انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المرسلات

تفسير البغويالآيات 1–50

تفسير سورة المرسلات آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

وَٱلْمُرْسَلَٰتِ عُرْفًا ۝١ فَٱلْعَٰصِفَٰتِ عَصْفًا ۝٢ وَٱلنَّٰشِرَٰتِ نَشْرًا ۝٣ فَٱلْفَٰرِقَٰتِ فَرْقًا ۝٤

{وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً}, يعني الرياح أرسلت متتابعة كعرف الفرس. وقيل: عرفاً أي كثيراً تقول العرب: الناس إلى فلان عرف واحد، إذا توجهوا إليه فأكثروا، هذا معنى قول مجاهد وقتادة وقال مقاتل: يعني الملائكة التي أرسلت بالمعروف من أمر الله ونهيه، وهي رواية مسروق عن ابن مسعود.

{فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفاً}، يعني الرياح الشديدة الهبوب.

{وٱلنَّـٰشِرَٰتِ نَشْراً}، يعني الرياح اللينة. وقال الحسن: هي الرياح التي يرسلها الله بشراً بين يدي رحمته. وقيل: هي الرياح التي تنشر السحاب وتأتي بالمطر. وقال مقاتل: هم الملائكة ينشرون الكتب.

{فَٱلْفَـٰرِقَـٰتِ فَرْقاً}، قال ابن عباس, ومجاهد, والضحاك: يعني الملائكة تأتي بما يفرق بين الحق والباطل. وقال قتادة والحسن: هي آي القرآن تفرق بين الحلال والحرام. وروي عن مجاهد قال: هي الرياح تفرق السحاب وتبدده.

فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْرًا ۝٥ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ۝٦ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ ۝٧ فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ ۝٨ وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ ۝٩ وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ ۝١٠

{فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْراً}، يعني الملائكة تلقي الذكر إلى الأنبياء، نظيرها:

{ يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ }[غافر: 15].

{عُذْراً أَوْ نُذْراً}، أي للإعذار والإنذار، وقرأ الحسن "عُذُراً" بضم الذال واختلف فيه عن أبي بكر عن عاصم، وقراءة العامة بسكونها، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص "عذراً أو نذراً" ساكنة الذال فيهما، وقرأ الباقون بضمها، ومن سكَّن قال: لأنهما في موضع مصدرين بمعنى الإنذار والإعذار, وليسا بجمعٍ فينقلا وقال ابن كثير ونافع, وابن عامر, وأبو بكر عن عاصم ويعقوب برواية رويس بن حسان: "عذْراً" سكون الذال, و "نُذُراً" بضم الذال, وقرأ روح بالضم في العذر والنذر جميعاً, وهي قراءة الحسن, والوجه فيهما أن العذر والنذر بضمتين كالأُذُن والعُنِق هو الأصل ويجوز التخفيف فيهما كما يجوز التخفيف في العنق والأذن, يقال: عذْر ونذْر, وعذُر ونذُر, كما يقال: عُنْق وعُنُق, وأُذْن وأُذُن, والعذر والنذر مصدران بمعنى الإعذار والإنذار كالنكير والعذير والنذير, ويجوز أن يكونا جمعين لعذير ونذير, ويجوز أن يكون العذر جمع عاذر, كشارف وشُرُف, والمعنى في التحريك والتسكين واحد ما بينا إلى ها هنا أقسام. ذكرها على قوله: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ}، من أمر الساعة والبعث، {لواقع}، لكائن ثم ذكر متى يقع.

فقال: {فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ}، محي نورها.

{وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ}، شقت.

{وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ}، قلعت من أماكنها.

وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ ۝١١ لِأَىِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ۝١٢ لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ ۝١٣ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ۝١٤ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ۝١٥ أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلْأَوَّلِينَ ۝١٦ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلْـَٔاخِرِينَ ۝١٧ كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ ۝١٨ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ۝١٩ أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ۝٢٠ فَجَعَلْنَٰهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ ۝٢١ إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ ۝٢٢ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَٰدِرُونَ ۝٢٣ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ۝٢٤ أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ كِفَاتًا ۝٢٥ أَحْيَآءً وَأَمْوَٰتًا ۝٢٦ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ شَٰمِخَٰتٍ وَأَسْقَيْنَٰكُم مَّآءً فُرَاتًا ۝٢٧ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ۝٢٨ ٱنطَلِقُوٓا۟ إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ۝٢٩ ٱنطَلِقُوٓا۟ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِى ثَلَٰثِ شُعَبٍ ۝٣٠ لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِى مِنَ ٱللَّهَبِ ۝٣١ إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ ۝٣٢

{وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ}، قرأ أهل البصرة "وقتت" بالواو، وقرأ أبو جعفر بالواو وتخفيف القاف، وقرأ الآخرون بالألف وتشديد القاف، وهما لغتان. والعرب تعاقبت بين الواو والهمزة كقولهم: وكَّدت وأكدت، ورَّخت وأرخت، ومعناهما: جمعت لميقات يوم معلوم، وهو يوم القيامة ليشهدوا على الأمم.

{لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ}، أي أخرت، وضرب الأجل لجمعهم فعجّب العباد من ذلك اليوم, ثم بيّن فقال: {لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يوم يفصل الرحمن عز وجل بين الخلائق.

{وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ}، يعني الأمم الماضية بالعذاب في الدنيا حين كذبوا رسلهم.

{ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلأَخِرِينَ}، السالكين سبيلهم في الكفر والتكذيب يعني كفار مكة بتكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم.

{كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ}، يعني النطفة.

{فَجَعَلْنَـٰهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ}، يعني الرحم.

{إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ} وهو وقت الولادة.

{فَقَدَرْنَا}, قرأ أهل المدينة والكسائي: "فقدَّرنا" بالتشديد من التقدير، وقرأ الآخرون بالتخفيف من القدرة، لقوله: "فنعم القادرون"، وقيل: معناهما واحد، وقوله: {فَنِعْمَ ٱلْقَـٰدِرُونَ}، أي المقدّرون.

{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً} وعاءً، ومعنى الكَفْت: الضم والجمع، يقال: كفت الشيء: إذا ضمه وجمعه. وقال الفرَّاء: يريد تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم, وتكفتهم أمواتاً في بطنها, أي: تحوزهم.

وهو قوله: {أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً * وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ}, جبالاً {شَـٰمِخَـٰتٍ}, عاليات، {وَأَسْقَيْنَـٰكُم مَّآءً فُرَاتاً}, عذباً.

{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} قال مقاتل: وهذا كله أعجب من البعث, ثم أخبر أنه يقال لهم يوم القيامة.

{ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} في الدنيا.

{ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِى ثَلَـٰثِ شُعَبٍ}, يعني دخان جهنم إذا ارتفع انشعب وافترق ثلاث فرق. وقيل: يخرج عنق من النار فيتشعب ثلاث شعب, أما النور فيقف على رؤوس المؤمنين، والدخان يقف على رؤوس المنافقين، واللهب الصافي يقف على رؤوس الكافرين.

ثم وصف ذلك الظل فقال عز وجل: {لاَّ ظَلِيلٍ} لا يظل من الحر، {وَلاَ يُغْنِى مِنَ ٱللَّهَبِ}, قال الكلبي: لا يرد لهب جهنم عنكم، والمعنى أنهم إذا استظلوا بذلك الظل لم يدفع عنهم حر اللهب.

{إِنَّها}، يعني جهنم، {تَرْمِى بشَرَرٍ}، وهو ما تطاير من النار، واحدها شررة، {كَٱلْقَصْرِ}، وهو البناء العظيم، قال ابن مسعود: يعني الحصون.

وقال عبد الرحمن بن عياش سألت ابن عباس عن قوله: {إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ} قال: هي الخشب العظام المقطعة، وكنا نعمد إلى الخشب فنقطعها ثلاثة أذرع وفوق ذلك ودونه ندخرها للشتاء، فكنا نسميها القصر.

وقال سعيد بن جبير, والضحاك: هي أصول النخل والشجر العظام، واحدتها قصرة، مثل تمرة وتمر، وجمرة وجمر. وقرأ علي وابن عباس "كالقصر" بفتح الصاد، أي أعناق النخل، والقصرة العنق، وجمعها قصر وقصرات.

كَأَنَّهُۥ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ ۝٣٣ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ۝٣٤ هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ ۝٣٥ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ۝٣٦ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ۝٣٧ هَٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلْأَوَّلِينَ ۝٣٨ فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ ۝٣٩ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ۝٤٠ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى ظِلَٰلٍ وَعُيُونٍ ۝٤١ وَفَوَٰكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ۝٤٢ كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ هَنِيٓـًٔۢا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٤٣ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٤٤ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ۝٤٥ كُلُوا۟ وَتَمَتَّعُوا۟ قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ ۝٤٦ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ۝٤٧ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُوا۟ لَا يَرْكَعُونَ ۝٤٨ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ۝٤٩ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَهُۥ يُؤْمِنُونَ ۝٥٠

{كَأَنَّهُ} رد الكناية إلى اللفظ، {جِمَالَةٌ}، قرأ حمزة والكسائي وحفص: "جمالة" على جمع الجمل, مثل حجر وحجارة، وقرأ يعقوب بضم الجيم بلا ألف, أراد: الأشياء العظام المجموعة، وقرأ الآخرون: "جمالات" بالألف وكسر الجيم على جمع الجمال، وقال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير: هي حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض، حتى تكون كأوساط الرجال، {صُفْرٌ}، جمع الأصفر، يعني لون النار. وقيل: "الصفر" معناه: السود, لأنه جاء في الحديث أن شرر نار جهنم أسود كالقير, والعرب تسمي سود الإبل صفراً لأنه يشوب سوادها شيء من صفرة كما يقال لبيض الظباء: أدم, لأن بياضها يعلوه كدرة.

{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ}، وفي القيامة مواقف، ففي بعضها يختصمون ويتكلمون, وفي بعضها يختم على أفواههم فلا ينطقون.

{وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ}، رفع عطف على قوله: "يؤذن", قال الجنيد: أي لا عذر لمن أعرض عن مُنْعِمهِ وكفر بأياديه ونِعَمِه.

{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ}، بين أهل الجنة والنار، {جَمَعْنَاكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ}، يعني مكذبي هذه الأمة والأولين الذين كذبوا أنبياءهم.

{فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ}، قال مقاتل: إن كانت لكم حيلة فاحتالوا لأنفسكم.

{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى ظِلَـٰلٍ}، جمع ظل أي في ظلال الشجر، {وَعُيُونٍ}, الماء.

{وَفَوَٰكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ }.

ويقال لهم: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، في الدنيا بطاعتي.

{إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ}.

ثم قال لكفار مكة: {كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً}، في الدنيا، {إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ}, مشركون بالله عزّ وجلّ مستحقون للعذاب.

{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * إذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ} صلُّوا, {لاَ يَرْكَعُونَ}, لا يصلُّون، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنما يقال لهم هذا يوم القيامة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون.

{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ} بعد القرآن، {يُؤْمِنُونَ}, إذا لم يؤمنوا به.

السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ