان كريماً عليه، رفيعاً عنده مكانه، وقد يجوز أن يكون وصفه بذلك، لأنه كان في قومه شريفاً وسيطاً.

وقوله: {أن أدّوا إليَّ عِبادَ اللّهِ} يقول تعالى ذكره: وجاء قوم فرعون رسول من الله كريم عليه بأن ادفعوا إليّ، ومعنى «أدوا»: ادفعو إليّ فأرسلوا معي واتبعونِ، وهو نحو قوله:

{ أنْ أرْسِلْ مَعِيَ بَنِي أسْرَائِيلَ } فإن في قوله:{ أنْ أدُّوا إليَّ } نصب، وعباد الله نصب بقوله: {أدُّوا} وقد تأوله قوم: أن أدّوا إليّ يا عباد الله، فعلى هذا التأويل عباد الله نصب على النداء. وبنحو الذي قلنا في تأويل { أنْ أدُّوا إليَّ } قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ}.{ أن أدُّوا إليَّ عِبادَ اللّهِ إنّي لَكُمْ رَسُولٌ أمِينٌ} قال: يقول: اتبعوني إلى ما أدعوكم إليه من الحقّ.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {أنْ أدُّوا إليَّ عِبادَ اللّهِ} قال: أرسلوا معي بني إسرائيل.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {أنْ أدُّوا إليَّ عِبادَ اللّهِ } قال: بني إسرائيل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة{ أنْ أدُّوا إليَّ عِبادَ اللّهِ} يعني به بني إسرائيل، قال لفرعون: علام تحبس هؤلاء القوم، قوماً أحراراً اتخذتهم عبيداً، خلّ سبيلهم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:{ أنْ أدُّوا إليَّ عِبادَ اللّهِ } قال: يقول: أرسل عباد الله معي، يعني بني إسرائيل، وقرأ «فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرَائِيلَ وَلا تَعذّبهم» قال: ذلك قوله:{ أنْ أدُّوا إليَّ عِبادَ اللّهِ } قال: ردّهم إلينا.

وقوله:{ إنّي لَكُمْ رَسُولٌ أمِينٌ} يقول: إني لكم أيها القوم رسول من الله أرسلني إليكم لا يدرككم بأسه على كفركم به،{ أمين}: يقول: أمين على وحيه ورسالته التي أوعدنيها إليكم.

وَأَن لَّا تَعْلُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّىٓ ءَاتِيكُم بِسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ ۝١٩ وَإِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ ۝٢٠ وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ لِى فَٱعْتَزِلُونِ ۝٢١

يقول تعالى ذكره: وجاءهم رسول كريم، أن أدّوا إليّ عباد الله، وبأن لا تعلوا على الله.

وعنى بقوله:{ أنْ لا تَعْلُوا على اللّهِ} أن لا تطغو وتبغوا على ربكم، فتكفروا به وتعصوه، فتخالفوا أمره { إنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِين} يقول: إني آتيكم بحجة على حقيقة ما أدعوكم إليه، وبرهان على صحته، مبين لمن تأملها وتدبرها أنها حجة لي على صحة ما أقول لكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وأنْ لا تَعْلُوا على اللّهِ}: أي لا تبغوا على الله {إنّي آتِيكُمْ بسُلْطانٍ مُبِين}: أي بعذر مبين.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، بنحوه.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وأنْ لا تَعْلُوا على اللّهِ } يقول: لا تفتروا على الله.

وقوله: {وَإنيّ عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أنْ تَرْجُمُونَ} يقول: وإني اعتصمت بربي وربكم، واستجرت به منكم أن ترجمون.

واختلف أهل التأويل في معنى الرجم الذي استعاذ موسى نبيّ الله عليه السلام بربه منه، فقال بعضهم: هو الشتم باللسان. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وإنّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أنْ تَرْجُمُونَ} قال: يعني رجم القول.

حدثني ابن المثنى، قال: ثنا عثمان بن عمر بن فارس، قال: ثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله: {وإنّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أنْ تَرْجُمُونَ} قال: الرجم: بالقول.

حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا يحيى بن يمان، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح {وإنّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أنْ تَرْجُمُونِ} قال: أن تقولوا هو ساحر.

وقال آخرون: بل هو الرجم بالحجارة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَإنّي عُذْتُ بِرَبّي وَرَبِّكُمْ أن تَرْجُمونِ}: أي أن ترجمُون بالحجارة.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {أنْ تَرْجُمُونَ} قال: أن ترجمون بالحجارة.

وقال آخرون: بل عنى بقوله:{ أنْ تَرْجُمُونِ}: أن تقتلوني.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما دلّ عليه ظاهر الكلام، وهو أن موسى عليه السلام استعاذ بالله من أن يرجُمه فرعون وقومه، والرجم قد يكون قولاً باللسان، وفعلاً باليد. والصواب أن يقال: استعاذ موسى بربه من كل معاني رجمهم الذي يصل منه إلى المرجوم أذًى ومكروه، شتماً كان ذلك باللسان، أو رجماً بالحجارة باليد.

وقوله:{ وَإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُون} يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل نبيه موسى عليه السلام لفرعون وقومه: وإن أنتم أيها القوم لم تصدّقوني على ما جئتكم به من عند ربي، فاعتزلون: يقول: فخلوا سبيلي غير مرجوم باللسان ولا باليد. كما:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { وَإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لي فاعْتَزِلُونِ}: أي فخلُّوا سبيلي.

فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ ۝٢٢ فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ۝٢٣ وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ ۝٢٤

يقول تعالى ذكره: فدعا موسى ربه إذ كذّبوه ولم يؤمنوا به، ولم يؤدّ إليه عباد الله، وهموا بقتله بأن هؤلاء، يعني فرعون وقومه { قَوْمٌ مُجْرِمُونَ } عنى: أنهم مشركون بالله كافرون.

وقوله: {فَأَسْر بِعِبادِي} وَفي الكلام محذوف استغني بدلالة ما ذُكر عليه منه، وهو: فأجابه رَبه بأن قال له: فأسر إذ كان الأمر كذلك بعبادي، وهم بنو إسرائيل، وَإنما معنى الكلام: فأسر بعبادي الذين صَدّقوك وآمنو بك، واتبعوك دون الذين كذّبوك منهم، وأبَوْا قبول ما جئتهم به من النصيحة منك، وكان الذين كانوا بهذه الصّفة يومئذٍ بني إسرائيل. وقال:{ فَأَسْر بعِبادي لَيْلاً } لأن معنى ذلك: سر بهم بليل قبل الصباح.

وقوله:{ إنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ } يقول: إن فرعون وقومه من القبط متبعوكم إذا شخصتم عن بلدهم وأرضهم في آثاركم.

وقوله:{ وَاتْرُكِ البَحْرَ رَهْواً} يقول: وإذا قطعت البحر أنت وأصحابُك، فاتركه ساكناً على حاله التي كان عليها حين دخلته. وقيل: إن الله تعالى ذكره قال لموسى هذا القول بعد ما قطع البحر ببني إسرائيل فإذ كان ذلك كذلك، ففي الكلام محذوف، وهو: فسرَى موسى بعبادي ليلاً، وقطع بهم البحر، فقلنا له بعد ما قطعه، وأراد ردّ البحر إلى هيئته التي كان عليها قبل انفلاقه: اتركّه رَهْواً. ذكر من قال ما ذكرنا من أن الله عزّ وجلّ قال لموسى صلى الله عليه وسلم هذا القول بعد ما قطع البحر بقومه:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ} حتى بلغ {إنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ} قال: لما خرج آخر بني إسرائيل أراد نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أن يضرب البحر بعصاه، حتى يعود كما كان مخافة آل فرعون أن يدركوهم، فقيل له:{ اتْرُكِ البَحْرَ رَهْواً إنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرقُونَ}.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: لما قطع البحر، عطف ليضرب البحر بعصاه ليلتئم، وخاف أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: اتْرُكِ البَحْرَ رَهْواً كما هو {إنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ}.

واختلف أهل التأويل في معنى الرهْو، فقال بعضهم: معناه: اتركه على هيئته وحاله التي كان عليها. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {وَاتْرُكِ البَحْرَ رَهْواً} يقول: سَمْتا.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ وَاتْرُكِ البَحْرَ رَهْواً إنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ } قال: الرهو: أن يترك كما كان، فإنهم لن يخلُصوا من ورائه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا حميد، عن إسحاق، عن عبد الله بن الحارث، عن أبيه، أن ابن عباس سأل كعباً عن قول الله:{ وَاتْرُكِ البَحْرَ رَهْواً} قال: طريقاً.

وقال آخرون: بل معناه: اتركه سَهْلاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع، قوله:{ وَاتْرُكِ البَحْرَ رَهْواً} قال: سهلاً.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ وَاتْرُكِ البَحْرَ رَهْواً} قال: يقال: الرهو: السهل.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا حرميّ بن عُمارة قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني عمارة، عن الضحاك بن مُزاحم، في قول الله عزّ وجلّ:{ وَاتْرُكِ البَحْرَ رَهْواً} قال: دَمثاً.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:{ وَاتْرُكِ البَحْرَ رَهْواً} قال: سهلاً دمثاً.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ وَاتْرُكِ البَحْرَ رَهْواً} قال: هو السهل. وقال آخرون: بل معناه: واتركه يبساً جدداً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثني عبيد الله بن معاذ، قال: ثني أبي، عن شعبة، عن سماك، عن عكرمة، في قوله:{ وَاتْرُكِ البَحْرَ رَهْواً} قال: جدداً.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثني عبيد الله بن معاذ، قال: ثنا أبي، عن شعبة، عن سماك، عن عكرمة في قوله:{ وَاتْرُكِ البَحْرَ رَهْواً} قال: يابساً كهيئته بعد أن ضربه، يقول: لا تأمره يرجع، اتركه حتى يدخل آخرهم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:{ رَهواً} قال: طريقاً يَبَساً.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { وَاتْرُكِ البَحْرَ رَهْواً} كما هو طريقاً يابساً.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال معناه: اتركه على هيئته كما هو على الحال التي كان عليها حين سَلكْته، وذلك أن الرهو في كلام العرب: السكون، كما قال الشاعر:

كأَنما أهْلُ حُجْرٍ يَنْظُرُونَ مَتىيَرَوْنَنِي خارِجاً طَيْرٌ يَنادِيد طَيرٌ رأَتْ بازِيا نَضْحُ الدّماءِ بِهِوأُمُّهُ خَرَجَتْ رَهْوا إلى عِيد

يعني على سكون، وإذا كان ذلك معناه كان لا شكّ أنه متروك سهلاً دَمِثاً، وطريقاً يَبَساً لأن بني إسرائيل قطعوه حين قطعوه، وهو كذلك، فإذا ترك البحر رهواً كما كان حين قطعه موسى ساكناً لم يُهج كان لا شكّ أنه بالصفة التي وصفت.

وقوله:{ إنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ } يقول: إن فرعون وقومه جند، الله مغرقهم في البحر.

كَمْ تَرَكُوا۟ مِن جَنَّٰتٍ وَعُيُونٍ ۝٢٥ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ۝٢٦ وَنَعْمَةٍ كَانُوا۟ فِيهَا فَٰكِهِينَ ۝٢٧ كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَٰهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ ۝٢٨

يقول تعالى ذكره: كم ترك فرعون وقومه من القبط بعد مهلكهم وتغريق الله إياهم من بساتين وأشجار، وهي الجنات، وعيون، يعني: ومنابع ما كان ينفجر في جنانهم وزروع قائمة في مزارعهم { ومَقامٍ كَرِيم} يقول: وموضع كانوا يقومونه شريف كريم.

ثم اختلف أهل التأويل في معنى وصف الله ذلك المقام بالكرم، فقال بعضهم: وصفه بذلك لشرفه، وذلك أنه مَقام الملوك والأمراء، قالوا: وإنما أريد به المنابر. ذكر من قال ذلك:

حدثني جعفر ابن ابنة إسحاق الأزرق، قال: ثنا سعيد بن محمد الثقفي، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مُهاجر، عن أبيه، عن مجاهد، في قوله:{ وَمَقامٍ كَرِيم} قال: المنابر.

حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا عبد الله بن داود الواسطي، قال: ثنا شريك عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جُبير، في قوله: وَمقام كَرِيم قال: المنابر.

وقال آخرون: وصف ذلك المقام بالكرم لحسنه وبهجته. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وَمَقامٍ كَرِيم}: أي حسن.

وقوله:{ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ} يقول تعالى ذكره: وأخرجوا من نعمة كانوا فيها فاكهين متفكهين ناعمين.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله:{ فاكِهِينَ} فقرأته عامة قرّاء الأمصار خلا أبي جعفر القارىء { فاكِهِينَ } على المعنى الذي وصفت. وقرأه أبو رجاء العُطاردي والحسن وأبو جعفر المدنيّ «فَكِهِينَ» بمعنى: أشِرِين بَطِرين.

والصواب من القراءة عندي في ذلك، القراءة التي عليها قرّاء الأمصار، وهي{ فاكِهِينَ} بالألف بمعنى ناعمين. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ}: ناعمين، قال: إي والله، أخرجه الله من جناته وعيونه وزروعه حتى ورّطه في البحر.

وقوله:{ كَذلكَ وَأوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ } يقول تعالى ذكره: هكذا كما وصفت لكم أيها الناس فعلنا بهولاء الذي ذكرتُ لكم أمرهم، الذين كذّبوا رسولنا موسى صلى الله عليه وسلم.

وقوله:{ وأوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ} يقول تعالى ذكره وأورثنا جناتهم وعيونهم وزروعهم ومَقاماتهم وما كانوا فيه من النعمة عنهم قوماً آخرين بعد مهلكهم، وقيل: عُنِي بالقوم الآخرين بنو إسرائيل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{ كَذلكَ وأوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ} يعني بني إسرائيل.

الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ