انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الدخان

تفسير القرطبيالآيات 1–39

تفسير سورة الدخان آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

حمٓ ۝١ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُبِينِ ۝٢ إِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَٰرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ۝٣

إن جعلت «حۤم» جواب القسم تمّ الكلام عند قوله: {ٱلْمُبِينِ } ثم تبتدىء «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ». وإن جعلت «إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ» جواب القسم الذي هو «الْكِتَابِ» وقفت على «مُنْذِرِينَ» وابتدأت «فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ». وقيل: الجواب «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ»، وأنكره بعض النحويين من حيث كان صفة للمُقْسَم به، ولا تكون صفة المقسم به جواباً للقَسَم، والهاء في «أَنْزَلْنَاهُ» للقرآن. ومن قال: أقسم بسائر الكتب فقوله: {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ} كنى به عن غير القرآن، على ما تقدّم بيانه في أوّل «الزخرف». والليلة المباركة ليلة القدر. ويقال: ليلة النصف من شعبان، ولها أربعة أسماء: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصَّك، وليلة القدر. ووصفها بالبركة لما ينزل الله فيها على عباده من البركات والخيرات والثواب. وروى قتادة عن واثلة

أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «أنزلت صحف إبراهيم في أوّل ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لسِتّ مضَيْن من رمضان وأنزلت الزبور لاثنتي عشرة من رمضان وأنزل الإنجيل لثمان عشرة خلت من رمضان وأنزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان». ثم قيل: أنزل القرآن كله إلى السماء الدنيا في هذه الليلة. ثم أنزل نَجْماً نَجْماً في سائر الأيام على حسب اتفاق الأسباب. وقيل: كان ينزل في كل ليلة القدر ما ينزل في سائر السنة. وقيل: كان ابتداء الإنزال في هذه الليلة. وقال عكرمة: الليلة المباركة هاهنا ليلة النصف من شعبان. والأوّل أصح لقوله تعالى: { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ }[القدر: 1]. قال قتادة وابن زيد: أنزل الله القرآن كله في ليلة القدر من أم الكتاب إلى بيت العِزّة في سماء الدنيا، ثم أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وسلم في الليالي والأيام في ثلاث وعشرين سنة. وهذا المعنى قد مضى في «البقرة» عند قوله تعالى: { شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ }[البقرة: 185]، ويأتي آنفاً إن شاء الله تعالى

فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ۝٤

قال ابن عباس: يُحْكم اللّهُ أمرَ الدنيا إلى قابل في ليلة القدر ما كان من حياة أو موت أو رزق. وقاله قتادة ومجاهد والحسن وغيرهم. وقيل: إلا الشقاء والسعادة فإنهما لا يتغيّران، قاله ابن عمر. قال المهدوي: ومعنى هذا القول أمر الله عز وجل الملائكة بما يكون في ذلك العام ولم يزل ذلك في علمه عز وجل. وقال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان يبرم فيها أمر السنة ويُنسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاج فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد. وروى عثمان بن المغيرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

« { تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى أن الرجل لينكح ويولد له وقد خرج ٱسمه في الموتى }». وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلتها وصوموا نهارها فإن الله ينزل لغروب الشمس إلى سماء الدنيا يقول ألا مستغفر فأغفر له ألا مبتلًى فأعافيه ألا مسترزق فأرزقه ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجرذكره الثعلبي. وخرج الترمذي بمعناه عن عائشة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:إن الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كَلْب. وفي الباب عن أبي بكر الصديق قال أبو عيسى: حديث عائشة لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث الحجاج بن أرْطاة عن يحيى بن أبي كثير عن عروة عن عائشة، وسمعت محمداً يضعف هذا الحديث، وقال: يحيى بن أبي كثير لم يَسمع من عروة، والحجاج بن أرطاة لم يَسمع من يحيى بن أبي كثير.

قلت: وقد ذكر حديث عائشة مطولاً صاحب كتاب العروس، واختار أن الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم ليلة النصف من شعبان، وأنها تسمى ليلة البراءة. وقد ذكرنا قوله والرد عليه في غير هذا الموضع، وأن الصحيح إنما هي ليلة القدر على ما بيّناه. روى حماد بن سلمة قال أخبرنا ربيعة بن كُلْثوم قال: سأل رجل الحسن وأنا عنده فقال: يا أبا سعيد، أرأيت ليلة القدر أفي كل رمضان هي؟ قال: أيْ والله الذي لا إلٰه إلا هو، إنها في كل رمضان، إنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كلّ خلق وأجل ورزق وعمل إلى مثلها. وقال ابن عباس: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر حتى الحج؛ يقال: يحج فلان ويحج فلان. وقال في هذه الآية: إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى. وهذه الإبانة لإحكام السنة إنما هي للملائكة الموكلين بأسباب الخلق. وقد ذكرنا هذا المعنى آنفاً. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: وجمهور العلماء على أنها ليلة القدر. ومنهم من قال: إنها ليلة النصف من شعبان؛ وهو باطل لأن الله تعالى قال في كتابه الصادق القاطع:

{ شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ }[البقرة: 185] فنصّ على أن ميقات نزوله رمضان، ثم عيّن من زمانه الليل هاهنا بقوله: {فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ}؛ فمن زعم أنه في غيره فقد أعظم الفِرْية على الله، وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعوّل عليه لا في فضلها ولا في نسخ الآجال فيها فلا تلتفتوا إليها. الزمخشِريّ: «وقيل يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة ويقع الفراغ في ليلة القدر؛ فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب إلى جبريل، وكذلك الزلازل والصواعق والخسف؛ ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو مَلَك عظيم؛ ونسخة المصائب إلى ملك الموت. وعن بعضهم: يعطي كل عامل بركات أعماله؛ فيلقي على ألسنة الخلق مدحه، وعلى قلوبهم هيبته. وقرىء «نفرق» بالتشديد، و «يَفْرق» كلٌّ على بنائه للفاعل ونصب «كل»، والفارق الله عز وجل. وقرأ زيد بن عليّ رضي الله عنه «نفرق» بالنون. {كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} كل شأن ذي حكمة؛ أي مفعول على ما تقتضيه الحكمة».

أَمْرًا مِّنْ عِندِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ۝٥ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝٦

قوله تعالى:{أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ} قال النقاش: الأمر هو القرآن أنزله الله من عنده. وقال ٱبن عيسى: هو ما قضاه الله في الليلة المباركة من أحوال عباده. وهو مصدر في موضع الحال. وكذلك {رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} وهما عند الأخفش حالان؛ تقديرهما: أنزلناه آمرين به وراحمين. المبرد: «أمراً» في موضع المصدر، والتقدير: أنزلناه إنزالاً. الفراء والزجاج: «أمراً» نصب بـ «ـيُفْرَق»، مثل قولك «يفرق فرقاً» فأمر بمعنى فرق فهو مصدر، مثل قولك: يضرب ضرباً. وقيل: «يفرق» يدلّ على يؤمر، فهو مصدر عمل فيه ما قبله. «إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ» قال الفراء: «رَحْمَةً» مفعول بـ «ـمرسِلِين». والرحمة النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال الزجاج: «رَحْمَةً» مفعول من أجله؛ أي أرسلناه للرحمة. وقيل: هي بدل من قوله. «أَمْراً» وقيل: هي مصدر. الزمخشريّ: «أَمْراً» نصب على الاختصاص، جعل كلّ أمر جزلاً فَخْماً بأن وصفه بالحكيم، ثم زاده جزالة وكسبه فخامة بأن قال: أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً من عندنا، كائناً من لَدُنَّا، وكما اقتضاه علمنا وتدبيرنا. وفي قراءة زيد بن عليّ «أَمْرٌ مِنْ عِنْدِنَا» على هو أمر، وهي تنصر ٱنتصابه على الاْختصاص. وقرأ الحسن «رحمة» على تلك هي رَحْمَةٌ، وهي تنصر ٱنتصابها بأنه مفعول له.

رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ۝٧ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝٨ بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ يَلْعَبُونَ ۝٩

قوله تعالى:{رَبِّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} قرأ الكوفيون «رَبِّ» بالجر. الباقون بالرفع؛ رَدًّا على قوله: {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}. وإن شئت على الابتداء، والخبرُ لا إلٰه إلا هو. أو يكون خبر ابتداء محذوف؛ تقديره: هو ربّ السموات والأرض. والجر على البدل من «رَبِّكَ» وكذلك: «رَبُّـكُـمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ اْلأَوَّلِينَ» بالجر فيهما؛ رواه الشَّيْزَرِيّ عن الكسائي. الباقون بالرفع على الاستئناف. ثم يحتمل أن يكون هذا الخطاب مع المعترف بأن الله خلق السموات والأرض؛ أي إن كنتم موقنين به فٱعلموا أن له أن يرسل الرسل، وينزل الكتب. ويجوز أن يكون الخطاب مع من لا يعترف أنه الخالق؛ أي ينبغي أن يعرفوا أنه الخالق؛ وأنه الذي يحيي ويميت. وقيل: الموقن هاهنا هو الذي يريد اليقين ويطلبه؛ كما تقول: فلان يُنْجِد؛ أي يريد نجداً. ويُتهِم؛ أي يريد تِهامة. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ} أي هو خالق العالم؛ فلا يجوز أن يشرك به غيره ممن لا يقدر على خلق شيء. و «هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ» أي يحيي الأموات ويميت الأحياء. {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} أي مالككم ومالك من تقدم منكم. واتقوا تكذيب محمد لئلا ينزل بكم العذاب. {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ } أي ليسوا على يقين فيما يظهرونه من الإيمان والإقرار في قولهم: إن الله خالقهم؛ وإنما يقولونه لتقليد آبائهم من غير علم فهم في شك. وإن توهّموا أنهم مؤمنون فهم يلعبون في دينهم بما يعنّ لهم من غير حجة. وقيل: «يَلْعَبُونَ» يضيفون إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم الافتراء استهزاء. ويقال لمن أعرض عن المواعظ: لاعب؛ وهو كالصبي الذي يلعب فيفعل ما لا يدري عاقبته.

فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ۝١٠ يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝١١

قوله تعالى:{فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } ٱرتقب معناه ٱنتظر يا محمد بهؤلاء الكفار يوم تأتي السماء بدخان مبين؛ قاله قتادة. وقيل: معناه ٱحفظ قولهم هذا لتشهد عليهم يوم تأتي السماء بدخان مبين؛ ولذلك سُمِّيَ الحافظ رقيباً. وفي الدُّخَان أقوال ثلاثة: الأول أنه من أشراط الساعة لم يجىء بعدُ، وأنه يمكث في الأرض أربعين يوماً يملأ ما بين السماء والأرض؛ فأما المؤمن فيصيبه مثل الزكام، وأما الكافر والفاجر فيدخل في أنوفهم فيثقب مسامعهم، ويضيق أنفاسهم؛ وهو من آثار جهنم يوم القيامة. وممن قال إن الدخان لم يأت بعدُ: عليّ وٱبن عباس وٱبن عمر وأبو هريرة وزيد بن عليّ والحسن وٱبن أبي مليكة وغيرهم. وروى أبو سعيد الخُدْرِيّ مرفوعاً أنه دخان يهيج بالناس يوم القيامة؛ يأخذ المؤمن منه كالزكمة. وينفخ الكافر حتى يخرج من كل مسمع منه؛ ذكره الماوردي. وفي صحيح مسلم عن أبي الطُّفَيل

عن حُذيفة بن أسِيد الغِفَارِيّ قال: ٱطّلع النبيّ صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر فقال: «ما تذكرون»؟ قالوا: نذكر الساعة؛ قال: «إنها لن تقوم حتى تَرَوْا قبلها عشر آيات ـ فذكر ـ الدُّخانَ والدَّجَّالَ والدابةَ وطلوعَ الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم وخروج يأجوجَ ومأجوجَ وثلاثةَ خُسُوف خَسْفٌ بالمَشْرِق وخَسْفٌ بالمغرب وخَسْفٌ بجزيرة العرب وآخِرُ ذلك نارٌ تخرج من اليَمَن تَطْرُد الناس إلى مَحْشَرهم». في رواية عن حُذيفة إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خَسْفٌ بالمشرق وخَسْفٌ بالمغرب وخَسْفٌ في جزيرة العرب والدُّخانَ والدَّجالُ ودابَّةُ الأرض ويأجوجُ ومأجوجُ وطلوعُ الشمس من مغربها ونارٌ تخرج من قَعْر عَدَن تُرَحِّلُ الناس. وخرجه الثعلبيّ أيضاً عن حُذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوّل الآيات خروجاً الدَّجالُ ونزولُ عيسى ابن مريم ونارٌ تخرج من قَعْر عَدَن أبْيَنَ تسوق الناس إلى المحشر تبيت معهم حيث باتوا وتَقِيل معهم إذا قالوا وتصبح معهم إذا أصبحوا وتُمْسي معهم إذا أمسوا». قلت: يا نبيّ الله، وما الدخان؟ قال هذه الآية: {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً وليلة أما المؤمن فيصيبه منه شبه الزكام وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران يخرج الدخان من فمه ومنخره وعينيه وأذنيه ودبره». فهذا قول. القول الثاني ـ أن الدخان هو ما أصاب قريشاً من الجوع بدعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم، حتى كان الرجل يرى بين السماء والأرض دخاناً؛ قاله ابن مسعود. قال: وقد كشفه الله عنهم، ولو كان يوم القيامة لم يكشفه عنهم. والحديث عنه بهذا في صحيح البخاريّ ومسلم والترمذيّ. قال البخاريّ: حدثني يحيى قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم عن مَسْرُوق قال: قال عبد الله: إنما كان هذا لأن قريشاً لما ٱستعصت على النبيّ صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كَسِنِي يوسف، فأصابهم قَحْطٌ وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد؛ فأنزل الله تعالى: {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ }. قال: فَأُتِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله، ٱستسق الله لِمُضَر فإنها قد هلكت. قال: «لِمُضَر! إنك لجريء». فٱستسقى فسُقُوا؛ فنزلت: {إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ}. فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية؛ فأنزل الله عز وجل: {يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ}. قال: يعني يوم بدر. قال أبو عبيدة: والدُّخَان الجَدْب. القُتَبيّ: سُمِّيَ دخاناً ليُبس الأرض منه حين يرتفع منها كالدخان. القول الثالث ـ إنه يوم فتح مكة لما حجبت السماءَ الغبرة؛ قاله عبد الرحمٰن الأعرج. {يَغْشَى ٱلنَّاسَ} في موضع الصفة للدخان، فإن كان قد مضى على ما قال ابن مسعود فهو خاص بالمشركين من أهل مكة، وإن كان من أشراط الساعة فهو عام على ما تقدم. {هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي يقول الله لهم: {هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ}. فمن قال: إن الدخان قد مضى فقوله: «هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ» حكاية حال ماضية، ومن جعله مستقبلاً فهو حكاية حال آتية. وقيل: «هَذَا» بمعنى ذلك. وقيل: أي يقول الناس لذلك الدخان: «هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ». وقيل: هو إخبار عن دنوّ الأمر؛ كما تقول: هذا الشتاء فأعدّ له.

رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ۝١٢

أي يقولون ذلك: ٱكشف عنا العذاب فـ «ـإنَّا مُوْمِنُونَ»؛ أي نؤمن بك إن كشفته عنا. قيل: إن قريشاً أتَوُا النبيّ صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن كشف الله عنا هذا العذاب أسلمنا، ثم نقضوا هذا القول. قال قتادة: «الْعَذَابَ» هنا الدخان. وقيل: الجوع؛ حكاه النقاش.

قلت: ولا تناقض؛ فإن الدخان لم يكن إلا من الجوع الذي أصابهم؛ على ما تقدم. وقد يقال للجوع والقحط: الدخان؛ ليبس الأرض في سنة الجدب وارتفاع الغبار بسبب قلة الأمطار؛ ولهذا يقال لسنة الجدب: الغبراء. وقيل: إن العذاب هنا الثلج. قال الماورديّ: وهذا لا وجه له؛ لأن هذا إنما يكون في الآخرة أو في أهل مكة، ولم تكن مكة من بلاد الثلج؛ غير أنه مقول فحكيناه.

أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ ۝١٣ ثُمَّ تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَقَالُوا۟ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ ۝١٤

قوله تعالى:{أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ} أي من أين يكون لهم التذكُّر والاتعاظ عند حلول العذاب. {وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ} يبيّن لهم الحق، والذِّكْرى والذِّكْر واحد؛ قاله البخاريّ. {ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ} أي أعرضوا. قال ابن عباس: أي متى يتّعظون والله أبعدهم من الاتعاظ والتذكر بعد تولّيهم عن محمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم إيّاه. وقيل: أي أنَّى ينفعهم قولهم: «إِنَّا مُوْمِنُونَ» بعد ظهور العذاب غداً أو بعد ظهور أعلام الساعة، فقد صارت المعارف ضرورية. وهذا إذا جعلت الدخان آية مرتقبة. {وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ} أي عَلّمه بَشَرٌ أو علّمه الكَهَنة والشياطين، ثم هو مجنون وليس برسول.

إِنَّا كَاشِفُوا۟ ٱلْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ ۝١٥

قوله تعالى:{إِنَّا كَاشِفُو ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً} أي وقتاً قليلاً، وعد أن يكشف عنهم ذلك العذاب قليلاً؛ أي في زمان قليل ليعلم أنهم لا يَفُون بقولهم، بل يعودون إلى الكفر بعد كشفه؛ قاله ابن مسعود. فلما كشف ذلك عنهم باستسقاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم عادوا إلى تكذيبه. ومن قال: إن الدخان منتظر قال: أشار بهذا إلى ما يكون من الفرجة بين آية وآية من آيات قيام الساعة. ثم مَن قضى عليه بالكفر يستمر على كفره. ومن قال هذا في القيامة قال: أي لو كشفنا عنكم العذاب لعدتم إلى الكفر. وقيل: معنى {إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ} إلينا؛ أي مبعوثون بعد الموت. وقيل: المعنى «إِنَّكُمْ عَائِدُونَ» إلى نار جهنم إن لم تؤمنوا.

يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ ۝١٦

قوله تعالى:{يَوْمَ} محمول على ما دلّ عليه {مُنتَقِمُونَ }؛ أي ننتقم منهم يوم نبطِش. وأبعده بعض النحويين بسبب أن ما بعد «إنّ» لا يفسر ما قبلها. وقيل: إن العامل فيه «مُنْتَقِمُونَ». وهو بعيد أيضاً؛ لأن ما بعد «إن» لايعمل فيما قبلها. ولا يحسن تعلّقه بقوله: «عَائِدُونَ» ولا بقوله: «إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ»؛ إذ ليس المعنى عليه. ويجوز نصبه بإضمار فعل؛ كأنه قال: ذكّرهم أو ٱذكر. ويجوز أن يكون المعنى إنكم عائدون، فإذا عدتم أنتقم منكم يوم نبطِش البطشة الكبرى. ولهذا وصل هذا بقصة فرعون، فإنهم وعدوا موسى الإيمان إن كشف عنهم العذاب، ثم لم يؤمنوا حتى غرِقوا. وقيل: «إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ» كلام تام. ثم ابتدأ: «يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ» أي ننتقم من جميع الكفار. وقيل: المعنى وارتقب الدخان وارتقب يَوْمَ نَبْطِش، فحذف واو العطف؛ كما تقول: ٱتق النار ٱتق العذاب. و {ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ} في قول ابن مسعود: يوم بدر. وهو قول ابن عباس وأبَيّ بن كعب ومجاهد والضحاك. وقيل: عذاب جهنم يوم القيامة؛ قاله الحسن وعكرمة وابن عباس أيضاً، وٱختاره الزجاج. وقيل: دخان يقع في الدنيا، أو جوع أو قحط يقع قبل يوم القيامة. الماوردِيّ: ويحتمل أنها قيام الساعة؛ لأنها خاتمة بطشاته في الدنيا. ويقال: ٱنتقم الله منه؛ أي عاقبه. والاْسم منه النقمة والجمع النَّقِمات. وقيل بالفرق بين النقمة والعقوبة؛ فالعقوبة بعد المعصية لأنها من العاقبة. والنقمة قد تكون قبلها؛ قاله ابن عباس. وقيل: العقوبة ما تقدّرت والاْنتقام غير مقدّر.

وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ۝١٧

أي ٱبتليناهم. ومعنى هذه الفتنة والابتلاء الأمر بالطاعة. والمعنى: عاملناهم معاملة المختبر ببعثة موسى إليهم فكذبوا فأهلكوا؛ فهكذا أفعل بأعدائك يا محمد إن لم يؤمنوا. وقيل: فتنّاهم عذبناهم بالغرق. وفي الكلام تقديم وتأخير؛ والتقدير: ولقد جاء آلَ فرعون رسول كريم وفتنّاهم، أي أغرقناهم؛ لأن الفتنة كانت بعد مجيء الرسل. والواو لا ترتّب. ومعنى {كَرِيمٌ } أي كريم في قومه. وقيل: كريم الأخلاق بالتجاوز والصفح. وقال الفرّاء: كريم على ربّه إذ ٱختصه بالنبوّة وإسماع الكلام.

أَنْ أَدُّوٓا۟ إِلَىَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ۝١٨ وَأَن لَّا تَعْلُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّىٓ ءَاتِيكُم بِسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ ۝١٩

قوله تعالى:{أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ} قال ابن عباس: المعنى جاءهم فقال: ٱتبعوني. فـ «ـعِبَادَ اللَّهِ» منادى. وقال مجاهد: المعنى أرسلوا معي عباد الله وأطلقوهم من العذاب. فـ «ـعِبَادَ اللَّهِ» على هذا مفعول. وقيل: المعنى أدُّوا إليّ سمعكم حتى أبلغكم رسالةَ ربي. {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} أي أمين على الوحي فاقبلوا نصحي. وقيل: أمين على ما أستأديه منكم فلا أخون فيه. {وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ} أي لا تتكبروا عليه ولا ترتفعوا عن طاعته. وقال قتادة: لا تبغوا على الله. ٱبن عباس: لا تفتروا على الله. والفرق بين البغي والاْفتراء: أن البغي بالفعل والاْفتراء بالقول. وقال ابن جريج: لا تَعْظُمُوا على الله. يحيى بن سلام: لا تستكبروا على عبادة الله. والفرق بين التعظيم والاْستكبار: أن التعظيم تطاولُ المقتدر، والاْستكبارَ تَرفُّعُ المحتقر؛ ذكره الماوردي. {إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} قال قتادة: بعذر بيّن. وقال يحيى بن سلام بحجة بيّنة. والمعنى واحد؛ أي برهان بيّن.

وَإِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ ۝٢٠

كأنهم توعدوه بالقتل فٱستجار بالله. قال قتادة: «تَرْجُمُونِ» بالحجارة. وقال ٱبن عباس: تشتمونِ؛ فتقولوا ساحر كذاب. وأظهر الذال من «عُذْت» نافع وٱبن كثير وٱبن عامر وعاصم ويعقوب. وأدغم الباقون. والإدغام طلباً للتخفيف، والإظهار على الأصل. ثم قيل: إني عذت بالله فيما مضى؛ لأن الله وعده فقال:

{ فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا }[القصص: 35]. وقيل: إني أعوذ؛ كما تقول نشدتك بالله، وأقسمت عليك بالله؛ أي أقسم.

وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ لِى فَٱعْتَزِلُونِ ۝٢١

قوله تعالى:{وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي} أي إن لم تصدقوني ولم تؤمنوا بالله لأجل برهاني؛ فاللام في «لي» لام أجل. وقيل: أي وإن لم تؤمنوا بي؛ كقوله:

{ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ } [العنكبوت: 26] أي به. {فَٱعْتَزِلُونِ } أي دعوني كَفافاً لا لِيَ ولا عَلَيّ؛ قاله مقاتل. وقيل: أي كونوا بمعزل مني وأنا بمعزل منكم إلى أن يحكم الله بيننا. وقيل: فخلّوا سبيلي وكُفُّوا عن أذاي. والمعنى متقارب، والله أعلم.

فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ ۝٢٢

قوله تعالى:{فَدَعَا رَبَّهُ} فيه حذف؛ أي فكفروا فدعا ربه. {أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ} بفتح «أنّ» أي بأن هؤلاء. {قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ} أي مشركون، قد امتنعوا من إطلاق بني إسرائيل ومن الإيمان.

فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ۝٢٣

فيه مسألتان:

الأولى ـ قوله تعالى: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً} أي فأجبنا دعاءه وأوحينا إليه أن أسر بعبادي؛ أي بمن آمن بالله من بني إسرائيل. {لَيْلاً} أي قبل الصباح. {إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} وقرأ أهل الحجاز «فَٱسْرِ» بوصل الألف. وكذلك ٱبن كثِير؛ من سرى. الباقون «فَأَسْرِ» بالقطع؛ من أسرى. وقد تقدم. وتقدم خروج فرعون وراء موسى في «البقرة والأعراف وطه والشعراء ويونس» وإغراقه وإنجاء موسى؛ فلا معنى للإعادة.

الثانية ـ أمر موسى عليه السلام بالخروج ليلاً. وسَيْرُ الليل في الغالب إنما يكون عن خَوْف، والخوف يكون بوجهين: إما من العدوّ فيتخذ الليل سِتراً مُسْدِلاً؛ فهو من أستار الله تعالى. وإما من خوْف المشقة على الدواب والأبدان بِحَرّ أو جَدْب، فيتخذ السُّرَى مصلحةً من ذلك. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يَسْرِي ويُدْلج ويترفّق ويستعجل، بحسب الحاجة وما تقتضيه المصلحة. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم:

إذا سافرتم في الخِصْب فأعطوا الإبل حَظّها من الأرض وإذا سافرتم في السَّنَة فبادروا بها نِقْيَها. وقد مضى في أول «النحل»؛ والحمد لله.

وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ ۝٢٤

قال ٱبن عباس: {رَهْواً} أي طريقاً. وقاله كعب والحسن. وعن ٱبن عباس أيضاً سمتاً. الضحاك والربيع: سهلاً. عكرمة: يَبَساً، لقوله:

{ فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً }[طه: 77]. وقيل: مفترقاً. مجاهد: منفرجاً. وعنه يابساً. وعنه ساكناً، وهو المعروف في اللغة. وقاله قتادة والهَروِيّ. وقال غيرهما: منفرجاً. وقال ٱبن عرفة: وهما يرجعان إلى معنى واحد وإن اختلف لفظاهما، لأنه إذا سكن جَرْيُه انفرج. وكذلك كان البحر يسكن جريه وانفرج لموسى عليه السلام. والرَّهْوُ عند العرب: الساكن، يقال: جاءت الخيل رَهْواً، أي ساكنة. قال:

والخيل تَمْزَعُ رَهْواً في أعنّتهاكالطير تنجو من الشُّؤبُوب ذي البرد

الجوهري: ويقال ٱفعل ذلك رَهْواً، أي ساكناً على هِينَتِك. وعيشٌ راهٍ، أي ساكن رافِه. وخِمْسٌ راهٍ، إذا كان سهلاً. ورها البحر أي سكن. وقال أبو عبيد: رَهَا بين رجليه يَرْهُو رَهْواً أي فتح، ومنه قوله تعالى: {وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً}. والرَّهْوُ: السير السهل، يقال: جاءت الخيل رَهْواً. قال ابن الأعرابي: رَهَا يَرْهُو في السير أي رفَقَ. قال القطامي في نعت الركاب:

يَمْشِين رَهْواً فلا الأعجازُ خاذِلةٌولا الصدورُ على الأعجاز تَتَّكِلُ

والرَّهْوُ والرَّهْوَة: المكان المرتفع، والمنخفض أيضاً يجتمع فيه الماء، وهو من الأضداد. وقال أبو عبيد: الرَّهْو: الجَوْبة تكون في مَحَلّة القوم يسيل فيها ماء المطر وغيره. وفي الحديث أنه قضى أن: لا شفعة في فِناء ولا طريقٍ ولا مَنْقَبَةٍ ولا رُكْح ولا رَهْوٍ. والجمع رِهَاء. والرَّهْوُ: المرأة الواسعة الهَنِ، حكاه النَّضْر بن شُمَيلٍ. والرَّهْو: ضرب من الطير، ويقال: هو الكُرْكيّ. قال الهَرَوِيّ: ويجوز أن يكون «رَهْواً» من نعت موسى ـ وقاله القشيريّ ـ أي سِرْ ساكناً على هِينَتِك؛ فالرهو من نعت موسى وقومه لا من نعت البحر، وعلى الأوّل هو من نعت البحر؛ أي ٱتركه ساكناً كما هو قد انفرق فلا تأمره بالاْنضمام حتى يدخل فرعون وقومه. قال قتادة: أراد موسى أن يضرب البحر لما قطعه بعصاه حتى يلتئم، وخاف أن يتبعه فرعون فقيل له هذا. وقيل: ليس الرَّهْو من السكون بل هو الفرجة بين الشيئين؛ يقال: رَهَا ما بين الرجلين أي فرج. فقوله: «رَهْواً» أي منفرجاً. وقال الليث: الرَّهْو مَشْيٌ في سكون، يقال: رها يرهو رَهْواً فهو راهٍ. وعيشٌ راهٍ: وادعٌ خافض. وٱفعل ذلك سَهْواً رَهْواً؛ أي ساكناً بغير شدّة. وقد ذكرناه آنفاً. {إِنَّهُمْ} أي إن فرعون وقومه. {جُندٌ مُّغْرَقُونَ} أخبر موسى بذلك ليسكن قلبه.

كَمْ تَرَكُوا۟ مِن جَنَّٰتٍ وَعُيُونٍ ۝٢٥ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ۝٢٦ وَنَعْمَةٍ كَانُوا۟ فِيهَا فَٰكِهِينَ ۝٢٧

قوله تعالى:{كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } {كَمْ} للتكثير. وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية في «الشعراء» مستوفى. {وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ } النَّعْمة (بالفتح): التنعيم، يقال: نعّمه الله وناعَمَه فتنعّم. وٱمرأة مُنَعَّمة ومُنَاعَمَة، بمعنًى. والنِّعمة (بالكسر): اليد والصنِيعة والمِنّة وما أُنعِم به عليك. وكذلك النُّعْمى. فإن فتحت النون مددت وقلت: النَّعماء. والنعيم مثله. وفلان واسع النعمة، أي واسع المال؛ جميعه عن الجوهريّ. وقال ابن عمر: المراد بالنعمة نيل مصر. ابن لهِيعة: الفيوم. ابن زياد: أرض مصر لكثرة خيرها. وقيل: ما كانوا فيه من السعة والدعة. وقد يقال: نَعْمَة ونِعْمَة (بفتح النون وكسرها)، حكاه الماورديّ. قال: وفي الفرق بينهما وجهان: أحدهما ـ أنها بكسر النون في المِلْك، وبفتحها في البَدَن والدين، قاله النَّضْر بن شُمَيل. الثاني ـ أنها بالكسر من المِنّة وهو الإفضال والعطيّة، وبالفتح من التنعيم وهو سعة العيش والراحة؛ قاله ابن زياد.

قلت: هذا الفرق هو الذي وقع في الصحاح وقد ذكرناه. وقرأ أبو رجاء والحسن وأبو الأشهب والأعرج وأبو جعفر وشيبة «فَكِهِينَ» بغير ألف، ومعناه أشِرِين بَطِرين. قال الجوهري: فَكِه الرجل (بالكسر) فهو فَكِه إذا كان طيِّب النفس مَزَّاحاً. والفِكه أيضاً الأشِر البطِر. وقرىء «وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَكِهِينَ» أي أَشِرين بطِرين. و «فَاكِهِينَ» أي ناعمين. القشيري: «فَاكِهِينَ» لاهين مازحين، يقال: إنه لفاكه أي مَزَّاح. وفيه فكاهة أي مزح. الثعلبيّ: وهما لغتان كالحاذر والحَذِر، والفارِه والفَرِه. وقيل: إن الفاكه هو المستمتع بأنواع اللذة كما يتمتع الآكل بأنواع الفاكهة. والفاكهة: فضلٌ عن القوت الذي لا بدّ منه.

كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَٰهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ ۝٢٨

قال الزجاج: أي الأمر كذلك؛ فيوقف على «كَذَلِكَ». وقيل: إن الكاف في موضع نصب، على تقدير نفعل فعلاً كذلك بمن نريد إهلاكه. وقال الكلبي: «كَذَلِكَ» أفعل بمن عصاني. وقيل: «كَذَلِكَ» كان أمرهم فأهلكوا. {وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ} يعني بني إسرائيل، ملّكهم الله تعالى أرض مصر بعد أن كانوا فيها مستعبدين، فصاروا لها وارثين؛ لوصول ذلك إليهم كوصول الميراث. ونظيره:

{ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا }[الأعراف: 137] الآية.

فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلْأَرْضُ وَمَا كَانُوا۟ مُنظَرِينَ ۝٢٩

قوله تعالى:{فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ} أي لكفرهم. {وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ} أي مؤخرين بالغرق. وكانت العرب تقول عند موت السيد منهم: بكت له السماء والأرض؛ أي عمّت مصيبته الأشياء حتى بكته السماء والأرض والريح والبرق، وبكته الليالي الشاتيات. قال الشاعر:

فالريح تبكي شَجْوَهَاوالبرق يلمع في الغمامة

وقال آخر:

والشمسُ طالعةٌ ليست بكاسفةتُبكِي عليك نجومَ الليل والقمرا

وقالت الخارجية:

أيا شجر الخابور ما لك مُورِقاًكأنك لم تجزع على ٱبن طَرِيف

وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغةً في وجوب الجزع والبكاء عليه. والمعنى أنهم هلكوا فلم تعظم مصيبتهم ولم يوجد لهم فَقْد. وقيل: في الكلام إضمار، أي ما بكى عليهم أهل السماء والأرض من الملائكة؛ كقوله تعالى: { وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ }[يوسف: 82] بل سرّوا بهلاكهم، قاله الحسن. وروى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:ما من مؤمن إلا وله في السماء بابان باب ينزل منه رزقه وباب يدخل منه كلامه وعمله فإذا مات فقداه فبكيا عليه ـ ثم تلا ـ {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ}. يعني أنهم لم يعملوا على الأرض عملاً صالحاً تبكي عليهم لأجله، ولا صعِد لهم إلى السماء عمل صالح فتبكي فَقْدَ ذلك. وقال مجاهد: إن السماء والأرض يبكيان على المؤمن أربعين صباحاً. قال أبو يحيى: فعجبت من قوله فقال: أتعجب! وما للأرض لا تبكي على عبد يَعْمُرها بالركوع والسجود! وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دَوِيّ كدوِيّ النحل!. وقال عليّ وابن عباس رضي الله عنهما: إنه يبكي عليه مُصَلاّه من الأرض ومصعد عمله من السماء. وتقدير الآية على هذا: فما بكت عليهم مصاعد عملهم من السماء ولا مواضع عبادتهم من الأرض. وهو معنى قول سعيد بن جُبير. وفي بكاء السماء والأرض ثلاثة أوجه: أحدها أنه كالمعروف من بكاء الحيوان. ويشبه أن يكون قول مجاهد. وقال شُريح الحضرمي قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء يوم القيامة» ـ قيل: من هم يا رسول الله؟ قال ـ«هم الذين إذا فسد الناس صَلَحُوا» ـ ثم قال ـ «ألا لا غُرْبة على مؤمن وما مات مؤمن في غُربة غائباً عنه بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض» ـ ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَاْلأَرْض} ـ ثم قال ـ« ألا إنهما لا يبكيان على الكافر»

قلت: وذكر أبو نعيم محمد بن معمر قال: حدثنا أبو شعيب الحرّاني قال حدثنا يحيى بن عبد الله قال حدثنا الأوزاعيّ قال حدثني عطاء الخراساني قال: ما من عبد يسجد للّه سجدة في بقعة من بقاع الأرض إلا شهدت له يوم القيامة وبكت عليه يوم يموت. وقيل: بكاؤهما حمرة أطرافهما؛ قاله عليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وعطاء والسدّي والترمذي محمد بن عليّ وحكاه عن الحسن. قال السدّي: لما قتل الحسين بن عليّ رضي الله عنهما بكت عليه السماء؛ وبكاؤها حمرتها. وحكى جرير عن يزيد بن أبي زياد قال: لما قتل الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ٱحمرّ له آفاق السماء أربعة أشهر. قال يزيد: وٱحمرارها بكاؤها. وقال محمد بن سِيرين: أخبرونا أن الحمرة التي تكون مع الشفق لم تكن حتى قتل الحسين بن عليّ رضي الله عنهما. وقال سليمان القاضي: مُطِرْنا دماً يوم قتل الحسين.

قلت: روى الدَّارَقُطْنِيّ من حديث مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

الشفق الحمرة. وعن عُبادة بن الصامت وشداد بن أوس قالا: الشفق شفقان؛ الحمرة والبياض؛ فإذا غابت الحمرة حَلّت الصلاة. وعن أبي هريرة قال: الشفق الحمرة. وهذا يردّ ما حكاه ابن سِيرين. وقد تقدم في «سبحان» عن قرّة بن خالد قال: ما بكت السماء على أحد إلا على يحيى بن زكرياء والحسين بن عليّ، وحمرتها بكاؤها. وقال محمد بن علي الترمذي: البكاء إدرار الشيء فإذا أدرّت العين بمائها قيل بكت، وإذا أدرّت السماء بحمرتها قيل بكت، وإذا أدرت الأرض بغبرتها قيل بكت؛ لأن المؤمن نور ومعه نور الله؛ فالأرض مضيئة بنوره وإن غاب عن عينيك، فإن فقدت نور المؤمن اغبرّت فدرّت باغبرارها؛ لأنها كانت غبراء بخطايا أهل الشرك، وإنما صارت مضيئة بنور المؤمن؛ فإذا قبض المؤمن منها دَرّت بغبرتها. وقال أنس: لما كان اليوم الذي دخل فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء كل شيء، فلما كان اليوم الذي قبض فيه أظلم كل شيء، وإنا لفي دفنه ما نفضنا الأيدي منه حتى أنكرنا قلوبنا. وأما بكاء السماء فحمرتها كما قال الحسن. وقال نصر بن عاصم: إن أول الآيات حُمْرَةٌ تظهر، وإنما ذلك لدنوّ الساعة، فتدر بالبكاء لخلائها من أنوار المؤمنين. وقيل: بكاؤها أمارة تظهر منها تدلّ على أسف وحزن.

قلت: والقول الأوّل أظهر؛ إذ لا استحالة في ذلك. وإذا كانت السموات والأرض تسبح وتسمع وتتكلم ـ كما بيناه في «سبحان ومريم وحم فصلت» ـ فكذلك تبكي، مع ما جاء من الخبر في ذلك والله أعلم بصواب هذه الأقوال.

وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ۝٣٠ مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيًا مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ ۝٣١

يعني ما كانت القبط تفعل بهم بأمر فرعون، من قتل الأبناء واستخدام النساء، واستعبادهم إياهم وتكلفهم الأعمال الشاقة. {مِن فِرْعَوْنَ} بدل من «الْعَذَابِ الْمُهِينِ» فلا تتعلق «مِنْ» بقوله: «مِنَ الْعَذَابِ» لأنه قد وصف، وهو لا يعمل بعد الوصف عمل الفعل. وقيل: أي أنجيناهم من العذاب ومن فرعون. {إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} أي جباراً من المشركين. وليس هذا عُلوّ مَدْح بل هو عُلُوٌّ في الإسراف، كقوله:

{ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ }[القصص: 4]. وقيل: هذا العلو هو الترفع عن عبادة الله.

وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَٰهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٣٢

قوله تعالى:{وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ} يعني بني إسرائيل. {عَلَىٰ عِلْمٍ} أي على علم مِنَّا بهم لكثرة الأنبياء منهم. {عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} أي عالمي زمانهم، بدليل قوله لهذه الأمة:

{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }[آل عمران:0 11]. وهذا قول قتادة وغيره. وقيل: على كل العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء. وهذا خاصة لهم وليس لغيرهم؛ حكاه ابن عيسى والزَّمَخْشَريّ وغيرهما. ويكون قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} أي بعد بني إسرائيل. والله أعلم. وقيل: يرجع هذا الاختيار إلى تخليصهم من الغرق وإيراثهم الأرض بعد فرعون.

وَءَاتَيْنَٰهُم مِّنَ ٱلْـَٔايَٰتِ مَا فِيهِ بَلَٰٓؤٌا۟ مُّبِينٌ ۝٣٣

قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ} أي من المعجزات لموسى. {مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ} قال قتادة: الآيات إنجاؤهم من فرعون وفلق البحر لهم، وتظليل الغمام عليهم وإنزال المَنّ والسَّلْوَى. ويكون هذا الخطاب متوجِّهاً إلى بني إسرائيل. وقيل: إنها العصا واليد. ويشبه أن يكون قول الفرّاء. ويكون الخطاب متوجهاً إلى قوم فرعون. وقول ثالث ـ إنه الشر الذي كَفّهم عنه والخير الذي أمرهم به؛ قاله عبد الرحمٰن بن زيد. ويكون الخطاب متوجهاً إلى الفريقين معاً من قوم فرعون وبني إسرائيل. وفي قوله: {بَلاَءٌ مُّبِينٌ} أربعة أوجه: أحدها ـ نعمة ظاهرة؛ قاله الحسن وقتادة. كما قال الله تعالى:

{ وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً } [الأنفال: 17]. وقال زهير:

فأبلاهما خيرَ البلاءِ الذي يَبْلُو

الثاني ـ عذاب شديد؛ قاله الفرّاء. الثالث ـ اختبار يتميز به المؤمن من الكافر؛ قاله عبد الرحمٰن بن زيد. وعنه أيضاً: ابتلاؤهم بالرخاء والشدة؛ ثم قرأ: { وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً }[الأنبياء: 35].

إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ ۝٣٤ إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ ۝٣٥ فَأْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٣٦

قوله تعالى:{إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ } يعني كفار قريش {إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ} ابتداء وخبر؛ مثل:

{ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ }[الأعراف: 155]، { إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا } [المؤمنون: 37] {وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} أي بمبعوثين. {فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } أنشر الله الموتى فنشروا. وقد تقدّم. والمنشورون المبعوثون. قيل: إنّ قائل هذا من كفار قريش أبو جهل، قال: يا محمد، إن كنت صادقاً في قولك فٱبعث لنا رجلين من آبائنا: أحدهما ـ قصيّ بنِ كلاب فإنه كان رجلاً صادقاً؛ لنسأله عما يكون بعد الموت. وهذا القول من أبي جهل من أضعف الشبهات؛ لأن الإعادة إنما هي للجزاء لا للتكليف؛ فكأنه قال: إن كنت صادقاً في إعادتهم للجزاء فأعدهم للتكليف. وهو كقول قائل: لو قال إن كان ينشأ بعدنا قوم من الأبناء؛ فلم لا يرجع من مضى من الآباء؛ حكاه الماوردي. ثم قيل: «فَأْتُوا بِآبَائِنَا» مخاطبة للنبيّ صلى الله عليه وسلم وحده؛ كقوله: { رَبِّ ٱرْجِعُونِ } [المؤمنون: 99] قاله الفرّاء. وقيل: مخاطبة له ولأتباعه.

أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَٰهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ مُجْرِمِينَ ۝٣٧ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَٰعِبِينَ ۝٣٨ مَا خَلَقْنَٰهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝٣٩

قوله تعالى:{أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} هذا استفهام إنكار؛ أي إنهم مستحقون في هذا القول العذاب؛ إذ ليسوا خيراً من قوم تبع والأمم المهلكة، وإذا أهلكنا أولئك فكذا هؤلاء. وقيل: المعنى أهم أظهر نعمة وأكثر أموالاً أم قوم تُبَّع. وقيل: أهم أعزّ وأشدّ وأمنع أم قوم تُبّع. وليس المراد بتُبّع رجلاً واحداً بل المراد به ملوك اليمن؛ فكانوا يسمون ملوكهم التبابعة. فتُبَّعْ لقب للملك منهم كالخليفة للمسلمين، وكِسْرَى للفُرْس، وقَيْصر للروم. وقال أبو عبيدة: سُمِّيَ كل واحد منهم تُبَّعاً لأنه يتبع صاحبه. قال الجوهري: والتبابعة ملوك اليمن، واحدهم تُبّع. والتُّبَّع أيضاً الظِّل؛ وقال:

يَرد المياه حضِيرةً ونَفِيضةًوِرْدَ القطَاة إذا ٱسْمَألّ التُّبَّع

والتبع أيضاً ضرب من الطير. وقال السهيلي: تُبّع اسمٌ لكل مَلِك مَلَكَ اليمن والشِّحْر وحضرموت. وإن مَلكَ اليمن وحدها لم يقل له تُبّع؛ قاله المسعودي. فمن التبابعة: الحارث الرائش، وهو ابن همال ذي سدد. وأبرهة ذو المنار. وعمرو ذو الأذعار. وشمر بن مالك، الذي تنسب إليه سَمَرْقَنْد. وأفريقيس بن قيس، الذي ساق البربر إلى أفريقية من أرض كنعان، وبه سميت إفريقية.

والظاهر من الآيات: أن الله سبحانه إنما أراد واحداً من هؤلاء، وكانت العرب تعرفه بهذا الاسم أشدّ من معرفة غيره؛ ولذلك قال عليه السلام:

ولا أدري أتُبّع لَعِينٌ أم لا. ثم قد روي عنه أنه قال: لا تَسُبُّوا تُبَّعاً فإنه كان مؤمناً. فهذا يدلّك على أنه كان واحداً بعينه؛ وهو ـ والله أعلم ـ أبو كرب الذي كسا البيت بعدما أراد غزوه، وبعدما غزا المدينة وأراد خرابها، ثم ٱنصرف عنها لمّا أخبر أنها مُهاجَر نبيّ ٱسمه أحمد. وقال شعراً أودعه عند أهلها؛ فكانوا يتوارثونه كابراً عن كابر إلى أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم فأدّوْهُ إليه. ويقال: كان الكتاب والشعر عند أبي أيوب خالد بن زيد. وفيه:

شهدت على أحمد أنهرسول من الله باري النَّسَمْ فلو مُدّ عمري إلى عمرهلكنت وزيراً له وٱبنَ عَمْ

وذكر الزجاج وابن أبي الدنيا والزمخشري وغيرهم أنه حُفر قبر له بصنعاء ـ ويقال بناحية حمير ـ في الإسلام، فوجِد فيه امرأتان صحيحتان، وعند رؤوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب «هذا قبر حُبَّى ولَميس» ويروى أيضاً: «حبى وتماضر» ويروى أيضاً: «هذا قبر رضوى وقبر حُبّى ابنتا تبع، ماتتا وهما تشهدان أن لا إلٰه إلا الله ولا يشركان به شيئاً؛ وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما».

قلت: وروى ابن إسحاق وغيره أنه كان في الكتاب الذي كتبه: «أما بعد، فإني آمنت بك وبكتابك الذي أنزل عليك، وأنا على دينك وسنتك، وآمنت بربّك وربّ كل شيء، وآمنت بكل ما جاء من ربّك من شرائع الإسلام؛ فإن أدركتك فبِها ونِعمت، وإن لم أدركك فٱشفع لي ولا تنسني يوم القيامة؛ فإني من أمتك الأوّلين وبايعتك قبل مجيئك، وأنا على ملتك وملة أبيك إبراهيم عليه السلام». ثم ختم الكتاب ونقش عليه:

{ لِلَّهِ اْلأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْد }[الروم:4]. وكتب على عنوانه «إلى محمد بن عبد الله نبي الله ورسوله، خاتم النبيّين ورسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم. من تُبّع الأول». وقد ذكرنا بقيّة خبره وأوّله في «اللمع اللؤلؤية شرح العشر بينات النبوية» للفارابي رحمه الله. وكان من اليوم الذي مات فيه تبع إلى اليوم الذي بعث فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم ألف سنة لا يزيد ولا ينقص.

واختلف هل كان نبِيًّا أو مَلِكاً؛ فقال ابن عباس: كان تُبّع نبيًّا. وقال كعب: كان تبع ملِكاً من الملوك، وكان قومه كُهَّاناً وكان معهم قوم من أهل الكتاب، فأمر الفريقين أن يقرّب كل فريق منهم قُرْبَاناً ففعلوا، فَتُقُبّل قربان أهل الكتاب فأسلم. وقالت عائشة رضي الله عنها: لا تسبّوا تُبَّعاً فإنه كان رجلاً صالحاً. وحكى قتادة أن تبعاً كان رجلاً من حِمير، سار بالجنود حتى عبر الحِيرة وأتى سَمَرْقَنْد فهدمها، حكاه الماوردي. وحكى الثعلبي عن قتادة أنه تبع الحِميري، وكان سار بالجنود حتى عبر الحِيرة. وبنى سَمَرْقَنْد وقتل وهدم البلاد. وقال الكلبي: تبع هو أبو كَرِب أسعد بن ملكيكرب، وإنما سمي تبعاً لأنه تَبِع مَن قبله. وقال سعيد بن جُبَير: هو الذي كسا البيت الحِبَرات. وقال كعب: ذم الله قومه ولم يذمّه، وضرب بهم لقريش مثلاً لقربهم من دارهم وعِظمهم في نفوسهم؛ فلما أهلكهم الله تعالى ومَن قبلهم ـ لأنهم كانوا مجرمين ـ كان من أجرم مع ضعف اليد وقلة العدد أحرى بالهلاك. وافتخر أهل اليمن بهذه الآية، إذ جعل الله قوم تبع خيراً من قريش. وقيل: سُمِّيَ أوّلهم تبعاً لأنه ٱتبع قرن الشمس وسافر في الشرق مع العساكر.

قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ} «الَّذِينَ» في موضع رفع عطف على «قَوْمُ تُبَّعٍ». «أَهْلَكْنَاهُمْ» صلته. ويكون «مِنْ قَبْلِهِمْ» متعلقاً به. ويجوز أن يكون «مِنْ قَبْلِهِمْ» صلة «الَّذِينَ» ويكون في الظرف عائد إلى الموصول. وإذا كان كذلك كان «أَهْلَكْنَاهُمْ» على أحد أمرين: إمّا أن يقدّر معه «قد» فيكون في موضع الحال. أو يقدر حذف موصوف؛ كأنه قال: قوم أهلكناهم. والتقدير أفلا تعتبرون أنا إذا قدرنا على إهلاك هؤلاءِ المذكورين قدرنا على إهلاك المشركين. ويجوز أن يكون «وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» ابتداء خبره «أَهْلَكْنَاهُمْ». ويجوز أن يكون «الَّذِينَ» في موضع جر عطفاً على «تُبَّعٍ» كأنه قال: قوم تبع المهلكين من قبلهم. ويجوز أن يكون «الَّذِينَ» في موضع نصب بإضمار فعل دلّ عليه «أَهْلَكْنَاهُمْ». والله أعلم.

قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ } أي غَافلين؛ قاله مقاتل. وقيل: لاهين؛ وهو قول الكلبي. {مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} أي إلا بالأمر الحق؛ قاله مقاتل. وقيل: إلا للحق؛ قاله الكلبي والحسن. وقيل: إلا لإقامة الحق وإظهاره من توحيد الله والتزام طاعته. وقد مضى هذا المعنى في «الأنبياء». {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ} يعني أكثر الناس {لاَ يَعْلَمُونَ} ذلك.

الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ