انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأحقاف

تفسير الطبريالآيات 16–32

تفسير سورة الأحقاف آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأحقاف

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطعان · 30:46

  1. 1 الآيات 1–20في هذه الصفحة 17:27
  2. 2 الآيات 21–35في هذه الصفحة 13:19

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا۟ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمْ فِىٓ أَصْحَٰبِ ٱلْجَنَّةِ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يُوعَدُونَ ۝١٦

يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه الصفة صفتهم، هم الذين يتُقبل عنهم أحسن ما عملوا في الدنيا من صالحات الأعمال، فيجازيهم به، ويثيبهم عليه { ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِم} يقول: ويصفح لهم عن سيئات أعمالهم التي عملوها في الدنيا، فلا يعاقبهم عليها في أصحَابِ الجَنَّةِ يقول: نفعل ذلك بهم فعلنا مثل ذلك في أصحاب الجنة وأهلها الذين هم أهلها. كما:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن الغطريف، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الروح الأمين، قال:

يُؤْتَىٰ بِحَسَناتِ العَبْد وَسَيِّئاته، فَيُقُتَصُّ بَعْضُها ببَعْض فإنْ بَقيَتْ حَسَنةٌ وَسَّعَ اللَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ قال: فدخلتُ على يزداد، فحدّث بمثل هذا الحديث، قال: قلت: فإن ذهبت الحسنة؟ قال:{ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ...} الآية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، قال: دعا أبو بكر عمر رضي الله عنهما، فقال له: إني أوصيك بوصية أن تحفظها: إن لله في الليل حقاً لا يقبله بالنهار، وبالنهار حقاً لا يقبله بالليل، إنه ليس لأحد نافلة حتى يؤدّي الفريضة، إنه إنما ثقُلت موازين من ثقُلَت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحقّ في الدنيا، وثقُل ذلك عليهم، وحقّ لميزان لا يوضع فيه إلا الحقّ أن يثقل، وخفَّت موازين من خفَّت موازينه يوم القيامة، لاتباعهم الباطل في الدنيا، وخفته عليهم، وحقّ لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف، ألم تر أن الله ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم، فيقول قائل: أين يبلغ عملي من عمل هؤلاء، وذلك أن الله عزّ وجلّ تجاوز عن أسوإ أعمالهم فلم يبده، ألم تر أن الله ذكر أهل النار بأسوإ أعمالهم حتى يقول قائل: أنا خير عملاً من هؤلاء، وذلك بأن الله ردّ عليهم أحسن أعمالهم، ألم تر أن الله عزّ وجلّ أنزل آية الشدّة عند آية الرخاء، وآية الرخاء عند آية الشدّة، ليكون المؤمن راغباً راهباً، لئلا يُلقي بيده إلى التهلكة، ولا يتمنى على الله أمنية يتمنى على الله فيها غير الحقّ.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله:{ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ } فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة «يُتَقَبَّلُ، وَيُتَجاوَزُ» بضم الياء منهما، على ما لم يسمّ فاعله، ورفع «أحْسَنُ». وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة { نَتَقَبَّلُ، ونَتَجاوَزُ} بالنون وفتحها، ونصب أحسنَ على معنى إخبار الله جلّ ثناؤه عن نفسه أنه يفعل ذلك بهم، وردّاً للكلام على قوله:

{ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ } ونحن نتقبل منهم أحسن ما عملوا ونتجاوز، وهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

وقوله:{ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُون} يقول: وعدهم الله هذا الوعد، وعد الحقّ لا شك فيه أنه موفَ لهم به، الذي كانوا إياه في الدنيا يعدهم الله تعالى، ونصب قوله: {وَعْدَ الصِّدْقِ} لأنه مصدر خارج من قوله:{ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِم}، وإنما أخرج من هذا الكلام مصدر وعد وعداً، لأن قوله:{نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ... ونَتَجاوَزُ } وعد من الله لهم، فقال: وعد الصدق، على ذلك المعنى.

وَٱلَّذِى قَالَ لِوَٰلِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِىٓ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِى وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝١٧

وهذا نعت من الله تعالى ذكره نعت ضالّ به كافر، وبوالديه عاقّ، وهما مجتهدان في نصيحته ودعائه إلى الله، فلا يزيده دعاؤهما إياه إلى الحقّ، ونصيحتهما له إلا عتوّاً وتمرّداً على الله، وتمادياً في جهله، يقول الله جلّ ثناؤهر {وَالَّذِي قالَ لِوَالِدَيْهِ} أن دعواه إلى الإيمان بالله، والإقرار ببعث الله خلقه من قبورهم، ومجازاته إياهم بأعمالهم { أُفٍّ لَكُما} يقول: قذراً لكما ونتناً {أتَعِدَانِنِي أنْ أُخْرَجَ } يقول أتعدانني أن أخرج من قبري من بعد فنائي وبلائي فيه حياً. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { أتَعِدَانِنِي أنْ أُخْرَجَ} أن أُبعَث بعد الموت.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { أتَعِدَانِنِي أنْ أُخْرَجَ} قال: يعني البعث بعد الموت.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {وَالَّذِي قال لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدَانِنِي...} إلى آخر الآية قال: الذي قال هذا ابن لأبي بكر رضي الله عنه، قال:{ أتَعِدَانِنِي أنْ أُخْرَجَ}: أتعدانني أن أُبعث بعد الموت.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: {وَالَّذِي قالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدَانِنِي أنْ أُخْرَجَ } قال: هو الكافر الفاجر العاقّ لوالديه، المكذب بالبعث.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ثم نعت عبد سوء عاقاً لوالديه فاجراً فقال: {وَالَّذِي قالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما...} إلى قوله:{ أساطِيرُ الأوَّلِينَ}.

وقوله:{ وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِنْ قَبْلِي } يقول: أتعدانني أن أبعث، وقد مضت قرون من الأمم قبلي، فهلكوا، فلم يبعث منهم أحداً، ولو كنت مبعوثاً بعد وفاتي كما تقولان، لكان قد بُعث من هلك قبلي من القرون { وهُمَا يَسْتَغِيثانِ اللَّهِ } يقول تعالى ذكره: ووالداه يستصرخان الله عليه، ويستغيثانه عليه أن يؤمن بالله، ويقرّ بالبعث ويقولان له: {ويْلَك آمن}، أي صدّق بوعد الله، وأقرّ أنك مبعوث من بعد وفاتك، إن وعد الله الذي وعد خلقه أنه باعثهم من قبورهم، ومخرجهم منها إلى موقف الحساب لمجازاتهم بأعمالهم حقّ لا شكّ فيه، فيقول عدوّ الله مجيباً لوالديه، وردّاً عليهما نصيحتهما، وتكذيباً بوعد الله: ما هذا الذي تقولان لي وتدعواني إليه من التصديق بأني مبعوث من بعد وفاتي من قبري، إلا ما سطره الأوّلون من الناس من الأباطيل، فكتبوه، فأصبتماه أنتما فصدّقتما.

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَٰسِرِينَ ۝١٨ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُوا۟ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ۝١٩

يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه الصفة صفتهم، الذين وجب عليهم عذاب الله، وحلَّت بهم عقوبته وسخطه، فيمن حلّ به عذاب الله على مثل الذي حلّ بهؤلاء من الأمم الذين مضوا قبلهم من الجنّ والإنس، الذين كذّبوا رسل الله، وعتوا عن أمر ربهم.

وقوله:{ إنَّهُمْ كانُوا خاسِرينَ} يقول تعالى ذكره: إنهم كانوا المغبونين ببيعهم الهدى بالضلال والنعيم بالعقاب.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنا أبي، عن قتادة، عن الحسن، قال: الجنّ لا يموتون، قال قتادة: فقلت { أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ فِي أُمَم قَدْ خَلَت...} الآية.

وقوله:{ وَلِكُلَ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} يقول تعالى ذكره: ولكلّ هؤلاء الفريقين: فريق الإيمان بالله واليوم الآخر، والبرّ بالوالدين، وفريق الكفر بالله واليوم الآخر، وعقوق الوالدين اللذين وصف صفتهم ربنا عزّ وجلّ في هذه الآيات منازل ومراتب عند الله يوم القيامة، مما عملوا، يعني من عملهم الذي عملوه في الدنيا من صالح وحسن وسيىء يجازيهم الله به. وقد:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ وَلِكُلّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} قال: درج أهل النار يذهب سفالاً، ودرج أهل الجنة يذهب علوّا {وَلِيُوَفِّيَهُمْ أعمالَهُمْ} يقول جلّ ثناؤه: وليعطي جميعهم أجور أعمالهم التي عملوها في الدنيا، المحسن منهم بإحسانه ما وعد الله من الكرامة، والمسيء منهم بإساءته ما أعدّه من الجزاء {وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } يقول: وجميعهم لا يظلمون: لا يجازي المسيء منهم إلا عقوبة على ذنبه، لا على ما لم يعمل، ولا يحمل عليه ذنب غيره، ولا يبخس المحسن منهم ثوابَ إحسانه.

وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَٰتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ ۝٢٠

يقول تعالى ذكره: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا} بالله {عَلى النَّارِ} يقال لهم: {أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا، وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها } فيها. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا على النَّارِ} قرأ يزيد حتى بلغ {وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ } تعلمون والله إن أقواماً يَسْترطون حسناتهم. استبقى رجل طيباته إن استطاع، ولا قوّة إلا بالله. ذُكر أن عمر بن الخطاب كان يقول: لو شئت كنت أطيبكم طعاماً، وألينكم لباساً، ولكني أستبقي طيباتي. وذُكر لنا أنه لما قدم الشام، صُنِع له طعام لم ير قبله مثله، قال: هذا لنا، فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير؟ قال خالد بن الوليد: لهم الجنة، فاغرورقت عينا عمر، وقال: لئن كان حظنا في الحُطام، وذهبوا قال أبو جعفر: فيما أرى أنا بالجنة، لقد باينونا بوناً بعيداً.

وذُكر لنا. أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم دخل على أهل الصُّفة مكاناً يجتمع فيه فقراء المسلمين، وهم يَرْقعون ثيابهم بالأَدَم، ما يجدون لها رقاعاً، قال:

أنتم اليوم خير، أو يَوم يغدو أحدكم في حلة، ويروح في أُخرى، ويغدي عليه بجفنة، ويُراح عليه بأخرى، ويستر بيته كما تستر الكعبة. قالوا: نحن يومئذٍ خير، قال:بل أنتم اليوم خير

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: حدثنا صاحب لنا عن أبي هريرة، قال: «إنما كان طعامنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم الأسودين: الماء، والتمر، والله ما كنا نرى سمراءكم هذه، ولا ندري ما هي».

قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي بردة بن عبد الله بن قيس الأشعريّ، عن أبيه، قال: أي بنيّ لو شهدتْنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن مع نبينا إذا أصابتنا السماء، حسبت أن ريحنا ريح الضأن، إنما كان لباسنا الصوف.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله عزّ وجلّ

{ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا... } إلى آخر الآية، ثم قرأ { مَنْ كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعمالَهُمْ فِيها، وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ }، وقرأ { مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها }، وقرأ { مَنْ كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ... } إلى آخر الآية، وقال: هؤلاء الذين أذهبوا طيِّباتهم في حياتهم الدنيا.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله:{ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ}، فقرأته عامة قرّاء الأمصار {أذْهَبْتُمْ} بغير استفهام، سوى أبي جعفر القارىء، فإنه قرأه بالاستفهام، والعرب تستفهم بالتوبيخ، وتترك الاستفهام فيه، فتقول: أذهبت ففعلت كذا وكذا، وذهبت ففعلت وفعلت. وأعجب القراءتين إليّ ترك الاستفهام فيه، لإجماع الحجة من القرّاء عليه، ولأنه أفصح اللغتين.

وقوله {فالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ} يقول تعالى ذكره: يقال لهم: فاليوم أيها الكافرون الذين أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا تجزون: أي تثابون عذاب الهون، يعني عذاب الهوان، وذلك عذاب النار الذي يهينهم. كما:

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد عَذَابَ الهُونِ قال: الهوان {بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأرْضِ بغَيْرِ الحَقّ } يقول: بما كنتم تتكبرون في الدنيا على ظهر الأرض على ربكم، فتأبون أن تخلصوا له العبادة، وأن تذعنوا لأمره ونهيه بغير الحقّ، أي بغير ما أباح لكم ربكم، وأذن لكم به {وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ } يقول: بما كنتم فيها تخالفون طاعته فتعصُونه.

وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُۥ بِٱلْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦٓ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ۝٢١

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا محمد لقومك الرّادّين عليك ما جئتهم به من الحقّ هود أخا عاد، فإن الله بعثك إليهم كالذي بعثه إلى عاد، فخوّفهم أن يحلّ بهم من نقمة الله على كفرهم ما حلّ بهم إذ كذّبوا رسولنا هوداً إليهم، إذ أنذر قومه عاداً بالأحقاف. والأحقاف: جمع حقف وهو من الرمل ما استطال، ولم يبلغ أن يكون جبلاً، وإياه عنى الأعشى:

فَباتَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ تَلُفُّهُحرِيقُ شَمالٍ يَتْرُكُ الوَجْهَ أقْتَما

واختلف أهل التأويل في الموضع الذي به هذه الأحقاف، فقال بعضهم: هي جبل بالشام. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:{ وَاذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بالأحْقافِ } قال: الأحقاف: جبل بالشام.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله {إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بالأحْقافِ} جبل يسمى الأحقاف.

وقال آخرون: بل هي واد بينُ عمان ومَهْرة. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس{ وَاذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بالأحْقافِ} قال: فقال: الأحقاف الذي أنذر هود قومه واد بين عمان ومهرة.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كانت منازل عاد وجماعتهم، حيث بعث الله إليهم هوداً الأحقاف: الرمل فيما بين عُمان إلى حَضْرَمَوْت، فاليمن كله، وكانوا مع ذلك قد فَشْوا في الأرض كلها، قهروا أهلها بفضل قوّتهم التي آتاهم الله.

وقال آخرون: هي أرض. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: الأحقاف: الأرض.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { إذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بالأحْقاف} قال: حشاف أو كلمة تشبهها، قال أبو موسى: يقولون مستحشف.

حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { إذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بالأحْقافِ} حِشاف من حِسْمَى.

وقال آخرون: هي رمال مُشْرفة على البحر بالشِّحْر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وَاذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بالأحْقافِ} ذُكر لنا أن عاداً كانوا حياً باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشِّحْر.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله { وَاذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بالأحْقافِ } قال: بلَغَنا أنهم كانوا على أرض يقال لها الشِّحر، مشرفين على البحر، وكانوا أهل رمل.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عمرو بن عبد الله، عن قتادة، أنه قال: كان مساكن عاد بالشِّحْر.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تبارك وتعالى أخبر أن عاداً أنذرهم أخوهم هود بالأحقاف، والأحقاف ما وصفت من الرمال المستطيلة المشرفة، كما قال العجَّاج:

بات إلى أرْطاةِ حِقْفٍ أحْقَفا

وكما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَاذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بالأحْقافِ} قال: الأحقاف: الرمل الذي يكون كهيئة الجبل تدعوه العرب الحقف، ولا يكون أحقافا إلا من الرمل، قال: وأخو عاد هود. وجائز أن يكون ذلك جبلاً بالشام. وجائز أن يكون واديا بين عمان وحضرموت. وجائز أن يكون الشحر وليس في العلم به أداء فرض، ولا في الجهل به تضييع واجب، وأين كان فصفته ما وصفنا من أنهم كانوا قوماً منازلهم الرمال المستعلية المستطيلة.

وقوله: وَقَدْ خَلَتِ النُّذُورُ مِنْ بَين يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ اللَّهَ يقول تعالى ذكره: وقد مضت الرسل بإنذار أممها مِنْ بَين يَدَيْهِ يعني: من قبل هود ومن خلفه، يعني: ومن بعد هود. وقد ذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله «وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَين يَدَيْهِ وَمِنْ بَعْدِهِ»،{ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ اللَّهَ } يقول: لا تشركوا مع الله شيئاً في عبادتكم إياه، ولكن أخلصوا له العبادة، وأفردوا له الألوهية، إنه لا إله غيره، وكانوا فيما ذُكر أهل أوثان يعبدونها من دون الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:{ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَين يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ اللَّهَ قال: لن يبعث الله رسولاً إلا بأن يعبد الله.

وقوله:{ إنّي أخافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل هود لقومه: إني أخاف عليكم أيها القوم بعبادتكم غير الله عذاب الله في يوم عظيم وذلك يوم يعظم هوله، وهو يوم القيامة.

قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝٢٢

يقول تعالى ذكره: قالت عاد لهود، إذ قال لهم لا تعبدوا إلا الله: إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم، أجئتنا يا هود لتصرفنا عن عبادة آلهتنا إلى عبادة ما تدعونا إليه، وإلى اتباعك على قولك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد، في قوله: { أجِئْتَنَا لِتَأفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا} قال: لتزيلنا، وقرأ «إنْ كادَ لَيُضِلَّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أن صَبَرْنا عَلَيْها» قال: تضلنا وتزيلنا وتأفكنا {فَأْتِنا بِمَا تَعِدُنا} من العذاب على عبادتنا ما نعبد من الآلهة { إنْ كُنْتَ } من أهل الصدق في قوله وعدَاته.

قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَلَٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ۝٢٣

يقول تعالى ذكره: قال هود لقومه عاد: {إنَّمَا العِلْمُ} بوقت مجيء ما أعِدُكم به من عذاب الله على كفركم به عند الله، لا أعلم من ذلك إلا ما علمني {وأُبَلِّغَكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ} يقول: وإنما أنا رسول إليكم من الله، مبلغ أبلغكم عنه ما أرسلني به من الرسالة { وَلَكِنِّي أرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ} مواضع حظوظ أنفسكم، فلا تعرفون ما عليها من المضرّة بعبادتكم غير الله، وفي استعجال عذابه.

فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا۟ هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٢٤

يقول تعالى ذكره: فلما جاءهم عذاب الله الذي استعجلوه، فرأوه سحاباً عارضاً في ناحية من نواحي السماء {مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ} والعرب تسمي السحاب الذي يُرَى في بعض أقطار السماء عشياً، ثم يصبح من الغد قد استوى، وحبا بعضه إلى بعض عارضاً، وذلك لعرضه في بعض أرجاء السماء حين نشأ، كما قال الأعشى:

يا مَنْ يَرَى عارِضا قَدْ بِتُّ أرْمُقُهُكأنَّمَا الْبَرْقُ في حافاتِهِ الشُّعَلُ

{قالُوا هَذَا عارِضٌ مِمْطِرُنا} ظناً منهم برؤيتهم إياه أن غيثاً قد أتاهم يَحيون به، فقالوا: هذا الذي كان هودٌ يعدنا، وهو الغيث. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ فَلَمَّا رأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ... } الآية، وذُكر لنا أنهم حبس عنهم المطر زماناً، فلما رأوا العذاب مقبلاً،{ قالُوا هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا}. وذُكر لنا أنهم قالوا: كذب هود كذب هود فلما خرج نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فشامه، قال:{ بَلْ هُوَ ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ساق الله السحابة السوداء التي اختار قَيْلُ ابن عنز بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى تخرج عليهم من واد لهم يقال له المغيث، فلما رأوها استبشروا، و {قَالُوا هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنَا}: يقول الله عزّ وجلّ: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ ألِيمٌ}.

وقوله:{ بَلْ هُوَ ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ } يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نبيه صلى الله عليه وسلم هود لقومه لما قالوا له عند رؤيتهم عارض العذاب، قد عرض لهم في السماء هذا عارض ممطرنا نحيا به، ما هو بعارض غيث، ولكنه عارض عذاب لكم، بل هو ما استعجلتم به: أي هو العذاب الذي استعجلتم به، فقلتم:

{ ائْتِنا بِمَا تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ }{رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ}. والريح مكرّرة على ما في قوله:{ هُوَ ما اسْتَعْجَلْتمْ بِهِ } كأنه قيل: بل هو ريح فيها عذاب أليم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: كان هود جلداً في قومه، وإنه كان قاعداً في قومه، فجاء سحاب مكفهرّ، فـ {قالوا هذا عارض ممطرنا} فقال:{ بَلْ هُوَ ما اسْتَعْجَلْتمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ } قال: فجاءت ريح فجعلت تلقي الفسطاط، وتجيء بالرجل الغائب فتلقيه.

حدثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال سليمان، ثنا أبو إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: لقد كانت الريح تحمل الظعينة فترفعها حتى تُرى كأنها جرادة.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ فَلَمَّا رأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقِبلَ أوْديَتِهِمْ... } إلى آخر الآية، قال: هي الريح إذا أثارت سحاباً،{ قَالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا}، فقال نبيهم: بل ريح فيها عذاب أليم.

تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍۭ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا۟ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَٰكِنُهُمْ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ ۝٢٥

وقوله{ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيء بأَمْرِ رَبِّهَا}: يقول تعالى ذكره: تخرّب كلّ شيء، وترمي بعضه على بعض فتهلكه، كما قال جرير:

وكانَ لَكُمْ كَبَكْرِ ثَمُودَ لَمَّارَغا ظُهْراً فَدَمَّرَهُمْ دَمارا

يعني بقوله: دمرهم: ألقى بعضهم على بعض صَرْعى هَلكَى.

وإنما عنى بقوله:{ تُدَّمِّرُ كُلَّ شيْءٍ بأمْرِ رَبها} مما أرسلت بهلاكه، لأنها لم تدمر هوداً ومن كان آمن به.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا طلق، عن زائدة، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما أرسل الله على عادٍ من الريح إلا قدر خاتمي هذا، فنزع خاتمه.

وقوله:{ فَأصْبَحُوا لا يُرَى إلاَّ مَساكِنُهُمْ } يقول: فأصبح قوم هود وقد هلكوا وفنوا، فلا يُرى في بلادهم شيء إلا مساكنهم التي كانوا يسكنونها.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله{ فأصْبَحُوا لا يُرَى إلاَّ مَساكِنُهُمْ} فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة «لا تُرَى إلاَّ مَساكِنُهُمْ» بالتاء نصباً، بمعنى: فأصبحوا لا ترى أنت يا محمد إلا مساكنهم وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة لا يُرَى إلاَّ مَساكِنُهُمْ بالياء في يُرى، ورفع المساكن، بمعنى: ما وصفت قبل أنه لا يرى في بلادهم شيء إلا مساكنهم. وروى الحسن البصري «لا تُرَى» بالتاء، وبأيّ القراءتين اللتين ذكرت من قراءة أهل المدينة والكوفة قرأ ذلك القارىء فمصيب وهو القراءة برفع المساكن إذا قُرىء قوله يُرَى بالياء وضمها وبنصب المساكن إذا قُرىء قوله: «تَرَى» بالتاء وفتحها، وأما التي حُكيت عن الحسن، فهي قبيحة في العربية وإن كانت جائزة، وإنما قبحت لأن العرب تذكِّر الأفعال التي قبل إلا، وإن كانت الأسماء التي بعدها أسماء إناث، فتقول: ما قام إلا أختك، ما جاءني إلا جاريتك، ولا يكادون يقولون: ما جاءتني إلا جاريتك، وذلك أن المحذوف قبل إلا أحد، أو شيء واحد، وشيء يذكر فعلهما العرب، وإن عنى بهما المؤنث، فتقول: إن جاءك منهنّ أحد فأكرمه، ولا يقولون: إن جاءتك، وكان الفرّاء يجيزها على الاستكراه، ويذكر أن المفضل أنشده:

وَنارُنا لَمْ تُرَ ناراً مِثْلُهاقَدْ عَلِمَتْ ذاكَ مَعَدّ أكْرَمَا

فأنث فعل مثل لأنه للنار، قال: وأجود الكلام أن تقول: ما رؤي مثلها.

وقوله:{ وكَذَلكَ نَجْزِي القَوْمَ المجرِمينَ} يقول تعالى ذكره: كما جزينا عاداً بكفرهم بالله من العقاب في عاجل الدنيا، فأهلكناهم بعذابنا، كذلك نجزي القوم الكافرين بالله من خلقنا، إذ تمادوا في غيهم وطَغَوا على ربهم.

وَلَقَدْ مَكَّنَّٰهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّٰكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَٰرًا وَأَفْـِٔدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَآ أَبْصَٰرُهُمْ وَلَآ أَفْـِٔدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُوا۟ يَجْحَدُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝٢٦

يقول تعالى ذكره لكفار قريش: ولقد مكَّنا أيها القوم عاداً الذين أهلكناهم بكفرهم فيما لم نمكنكم فيه من الدنيا، وأعطيناهم منها الذي لم نعطكم منهم من كثرة الأموال، وبسطة الأجسام، وشدّة الأبدان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثني أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله:{ وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ } يقول: لم نمكنكم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَقَدْ مَكَنَّاهُمْ فِيما إنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ}: أنبأكم أنه أعطى القوم ما لم يعطكم.

وقوله: {وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً} يسمعون به مواعظ ربهم، وأبصاراً يبصرون بها حجج الله، وأفئدة يعقلون بها ما يشرّهم وينفعهم {فَمَا أغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أبْصَارُهُمْ وَلا أفْئِدَتُهُمْ منْ شَيْءٍ } يقول: فلم ينفعهم ما أعطاهم من السمع والبصر والفؤاد إذ لم يستعملوها فيما أعطوها له، ولم يعملوها فيما ينجيهم من عقاب الله، ولكنهم استعملوها فيما يقرّبهم من سخطه {إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بآياتِ اللَّهِ } يقول: إذ كانوا يكذّبون بحجج الله وهم رُسله، وينكرون نبوّتهم { وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤون} يقول: وعاد عليهم ما استهزأوا به، ونزل بهم ما سخروا به، فاستعجلوا به من العذاب، وهذا وعيد من الله جلّ ثناؤه لقريش، يقول لهم: فاحذروا أن يحلّ بكم من العذاب على كفركم بالله وتكذيبكم رسله، ما حلّ بعاد، وبادروا بالتوبة قبل النقمة.

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْقُرَىٰ وَصَرَّفْنَا ٱلْـَٔايَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۝٢٧ فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَانًا ءَالِهَةًۢ بَلْ ضَلُّوا۟ عَنْهُمْ وَذَٰلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ۝٢٨

يقول تعالى ذكره لكفار قريش محذّرهم بأسه وسطوته، أن يحلّ بهم على كفرهم {وَلَقَدْ أهْلَكْنا} أيها القوم من القُرَى ما حول قريتكم، كحِجْرِ ثمود وأرض سدوم ومأرب ونحوها، فأنذرنا أهلها بالمَثُلات، وخرّبنا ديارها، فجعلناها خاوية على عروشها.

وقوله:{ وَصَرَّفْنا الآياتِ } يقول: ووعظناهم بأنواع العظات، وذكرناهم بضروب من الذِّكْر والحجج، وبيَّنا لهم ذلك. كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ وَصَرَّفْنا الآياتِ} قال بيَّناها{ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} يقول ليرجعوا عما كانوا عليه مقيمين من الكفر بالله وآياته. وفي الكلام متروك ترك ذكره استغناء بدلالة الكلام عليه، وهو: فأبوا إلا الإقامة على كفرهم، والتمادي في غيهم، فأهلكناهم، فلن ينصرهم منا ناصر يقول جلّ ثناؤه: فلولا نصر هؤلاء الذين أهلكناهم من الأمم الخالية قبلهم أوثانهم وآلهتهم التي اتخذوا عبادتها قرباناً يتقرّبون بها فيما زعموا إلى ربهم منا إذ جاءهم بأسنا، فتنقذهم من عذابنا إن كانت تشفع لهم عند ربهم كما يزعمون، وهذا احتجاج من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على مُشركي قومه، يقول لهم: لو كانت آلهتكم التي تعبدون من دون الله تغني عنكم شيئاً، أو تنفعكم عند الله كما تزعمون أنكم إنما تعبدونها، لتقرّبكم إلى الله زلفى، لأغنت عمن كان قبلكم من الأمم التي أهلكتها بعبادتهم إياها، فدفعت عنها العذاب إذا نزل، أو لشفعت لهم عند ربهم، فقد كانوا من عبادتها على مثل الذي عليه أنتم، ولكنها ضرّتهم ولم تنفعهم: يقول تعالى ذكره:{ بل ضلوا } عنهم يقول: بل تركتهم آلهتهم التي كانوا يعبدونها، فأخذت غير طريقهم، لأن عبدتها هلكت، وكانت هي حجارة أو نحاساً، فلم يصبها ما أصابهم ودعوها، فلم تجبهم، ولم تغثهم، وذلك ضلالها عنهم، وذلك إفكهم، يقول عزّ وجلّ هذه الآلهة التي ضلَّت عن هؤلاء الذين كانوا يعبدونها من دون الله عند نزول بأس الله بهم، وفي حال طمعهم فيها أن تغيثهم، فخذلتهم، هو إفكهم: يقول: هو كذبهم الذي كانوا يكذّبون، ويقولون هؤلاء آلهتنا وما كانوا يفترون، يقول: وهو الذي كانوا يفترون، فيقولون: هي تقرّبنا إلى الله زُلفى، وهي شفعاؤنا عند الله. وأخرج الكلام مخرج الفعل، والمعنيّ المفعول به، فقيل: وذلك إفكهم، والمعنيّ فيه: المأفوك به لأن الإفك إنما هو فعل الآفك، والآلهة مأفوك بها. وقد مضى البيان عن نظائر ذلك قبل، قال: وكذلك قوله:{ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ}.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله { وَذَلك إفْكُهُمْ } فقرأته عامة قرّاء الأمصار:{ وذلك إفكهم} بكسر الألف وسكون الفاء وضم الكاف بالمعنى الذي بيَّنا. ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما في ذلك ما:

حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم، عن عوف، عمن حدثه، عن ابن عباس، أنه كان يقرأها «وَذَلِكَ أَفْكَهُمْ» يعني بفتح الألف والكاف وقال: أضلهم. فمن قرأ القراءة الأولى التي عليها قرّاء الأمصار، فالهاء والميم في موضع خفض. ومن قرأ هذه القراءة التي ذكرناها عن ابن عباس فالهاء والميم في موضع نصب، وذلك أن معنى الكلام على ذلك، وذلك صرفهم عن الإيمان بالله.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا، القراءة التي عليها قرأة الأمصار لإجماع الحجة عليها.

وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓا۟ أَنصِتُوا۟ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا۟ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ ۝٢٩

يقول تعالى ذكره مقرّعاً كفار قريش بكفرهم بما آمنت به الجنّ { وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ } يا محمد{ نَفَراً مِنَ الجِنّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ} ذكر أنهم صرفوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحادث الذي حدث من رَجْمهم بالشهب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن زياد، عن سعيد بن جُبير، قال: كانت الجنّ تستمع، فلما رُجِموا قالوا: إن هذا الذي حدث في السماء لِشيء حدث في الأرض، فذهبوا يطلبون حتى رأوا النبيّ صلى الله عليه وسلم خارجاً من سوق عكاظ يصلي بأصحابه الفجر، فذهبوا إلى قومهم.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جُبير، قال: «لما بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم حُرِست السماء، فقال الشيطان: ما حُرِست إلا لأمر قد حدث في الأرض فبعث سراياه في الأرض، فوجدوا النبيّ صلى الله عليه وسلم قائماً يصلي صلاة الفجر بأصحابه بنَخْلة، وهو يقرأ، فاستمعوا حتى إذا فرغ وَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ... إلى قوله مُسْتَقِيمٍ».

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَراً مِنَ الجِنّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ.... } إلى آخر الآية، قال: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا يقعدون مقاعد للسمع فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم حرست السماء حرساً شديداً، ورُجِمت الشياطين، فأنكروا ذلك، وقالوا:

{ لا نَدْرِي أَشَرّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأرْضِ أمْ أرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً } فقال إبليس: لقد حدث في الأرض حدث، واجتمعت إليه الجنّ، فقال: تفرّقوا في الأرض، فأخبروني ما هذا الخبر الذي حدث في السماء، وكان أوّل بعث ركب من أهل نصيبين، وهي أشراف الجنّ وساداتهم، فبعثهم إلى تهامة، فاندفعوا حتى بلغوا الوادي، وادي نخلة، فوجدوا نبيّ الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الغداة ببطن نخلة، فاستمعوا فلما سمعوه يتلو القرآن، قالوا: أنصتوا، ولم يكن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم علم أنهم استمعوا إليه وهو يقرأ القرآن فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين.

واختلف أهل التأويل في مبلغ عدد النفر الذين قال الله { وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَراً مِنَ الجِنّ } فقال بعضهم: كانوا سبعة نفر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عبد الحميد، قال: ثنا النضر بن عربيّ، عن عكرمة، عن ابن عباس {وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَراً مِنَ الجِنّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ...} الآية، قال: كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً إلى قومهم.

وقال آخرون: بل كانوا تسعة نفر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن عاصم، عن زِرّ {وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَراً مِنَ الجِنّ } قال: كانوا تسعة نفر فيهم زَوْبعة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن زرّ بن حبيش، قال: أنزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو ببطن نخلة،{ فَلَمَّا حَضَرُوهُ} قال: كانوا تسعة أحدهم زَوْبَعَة.

وقوله: {فَلَمَّا حَضَرُوهُ} يقول: فلما حضر هؤلاء النفر من الجنّ الذين صرفهم الله إلى رسوله نبيّ الله صلى الله عليه وسلم.

واختلف أهل العلم في صفة حضورهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: حضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتعرّفون الأمر الذي حدث من قبله ما حدث في السماء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشعر بمكانهم، كما قد ذكرنا عن ابن عباس قبل. وكما:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله:{ وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَراً مِنَ الجِنّ } قال: ما شعر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاؤوا، فأوحى الله عزّ وجلّ إليهِ فيهم، وأخبر عنهم.

وقال آخرون: بل أمر نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ عليهم القرآن، وأنهم جمعوا له بعد أن تقدّم الله إليه بإنذارهم، وأمره بقراءة القرآن عليهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَراً مِنَ الجِنّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ } قال: ذكر لنا أنهم صرفُوا إليه من نِيْنَوَى، قال: فإن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، قال:

إني أمرت أن أقرأ القرآن على الجنّ، فأيكم يتبعني؟ فأطرقوا، ثم استتبعهم فأطرقوا، ثم استتبعهم الثالثة فأطرقوا، فقال رجل: يا رسول الله إنك لذو بدئه، فاتبعه عبد الله بن مسعود، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم شعباً يقال له شعب الحجون. قال: وخطّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله خطاً ليثبته به، قال: فجعلت تهوي بي وأرى أمثال النسور تمشي في دفوفها، وسمعت لغطاً شديداً، حتى خفت على نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، ثم تلا القرآن فلما رجع نبيّ الله قلت: يا نبيّ الله ما اللغط الذي سمعت؟ قال: اجتمعوا إليّ في قتيل كان بينهم، فقُضي بينهم بالحقّ. وذُكر لنا أن ابن مسعود لما قَدِم الكوفة رأى شيوخاً شُمطاً من الزُّط، فراعوه، قال: من هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء نفر من الأعاجم، قال: ما رأيت للذين قرأ عليهم النبيّ صلى الله عليه وسلم الإسلام من الجنّ شبهاً أدنى من هؤلاء.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم ذهب وابن مسعود ليلة دعا الجنّ، فخطّ النبيّ صلى الله عليه وسلم على ابن مسعود خطاً، ثم قال له:

لا تخرج منه. ثم ذهب النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الجنّ، فقرأ عليهم القرآن، ثم رجع إلى ابن مسعود فقال: هل رأيت شيئاً؟ قال: سمعت لغَطاً شديداً، قال: إن الجنّ تدارأت في قتيل قُتل بينها، فقُضِي بينهم بالحقّ، وسألوه الزاد، فقال: كل عظم لكم عرق، وكلّ روث لكم خُضْرة. قالوا: يا رسول الله تقذّرها الناس علينا، فنهى النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بأحدهما فلما قدم ابن مسعود الكوفة رأى الزُّطّ، وهم قوم طوال سود، فأفزعوه، فقال: أظَهَرُوا؟ فقيل له: إن هؤلاء قوم من الزُّطّ، فقال ما أشبههم بالنفر الذين صُرِفوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم.

قال: ثنا ابن ثور، عن معمر. عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن عمرو بن غَيلان الثقفيّ أنه قال لابن مسعود: حُدثت أنك كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة وفد الجنّ، قال: أجَل، قال: فكيف كان؟ فذكر الحديث كله. وذُكِر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم خطّ عليه خطاً وقال:

لا تبرح منها، فذكر أن مثل العجاجة السوداء غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذُعِر ثلاث مرّات، حتى إذا كان قريباً من الصبح، أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:أنِمْتَ؟ قلت: لا والله، ولقد هممت مراراً أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول: اجلسوا، قال: لو خرجتَ لم آمن أن يختطفك بعضهم، ثم قال: هل رأيت شيئاً؟ قال: نعم رأيت رجالاً سوداً مستشعري ثياب بيض، قال:أولئك جنّ نصيبين، سألوني المتاع، والمتاع الزاد، فمتعتهم بكلّ عظم حائل أو بعرة أو روثة، فقلت: يا رسول الله، وما يغني ذلك عنهم؟ قال:إنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا عَظْماً إلاَّ وَجَدُوا عَلَيْهِ لَحْمَهُ يَوْمَ أُكِل، وَلا رَوْثَةً إلاَّ وَجَدُوا فِيها حَبَّها يَوْمَ أُكِلَتْ، فَلا يَسْتَنْقِيَنَّ أحَدٌ مِنْكُمْ إذَا خَرَجَ مِنَ الخَلاءِ بعَظْمٍ وَلا بَعْرَةٍ وَلا رَوْثَةٍ

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: أخبرنا أبو زُرْعة وهب بن راشد، قال: قال يونس، قال ابن شهاب: أخبرني أبو عثمان بن شبة الخزاعي، وكان من أهل الشام أن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهو بمكة:

مَنْ أَحَبَّ منْكُمْ أنْ يَحْضُرَ أمْرَ الجنّ اللَّيْلَةَ فَلْيَفْعَلْ. فلم يحضر منهم أحد غيري، قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة، خطّ لي برجله خطاً، ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن، فغشيته أسودة كبيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، حتى بقي منهم رهط، ففرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الفجر، فانطلق متبرّزاً، ثم أتاني فقال:ما فَعَلَ الرَّهْطُ؟ قلت: هم أولئك يا رسول الله، فأخذ عظماً أو روثاً أو جمجمة فأعطاهم إياه زاداً، ثم نهى أن يستطيب أحد بعظم أو روث.

حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثنا عمي عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي عثمان بن شبة الخزاعي، وكان من أهل الشأم، أن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله سواء، إلا أنه قال: فأعطاهم روثاً أو عظماً زاداً، ولم يذكر الجمجمة.

حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثني عمي، قال: أخبرني يونس، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، أن ابن مسعود، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

بِتُّ اللَّيْلَةَ أقْرأُ عَلى الجِنّ رُبُعاً بالحَجُونِ

واختلفوا في الموضع الذي تلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه القرآن، فقال عبد الله بن مسعود قرأ عليهم بالحَجون، وقد ذكرنا الرواية عنه بذلك.

وقال آخرون: قرأ عليهم بنخلة، وقد ذكرنا بعض من قال ذلك، ونذكر من لم نذكره.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا خلاد، عن زهير بن معاوية، عن جابر الجعفي، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النفر الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من جنّ نصيبين أتوه وهو بنخلة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَراً مِنَ الجِنّ} قال: لقيهم بنخلة ليلتئذ.

وقوله:{ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا} يقول تعالى ذكره: فلما حضروا القرآن ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ، قال بعضهم لبعض: أنصتوا لنستمع القرآن. كما:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن عاصم، عن زِرّ{ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا } قالوا: صَهْ.

قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن زِرّ بن حُبَيْش، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله:{ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا} قد علم القوم أنهم لن يعقلوا حتى ينصتوا.

وقوله:{ فَلَمَّا قُضِيَ } يقول: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من القراءة وتلاوة القرآن. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، فَلَمَّا قُضِيَ يقول: فلما فرغ من الصلاة {وَلّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ}. وقوله:{ وَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ } يقول: انصرفوا منذرين عذاب الله على الكفر به.

وذُكر عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلهم رسلاً إلى قومهم.

حدثنا بذلك أبو كُرَيب، قال: ثنا عبد الحميد الحِمَّانيّ، قال: ثنا النضر، عن عكرمة، عن ابن عباس. وهذا القول خلاف القول الذي رُوي عنه أنه قال: لم يكن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم علم أنهم استمعوا إليه وهو يقرأ القرآن، لأنه محال أن يرسلهم إلى آخرين إلا بعد علمه بمكانهم، إلا أن يقال: لم يعلم بمكانهم في حال استماعهم للقرآن، ثم علم بعد قبل انصرافهم إلى قومهم، فأرسلهم رسلاً حينئذٍ إلى قومهم، وليس ذلك في الخبر الذي روي.

قَالُوا۟ يَٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝٣٠

يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل هؤلاء الذين صُرفوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجن لقومهم لما انصرفوا إليهم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم:{ يا قَوْمَنا } من الجنّ {إنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ} كتاب {مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيَنَ يَدَيْهِ } يقول: يصدّق ما قبله من كتب الله التي أنزلها على رَسُله.

وقوله:{ يَهْدِي إلى الحَقِّ } يقول: يرشد إلى الصواب، ويدلّ على ما فيه لله رضاً {وَإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ } يقول: وإلى طريق لا اعوجاج فيه، وهو الإسلام. وكان قتادة يقول في ذلك ما:

حدثنا بشر، قال: ثنا سعيد عن قتادة أنه قرأ {قالُوا يا قَوْمَنا إنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَينَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وَإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ } فقال: ما أسرع ما عقل القوم، ذُكر لنا أنهم صُرِفوا إليه من نينوى.

يَٰقَوْمَنَآ أَجِيبُوا۟ دَاعِىَ ٱللَّهِ وَءَامِنُوا۟ بِهِۦ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ۝٣١ وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءُ أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٣٢

يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل هؤلاء النفر من الجنّ {يا قَوْمَنا} من الجنّ أجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ } قالوا: أجيبوا رسول الله محمداً إلى ما يدعوكم إليه من طاعة الله {وآمِنُوا بِهِ } يقول: وصدّقوه فيما جاءكم به وقومه من أمر الله ونهيه، وغير ذلك مما دعاكم إلى التصديق به{ يَغْفِرْ لَكُمْ } يقول: يتغمد لكم ربكم من ذنوبكم فيسترها لكم ولا يفضحكم بها في الآخرة بعقوبته إياكم عليها {ويُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } يقول: وينقذكم من عذاب موجع إذا أنتم تبتم من ذنوبكم، وأنبتم من كفركم إلى الإيمان بالله وبداعيه.

وقوله:{ وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأرْضِ } يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل هؤلاء النفر لقومهم: ومن لا يجب أيُّها القوم رسول الله صلى الله عليه وسلم محمداً، وداعيه إلى ما بعثه بالدعاء إليه من توحيده، والعمل بطاعته { فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأرْضِ } يقول: فليس بمعجز ربه بهربه، إذا أراد عقوبته على تكذيبه داعيه، وتركه تصديقه وإن ذهب في الأرض هارباً، لأنه حيث كان فهو في سلطانه وقبضته { وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أوْلِياءُ} يقول: وليس لمن لم يجب داعي الله من دون ربه نُصراء ينصرونه من الله إذا عاقبه ربه على كفره به وتكذيبه داعيه.

وقوله:{ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } يقول: هؤلاء الذين لم يجيبوا داعي الله فيصدّقوا به، وبما دعاهم إليه من توحيد الله، والعمل بطاعته في جور عن قصد السبيل، وأخذ على غير استقامة، {مبين}: يقول: يبين لمن تأمله أنه ضلال، وأخذ على غير قصد.

السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ