انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير البغويالآيات 172–176

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير البغوي.

لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ۝١٧٢

قوله تعالى: {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ}،

"وذلك أنّ وفد نجران قالوا: يا محمد إنك تعيب صاحبنا فتقول: إنه عبد الله، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «إنّه ليس بعار لعيسى عليه السلام أن يكونَ عبدَاً لله»"، فنزل: {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ} لن يأنف ولن يتعظم، والاستنكاف: التكبر مع الأنَفة، {وَلاَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ}، وهم حملة العرش، لا يأنفون أن يكونوا عبيداً لله، ويستدل بهذه الآية من يقول بتفضيل الملائكة على البشر، لأن الله تعالى ارتقى من عيسى إلى الملائكة، ولا يُرْتقَى إلا إلى الأعلى، لا يقال: لا يستنكف فلان من هذا ولا عبده، إنّما يقال: فلان لا يستنكف من هذا ولا مولاه، ولا حجة لهم فيه لأنه لم يقل ذلك رفعاً لمقامهم على مقام البشر، بل ردَّاً على الذين يقولون الملائكة آلهة، كما ردّ على النصارى قولَهم المسيح ابن الله، وقال ردّاً على النصارى بزعمهم، فإنهم يقولون بتفضيل الملائكة. قوله تعالى: {وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً}، قيل: الاستنكاف هو التكبر مع الأنفة، والاستكبار: هو العلو والتكبر من غير أنَفة.

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِۦ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُوا۟ وَٱسْتَكْبَرُوا۟ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ۝١٧٣ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَٰنٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا ۝١٧٤

{فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ}، من التضعيف ما لا عينٌ رأت ولا أُذنٌ سمعتْ ولا خطرَ على قلب بشر، {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ}، عن عبادته، {فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً ألِيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}.

قوله عزّ وجلّ: {يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ}، يعني: محمداً صلّى الله عليه وسلم، هذا قول أكثر المفسرين، وقيل: هو القرآن، والبرهانُ: الحُجَّة، {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً}، مبيناً يعني القرآن.

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِهِۦ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا ۝١٧٥ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَٰلَةِ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ ۝١٧٦

{فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ}، امتنعوا به من زيغ الشيطان، {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ}، يعني الجنّة، {وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَٰطاً مُّسْتَقِيماً}.

قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ} نزلت في جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: عادني رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصبَّ عليَّ من وضوئه، فعقلتُ فقلتُ: يا رسول الله لمن الميراث إنما يرثني الكَلاَلة؟ فنزلت «يستفتُونَك قلِ اللّهُ يُفتيكُمْ في الكَلاَلَة»، وقد ذُكرنا معنى الكَلالَة وحكم الآية في أوّل السورة.

وفي هذه الآية بيان حكم ميراث الأخوة للأب والأم أو للأب.

قوله

{يَسْتَفْتُونَكَ} أي: يستخبرُونَكَ ويسألونَك، {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ}، {إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ}، يعني إذا ماتت الأخت فجميع ميراثها للأخ، {إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ} فإن كان لها ابنٌ فلا شيء للأخ، وإنْ كان ولدها أنثى فللأخ ما فَضُلَ عن فرض البنات، {فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ}، أراد اثنتين فصاعداً، وهو أنّ ما مات وله أخوات فلهنّ الثلثان، {وَإِن كَانُوۤاْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنثَيَيْنِ}، {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ}، قال الفراء رحمة الله عليه وأبو عبيدة: معناه أن لا تضلوا، وقيل: معناه يبيّن اللّهُ لكم كراهة أن تضلّوا، {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ }.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبد الله بن رجاء أنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنهم قال: آخرُ سورةٍ نزلتْ كاملَة براءة، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء (يستفتونَكَ قُلِ اللّهُ يُفتيكُم في الكَلاَلة).

ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ آخر آيةٍ نزلتْ آيةُ الرِّبا، وآخر سورة نزلت (إذا جاء نصر الله والفتح).

وروي عنه أن آخر آية نزلت قوله تعالى:

{ وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ } } [البقرة: 281].

ورُوي بعدما نزلت سورة النصر عاشَ النبي صلّى الله عليه وسلم عاماً، ونزلت بعدها سورة براءة وهي آخر سورة نزلت كاملةً فعاش النبي صلّى الله عليه وسلم بعدها ستة أشهر، ثم نزلت في طريق حجة الوداع "يستفتونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفتيكُم في الكَلالَة" فسُميتْ آية الصيف، ثم نزلت وهو واقف بعرفة:

{ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى }[المائدة: 3] فعاش بعدها أحداً وثمانين يوماً، ثم نزلت آيات الرِّبا، ثم نزلت"واتّقُوا يوماً تُرجَعُونَ فيهِ إلى اللّهِ" فعاش بعدها أحداً وعشرين يوماً.
الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ